بعد اغتيال أبرز قادة المجلس العسكري لـ«كتائب القسام»، الجناح المسلح لحركة «حماس»، خلال الحرب على قطاع غزة، انتقلت إسرائيل لاستهداف الصف الثاني من قادة الكتائب بعدما أصبحوا هم من يديرون العمل العسكري في القطاع.
وخلال الأسبوع المنصرم، اغتالت إسرائيل قائديْ لواءي خان يونس ورفح في غارتين منفصلتين بمواصي خان يونس جنوب قطاع غزة، وهما محمد اليازوري ونائل أبو عبيد، اللذان يعدّان من أبرز قيادات «القسام» في المنطقة الجنوبية.
وكان اليازوري قد تولى مسؤولية لواء خان يونس بعد فترة قصيرة من مقتل القياديَّين، عز الدين الحداد ومحمد عودة، اللذين اغتيلا بفارق لم يتجاوز عشرة أيام في مايو (أيار) الماضي. وقد قُتل برفقته، حذيفة أبو معمر، أحد المهندسين في «كتائب القسام»، والذي كان مسؤولاً عن تطوير قدراتها العسكرية ومقرباً من قياداتها البارزة.
أما أبو عبيد، فقد تولى قيادة لواء رفح بعد اغتيال محمد شبانة في مايو 2025، حين قصفت إسرائيل نفقاً بخان يونس كان فيه برفقة محمد السنوار القائد العام لـ«القسام»، الذي خلف بدوره محمد الضيف بعد اغتياله أيضاً في قصف في 13 يوليو (تموز) 2024، وبرفقته رافع سلامة قائد لواء خان يونس السابق.
ومن الملاحظ أن حركة «حماس» وجناحها المسلح باتا يكتفيان بنعي القيادات، دون أن تحمل البيانات أي لغة تهديد بالرد كما كان يحدث خلال الحرب وقبلها.
وبينما يرى مراقبون أن «حماس» أصابها الوهن، وأصبحت لا تستطيع الرد عسكرياً، يقول آخرون إنها فقط لا ترغب في جر إسرائيل لردود فعل أشد وطأة أو إعطائها ذريعة لاستئناف الحرب.
الإعلام الإسرائيلي
تتحدث وسائل الإعلام العبرية عن عدم قدرة «حماس» على الرد. وذكرت «القناة 12» أن الحركة تخشى رد فعل إسرائيل ولا تنوي الرد على الاغتيالات، «وباتت تدرك أن اليد العليا للجيش الإسرائيلي في ساحة المعركة».
فيما نقلت صحيفة «هآرتس» عن مسؤول رفيع سابق في الأجهزة الأمنية الفلسطينية بقطاع غزة قوله إن «حماس» لم تعد قادرة على العمل بحرية للرد على اغتيال قياداتها البارزة، وإن بوادر ذلك بدأت تظهر حتى قبل وقف إطلاق النار في أكتوبر (تشرين الأول) 2025، مشيراً إلى أن إطلاق الصواريخ من غزة باتجاه إسرائيل كاد يكون «منعدماً» خلال الأشهر الأخيرة من الحرب، ولم تكن هناك عمليات عسكرية كبيرة.

ونسبت جريدة «يديعوت أحرونوت» إلى رئيس أركان الجيش الإسرائيلي، إيال زامير، قوله خلال مداولات أمنية مغلقة بحضور رئيس حكومته بنيامين نتنياهو ووزير الدفاع يسرائيل كاتس، إن حركة «حماس» انهزمت، وإن إسرائيل حسمت المواجهة؛ في حين حذَّر مسؤول في شعبة الاستخبارات العسكرية من أنها لا تزال تشكل تهديداً وتسعى إلى استعادة قدراتها وحكمها.
وقال كاتس إن «حماس» باتت تواجه «واقعاً استراتيجياً صعباً»، مضيفاً أن إسرائيل «ستواصل العمل لإنجاز أهدافها الأمنية وضمان عدم تكرار تهديد 7 أكتوبر»، مضيفاً: «لقد أحبطنا قادة (حماس) داخل وخارج غزة وحتى في إيران. لن نسمح لإيران أو لأي طرف آخر بتسليح (حماس) مرة أخرى».
أولويات الحركة
غير أن أربعة مصادر في «حماس»، منها مصدر سياسي بالخارج وآخر من غزة ومصدران ميدانيان بالقطاع، أكدوا جميعاً لـ«الشرق الأوسط»، في إفادات منفصلة، أن هناك أولويات لدى الحركة وجناحها المسلح تتمثل بشكل أساسي في حرمان إسرائيل من أي ذريعة لاستغلال الوضع واستئناف الحرب.
وصرَّح المصدر السياسي بالخارج بأن هناك «قراراً واضحاً بعدم الرد على أي اغتيالات كانت؛ لأن إسرائيل ما ترغب به هو رد فعل يمنح مصداقية لروايتها التي تدَّعي أن هناك سلاحاً حقيقياً يؤثر عليها داخل قطاع غزة ويجب نزعه بالقوة».
فيما قال المصدر الآخر من غزة إن «حماس» لا تريد أن تجر سكان القطاع إلى الحرب مجدداً، لذا فإن هناك تفاهمات فصائلية واسعة على ضرورة تجنب تنفيذ أي أعمال قد توصف بأنها «استفزازية»، ما قد يجر رداً إسرائيلياً غير محسوب.

ويؤكد المصدران أن الحركة ملتزمة بشروط اتفاق وقف إطلاق النار الذي تم التوصل إليه العام الماضي، وكذلك بالتفاهمات مع «مجلس السلام» بشأن المرحلة الثانية، مؤكدين أن المشكلة هي عند إسرائيل التي تواصل خروقاتها وترفض الالتزام بأي اتفاق.
وقالا إن هناك قراراً داخل «حماس»، وبتنسيق مع الفصائل، على ضرورة المضي بالاتفاق بما يضمن ويشمل تسليم الحكم للجنة الوطنية لإدارة غزة، وبما يضمن حصر السلاح عبرها فقط وليس من خلال حصره بيد إسرائيل أو الولايات المتحدة. وأشارا إلى أن عرقلة إسرائيل للاتفاق تمنع البدء بعملية الحصر، وأنها لا تزال تعرقل دخول اللجنة للقطاع لمباشرة مهامها.
أما المصدران الميدانيان فقالا إن لدى «حماس» والفصائل إمكانيات يمكن وصفها بأنها «محدودة» مثل الأسلحة الخفيفة والعبوات الناسفة والقذائف المضادة للآليات، يمكن أن تنفذ من خلالها هجمات؛ لكن القرار المتخذ في أوساط القيادتين السياسية والعسكرية هو الحفاظ على الهدوء ما أمكن، والاستعداد لأي عمليات دفاعية فقط وليست هجومية.

وبحسب أحد المصادر، فإن الأمر لا يتعلق بالخوف من مواجهة الإسرائيليين بقدر ما يتعلق بالحفاظ على حياة السكان، ووقف أي محاولات من إسرائيل لاستغلال ذلك لتهجير الفلسطينيين وإجبارهم على النزوح من منطقة لأخرى، وتدمير مزيد من المنازل التي ما زالت قائمة بالقطاع.
وأضاف: «الاعتقاد السائد في إسرائيل بأن (حماس) انهزمت مجرد شعار لا قيمة له على أرض الواقع»، مؤكداً أن الحركة «تُفضِّل تجنيب سكان القطاع ويلات الحرب على أن تُثبت فشل هذا الشعار من خلال أي هجوم لا أهمية لنتائجه في الوقت الحالي».
انتقادات «مجلس السلام»
وفي سياق متصل، نقلت قناة (آي 24 نيوز) العبرية عن مصدر مسؤول في «مجلس السلام» انتقاده استراتيجية إسرائيل الحالية بغزة، والمتمثلة في اغتيال القيادات مع بقاء عناصر مسلحة واستمرار حكم «حماس».
ونسبت القناة إلى المصدر قوله إن «مجلس السلام» يسعى لتفكيك «حماس» والقضاء عليها بالكامل، في حين تقتل إسرائيل نشطاء دون أن تقضي على الحركة نفسها.
وقال المصدر المسؤول إن سياسة إسرائيل تماثل ما كان سائداً قبل السابع من أكتوبر 2023، وإن السبيل لتحقيق هدف تفكيك الحركة هو 14 يوماً من الهدوء - باستثناء الإجراءات اللازمة لمواجهة التهديدات المباشرة - وتعاون الحكومة الإسرائيلية الكامل في جميع الخطوات التحضيرية واللوجستية المطلوبة لنزع السلاح طوعاً، والالتزام بالمهلة التي حددها «مجلس السلام» لوقف الهجمات من أجل الاتفاق على جدول زمني لبدء عملية حصر السلاح، كما كان متفقاً عليه في القاهرة.
وأضاف: «إذا بدأت (حماس) بتفكيك نفسها بسرعة وقدمت جميع إحداثيات الأنفاق، فسيكون ذلك ممتازاً. أما إذا لم تنزع سلاحها، فسيحصل الجيش الإسرائيلي على دعم دولي للقيام بذلك بالقوة».








