المخرج المصري هاني لاشين: جيلنا مستبعد عمداً من السينما

قال لـ«الشرق الأوسط» إن عمر الشريف كان متردداً في قبول «الأراجوز»

يرى لاشين أنه وكبار المخرجين لم ينسحبوا بل غُيِّبوا عمداً (حسابه على فيسبوك)
يرى لاشين أنه وكبار المخرجين لم ينسحبوا بل غُيِّبوا عمداً (حسابه على فيسبوك)
TT

المخرج المصري هاني لاشين: جيلنا مستبعد عمداً من السينما

يرى لاشين أنه وكبار المخرجين لم ينسحبوا بل غُيِّبوا عمداً (حسابه على فيسبوك)
يرى لاشين أنه وكبار المخرجين لم ينسحبوا بل غُيِّبوا عمداً (حسابه على فيسبوك)

قال المخرج المصري هاني لاشين إنه لم يغب عن السينما، بل جرى تغييبه عمداً، إلى جانب كثير من كبار المخرجين والكتّاب من أبناء جيله، مؤكداً أنه لم يتوقف عن كتابة أفلامه، وأن لديه مشروعات عدة يتطلع إلى البدء في تنفيذها.

وأوضح، في حواره مع «الشرق الأوسط»، أن ترميم فيلمه «الأراجوز»، بعد 36 عاماً من إنتاجه، كان مهماً ليس له ولطاقم العمل فحسب، بل أيضاً لأجيال من الجمهور تشاهده للمرة الأولى. وأشار إلى أن الفنان الراحل عمر الشريف كان متردداً في قبول دوره، ولم تكن لديه أي مطالب تتعلق بأجره. كما تحدث لاشين عن علاقة الصداقة التي جمعته بالفنانة الكبيرة نجاة على مدى نحو 40 عاماً.

وعن غيابه عن الأعمال الفنية منذ سنوات، يقول لاشين: «أعتقد أنني، ومجموعة أخرى من كبار الكتّاب والمخرجين، جرى تغييبنا عمداً. نحن لسنا مبتعدين أو منسحبين؛ فكل منا لديه مشروعات يتطلع إلى تقديمها. وأنا أدوّن كل يوم أفكاراً جديدة ولا أتوقف، وأثق بأن اليوم الذي ستُنفَّذ فيه سيأتي».

واتجه لاشين إلى تدريس السينما، فوجد فيه تعويضاً نسبياً عن غيابه عن إخراج الأفلام، قائلاً: «التدريس جزء مقدس من هذه المهنة. وكما تعلمت من أساتذتي في معهد السينما، لا بد أن أنقل خبرتي بكل حب إلى الشباب، سواء في كليات ومعاهد السينما أو في الورش الفنية».

وعن ترميم فيلمه «الأراجوز» أخيراً، يقول: «أسعدني ترميمه كثيراً، وأتمنى ترميم جميع الأفلام المصرية؛ لأنها تمثّل تاريخاً يجب الحفاظ عليه للأجيال المقبلة، فضلاً عن حفظ النسخ الأصلية (النيغاتيف) بوسائل علمية حديثة، لأن معظمها محفوظ بطرق قديمة لا تواكب التطور الراهن».

ويصف لاشين مشاعره المختلطة لدى مشاهدة النسخة المرممة من الفيلم، قائلاً: «انتابتني مشاعر متباينة وأنا أشاهده؛ إذ أعدت اكتشاف الجهود التي بذلها صنّاعه. أُعجبت بديكورات رشدي حامد، وإبداعاته في تصميم الملابس، وببراعة مدير التصوير محسن أحمد، الذي قدّم صورة واقعية تلائم الموضوع، وكذلك بإكسسوارات عباس صابر، وماكياج محمد عشوب. كنت سعيداً جداً بحضورهم، وشعرت كما لو أنني أشاهد العرض الأول للفيلم».

عمر الشريف في أحد مشاهد فيلم «الأراجوز» (حساب المخرج هاني لاشين على فيسبوك)

يكشف المخرج الذي اخترق، قبل سنوات طويلة، دائرة النجم العالمي عمر الشريف، وقدّم معه فيلمي «أيوب» و«الأراجوز»، كيف تطورت علاقته بالنجم الراحل، والتي بدأت من خلال الأفلام التسجيلية، موضحاً: «قدّمنا معاً أفلاماً من بينها (الأيدي الذهبية) و(خطوات فوق الماء)، اللذان وثّقا الحضارة المصرية بأسلوب علمي، وأحدثا ردود فعل عالمية واسعة. بعد ذلك، عرضت عليه فيلم (أيوب)، المأخوذ عن قصة قصيرة للأديب نجيب محفوظ، فقرأ عمر الشريف السيناريو وأُعجب به، وقال لي: أنا معك. وحقق الفيلم نجاحاً كبيراً».

ويتابع: «عندما عرضت فيلم (الأراجوز) على عمر الشريف، ظللنا نتناقش طويلاً؛ فقد كان متردداً بسبب طبيعة الشخصية التي يؤديها للمرة الأولى. وكنت أرى أنه يمتلك قدرات لا يعرفها هو نفسه، وأردت أن أدهشه بها. ولكي أقنعه، قلت له: لا أرى غيرك في شخصية محمد جاد الكريم، ولن أخرج الفيلم من دونك».

ويلفت هاني لاشين إلى أنه سافر، عقب الانتهاء من نسخة الفيلم، للقاء عمر الشريف في باريس، ويروي: «جلسنا نشاهد الفيلم في منزله، وكنت أتابع تفاعله مع كل مشهد. كان يمسح دموعه التي غطت زجاجي نظارته، وبعد انتهاء الفيلم قفز فرحاً كطفل صغير؛ فقد استطاع تقديم الدور ببراعة، ونال عنه جوائز داخل مصر وخارجها».

ويؤكد لاشين أن «عمر الشريف لم يكن مهتماً بالأجر؛ فقد تقاضى أجراً رمزياً عن فيلمي (الأراجوز) و(أيوب)، بل لم يكن يريد تقاضي أي أجر، لكن كان لا بد من توقيع عقد رسمي، لأن الفيلم من إنتاج التلفزيون، في حين كان أجره في السينما العالمية آنذاك يُقدّر بملايين الدولارات».

ويؤمن هاني لاشين بأن الأفلام ابنة زمنها؛ لذلك لا يقبل إعادة إنتاج هذا الفيلم أو أي من أفلامه، مؤكداً أن «الفيلم لا ينبغي المساس به بعدما أصبح جزءاً من التاريخ». ويصف العمل الفني بأنه «يمتلك إحساساً ونبضاً؛ فهو أشبه بسيمفونية لبيتهوفن تعزفها جميع أوركسترات العالم كما هي، وكذلك الأفلام، فهي تنتمي إلى زمنها».

المخرج المصري هاني لاشين قدم أعمالاً عدَّة (حسابه على فيسبوك)

ويرى هاني لاشين أن السينما المصرية لم تفقد هويتها، بل شهدت تطوراً واختلافاً في الأفكار، كما تأثرت بظهور وسائل التواصل الاجتماعي، على غرار ما حدث للسينما الصامتة مع دخول الصوت، حين تغيّر كل شيء. ويضيف: «أتمنى فقط أن يكون صنّاع الأفلام مؤمنين بصدق بما يقدمونه، وأن يسألوا أنفسهم: هل يدعو ما يقدمونه الناس إلى التقدم والاستنارة، أم إلى التراجع والتخلف؟ هنا يكمن جوهر الأزمة».

وقدّم لاشين أفلاماً تلفزيونية لافتة، من بينها «أيوب»، و«الفرح»، و«العودة والعصفور»، و«في العشق والسفر». كما أخرج عدداً كبيراً من المسلسلات، مثل «زمن عماد الدين»، و«ويأخذنا تيار الحياة»، و«الباقي من الزمن ساعة»، وغيرها، خلال ثمانينات القرن الماضي وتسعيناته.

وتربط هاني لاشين بالمطربة الكبيرة نجاة علاقة صداقة وثيقة؛ إذ أخرج لها أغنيات عدة، من بينها «أنا أنت»، من كلمات سعاد الصباح وألحان كمال الطويل. كما أصرت على أن يرافقها في حفل تكريمها بالسعودية. ويقول عنها: «نجاة صديقة عزيزة جداً، وتمتد علاقتنا على مدى 40 عاماً، وأكنّ لها كل الاحترام والتقدير. نحن محظوظون بوجود موهبة مثلها، وستُتوَّج قريباً بجائزة الشيخ زايد للكتاب، بصفتها شخصية العام، بعدما تأجل التكريم بسبب ظروف الحرب. إنها جائزة مهمة جداً، وأتمنى أن تحظى هذه الجوهرة بالتقدير الذي تستحقه».

ويترأس لاشين «مهرجان الفيوم لأفلام البيئة»، ويقول عنه: «هذا المهرجان ثمرة جهود عدد كبير من القائمين عليه، وقد اختاروني لرئاسته». ويضيف: «آمنت بالفكرة لأننا في حاجة ماسّة إلى الحفاظ على البيئة. وقد التقيت محافظ الفيوم ونائبه ورئيس جامعتها، في إطار التحضير للدورة الثالثة. وحققنا، خلال دورتين، الكثير على صعيد البيئة والسينما والترويج السياحي لمدينة الفيوم، وسنوسع نطاق العروض الجماهيرية بمشاركة طلاب جامعة الفيوم؛ إذ نهدف إلى رفع الوعي السينمائي واكتشاف المواهب».


مقالات ذات صلة

موريتانيا تحسم تشكيل لجنة الإشراف على الحوار الوطني

شمال افريقيا اجتماع للأحزاب السياسية الداعمة للرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني لنقاش التحضير للحوار (حزب الإنصاف)

موريتانيا تحسم تشكيل لجنة الإشراف على الحوار الوطني

اتفقت الأطراف السياسية في الموالاة والمعارضة بموريتانيا على تذليل آخر العقبات أمام تشكيل لجنة الإشراف على مسار الحوار الوطني.

الشيخ محمد (نواكشوط)
يوميات الشرق شهد مهرجان «تورنتو السينمائي» العرض الأول للفيلم (الشركة المنتجة)

«أطفال لا أعرفهم»... طفولة تنجو من الحرب ولا تنجو من آثارها

الحيوية التي امتلكها هؤلاء الأطفال، رغم قسوة الحياة واضطرارهم إلى الاعتماد على أنفسهم، أثارت اهتمام المخرجة...

أحمد عدلي (القاهرة)
يوميات الشرق الفنانة المصرية ريم عامر (حسابها على إنستغرام)

ريم عامر: «البرانية» أعادني إلى معنى الترابط الأُسري

وصفت الممثلة المصرية ريم عامر تجربتها في فيلم «البرانية» بأنها مختلفة عن أي عمل سابق شاركت فيه.

أحمد عدلي (القاهرة)
يوميات الشرق سافرت المخرجة إلى أفغانستان مرات عدّة من أجل الفيلم (الشركة المنتجة)

كاميل بيلدسو: أردتُ أفغانستان خارج الصورة التي صنعها الغرب

عندما وصلت إلى أفغانستان للمرة الأولى كانت تعتقد أنها ستقدّم فيلماً عن الفتيات، لكنها اكتشفت سريعاً أن الفتيان أيضاً يُوضعون في ظروف شديدة الصعوبة.

أحمد عدلي (القاهرة )
شمال افريقيا القائد العام للجيش السوداني عبد الفتاح البرهان في فعالية بالخرطوم يوم 15 أغسطس الماضي بمناسبة ذكرى تأسيس الجيش (أ.ف.ب)

الاتحاد الأفريقي يُرحب بالحوار السوداني... وقوى سياسية تحذّر من التقسيم

أصدر رئيس «مجلس السيادة» القائد العام للجيش السوداني عبد الفتاح البرهان قراراً بشطب البلاغات الجنائية ضد المشاركين في الحوار السوداني.

محمد أمين ياسين (نيروبي) وجدان طلحة (الخرطوم)

محمد عبلة يعيد اكتشاف «النهر» بالحركة الصاخبة والألوان

جانب من معرض «النزول إلى النهر» (الشرق الأوسط)
جانب من معرض «النزول إلى النهر» (الشرق الأوسط)
TT

محمد عبلة يعيد اكتشاف «النهر» بالحركة الصاخبة والألوان

جانب من معرض «النزول إلى النهر» (الشرق الأوسط)
جانب من معرض «النزول إلى النهر» (الشرق الأوسط)

في معرضه «النزول إلى النهر» يعود الفنان التشكيلي المصري محمد عبلة إلى نهر الطفولة الذي تشكلت على ضفافه ذاكرته البصرية، في عودة محمّلة بالشجن والفرح معاً، تمتد إلى زمن فني جديد يعيد فيه اكتشاف النهر وعوالمه بعين أخرى، فيفيض المعرض بالبشر والأطياف اللونية، ويستدعي من الزائر التمهّل أمام تفاصيله المتشابكة، وما تفتحه من مسارات للعين والخيال.

في المعرض الذي يضم أكثر من مائة عمل في غاليري «آزاد» (غرب القاهرة)، يواصل عبلة استدراج «النهر» كـ«ثيمة» تتجاوز مجراه المائي؛ فحياة الفنان المرتبطة بالنهر وعوالمه وطبيعته السيالة تعود عبر دهشة جديدة مسكونة بالخطوط والتمويجات الأقرب إلى خيالات الظل وإيقاعاته.

من أعمال المعرض (الشرق الأوسط)

ويستعيد المعرض، الذي يستمر حتى نهاية الشهر الحالي، علاقة قديمة بين عبلة والنيل، تعود إلى سنوات طفولته، حين كان يراقب المراكب القادمة من صعيد مصر، ويرافق أصحابها أحياناً، وقد ظل النهر حاضراً في محطات مختلفة من تجربته الفنية، ومنها نقله مرسمه إلى جزيرة «القرصاية»، بعد حريق مرسمه الأقدم في عام 1998، غير أن العودة الحالية لا تبدو استعادة لصور سابقة بقدر ما تنطوي على رغبة في النظر إلى المكان من جديد، بعد أن تراكمت فوقه طبقات من التجربة والزمن.

ويصف عبلة، في حديثه، لـ«الشرق الأوسط»، علاقته بالنهر بأنه «الحياة نفسها»، مشيراً إلى تحوّل لافت في علاقات الشخوص داخل أعماله: «كانت تظهر في مراحل سابقة منفردة أو معزولة، فيما أصبحت في أعمال المعرض الجديد أكثر تفاعلاً، تتحاور فيما بينها ومع العناصر الأخرى»، وهو تحوّل ينعكس في التكوينات التي تتداخل فيها الأجساد والخطوط والكائنات، وتتوزع الحركة فيها على مستويات متعددة، وكأن العالم كله بات طرفاً في حوار بصري مفتوح.

من لوحات المعرض (الشرق الأوسط)

ولا تبدو اللوحات معنية باستعادة النهر بوصفه مشهداً طبيعياً فحسب، فثمة عالم سحري يتكشف من قلب الحياة اليومية، كأننا أمام لا وعي النهر والمدينة معاً؛ شخوص ببشرة بنفسجية، وكائنات تتداخل فيها الملامح البشرية مع مناقير الطيور، وطفلة تتسلق زهرة عملاقة تشبه عصفور الجنة، وحتى الظلال التاريخية، بأوضاع أجسادها المستدعاة من رسوم المعابد المصرية القديمة، تبدو كأنها تطفو فوق النهر، وقد تحررت من سياقها الزمني لتشارك في نهر حياة جديدة.

وفي أعمال مثل «الحصان والفارس والقمر» و«حكاية السمكة» و«ملك الحكايات»، تتسع هذه النزعة الفانتازية لحضور الكائنات والأطياف، فتختلط الحكاية بالأسطورة، وتتحوّل الأجساد إلى أشكال قابلة للامتداد والتداخل، بينما تظل التفاصيل محتفظة بشيء من الألفة، حتى في أكثر صورها غرابة، ويبدو أن عبلة يستدعي من النهر ما يتجاوز صورته المرئية؛ ذاكرة تتجاور فيها مشاهد الطفولة مع المخيلة الشعبية، وأصداء التاريخ مع حركة الحياة المعاصرة.

الفنان المصري محمد عبلة (صفحة الفنان على «فيسبوك»)

واللافت أن عبلة يُدخل السحر بعفوية كاملة إلى متن المدينة، ففي لوحة «ميدان الأوبرا»، التي تُحيل إلى أحد أشهر ميادين القاهرة الصاخبة، تتزاحم ظلال المارّة، وربما رجل مرور، وعابرون وجالسون في قلب المدينة التي تضيق بزحامها على الوحيدين، يحوّل عبلة زحام الميدان إلى زخم فني من التدافعات والتقاطعات؛ ففي اللوحة علاقة مثيرة بين التشخيص والتجريد، لا تخلو من روح عفوية.

وتُعزز هذه الروح مساقط الضوء، لتظهر دوائر من النور تتلقفها التكوينات، كما لو كانت كشافات مسرح تضيء وتعتم بالقدر نفسه، تاركة العين في حالة من اللهاث لالتقاط أكبر قدر من التفاصيل، وفي هذا التوزيع المتقلب للضوء، لا تُكشف عناصر المشهد جميعها بالدرجة نفسها؛ بعضها تلتقطه العين، وبعضها يظل في الخلفية أو يظهر على هيئة ظل عابر، بما يضاعف الإحساس بديناميكية التكوينات.

تبدو بعض اللوحات للوهلة الأولى مزدحمة، وربما فوضوية، غير أن التمهل أمامها يكشف شبكة من العلاقات بين الألوان الصاخبة والمساحات والخطوط؛ بين الأصفر والأزرق، وبين المناطق الممتلئة والأخرى المفتوحة، وبين حركة الخطوط ومواضع استقرارها.

وبالقدر الذي يحتفظ فيه عبلة في أكثر من لوحة بدرجات المدينة الترابية، يفيض في أعمال أخرى بتنويعات البرتقالي والفوشيا والأحمر الجريء والبنفسجي، في طيف من الألوان الشمسية والقوس قزحية اللافتة. ويشير عبلة إلى أن «هذه الاختيارات اللونية توحي بمزيد من الصخب والحركة، والحرارة والطاقة، وبما تثيره أشعة الشمس وتحولات الضوء بين الشروق والغروب من أحاسيس بصرية، وبمزيد من الحيوية والشباب».

عناصر فانتازية ضمن فضاء التكوين (الشرق الأوسط)

ويلفت النظر في بعض الأعمال حدود يرسمها عبلة حول عناصر بعينها، أشبه بخطوط الطباشير، بما تحمله من إيحاء بالهشاشة وقابلية المحو، واستدعاء لرسوم الطفولة، وهي حدود تمنح التفاصيل حضوراً بصرياً خاصاً، دون أن تفصلها تماماً عن العالم المزدحم المحيط بها، فتظل العلاقة بين الداخل والخارج، وبين العزل والاتصال، جزءاً من حيوية التكوين نفسه.

وفي قراءته لهذا العالم، يرى الشاعر والناقد المصري جمال القصاص أن عبلة «لا يتخلى عن صلته بالأشياء تحت دعاوى التجريدية المحضة، إنما يبحث من خلال الأشياء نفسها عن إحساس مغاير يجعلها أكثر ألفة وغرابة في الوقت نفسه».

ويلفت، في حديثه، لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن الفنان «يرسم بقوة روحانية ونفسية في الوقت نفسه، تاركاً للرسم الاندياح في الزمان والمكان، بلا قيود منظورية أو أفكار مسبقة»، بما يسمح بحضور «خيط من النور، ينبع من مراحل سحيقة في الزمن، بها ثيمات من الفن المصري القديم».

ويتوقف القصاص عند استخدام عبلة ورق البردي في بعض اللوحات، موظفاً ملمسه الطبيعي وخطوطه المتجاورة والمتقاطعة في خلق «حالة من الذبذبة النغمية، تجعل اللوحات بمثابة جسر بين الماضي والحاضر». ويرى أن هذا التنوع الزمني يعكس إحدى جماليات المعرض، وهي «تحييد الفضاء الصوري، وكسر أبعاده، ليخترق الضوء اللوحة من كل الاتجاهات»، بما يفتح أمام الرسم فضاء أكثر حرية.


أعلى جسر في العالم يستقطب عشاق المغامرة في الصين

يُعد جسر "هواجيانغ" الكبير أعلى جسر في العالم. (شاترستوك)
يُعد جسر "هواجيانغ" الكبير أعلى جسر في العالم. (شاترستوك)
TT

أعلى جسر في العالم يستقطب عشاق المغامرة في الصين

يُعد جسر "هواجيانغ" الكبير أعلى جسر في العالم. (شاترستوك)
يُعد جسر "هواجيانغ" الكبير أعلى جسر في العالم. (شاترستوك)

وسط الجبال الشاهقة جنوب غربي الصين، تجمّع حشد من المتفرجين لمتابعة شاب يستعد للقفز بالحبال المطاطية من أعلى جسر في العالم، حسب شبكة «سي إن إن» الأميركية.

وقف الشاب فوق أخدود سحيق، بينما ارتفع سطح الجسر عن مياه النهر إلى علوّ يزيد بنحو تسعة أضعاف على ارتفاع جسر «غولدن غيت» الشهير في سان فرانسيسكو. وخلفه، امتدت قمم جبال مقاطعة قويتشو نحو الأفق، بينما اقترب المتفرجون من الحافة، رافعين هواتفهم المحمولة لتوثيق اللحظة.

بدأت العملية بإجراءات السلامة؛ إذ ثبّت العاملون حزام الأمان حول جسده، ثم تفقدوا المعدات بعناية، بينما وقف على منصة معلّقة أسفل سطح الجسر.

وبعد لحظات، ألقى بنفسه في الفراغ.

لمدة سبع ثوانٍ، ظل يهوي باتجاه قاع الوادي، على بُعد مئات الأمتار تحته، قبل أن يشدّه الحبل المطاطي الضخم إلى أعلى، وسط تصفيق الحاضرين.

كان المشهد استثنائياً، ليس بسبب القفزة وحدها، بل أيضاً للمكان الذي احتضنها: جسر معلّق شاهق في واحدة من أكثر المناطق الجبلية وعورة في الصين، تحوّل من إنجاز هندسي إلى ساحة مفتوحة أمام السياح وعشاق المغامرات.

وافتُتح جسر هواجيانغ الكبير في سبتمبر (أيلول) 2025، ويرتفع 625 متراً (2051 قدماً) فوق نهر بيبان جنوب غربي الصين، ما يجعله أعلى جسر في العالم، وفقاً لموسوعة «غينيس» للأرقام القياسية.

ولم يكن الهدف من تشييده استعراض القدرات الهندسية فحسب، بل معالجة صعوبات التنقل في منطقة جبلية وعرة. فقد صُمم الجسر لاختصار رحلة كانت تستغرق نحو ساعتين لعبور الوادي إلى دقيقتين فقط، موفراً بذلك اتصالاً أسرع بين التجمعات السكانية الريفية وشبكة الطرق الوطنية في الصين.

لكن الجسر تجاوز وظيفته الأساسية، ليصبح مقصداً سياحياً قائماً بذاته. ووفقاً لأرقام قدمها مسؤولون محليون لشبكة «سي إن إن»، استقطب الجسر نحو 3.3 مليون زائر منذ افتتاحه وحتى أغسطس (آب) 2026.

وعلى مدى عقود، شيدت الصين جسوراً ضخمة للتغلب على تضاريسها الصعبة وربط المناطق النائية بمراكز المدن. غير أن تجربة هواجيانغ تطرح سؤالاً مختلفاً: ماذا يحدث عندما يتحول الجسر، الذي أُنشئ لتسهيل الوصول إلى الوجهات، إلى وجهة سياحية.


آرثر إدواردز… نصف قرن خلف عدسة وثّقت أسرار العائلة المالكة البريطانية

تبدو مسيرة آرثر إدواردز أكثر من حكاية مهنية طويلة (أ.ب)
تبدو مسيرة آرثر إدواردز أكثر من حكاية مهنية طويلة (أ.ب)
TT

آرثر إدواردز… نصف قرن خلف عدسة وثّقت أسرار العائلة المالكة البريطانية

تبدو مسيرة آرثر إدواردز أكثر من حكاية مهنية طويلة (أ.ب)
تبدو مسيرة آرثر إدواردز أكثر من حكاية مهنية طويلة (أ.ب)

على مدى نصف قرن، لم يكن آرثر إدواردز مجرد مصور صحافي يتعقب أخبار العائلة المالكة البريطانية، بل شاهداً على تحولات مؤسسة ملكية ظلت، رغم تغير الزمن، محط أنظار العالم. فمن خلف عدسته، وثّق لحظات رسمية وأخرى إنسانية، ورافق أمراء وملوكاً وشخصيات سياسية ودينية بارزة، ليصبح واحداً من أبرز المصورين الذين ارتبطت أسماؤهم بتغطية أخبار العائلة المالكة في بريطانيا.

وتكشف مسيرته، التي استمرت خمسين عاماً، جانباً من العلاقة المعقدة بين الصحافة والمؤسسة الملكية؛ علاقة تقوم على الاقتراب من الشخصيات العامة، مع الاحتفاظ بالمسافة المهنية التي تفرضها الكاميرا، في بيئة تتداخل فيها الاعتبارات الشخصية مع مقتضيات العمل الصحافي.

ويحمل إدواردز في سجله المهني صوراً وذكريات من محطات مختلفة، تنقلت به بين الأمراء والباباوات والرؤساء، وأتاحت له مشاهدة أحداث تاريخية من موقع قريب. وهو موقع يمنح المصور امتياز الوصول إلى لحظات لا تتاح للجمهور، لكنه يضعه أيضاً أمام تحديات تتعلق بالثقة والخصوصية وحدود العلاقة مع الشخصيات التي يتولى تغطيتها.

ومن أبرز ما يلفت في تجربته حديثه عن خلافات حادة جمعته بالملك تشارلز الثالث. فالعنوان الذي يتناول مسيرته يشير إلى مشادات قوية بين الرجلين، في إشارة إلى أن العلاقة بين المصور والشخصية الملكية لا تخلو بالضرورة من التوتر، حتى عندما تستمر لسنوات طويلة. فالصحافي، مهما بلغت درجة قربه من دوائر النفوذ، يظل مطالباً بأداء مهمته، فيما يسعى أصحاب السلطة إلى التحكم في الطريقة التي تظهر بها حياتهم أمام الجمهور.

وتكتسب تجربة إدواردز أهمية إضافية في عصر أصبحت فيه الصور تنتشر خلال ثوانٍ عبر المنصات الرقمية، وتنافس فيه الهواتف المحمولة والكاميرات الصغيرة التصوير الصحافي التقليدي. ومع ذلك، تظل خبرة المصور المخضرم وقدرته على قراءة اللحظة واختيار زاوية الصورة عنصرين أساسيين في صناعة صورة تتجاوز قيمتها التوثيقية إلى دلالاتها السياسية والإنسانية.

وبين صور البروتوكول الملكي واللحظات العفوية، تبدو مسيرة آرثر إدواردز أكثر من حكاية مهنية طويلة؛ إنها نافذة على نصف قرن من التحولات في العائلة المالكة البريطانية، وعلى الدور الذي تؤديه الصحافة المصورة في توثيق التاريخ، ومساءلة السلطة، وصناعة الذاكرة.