
هل عانيت أنت أو أي شخص تعرفه آلام الظهر، سيما آلام أسفل الظهر؟ الإجابة عن هذا السؤال هي بالقطع «نعم».
يقول سكوت شيهان، اختصاصي العلاج الطبيعي في مركز «سبولدينغ» لإعادة التأهيل التابع لجامعة هارفارد: «تُعد آلام أسفل الظهر واحدة من أكثر الشكاوى العضلية الهيكلية musculoskeletal شيوعاً». ويضيف: «في أغلب الأحيان تكون هذه الآلام نتيجة لوضعية الجلوس الخاطئة، أو لغياب معايير السلامة والصحة المهنية في بيئة العمل، أو لأنماط الحركة غير المعتادة». وفي حالات أقل شيوعاً، قد تنجم آلام أسفل الظهر عن حالة صحية خطيرة مثل العدوى، أو السرطان، أو الكسور.
وبقطع النظر عما يسبب ألم ظهرك، لا تتجاهل الأمر ببساطة. فعندما يستمر الشعور بعدم الراحة، فإن معالجة المشكلة الأساسية يمكن أن تساعد في منع تحول المشكلة قصيرة الأجل إلى مشكلة طويلة الأجل تصبح معالجتها أكثر صعوبة.
تشريح معقد
غالباً ما يتصور الناس العمود الفقري على أنه مجرد سلسلة متراصة من العظام الصغيرة (الفقرات)، غير أنه يتجاوز ذلك بكثير؛ إذ تتلاقى نتوءات مدببة في الجزء الخلفي من كل فقرة مع نتوءات أخرى على الفقرة التي تعلوها والفقرة التي تليها، مكونة مفاصل صغيرة (المفاصل الوجيهية facet joints). وتتيح هذه المفاصل القدرة على الحركة مع منع الحركة المفرطة. وتستقر فواصل ماصة للصدمات (الأقراص discs) بين الفقرات وبعضها بعضاً. بينما تربط حزم من الأنسجة (الأربطة) ligaments العظام ببعضها بعضاً؛ ما يمنح العمود الفقري الاستقرار والتوازن. وتعمل طبقات من العضلات المرتبطة بالفقرات عبر الأوتار على تمكين العمود الفقري من الحركة، والانحناء، والالتواء، والتمدد، فضلا عن دعم العمود الفقري وتقويته.
ويمتد النخاع الشوكي عبر داخل العمود الفقري. وتخرج الأعصاب، التي تنقل الإشارات من وإلى الدماغ عبر النخاع الشوكي، من خلال فتحات بين العظام لتمتد إلى أجزاء الجسم كافة.
ويقول شيهان: «يوفر الجرزء السفلي من العمود الفقري الذي يُعرف بالفقرات القطنية lumbar spine، القاعدة التي نحرك أجسادنا من خلالها». ويضيف: «ونظراً لتشابهه وتعقيده البنيوي؛ فإن هناك مساحة كبيرة لحدوث الخلل والاعتلالات».
الأسباب الميكانيكية
تنشأ أغلب آلام أسفل الظهر عن الضغوط والإجهاد الواقع على الأقراص بين الفقرات والمفاصل الوجيهية. فقد تقضي وقتاً طويلاً في العمل بالحديقة أو تنظيف المنزل، أو ربما ترفع شيئاً ثقيلاً للغاية أو تتلوى باتجاه خاطئ؛ وفجأة، تشعر بألم حاد في أسفل ظهرك. أو ربما لا تلاحظ أي مشكلة حتى اليوم التالي، عندما تجعل التشنجات العضلية والتصلب من الحركة أمراً مؤلماً.
كما يمكن لوضعية الجسد الخاطئة والجلوس لفترات طويلة أن يتسببا في ألم الظهر. وفي هذا الصدد، يقول شيهان: «إن هذه العوامل تضع إجهاداً إضافياً على الفقرات القطنية والعضلات المحيطة بها؛ وهو ما يسفر غالباً عن شعور بالانزعاج الخفيف».
علاوة على ذلك، فإن اختلال التوازن العضلي - مثل ضعف عضلات الجذع (التي تشمل عضلات البطن، والظهر، والجانبين، والحوض، والأرداف) المقترن بشدّ في العضلات القابضة للورك hip flexors (العضلات الموجودة في الجزء الأمامي من الوركين) أو العضلات المأبضية hamstrings (العضلات الموجودة في الجزء الخلفي من الفخذين) - يمكن أن يغير من استقامة العمود الفقري وتراصفه. ويؤدي هذا إلى زيادة الضغط على أسفل الظهر؛ ما قد يقود إلى الألم والإصابة.
تدهور العمود الفقري مع التقدم في العمرتنجم آلام الظهر أيضاً عن التأثيرات الطبيعية للتقدم في العمر؛ إذ يعاني الجميع قدراً ما من تدهور الأقراص بين الفقرات. فعندما نكون صغاراً، تحتوي الأقراص على نسبة عالية من الماء، ولكن مع تقدمنا في العمر، تتناقص هذه النسبة. ويقول شيهان: «إن جفاف الأقراص يحفز سلسلة متعاقبة من التطورات».
وتصبح الأقراص أكثر رقة وأقل سمكاً؛ ما يقلل المسافة بين الفقرات ويقصر طول العمود الفقري. ويؤدي ذلك إلى تضييق الفتحات التي تخرج منها الأعصاب من القناة الشوكية؛ وهو ما قد يضغط على أحد الأعصاب. أو ربما يتمزق القرص بالفعل ويضغط على الأعصاب المجاورة، مسبباً عِرق النسا sciatica أو مشكلات عصبية أخرى.
ومع انخفاض ارتفاع القرص، تتزايد الأحمال الواقعة على المفاصل الوجيهية؛ ما قد يؤدي إلى الإصابة بالتهاب المفاصل العظمية osteoarthritis. كما أن الأربطة، التي تتمدد عادة لتناسب المسافة الدقيقة بين الفقرات، تصبح مرتخية عندما تتسطح الأقراص. ويؤدي فقدان الشد في الأربطة إلى جعل الفقرات أقل استقراراً؛ ما يسمح لها بالتحرك والانزياح قليلاً إلى الأمام والخلف. ومع مرور الوقت، تضيف هذه الحركة الصغيرة ولكن المكررة إجهاداً إضافياً على المفاصل الوجيهية، وقد تتسبب في تشكل النتوءات العظمية osteophytes (الزوائد العظمية).

لماذا لا ينبغي عليك الانتظار؟
عندما تعاني آلام الظهر، يحاول جسمك تلقائياً حماية المنطقة المصابة بالألم. ويمكن لهذا الفعل المنعكس الوقائي أن يجعل العضلات المجاورة أقل نشاطاً، وهي عملية تُعرف باسم التثبيط الانعكاسي. وفي منطقة أسفل الظهر، يكتسب هذا الأمر أهمية خاصة بالنسبة لعضلة رئيسية مسؤولة عن الاستقرار، تُسمى العضلة القطنية متعددة الفروع lumbar multifidus.
وإذا استمر الألم لفترة طويلة، فقد تضعف العضلة وتتعرض في النهاية للضمور، حيث تحلّ الدهون محل الأنسجة العضلية السليمة. وبمجرد حدوث ذلك، لن تنمو العضلة من جديد. ومع ضعف الدعم العضلي، يصبح العمود الفقري أقل استقراراً؛ ما يجعل الإصابات المستقبلية وآلام الظهر المزمنة أكثر احتمالاً.
يقول شيهان: «لمنع حدوث ذلك، أوصي بشدة بطلب الرعاية الطبية مبكراً لعلاج آلام أسفل الظهر، لا سيما إذا كان الألم شديداً، أو إذا كنت تعاني ألماً يمتد وينتشر من ظهرك إلى أي مكان في الأرداف أو الساقين، أو إذا كنت تعاني ضعفاً».
وتغطي العضلة متعددة الفروع العمود الفقري بأكمله، في حين يلعب الجزء السفلي منها (والذي يُسمى العضلة القطنية متعددة الفروع) دوراً مهماً في تثبيت العمود الفقري ودعمه.
تخفيف آلام أسفل الظهر
ينبغي أن يُوجه العلاج الأولي لآلام الظهر نحو السبب المحدد للعلة (إذا أمكن تحديده). وبخلاف ذلك، غالباً ما يكون من المفيد تناول مسكنات الآلام التي تُصرف دون وصفة طبية، واستخدام الكمادات الدافئة لتهدئة العضلات، والكمادات الباردة لتخفيف الالتهابات.
ويُشكل العلاج الطبيعي الدعامة الأساسية لعلاج أغلب آلام الظهر؛ إذ يتضمن تمارين تساعد ظهرك على التعافي وتقيك من التعرض لمزيد من الإصابات. وقد يستخدم اختصاصي العلاج الطبيعي تقنيات يدوية مثل تحريك المفاصل وتقويمها لتخفيف الألم؛ ما يسهل عليك أداء التمارين التي تُعزز استقرار العمود الفقري وتوازنه. كما يستطيع اختصاصي العلاج الطبيعي إرشادك إلى طرق أفضل للحركة وضبط وضعية جسدك لتقليل الضغط والإجهاد الواقعين على العمود الفقري.
• تمرين إطالة لآلام أسفل الظهر. ينبغي تصميم تمارين الإطالة والتمارين الرياضية Stretches and exercises بأسلوب فردي يناسب كل شخص؛ إذ تختلف الخيارات الأفضل باختلاف السبب وراء المشكلة. ومع ذلك، يمكن لمعظم الأشخاص الاستفادة من تمارين تخفيف الضغط، والتي ترفع العبء عن المفاصل والأقراص بين الفقرات. وإليك مثالاً على ذلك:
• تمرين ضم الركبتين إلى الصدر:
1. استلقِ على ظهرك مع بسط ساقيك.
2. اثنِ ركبتيك ببطء، ثم أمسك بالجزء الخلفي من فخذيك واسحب ركبتيك برفق نحو صدرك حتى تشعر بالإطالة في ظهرك.
3. اثبت على هذا الوضع لمدة 10 ثوان، ثم عد إلى وضع البداية واسترخِ لمدة 10 ثوان.
4. كرر التمرين مرات عدة على مدار اليوم حسب قدرتك على التحمل.
* رسالة هارفارد «مراقبة صحة الرجل» - خدمات «تريبيون ميديا»

