موسكو تُصعِّد لهجتها ضد «الانخراط الأوروبي» في الحرب وترحِّب بـ«هدنة الطاقة»

أوكرانيا تخسر منفذاً مهماً على البحر الأسود... وكيم واثق من انتصار بوتين في «حرب مقدسة»

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يترأس اجتماعاً في موسكو يوم 15 سبتمبر 2026 (أ.ف.ب)
الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يترأس اجتماعاً في موسكو يوم 15 سبتمبر 2026 (أ.ف.ب)
TT

موسكو تُصعِّد لهجتها ضد «الانخراط الأوروبي» في الحرب وترحِّب بـ«هدنة الطاقة»

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يترأس اجتماعاً في موسكو يوم 15 سبتمبر 2026 (أ.ف.ب)
الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يترأس اجتماعاً في موسكو يوم 15 سبتمبر 2026 (أ.ف.ب)

​حمل تأييد الكرملين موقف الرئيس الأميركي دونالد ترمب، حول فرض هدنة في مجال الطاقة، إشارة إلى رغبة روسية في توسيع الحوارات مع واشنطن، رغم أن موسكو ألمحت إلى مطالب أوسع في هذا الشأن، من خلال التركيز على «المفتاح الحقيقي» لاستقرار أسواق الطاقة. وفي مقابل التأكيد على الانفتاح على الحوار، شدَّدت موسكو لهجتها تجاه الأوروبيين، بالتوازي مع توسيع نطاق العمليات العسكرية على كل خطوط التماس في جنوب وشرق أوكرانيا.

المفتاح الحقيقي

وردَّ الناطق باسم الكرملين، دميتري بيسكوف، على تصريحات ترمب بشأن التوصل إلى «هدنة في مجال الطاقة» بين روسيا وأوكرانيا، بشكل موارب. فهو من جانب أعلن استعداد بلاده لمواصلة بحث هذا الاقتراح مع الإدارة الأميركية، ولكنه وضع مطالب محددة لتطوير الاقتراح الأميركي.

وأكد بيسكوف أن موسكو «منفتحة على الحلول السلمية، وتتواصل مع الجانب الأميركي»، مشدداً في الوقت ذاته على أن «رفع العقوبات الغربية وضمان سلامة الملاحة البحرية هما المفتاح الحقيقي لإشباع السوق العالمية، وخفض أسعار الطاقة».

وزيرا الخارجية الأميركي ماركو روبيو والروسي سيرغي لافروف قبيل مؤتمر ترمب وبوتين الصحافي في أنكوريج يوم 15 أغسطس 2025 (أ.ف.ب)

وكان ترمب قد أعلن التوصل إلى «هدنة في مجال الطاقة»، وأكد أن الجانب الأوكراني استجاب لطلب واشنطن وقف استهداف منشآت البنى التحتية للطاقة.

وأشار بيسكوف إلى أن موسكو اطَّلعت على تصريحات ترمب وتعتبرها «فكرة جيدة»، لافتاً إلى أن بلاده ترغب في استمرار التواصل مع الجانب الأميركي في هذا الصدد. وأوضح المتحدث الرئاسي أن «ضمان العمل الآمن لمصافي التكرير لا يحل المشكلات العالمية بمفرده؛ لأن المشكلة الأساسية تكمن في التصدير».

وأكد أن روسيا قادرة على تلبية احتياجات سوقها المحلية بالكامل، وهي تعمل بالفعل على ذلك من خلال إجراءات شاملة لتأمين منشآت الطاقة، ولكن إشباع السوق العالمية يتطلب أمراً حاسماً؛ وهو «ضمان الملاحة البحرية الآمنة».

«عدوان قانوني»

في السياق ذاته، أكَّد وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف أن بلاده مستعدة دائماً للمفاوضات بشأن أوكرانيا، وأنها «لم تَسْعَ قطّ إلى تأخيرها ولا تعقيدها».

وأضاف لافروف، خلال اجتماع مع السفراء مخصص لتسوية الوضع حول أوكرانيا: «نحن مستعدون دائماً للمفاوضات. لم نؤخر هذه المفاوضات يوماً، ولم نحاول تعقيدها ولم نغير موقفنا ولو مرة واحدة منذ بدء العملية العسكرية الخاصة، وبعد الإعلان عن الأهداف التي حددناها لأنفسنا».

وأوضح أن موسكو مستعدة، في إطار هذا الموقف، للبحث عن «حلول وسط معقولة»، ولكنها تتمسك من حيث المبدأ بالمهام التي حددتها، والمتمثلة في «ضمان أمنها، ومنع ظهور (الناتو) على حدودها، وضمان الحقوق القانونية للروس والناطقين بالروسية الذين عاشوا قروناً على هذه الأراضي».

رغم ذلك، صعَّد لافروف لهجته تجاه الأوروبيين، وقال إن بلاده تتعرض لما وصفه بـ«العدوان القانوني» منذ زمن طويل، وإن هذا النوع من الاستهداف تحول منذ عام 2014 إلى نهج منظم ومستمر. وأوضح أن «العدوان القانوني عبر الاتهامات والقضايا وليس العدوان العسكري فحسب، له تاريخ طويل ضد روسيا. في السابق كانت المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان تُستخدم بانتظام في هذا الإطار، حتى قبل كل الأحداث الأوكرانية. ولكن منذ عام 2014 اكتسب هذا العدوان طابعاً ممنهجاً».

وأشار وزير الخارجية الروسي إلى أن الأمر بدأ بـ«محاولة نزع الشرعية عن الخيار التاريخي الذي اتخذته شعوب القرم ودونباس ونوفوروسيا، وهو خيار تم اتخاذه بما يتوافق تماماً مع القانون الدولي ومبدأ تقرير المصير». وأضاف أن نظام كييف اتهم روسيا أيضاً بما زُعم أنه «تمويل للإرهاب في دونباس» وممارسة التمييز العنصري ضد تتار القرم والأوكرانيين في القرم.

وشدد لافروف على أن هذه القضية نظرت فيها محكمة العدل الدولية منذ عام 2017 على مدى 8 سنوات، وتضمنت عشرات آلاف الصفحات من المواد، ولكن «رغم كل هذه الجهود، فشلت الدعوى بالكامل، سواء في جزء تمويل الإرهاب أو فيما يتعلق بالتمييز».

ومع إدانته التحركات الأوروبية المتواصلة، قال لافروف إن «بعض الدول الأوروبية تدعو روسيا دورياً إلى إنشاء قنوات اتصال غير علنية». وزاد: «لم ترفض موسكو قط مثل هذه الاتصالات، ولكن لم يُكشَف في هذه الاتصالات السرية عبر القنوات الخلفية عن أي جديد مقارنة بالتصريحات العلنية».

وأكد أن القتال كان من الممكن أن ينتهي منذ زمن طويل، لو لم يعرقل الأوروبيون الاتفاق الذي تم التوصل إليه في أنكوريج؛ في إشارة إلى القمة الوحيدة التي جمعت الرئيسين الروسي والأميركي في عام 2025.

دعم كوري شمالي

إلى ذلك، أكد زعيم كوريا الشمالية كيم جونغ أون، في برقية إلى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، ثقته بأن روسيا قادرة على تحقيق انتصار حاسم في «الحرب المقدسة».

زعيم كوريا الشمالية كيم جونغ أون يتحدث مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين خلال زيارتهما لبكين في سبتمبر 2025 (رويترز)

وجاءت الرسالة رداً على تهنئة كان بوتين قد أرسلها للزعيم الكوري الشمالي بمناسبة الذكرى الـ78 لتأسيس الدولة الكورية الشمالية. ونقلت وكالة الأنباء المركزية الكورية الشمالية عن كيم جونغ أون قوله: «اليوم، وفي خضم تقلبات التاريخ العاصفة، تعمل دولتا وشعبا كوريا الشمالية وروسيا على تعزيز الثقة والتضامن والدفاع المشترك عن العدالة والسلام، ومواصلة كتابة فصول جديدة في التاريخ العظيم لتحالفهما».

كما أكَّد العزم الراسخ لحكومة بلاده على توسيع وتعميق التعاون مع روسيا. وأشار كيم جونغ أون إلى ثقته الراسخة في انتصار روسيا في «الحرب المقدسة» الحالية، للدفاع عن المصالح الأمنية للبلاد والعدالة الدولية، متعهداً بتقديم دعم ثابت للشعب الروسي، ومتمنياً للبلاد النصر والمجد.

وكان بوتين قد أكد في رسالته إلى كيم، قبل أسبوع، أن البلدين سيواصلان العمل على تعزيز شراكتهما الاستراتيجية بما يخدم ضمان الأمن الإقليمي. وزاد أنه سيواصل العمل معه من كثب لتعزيز الشراكة الاستراتيجية الشاملة.

وأوضح الرئيس الروسي أن هذا يُلبِّي تماماً مصالح شعبَي روسيا وكوريا الشمالية، ويتماشى أيضاً مع ضمان الأمن الإقليمي، وبناء نظام عالمي جديد متعدد الأقطاب أكثر عدلاً.

التطورات الميدانية

في غضون ذلك، بدا أن موسكو تسابق التحركات الأميركية لاستئناف المفاوضات؛ إذ وسَّعت هجمات مركزة على مختلف المحاور. وأعلنت وزارة الدفاع إحراز تقدم في مواقع عدة، بينها زابوريجيا وخيرسون ومحيط منطقة دونيتسك.

وأعلن الحاكم المعين من جانب موسكو لمقاطعة خيرسون، فلاديمير سالدو، أن أوكرانيا فقدت المنفذ الوحيد عبر مصب دنيبرو-بوغ جنوباً إلى البحر الأسود، وأن مرور السفن هناك محظور من قبل قوات الجيش الروسي. وقال سالدو، الثلاثاء، في مقابلة مع وكالة أنباء «نوفوستي» الحكومية: «إن موانئ خيرسون الواقعة على نهر دنيبر، وموانئ نيكولايف على نهر بوغ الجنوبي، تمتلك منفذاً إلى البحر الأسود عبر مصب دنيبرو-بوغ. إلا أن مرور السفن هناك أصبح محظوراً فعلياً من قبل قواتنا العسكرية». كما أشار إلى أن الملاحة في حوض البحر الأسود، بما في ذلك على نهر الدنيبر، متوقفة عملياً في الوقت الراهن.

شخص يتفقد الأضرار في موقع ضربة روسية استهدفت مبنى في مدينة زابوريجيا بأوكرانيا يوم 12 سبتمبر (إ.ب.أ)

ويقع مصب دنيبرو-بوغ في الجزء الشمالي من البحر الأسود ضمن حدود مقاطعتَي خيرسون ونيكولايف. وهو يوفر منفذاً إلى البحر الأسود من الموانئ الواقعة على ضفاف نهرَي بوغ الجنوبي ودنيبر.

وكانت صحيفة «فاينانشال تايمز» قد أفادت سابقاً بأن أوكرانيا بدأت تواجه مشكلات في تصدير الحبوب عبر البحر الأسود. وترى الصحيفة أن ذلك مرتبط بضربات القوات المسلحة الروسية على أهداف عسكرية في مناطق الموانئ البحرية المطلة على البحر الأسود، والتي تُستخدم في إيصال الشحنات للقوات المسلحة الأوكرانية.

وأكدت موسكو أن التقدم السريع لقواتها بمنطقة العملية العسكرية الخاصة مستمر، ولا ينبغي لأحد أن يشك في ذلك، واصفة ادعاءات الغرب أن أوكرانيا قادرة على مقاومة روسيا بأنها «مغالطة كبيرة».

تحذير للأوروبيين

في الوقت ذاته، حذَّرت وزارة الدفاع الروسية مجدداً قيادات عدد من الدول الأوروبية من التوجه إلى التصعيد، عقب قرارها زيادة إنتاج وتوريد الطائرات المُسيَّرة لنظام كييف لمهاجمة الأراضي الروسية.

ونشرت الوزارة تقريراً جاء فيه أنه «استناداً إلى المعلومات المتوفرة، وعلى خلفية ازدياد الخسائر وتفاقم نقص الأفراد في القوات المسلحة الأوكرانية، اتَّخذت قيادات عدد من الدول الأوروبية قراراً بزيادة إنتاج وتوريد الطائرات من دون طيار (المُسيَّرات) إلى أوكرانيا، لشنِّ ضربات على الأراضي الروسية». وأكَّدت الوزارة أنه «تم التخطيط لزيادة كبيرة في إنتاج المُسيَّرات لنظام كييف، من خلال توسيع تمويل المشاريع الأوكرانية والمشتركة الموجودة على أراضي الدول الأوروبية، لإنتاج الطائرات المُسيَّرة الهجومية ومكوناتها».

واعتبرت الوزارة هذا القرار خطوة متعمدة تؤدي إلى تصعيد حاد في الأوضاع العسكرية والسياسية في جميع أنحاء القارة الأوروبية. وتضمَّن التقرير جدولاً بأسماء الشركات التي تنتج المُسيَّرات وتقنيات أخرى لصالح أوكرانيا، في كل من بريطانيا ولاتفيا وليتوانيا والدنمارك وبولندا وإيطاليا وألمانيا وهولندا والتشيك وإسرائيل وتركيا.


مقالات ذات صلة

شعبية ترمب عند أدنى المستويات... والأميركيون يميلون إلى الديمقراطيين

الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب يقود جمهوريين لأداء القسم للتصويت بالانتخابات النصفية خلال مؤتمر الحزب في دالاس بتكساس يوم 10 سبتمبر (رويترز)

شعبية ترمب عند أدنى المستويات... والأميركيون يميلون إلى الديمقراطيين

يفيد أحدث الاستطلاعات بأن الديمقراطيين يتقدمون بشكل واضح على الجمهوريين في معركة السيطرة على الغالبية في مجلسَي النواب والشيوخ خلال الانتخابات النصفية للكونغرس.

علي بردى (واشنطن)
الولايات المتحدة​ جانب من فعاليات الترحيب بالرئيس دونالد ترمب في قاعة الشعب الكبرى ببكين يوم 14 مايو 2026 (رويترز)

معركة تسليح الفضاء تشتعل بين واشنطن وبكين

سارعت الصين إلى مطالبة الولايات المتحدة بـ«الكف عن التحضير للحرب» في الفضاء، محذرة من إشعال سباق تسلح جديد.

هبة القدسي (واشنطن)
العالم مسؤولون من بينهم الرئيس البيلاروسي ألكسندر لوكاشينكو والمبعوث الأميركي جون كول يحضرون اجتماعاً في مينسك ببيلاروسيا يوم 15 سبتمبر 2026 (رويترز)

تعهد أميركي لرئيس بيلاروسيا بشأن أموال مجمدة

حصل رئيس بيلاروسيا ألكسندر لوكاشينكو، الثلاثاء، على تعهد من الولايات المتحدة بإقناع البنوك الأميركية بإعادة عشرات الملايين من الدولارات من أصول مينسك المجمدة.

«الشرق الأوسط» (مينسك)
العالم علم «برنامج الأغذية العالمي» يرفرف على سطح مقره في العاصمة الإيطالية روما (أرشيفية - رويترز)

الأمم المتحدة توافق على مرشح ترمب لرئاسة «الأغذية العالمي»

رشّح أنطونيو غوتيريش ورئيسُ الـ«فاو» الأميركيَّ لوك ليندبرغ لقيادة «برنامج الأغذية العالمي»، وسط توقعات بموافقة مجلس إدارة «البرنامج» الجمعة...

«الشرق الأوسط» (جنيف)
الاقتصاد أميركي يزود سيارته بالوقود داخل محطة وقود بولاية كاليفورنيا وسط ارتفاع كبير في أسعار الديزل 10 سبتمبر 2026 (أ.ب)

أسعار النفط والفائدة تضيّقان هوامش تقدم الجمهوريين قبيل انتخابات نوفمبر

تصل تكلفة حرب إيران إلى الناخب الأميركي بطريقتين: عند دفع فواتير الوقود، وعند طلب القروض لشراء منزل أو تمويل مشروع تجاري.

إيلي يوسف (واشنطن)

البرلمان الأوكراني يقيل المدعي العام بسبب اتهامات بالفساد

أولكسندر كليمنكو رئيس مكتب المدعي العام المتخصص لمكافحة الفساد في أوكرانيا يحضر مؤتمراً صحافياً في كييف 14 سبتمبر 2026 (رويترز)
أولكسندر كليمنكو رئيس مكتب المدعي العام المتخصص لمكافحة الفساد في أوكرانيا يحضر مؤتمراً صحافياً في كييف 14 سبتمبر 2026 (رويترز)
TT

البرلمان الأوكراني يقيل المدعي العام بسبب اتهامات بالفساد

أولكسندر كليمنكو رئيس مكتب المدعي العام المتخصص لمكافحة الفساد في أوكرانيا يحضر مؤتمراً صحافياً في كييف 14 سبتمبر 2026 (رويترز)
أولكسندر كليمنكو رئيس مكتب المدعي العام المتخصص لمكافحة الفساد في أوكرانيا يحضر مؤتمراً صحافياً في كييف 14 سبتمبر 2026 (رويترز)

صوّت البرلمان الأوكراني لصالح إقالة المدعي العام رسلان كرافتشينكو، اليوم الثلاثاء، على خلفية فضيحة فساد، وفق «وكالة الأنباء الألمانية».

وأيدت أغلبية كبيرة بلغت 317 مشرعاً، اقتراحاً يؤكد إقالته، قدّمه الرئيس الأوكرانى فولوديمير زيلينسكي.

وكان كرافتشينكو قد قدّم استقالته قبل نحو أسبوع على خلفية فضيحة فساد داخل مكتبه، لكنه وصفها بأنها «قرار سياسي».

ووّجه أمس الاثنين، في مقطع فيديو نشر من خارج أوكرانيا، اتهامات لسلطات مكافحة الفساد الأوكرانية ودعا إلى استقالة قادتها. وذكر أيضاً أنه كان في رحلة رسمية إلى الخارج.

ورد زيلينسكي بدعوة المشرعين إلى إقالة كرافشينكو في أسرع وقت ممكن.

وعلى الرغم من إنشاء ست وكالات لمكافحة الفساد منذ عام 2014 بمساعدة غربية، فإن الخبراء في منظمة الشفافية الدولية غير الحكومية لا يزالون يعتبرون أوكرانيا واحدة من أكثر الدول فساداً في أوروبا.


روسيا و«الناتو»... اختبار حدود في البلطيق وأجواء أوروبا

رئيسة وزراء الدنمارك ميته فريديريكسن وقائد قوات المنطقة القطبية بالجيش الدنماركي على سطح سفينة حربية في مياه نوك عاصمة جزيرة غرينلاند في أبريل 2025 (إ.ب.أ)
رئيسة وزراء الدنمارك ميته فريديريكسن وقائد قوات المنطقة القطبية بالجيش الدنماركي على سطح سفينة حربية في مياه نوك عاصمة جزيرة غرينلاند في أبريل 2025 (إ.ب.أ)
TT

روسيا و«الناتو»... اختبار حدود في البلطيق وأجواء أوروبا

رئيسة وزراء الدنمارك ميته فريديريكسن وقائد قوات المنطقة القطبية بالجيش الدنماركي على سطح سفينة حربية في مياه نوك عاصمة جزيرة غرينلاند في أبريل 2025 (إ.ب.أ)
رئيسة وزراء الدنمارك ميته فريديريكسن وقائد قوات المنطقة القطبية بالجيش الدنماركي على سطح سفينة حربية في مياه نوك عاصمة جزيرة غرينلاند في أبريل 2025 (إ.ب.أ)

شهدت العلاقات الروسية - الأوروبية تصعيداً لافتاً خلال الساعات الـ48 الماضية، مع تبادل موسكو وكوبنهاغن اتّهامات حول حادث في مياه البلطيق، وإسقاط مقاتلة تابعة لـ«الناتو» مسيّرة روسية في أجواء ليتوانيا.

وزادت تصريحات وزارة الخارجية الروسية الموجّهة لقادة أوروبيين من حدّة التصعيد، بعد دعوتها السياسيين والدبلوماسيين الغربيين التقييم «بجدية» مخاطر السفر إلى أوكرانيا. وجاءت تصريحات المتحدثة باسم وزارة ‌الخارجية ماريا ‌زاخاروفا بعد ​يومين ‌من ⁠استهداف ​طائرة مسيرة ⁠روسية قطار ركاب على خط مر عبره قبل دقائق من الهجوم قطار آخر ⁠يقل مجموعة ‌من ‌بينهم رئيس ​الوزراء البريطاني ‌السابق بوريس جونسون ‌ورئيس الوزراء السويدي السابق كارل بيلت. وقالت زاخاروفا إن مراكز السكك ‌الحديدية والبنية التحتية للنقل التي تخدم الجيش ⁠الأوكراني ⁠أهداف مشروعة، وإن موسكو أصدرت تنبيهات لدبلوماسيين أجانب في مايو (أيار) لمغادرة كييف بسبب هجمات روسية على المجمع الصناعي العسكري ​الأوكراني.

اختبار الحدود

اتهمت الدنمارك، الثلاثاء، روسيا بإطلاق قنبلتين مضيئتين باتجاه مروحية تابعة لها كانت تنفّذ مهمة فوق بحر البلطيق، واصفة الأمر بأنه «عمل متهور»، بينما ردت موسكو معتبرة أن المروحية أقدمت على «مناورات استفزازية». وقالت رئيسة وزراء الدنمارك ميته فريدريكسن في منشور عبر منصة «إكس» إن «الأعمال الروسية تهدف إلى الترهيب وزرع الفرقة، لكنها لن تنجح. لن نتراجع». وبحسب الجيش الدنماركي، وقعت الحادثة، مساء الاثنين، قبالة سواحل غيدسر في أقصى جنوب الدنمارك. وأكّد الجيش في بيان أن سفينة حربية روسية استهدفت إحدى مروحياته، موضحاً أنها كانت وقت استهدافها تُجري عملية تصوير روتينية قرب فرقاطة روسية راسية في المياه الدولية، وأضاف أن الفرقاطة أطلقت «قنبلتين باتجاه المروحية، مرّت إحداهما على مقربة منها»، كما نقلت «وكالة الصحافة الفرنسية».

وقال وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن إن الحادثة «غير مقبولة مطلقاً، وكان من الممكن أن تُعرّض حياة أشخاص للخطر». وأضاف أن «روسيا تتجاوز باستمرار حدود ما تعده سلوكاً مقبولاً»، مشدداً أن «هذا أمر لا يمكننا قبوله». وندّدت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين بالتصرف الروسي. وقالت في منشور على منصة «إكس»: «مرة أخرى، تجد أوروبا نفسها في مواجهة السلوك غير المسؤول والخطير لروسيا».

من جهتها، سارعت موسكو إلى إلقاء المسؤولية على عاتق الدنمارك. وندّد السفير الروسي في الدنمارك فلاديمير باربين بـ«مناورات استفزازية» قامت بها المروحية الدنماركية فوق بحر البلطيق، نافياً أنها كانت تقوم بـ«تدريب روتيني»، وفق ما أورد في بيان نشرته «وكالة الصحافة الفرنسية»، وقال إن «هذا الحادث الأخير يثبت أن مشكلات التواصل لا تأتي من جانب سفن البحرية الروسية، بل من الطرف الدنماركي». واستدعى راسموسن السفير الروسي «لتوضيح ملابسات هذه الحادثة».

حوادث متكررة

تصاعدت التوترات في بحر البلطيق بشكل حاد منذ بدء الغزو الروسي لأوكرانيا عام 2022. واتهمت الدنمارك، عضو حلف شمال الأطلسي والداعمة لأوكرانيا مراراً روسيا بتنفيذ عمليات متعددة الوسائل على أراضيها. في خريف 2025، اخترق عدد من المسيّرات أجواء الدنمارك؛ ما تسبب في تعليق حركة الطيران وإغلاق مطارات، من بينها مطار كوبنهاغن، أكبر المطارات في شمال أوروبا. وبدأت حوادث تحليق المسيّرات المجهولة بعد أيام فقط من إعلان الدنمارك، للمرة الأولى، عن اقتناء أسلحة دقيقة بعيدة المدى، في خطوة عزتها إلى التهديد الذي تمثله روسيا «للسنوات المقبلة». وفي حين لم يستطع المحققون تحديد الجهة المسؤولة عن تحليق الطائرات المسيّرة، أشارت فريدريكسن آنذاك بأصابع الاتهام إلى روسيا. وفي سبتمبر (أيلول)، قالت الاستخبارات الدنماركية إن موسكو «تستعد بشكل نشط لتنفيذ عمليات تخريب» تستهدف قطاع الصناعات الدفاعية في البلاد. وأفاد مسؤولون في الاستخبارات الدنماركية لـ«وكالة الصحافة الفرنسية» بأنّ روسيا تجنّد «دنماركيين عاديين» عبر وسائل التواصل الاجتماعي لالتقاط صور يمكن استخدامها في التخطيط لأعمال تخريبية، كما اتّهمت الدنمارك مجموعات قرصنة مرتبطة بالدولة الروسية بشن هجمات سيبرانية ضد الدنمارك.

إسقاط مسيرة في ليتوانيا

‌وقبل حادثة الدنمارك بقرابة 24 ساعة، أعلن مركز إدارة الأزمات الليتواني أن طائرة مقاتلة تابعة لحلف شمال الأطلسي ​أسقطت طائرة مسيرة في ليتوانيا بعد منتصف ليل الاثنين بقليل. وأضاف المتحدث باسم المركز أن الطائرة المسيرة، التي يرجح أنها دخلت الأجواء من بيلاروسيا، أُسقطت بالقرب من قرية براتكوناي في جنوب ليتوانيا. ‌وأشار إلى ‌أن مصدرها لم ​يتحدد ‌بعد، وكان ⁠تحذير ​قد صدر في ⁠وقت سابق من وجود طائرة مسيرة في العاصمة فيلنيوس والمنطقة المحيطة بها. وتسير مقاتلات تابعة لبعثة حلف شمال الأطلسي لمراقبة المجال الجوي في دول البلطيق دوريات ⁠في أجواء لاتفيا وليتوانيا وإستونيا منذ ‌انضمام هذه ‌الدول إلى الحلف ​في 2004. وأسقطت طائرات ‌البعثة مسيرات أوكرانية طائشة فوق ‌إستونيا في مايو، وفوق لاتفيا في يونيو (حزيران) وأغسطس (آب). وأثارت الطائرات العسكرية المسيرة التي انحرفت عن مسارها، ودخلت ‌المجال الجوي لدول مجاورة لروسيا مخاوف من أن الحرب ⁠التي تشنها ⁠موسكو في أوكرانيا تتجاوز حدود حلف شمال الأطلسي. وصعّدت أوكرانيا من هجماتها بالطائرات المسيرة بعيدة المدى على روسيا، بما في ذلك في منطقة بحر البلطيق، وتوغلت مسيرات عسكرية أوكرانية في المجال الجوي لفنلندا ولاتفيا وليتوانيا وإستونيا. وألقت أوكرانيا باللوم في هذه ​الحوادث على ​روسيا، زاعمة أنها أثّرت على مسارات الطائرات المسيرة باستخدام الحرب الكهرومغناطيسية.


روسيا: على ساسة الغرب تقييم مخاطر السفر إلى أوكرانيا

المتحدثة باسم وزارة الخارجية الروسية ماريا زاخاروفا (رويترز- أرشيفية)
المتحدثة باسم وزارة الخارجية الروسية ماريا زاخاروفا (رويترز- أرشيفية)
TT

روسيا: على ساسة الغرب تقييم مخاطر السفر إلى أوكرانيا

المتحدثة باسم وزارة الخارجية الروسية ماريا زاخاروفا (رويترز- أرشيفية)
المتحدثة باسم وزارة الخارجية الروسية ماريا زاخاروفا (رويترز- أرشيفية)

قالت روسيا، اليوم (الثلاثاء)، إنه يتعيَّن على السياسيين والدبلوماسيين الغربيين أن يقيِّموا «بجدية» مخاطر السفر إلى أوكرانيا، وفق ما نقلته وكالة «رويترز» للأنباء.

وجاءت تصريحات المتحدثة باسم وزارة الخارجية ماريا زاخاروفا بعد يومين من استهداف طائرة مُسيَّرة روسية قطار ركاب على خط مر عبره قبل دقائق من الهجوم قطار آخر يقل مجموعة، من بينهم رئيس الوزراء البريطاني السابق بوريس جونسون، ورئيس الوزراء السويدي السابق كارل بيلت.

وقالت زاخاروفا إن مراكز السكك الحديدية والبنية التحتية للنقل التي تخدم الجيش الأوكراني أهداف مشروعة، وإن موسكو أصدرت تنبيهات لدبلوماسيين أجانب في مايو (أيار) لمغادرة كييف بسبب هجمات روسية على المجمع الصناعي العسكري الأوكراني.