قال المخرج المصري هاني لاشين إنه لم يغب عن السينما، بل جرى تغييبه عمداً، إلى جانب كثير من كبار المخرجين والكتّاب من أبناء جيله، مؤكداً أنه لم يتوقف عن كتابة أفلامه، وأن لديه مشروعات عدة يتطلع إلى البدء في تنفيذها.
وأوضح، في حواره مع «الشرق الأوسط»، أن ترميم فيلمه «الأراجوز»، بعد 36 عاماً من إنتاجه، كان مهماً ليس له ولطاقم العمل فحسب، بل أيضاً لأجيال من الجمهور تشاهده للمرة الأولى. وأشار إلى أن الفنان الراحل عمر الشريف كان متردداً في قبول دوره، ولم تكن لديه أي مطالب تتعلق بأجره. كما تحدث لاشين عن علاقة الصداقة التي جمعته بالفنانة الكبيرة نجاة على مدى نحو 40 عاماً.
وعن غيابه عن الأعمال الفنية منذ سنوات، يقول لاشين: «أعتقد أنني، ومجموعة أخرى من كبار الكتّاب والمخرجين، جرى تغييبنا عمداً. نحن لسنا مبتعدين أو منسحبين؛ فكل منا لديه مشروعات يتطلع إلى تقديمها. وأنا أدوّن كل يوم أفكاراً جديدة ولا أتوقف، وأثق بأن اليوم الذي ستُنفَّذ فيه سيأتي».
واتجه لاشين إلى تدريس السينما، فوجد فيه تعويضاً نسبياً عن غيابه عن إخراج الأفلام، قائلاً: «التدريس جزء مقدس من هذه المهنة. وكما تعلمت من أساتذتي في معهد السينما، لا بد أن أنقل خبرتي بكل حب إلى الشباب، سواء في كليات ومعاهد السينما أو في الورش الفنية».
وعن ترميم فيلمه «الأراجوز» أخيراً، يقول: «أسعدني ترميمه كثيراً، وأتمنى ترميم جميع الأفلام المصرية؛ لأنها تمثّل تاريخاً يجب الحفاظ عليه للأجيال المقبلة، فضلاً عن حفظ النسخ الأصلية (النيغاتيف) بوسائل علمية حديثة، لأن معظمها محفوظ بطرق قديمة لا تواكب التطور الراهن».
ويصف لاشين مشاعره المختلطة لدى مشاهدة النسخة المرممة من الفيلم، قائلاً: «انتابتني مشاعر متباينة وأنا أشاهده؛ إذ أعدت اكتشاف الجهود التي بذلها صنّاعه. أُعجبت بديكورات رشدي حامد، وإبداعاته في تصميم الملابس، وببراعة مدير التصوير محسن أحمد، الذي قدّم صورة واقعية تلائم الموضوع، وكذلك بإكسسوارات عباس صابر، وماكياج محمد عشوب. كنت سعيداً جداً بحضورهم، وشعرت كما لو أنني أشاهد العرض الأول للفيلم».

يكشف المخرج الذي اخترق، قبل سنوات طويلة، دائرة النجم العالمي عمر الشريف، وقدّم معه فيلمي «أيوب» و«الأراجوز»، كيف تطورت علاقته بالنجم الراحل، والتي بدأت من خلال الأفلام التسجيلية، موضحاً: «قدّمنا معاً أفلاماً من بينها (الأيدي الذهبية) و(خطوات فوق الماء)، اللذان وثّقا الحضارة المصرية بأسلوب علمي، وأحدثا ردود فعل عالمية واسعة. بعد ذلك، عرضت عليه فيلم (أيوب)، المأخوذ عن قصة قصيرة للأديب نجيب محفوظ، فقرأ عمر الشريف السيناريو وأُعجب به، وقال لي: أنا معك. وحقق الفيلم نجاحاً كبيراً».
ويتابع: «عندما عرضت فيلم (الأراجوز) على عمر الشريف، ظللنا نتناقش طويلاً؛ فقد كان متردداً بسبب طبيعة الشخصية التي يؤديها للمرة الأولى. وكنت أرى أنه يمتلك قدرات لا يعرفها هو نفسه، وأردت أن أدهشه بها. ولكي أقنعه، قلت له: لا أرى غيرك في شخصية محمد جاد الكريم، ولن أخرج الفيلم من دونك».
ويلفت هاني لاشين إلى أنه سافر، عقب الانتهاء من نسخة الفيلم، للقاء عمر الشريف في باريس، ويروي: «جلسنا نشاهد الفيلم في منزله، وكنت أتابع تفاعله مع كل مشهد. كان يمسح دموعه التي غطت زجاجي نظارته، وبعد انتهاء الفيلم قفز فرحاً كطفل صغير؛ فقد استطاع تقديم الدور ببراعة، ونال عنه جوائز داخل مصر وخارجها».
ويؤكد لاشين أن «عمر الشريف لم يكن مهتماً بالأجر؛ فقد تقاضى أجراً رمزياً عن فيلمي (الأراجوز) و(أيوب)، بل لم يكن يريد تقاضي أي أجر، لكن كان لا بد من توقيع عقد رسمي، لأن الفيلم من إنتاج التلفزيون، في حين كان أجره في السينما العالمية آنذاك يُقدّر بملايين الدولارات».
ويؤمن هاني لاشين بأن الأفلام ابنة زمنها؛ لذلك لا يقبل إعادة إنتاج هذا الفيلم أو أي من أفلامه، مؤكداً أن «الفيلم لا ينبغي المساس به بعدما أصبح جزءاً من التاريخ». ويصف العمل الفني بأنه «يمتلك إحساساً ونبضاً؛ فهو أشبه بسيمفونية لبيتهوفن تعزفها جميع أوركسترات العالم كما هي، وكذلك الأفلام، فهي تنتمي إلى زمنها».

ويرى هاني لاشين أن السينما المصرية لم تفقد هويتها، بل شهدت تطوراً واختلافاً في الأفكار، كما تأثرت بظهور وسائل التواصل الاجتماعي، على غرار ما حدث للسينما الصامتة مع دخول الصوت، حين تغيّر كل شيء. ويضيف: «أتمنى فقط أن يكون صنّاع الأفلام مؤمنين بصدق بما يقدمونه، وأن يسألوا أنفسهم: هل يدعو ما يقدمونه الناس إلى التقدم والاستنارة، أم إلى التراجع والتخلف؟ هنا يكمن جوهر الأزمة».
وقدّم لاشين أفلاماً تلفزيونية لافتة، من بينها «أيوب»، و«الفرح»، و«العودة والعصفور»، و«في العشق والسفر». كما أخرج عدداً كبيراً من المسلسلات، مثل «زمن عماد الدين»، و«ويأخذنا تيار الحياة»، و«الباقي من الزمن ساعة»، وغيرها، خلال ثمانينات القرن الماضي وتسعيناته.
وتربط هاني لاشين بالمطربة الكبيرة نجاة علاقة صداقة وثيقة؛ إذ أخرج لها أغنيات عدة، من بينها «أنا أنت»، من كلمات سعاد الصباح وألحان كمال الطويل. كما أصرت على أن يرافقها في حفل تكريمها بالسعودية. ويقول عنها: «نجاة صديقة عزيزة جداً، وتمتد علاقتنا على مدى 40 عاماً، وأكنّ لها كل الاحترام والتقدير. نحن محظوظون بوجود موهبة مثلها، وستُتوَّج قريباً بجائزة الشيخ زايد للكتاب، بصفتها شخصية العام، بعدما تأجل التكريم بسبب ظروف الحرب. إنها جائزة مهمة جداً، وأتمنى أن تحظى هذه الجوهرة بالتقدير الذي تستحقه».
ويترأس لاشين «مهرجان الفيوم لأفلام البيئة»، ويقول عنه: «هذا المهرجان ثمرة جهود عدد كبير من القائمين عليه، وقد اختاروني لرئاسته». ويضيف: «آمنت بالفكرة لأننا في حاجة ماسّة إلى الحفاظ على البيئة. وقد التقيت محافظ الفيوم ونائبه ورئيس جامعتها، في إطار التحضير للدورة الثالثة. وحققنا، خلال دورتين، الكثير على صعيد البيئة والسينما والترويج السياحي لمدينة الفيوم، وسنوسع نطاق العروض الجماهيرية بمشاركة طلاب جامعة الفيوم؛ إذ نهدف إلى رفع الوعي السينمائي واكتشاف المواهب».






