طفرة التكنولوجيا تعزز الصناعة الصينية وتكشف اختلالات النمو

المصانع والصادرات تتقدم... والاستهلاك والعقارات والاستثمار تواصل الضغط

عامل في مصنع للألياف الضوئية بمقاطعة شيجيانغ وسط الصين (رويترز)
عامل في مصنع للألياف الضوئية بمقاطعة شيجيانغ وسط الصين (رويترز)
TT

طفرة التكنولوجيا تعزز الصناعة الصينية وتكشف اختلالات النمو

عامل في مصنع للألياف الضوئية بمقاطعة شيجيانغ وسط الصين (رويترز)
عامل في مصنع للألياف الضوئية بمقاطعة شيجيانغ وسط الصين (رويترز)

قدَّمت المصانع الصينية في أغسطس (آب) إشارة جديدة إلى قدرة قطاع التكنولوجيا المتقدمة على دعم ثاني أكبر اقتصاد في العالم، بعدما تسارع نمو الإنتاج الصناعي بدفع من الطلب المرتبط بالذكاء الاصطناعي والمعدات المتطورة. ولكن الصورة المقابلة بدت أقل تفاؤلاً، مع تباطؤ إنفاق المستهلكين، وتفاقم انكماش الاستثمار، واستمرار أزمة العقارات، بما يكشف عن اتساع الفجوة بين قوة جانب العرض وضعف الطلب المحلي.

وأظهرت بيانات المكتب الوطني للإحصاء أن الإنتاج الصناعي ارتفع 5.2 في المائة على أساس سنوي في أغسطس، متسارعاً من 4.5 في المائة في يوليو (تموز)، ومتجاوزاً توقعات السوق البالغة 4.8 في المائة. وجاء الأداء مدعوماً بصورة خاصة بصناعات المعدات والتكنولوجيا المتقدمة، في انعكاس للاستراتيجية الحكومية الرامية إلى تحويل مزيد من الموارد بعيداً عن العقارات والصناعات التقليدية، ونحو الذكاء الاصطناعي والرقائق والروبوتات والتصنيع عالي القيمة.

استهلاك ضعيف

لكن قوة المصانع لم تنتقل بالزخم نفسه إلى المستهلك الصيني، فقد ارتفعت مبيعات التجزئة 0.4 في المائة فقط على أساس سنوي، متباطئة من 0.6 في المائة في يوليو، ودون توقعات بزيادة 0.8 في المائة.

وتؤكد البيانات استمرار أحد أبرز التحديات أمام بكين؛ وهو قدرة الصين على إنتاج وتصدير كميات متزايدة من السلع المتقدمة، مقابل عدم تحقيق انتعاش مماثل في إنفاق الأسر.

وكان ضعف الاستهلاك وأزمة العقارات قد ساهما في تباطؤ نمو الناتج المحلي الإجمالي إلى 4.3 في المائة في الربع الثاني، وهو أبطأ معدل في أكثر من 3 سنوات، وأقل من الحد الأدنى للنطاق المستهدف للنمو السنوي البالغ بين 4.5 و5 في المائة. وقال لين سونغ، كبير الاقتصاديين لمنطقة الصين الكبرى لدى «آي إن جي»، إنه ما لم يظهر تحسن قوي غير متوقع في سبتمبر (أيلول)، فمن المرجح أن يظل نمو الاقتصاد ضعيفاً خلال الربع الثالث.

كما خفضت «أكسفورد إيكونوميكس» توقعاتها لنمو الصين في 2026 إلى 4.6 في المائة، وقلصت تقديراتها للعام المقبل إلى 4.3 في المائة من 4.6 في المائة سابقاً. وأرجعت كبيرة الاقتصاديين شيانا يو التعديل إلى توقع استمرار أزمة العقارات لفترة أطول، بما يبقي النمو تحت الضغط حتى مع زيادة الاستثمار العام.

الاستثمار يتراجع

وجاءت بيانات الاستثمار أكثر وضوحاً في التعبير عن حالة الضعف. فقد انخفض الاستثمار في الأصول الثابتة، الذي يشمل البنية التحتية والعقارات ومشاريع الشركات، بنسبة 7.2 في المائة خلال الأشهر الثمانية الأولى من العام، وهو أكبر تراجع منذ أبريل (نيسان) 2020. وكان القطاع العقاري في قلب الانخفاض؛ إذ هبط الاستثمار فيه 19.9 في المائة مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، بينما واصلت أسعار المنازل الجديدة التراجع، ما يشير إلى أن الأزمة الممتدة في سوق الإسكان لا تزال بعيدة عن نهايتها. ولا تقتصر تداعيات العقارات على نشاط البناء؛ إذ يؤثر هبوط أسعار المنازل في ثروات الأسر وثقتها، ويحد من استعدادها لزيادة الإنفاق، بينما تتردد الشركات بدورها في توسيع استثماراتها في ظل ضعف الطلب.

الذكاء الاصطناعي يصنع فجوة

في الجهة المقابلة، تواصل الصناعات المرتبطة بالتكنولوجيا تقديم أحد أقوى محركات الاقتصاد. ونما الاستثمار في الصناعات عالية التقنية 5.2 في المائة خلال الفترة من يناير (كانون الثاني) إلى أغسطس، مستفيداً من طفرة عالمية في الإنفاق على الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات.

وقفز إنتاج بطاريات الليثيوم أيون 57.2 في المائة على أساس سنوي، بينما زاد إنتاج الروبوتات الصناعية 34.6 في المائة. وتتزامن الطفرة مع توسع قوي في الصادرات الصينية من المنتجات عالية التقنية والمكونات المرتبطة بالبنية التحتية للذكاء الاصطناعي، ما يمنح الاقتصاد مصدراً مهماً للنمو في مواجهة ضعف السوق المحلية.

لكن هذه النجاحات تكشف في الوقت ذاته عن خلل متزايد في تركيبة النمو. فالاستثمارات الكبيرة في الصناعات المتقدمة لم تتحول بعد إلى تحسن مماثل في دخول الأُسَر أو الأمن الوظيفي. وارتفع معدل البطالة في المناطق الحضرية إلى 5.3 في المائة في أغسطس من 5.2 في المائة في يوليو، ما يعزز المخاوف بشأن قدرة التحول الصناعي على خلق وظائف بالسرعة والحجم الكافيين لدعم الاستهلاك.

العقارات والائتمان

ويظهر الضعف أيضاً في النشاط الائتماني. فعلى الرغم من عودة القروض المصرفية الجديدة إلى المنطقة الإيجابية في أغسطس، فإنها جاءت أقل بكثير من توقعات المحللين بعد الانكماش القياسي المسجل في يوليو. وتشير الأرقام إلى أن وفرة السيولة وحدها لا تكفي لتحفيز النشاط عندما تظل الأسر متحفظة تجاه الاقتراض، والشركات مترددة في إطلاق استثمارات جديدة.

كما تعرض الاقتصاد خلال أغسطس لتأثيرات الأحوال الجوية القاسية، بعدما ضربت 4 أعاصير الصين وعطلت النشاط في مناطق صناعية ولوجستية مهمة على الساحل الشرقي. وتتزامن هذه الضغوط المحلية مع بيئة خارجية أكثر صعوبة، تشمل ارتفاع أسعار النفط بفعل صراع الشرق الأوسط، واستمرار ارتفاع تكاليف الاقتراض عالمياً.

دعم إضافي

وقال فو لينغ هوي، المتحدث باسم المكتب الوطني للإحصاء، إن البيئة الخارجية لا تزال «معقدة ومليئة بالتحديات»، بينما تستمر ضغوط التكيف الهيكلي داخل الاقتصاد، ما يتطلب مواصلة الجهود لتثبيت مسار النمو. وردت بكين حتى الآن بتسريع إصدار السندات الحكومية وتوسيع دعم فوائد القروض الموجهة إلى الشركات الخاصة الصغيرة والمستهلكين. كما تعهد البنك المركزي بتقديم مزيد من الدعم، من دون إعطاء إشارة صريحة إلى تخفيض قريب في أسعار الفائدة الرئيسية أو نسبة الاحتياطي الإلزامي للبنوك.

لكن اقتصاديين يرون أن المشكلة الأساسية تتجاوز تكلفة التمويل. وقال محللو «باركليز» إن إحجام صُناع السياسات عن إطلاق حزمة أكثر قوة تستهدف الاستهلاك قد يطيل عملية إعادة التوازن.

وتبرز بيانات أغسطس بذلك مفارقة الاقتصاد الصيني الحالية: نجاح واضح في بناء قاعدة صناعية متقدمة وقادرة على المنافسة عالمياً، يقابله طلب داخلي لا يزال عاجزاً عن اللحاق بها. وبينما تمنح الصادرات والذكاء الاصطناعي بكين مساحة لمواصلة النمو، فإن تحقيق تعافٍ أكثر استدامة سيتوقف في النهاية على قدرة السياسات على إعادة الثقة إلى المستهلكين، وتحقيق الاستقرار في العقارات، وتحويل نجاح المصانع إلى دخول وإنفاق أقوى داخل الاقتصاد.


مقالات ذات صلة

صعود الين يواجه اختبار بنك اليابان

الاقتصاد شاشة تعرض حركة الين مقابل الدولار الأميركي في العاصمة اليابانية طوكيو (أ.ف.ب)

صعود الين يواجه اختبار بنك اليابان

يدخل الين الياباني مرحلة حاسمة بعد أقوى موجة صعود له في نحو 18 شهراً؛ إذ بات استمرار مكاسبه مرتبطاً بقدرة بنك اليابان على تلبية توقعات الأسواق.

«الشرق الأوسط» (بكين)
الاقتصاد رجل على دراجة يمر أمام أحد المشروعات العقارية في العاصمة الصينية بكين (إ.ب.أ)

ضعف سوق الإسكان يواصل الضغط على اقتصاد الصين

واصلت سوق الإسكان الصينية إظهار علامات ضعف خلال أغسطس (آب) الماضي، مع تراجع أسعار المنازل الجديدة لثالث شهر على التوالي...

«الشرق الأوسط» (بكين)
الاقتصاد محافظ البنك المركزي السعودي أيمن السياري (الشرق الأوسط)

محافظ «ساما»: استثمارات التقنية المالية في السعودية تتجاوز 8 مليارات دولار

كشف محافظ البنك المركزي السعودي (ساما)، أيمن السياري، عن ارتفاع عدد شركات التقنية المالية العاملة في السعودية إلى 371 شركة بنهاية أغسطس (آب) الماضي.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد ورقة نقدية من فئة ألف ين ياباني (رويترز)

اليابان توازن بين الإنفاق الدفاعي وضغوط المالية العامة

تواجه اليابان اختباراً متزايد الصعوبة في موازنة أولوياتها الاستراتيجية والاقتصادية، مع بحث الحكومة رفع الإنفاق الدفاعي إلى مستويات غير مسبوقة.

«الشرق الأوسط» (طوكيو)
الاقتصاد مقر البورصة في جزيرة هونغ كونغ الصينية (رويترز)

اليوان يتراجع والأسهم الصينية تستقر تحت ضغط البيانات

تراجع اليوان الصيني بشكل طفيف أمام الدولار يوم الثلاثاء، بينما استقرت الأسهم في الصين وهونغ كونغ.

«الشرق الأوسط» (بكين)

تأخيرات بنهر الدانوب تطيل زمن نقل الحبوب من أوكرانيا إلى مصر

تجميع الحصاد من القمح في حقل في منطقة خاركيف بأوكرانيا (رويترز)
تجميع الحصاد من القمح في حقل في منطقة خاركيف بأوكرانيا (رويترز)
TT

تأخيرات بنهر الدانوب تطيل زمن نقل الحبوب من أوكرانيا إلى مصر

تجميع الحصاد من القمح في حقل في منطقة خاركيف بأوكرانيا (رويترز)
تجميع الحصاد من القمح في حقل في منطقة خاركيف بأوكرانيا (رويترز)

قالت مصادر بقطاع الشحن، يوم الثلاثاء، إن الازدحام وطول فترات الانتظار لدخول نهر الدانوب والعودة إلى البحر الأسود يؤديان إلى إطالة الوقت اللازم لتسليم الحبوب من أوكرانيا إلى مصر، المستورد الرئيسي، من 12 يوماً إلى أكثر من شهر وهو ما يهدد الربحية، وفقاً لـ«رويترز».

وتم تحويل مسار معظم شحنات البضائع، بما في ذلك الحبوب، لتمر عبر موانئ نهر الدانوب بعد أن أدت الهجمات الروسية إلى إغلاق موانئ أوكرانيا على البحر الأسود بحكم الأمر الواقع بعدما كان يتم من خلالها شحن 90 في المائة من صادرات البلاد.

وتشغّل أوكرانيا 3 موانئ نهرية رئيسية على نهر الدانوب، ويتم الآن توجيه جميع الصادرات والواردات البحرية، بما في ذلك الشحنات ذات الأولوية، عبرها.

والسفن المتجهة إلى الموانئ الأوكرانية ليست الوحيدة التي تستخدم قناة سولينا، وإنما تستخدمها أيضاً السفن المتجهة إلى الموانئ في رومانيا ومولدوفا؛ ما يؤدي إلى تأخيرات طويلة وارتفاع تكاليف الشحن، ومن ثم انخفاض القدرة التنافسية للحبوب الأوكرانية في الأسواق الدولية.

قفزة التكاليف

قالت شركة الاستشارات الزراعية (إيه إس إيه بي أجري) إن تكلفة شحن طن واحد من الحبوب من موانئ أوكرانيا على نهر الدانوب إلى الموانئ المصرية بلغت نحو 105 دولارات بحلول 11 سبتمبر (أيلول) مقابل 30 دولاراً في 11 يوليو (تموز) عندما كانت موانئ البحر الأسود لا تزال تعمل.

وذكرت الشركة: «الإمدادات كبيرة، إلا أن توافر السعة الاستيعابية للسفن المستعدة للقيام بمثل هذه الرحلات لا يزال محدوداً، لا سيما في ظل التأخيرات المتزايدة بسرعة في سولينا».

وأشارت إلى أن وقت الانتظار لا يقتصر على الدخول إلى القناة، بل يشمل أيضاً الخروج منها، ويمكن أن يصل إلى نحو 15 يوماً و3 أيام على التوالي.

وأضافت: «نتيجة ذلك، يواصل مالكو السفن المطالبة بأسعار شحن مرتفعة؛ ما لا يترك للمستأجرين خياراً سوى قبولها».

وتظهر بيانات رسمية أن أوكرانيا صدّرت 606 آلاف طن من الحبوب في النصف الأول من شهر سبتمبر، مقابل 1.57 مليون طن تم شحنها إلى الخارج في الفترة من الأول إلى التاسع عشر من سبتمبر 2025.

وذكرت الوزارة أن 45 في المائة من كمية الصادرات الحالية تُشحن عبر نهر الدانوب، و45 في المائة عبر معابر السكك الحديدية مع أوروبا الشرقية، و10 في المائة بواسطة شاحنات.

وقالت السلطات الأوكرانية إن البلاد يمكن أن تصدِّر ما لا يقل عن 500 ألف طن من الحبوب شهرياً من موانئ نهر الدانوب.

ومع ذلك، تقول مصادر بقطاع الشحن إن الطقس في الخريف والشتاء ربما يقلل من كميات الصادرات. وأشاروا كمثال على ذلك إلى تعليق الشحن عبر قناة سولينا، الاثنين، بسبب ارتفاع الأمواج.

وقالت كاترينا كونونينكو من شركة «أفالون» للشحن: «بالنظر إلى اقتراب فصلي الخريف والشتاء وتوقعات تكرار موجات الطقس السيئ والتقديرات بأن تكون القناة مفتوحة لعدد أقل من الأيام، فإنه لا توجد إمكانية فعلية لتقليل وقت العبور عبر نهر الدانوب من الموانئ الأوكرانية وإليها بشكل ملحوظ».


منتدى اليونيسكو في الرياض يبحث أخلاقيات الذكاء الاصطناعي ومخاطر تسارعه

إحدى جلسات المنتدى العالمي الرابع لليونيسكو لأخلاقيات الذكاء الاصطناعي في الرياض (الشرق الأوسط)
إحدى جلسات المنتدى العالمي الرابع لليونيسكو لأخلاقيات الذكاء الاصطناعي في الرياض (الشرق الأوسط)
TT

منتدى اليونيسكو في الرياض يبحث أخلاقيات الذكاء الاصطناعي ومخاطر تسارعه

إحدى جلسات المنتدى العالمي الرابع لليونيسكو لأخلاقيات الذكاء الاصطناعي في الرياض (الشرق الأوسط)
إحدى جلسات المنتدى العالمي الرابع لليونيسكو لأخلاقيات الذكاء الاصطناعي في الرياض (الشرق الأوسط)

في وقت تتسارع فيه قدرات الذكاء الاصطناعي بوتيرة تسبق قدرة الحكومات والمؤسسات على وضع أطر فعالة لإدارة مخاطره، جاء المنتدى العالمي الرابع لليونيسكو لأخلاقيات الذكاء الاصطناعي في الرياض لبحث الانتقال من وضع المبادئ العامة إلى تطبيقها عملياً، وسط جدل متصاعد حول ما إذا كانت وتيرة تطوير التقنيات المتقدمة قد أصبحت أسرع من قدرة أنظمة الحوكمة والسلامة على مواكبتها.

ويأتي المنتدى في ظل دعوات من قيادات في كبرى شركات الذكاء الاصطناعي إلى إبطاء تطوير بعض القدرات المتقدمة لإتاحة مزيد من الوقت لتعزيز إجراءات السلامة والحوكمة، في مقابل توجهات سياسية تؤكد ضرورة مواصلة السباق التقني والحفاظ على التفوق في هذا المجال.

وكان الرئيس التنفيذي لشركة «أنثروبيك»، داريو أمودي، دعا شركات الذكاء الاصطناعي إلى إبطاء وتيرة تطوير قدرات النماذج المتقدمة، مقترحاً إطاراً يتضمن وجود جهات مستقلة لتقييم السلامة، ووضع معايير مشتركة، وتعزيز التعاون الدولي لإدارة المخاطر. وحظيت دعوته هذه بتأييد الرئيس التنفيذي لشركة «أوبن إيه آي» سام ألتمان، وإيلون ماسك، فيما أيدها كذلك ديميس هاسابيس من «غوغل ديب مايند».

وقال أمودي إن التطور «يجب أن يكون أبطأ»، معتبراً أن إتاحة مزيد من الوقت لإجراءات السلامة ضرورية مع استمرار التقدم السريع في قدرات نماذج الذكاء الاصطناعي.

وفي المقابل، رفض الرئيس الأميركي دونالد ترمب الدعوات إلى إبطاء تطوير الذكاء الاصطناعي، داعياً إلى الحفاظ على ريادة الولايات المتحدة في هذا المجال، في ظل المنافسة مع الصين.

وتضع هذه التطورات قضية الحوكمة في صلب النقاش الذي يناقشه المنتدى في الرياض، مع انتقال الاهتمام الدولي من وضع المبادئ العامة لأخلاقيات الذكاء الاصطناعي إلى كيفية تطبيقها وإدارة المخاطر المرتبطة بالتطور السريع للتقنية.

وقالت آسيا ريجينيه، المديرة العامة المساعدة للعلوم الاجتماعية والإنسانية في منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونيسكو)، خلال افتتاح المنتدى، إن العالم يمر «بلحظة حاسمة» مع التطور المتسارع للذكاء الاصطناعي، مشيرة إلى أن التقنية «تتقدم بسرعة غير مسبوقة، وربما بسرعة أكبر من اللازم، فيما تكافح الحوكمة للحاق بها».

وأضافت أن التطورات الأخيرة في مجال الذكاء الاصطناعي تؤكد الحاجة إلى تعزيز التعاون الدولي في حوكمة التقنية، مشيرة إلى أن توصية اليونيسكو بشأن أخلاقيات الذكاء الاصطناعي، التي اعتمدتها 193 دولة عضواً قبل خمس سنوات، انتقلت إلى مرحلة جديدة من التنفيذ.

الدول الأعضاء

وأوضحت أن 109 دول أعضاء تحركت نحو تنفيذ التوصية، فيما بدأت أو استكملت 78 دولة تقييم الجاهزية للذكاء الاصطناعي وفق منهجية اليونيسكو، مؤكدة أن الهدف لم يعد يقتصر على الاتفاق على المبادئ، وإنما دعم المؤسسات والأفراد في تحويلها إلى تطبيقات عملية.

وفي السياق ذاته، ذكر رئيس الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي (سدايا) الدكتور عبد الله بن شرف الغامدي، أن المخاوف التي عبرت عنها مؤخراً قيادات شركات كبرى بشأن تسارع تطوير تقنيات الذكاء الاصطناعي المتقدمة تتطلب تحويل المبادئ المشتركة إلى تطبيق عملي.

ووفق الغامدي فإن «المرحلة المقبلة تتطلب البناء على هذه المبادئ المشتركة وتحويلها إلى تطبيق عملي من خلال سياسات قابلة للتنفيذ، وأدوات فاعلة لإدارة المخاطر، وقدرات مؤسسية تمكّن الدول من تطبيقها في واقعها».

وأوضح أن تطبيق الحوكمة لا يعني تبني نموذج موحد بين الدول، قائلاً: «لا يعني بالضرورة أن تتبنى الدول نموذجاً موحداً، بل أن ننطلق من مبادئ مشتركة، وأن نتبادل الخبرات والأدوات مع احترام أولويات كل دولة وثقافتها».

جانب من الحضور في المنتدى العالمي الرابع لليونيسكو لأخلاقيات الذكاء الاصطناعي (الشرق الأوسط)

البنية التحتية

وشدد الغامدي على أهمية ربط الحوكمة بالقدرة على الاستفادة من التقنية، قائلاً: «لا ينبغي أن تنفصل الحوكمة عن التمكين؛ فالدول تحتاج إلى الأطر كما تحتاج إلى المهارات، والبيانات، والبنية التحتية التي تمكّنها وتعظّم الاستفادة من تبني تقنيات الذكاء الاصطناعي».

ولفت إلى أن السعودية أطلقت في 2026 الإطار الوطني لإدارة مخاطر الذكاء الاصطناعي، إلى جانب علامات أخلاقيات الذكاء الاصطناعي، بما يجعل الحوكمة وإدارة المخاطر جزءاً من عملية تبني تقنيات الذكاء الاصطناعي.

ويشارك المركز الدولي لأبحاث وأخلاقيات الذكاء الاصطناعي (إيكايِر) في استضافة المنتدى إلى جانب اليونيسكو والسعودية ممثلة في «سدايا»، ويضطلع المركز بدور في دعم البحث وبناء القدرات في مجال أخلاقيات الذكاء الاصطناعي، بعد انضمامه إلى شبكة مراكز الفئة الثانية التابعة لليونيسكو.

ويبحث المنتدى، الذي تستضيفه السعودية في الرياض، سبل الانتقال من المبادئ الأخلاقية للذكاء الاصطناعي إلى تطبيقها عملياً، في وقت يتزايد فيه الضغط على الحكومات والمؤسسات لتطوير أطر قادرة على مواكبة سرعة تطور التقنية وإدارة مخاطرها.


«منظمة التجارة العالمية» تدعو لإصلاح النظام وتحذر من تكلفة الانقسام

شعار «منظمة التجارة العالمية» على مقرها في جنيف بسويسرا (رويترز)
شعار «منظمة التجارة العالمية» على مقرها في جنيف بسويسرا (رويترز)
TT

«منظمة التجارة العالمية» تدعو لإصلاح النظام وتحذر من تكلفة الانقسام

شعار «منظمة التجارة العالمية» على مقرها في جنيف بسويسرا (رويترز)
شعار «منظمة التجارة العالمية» على مقرها في جنيف بسويسرا (رويترز)

دعت «منظمة التجارة العالمية»، الثلاثاء، أعضاءها إلى إصلاح قواعد التجارة العالمية، محذرة بأن الفشل في ذلك قد يدفع بالاقتصاد العالمي نحو مزيد من الانقسام والتشرذم، بما يهدد بخفض الإنتاج الاقتصادي العالمي وإلحاق أضرار جسيمة بالدول الأكبر فقراً.

وقالت «المنظمة»، التي تتخذ من جنيف مقراً لها، في تقريرها السنوي، إن القواعد التجارية الحالية تواجه صعوبة متصاعدة في مواكبة تحولات موازين القوى الاقتصادية العالمية، وصعود السياسات الصناعية، واتساع نطاق التجارة الرقمية، فضلاً عن تصاعد التوترات السياسية بين القوى الكبرى، وفق «رويترز».

ويأتي هذا التحذير بعد إخفاق الدول الأعضاء الـ166 بـ«المنظمة» في التوصل إلى اتفاق بشأن حزمة إصلاحات خلال الاجتماع الوزاري الذي عُقد في ياوندي بالكاميرون خلال مارس (آذار) الماضي، قبل استئناف المفاوضات في جنيف بشأن قضايا تشمل آليات اتخاذ القرار، وتسوية النزاعات التجارية، والتحديات المرتبطة بالدعم الحكومي وتدخل الدولة في الاقتصاد.

وتواجه «المنظمة» صعوبات في تحقيق توافق بين جميع أعضائها؛ نظراً إلى اختلاف مستويات التنمية الاقتصادية وتباين المصالح بين الدول الأعضاء، في ظل اعتمادها على مبدأ الإجماع في اتخاذ القرارات.

وأظهرت نماذج أعدها اقتصاديون في «المنظمة» أن انقسام العالم إلى كتل جيوسياسية متنافسة قد يؤدي إلى تراجع الناتج المحلي الإجمالي العالمي بنسبة 5.1 في المائة، وانخفاض الصادرات العالمية بنسبة 18.6 في المائة، بحلول عام 2050، مقارنة بالمسار الأساسي.

وفي سيناريو أكبر تشدداً، يتمثل في انهيار التعاون متعدد الأطراف واستبدال شبكة متفرقة من اتفاقيات التجارة الحرة به، قد يتراجع الناتج المحلي الإجمالي العالمي بنسبة 6.9 في المائة وتنخفض الصادرات بنحو 27 في المائة.

في المقابل، أشار التقرير إلى أن تعزيز التعاون متعدد الأطراف يمكن أن يرفع الناتج المحلي الإجمالي العالمي بنسبة 2.9 في المائة ويزيد الصادرات العالمية بنحو 18 في المائة.

وأكدت «المنظمة» أن الدول الأقل نمواً ستكون المستفيد الأكبر من تعزيز التعاون الدولي، لكنها في الوقت نفسه ستكون الأكبر عرضة للخسائر إذا تسارع تفكك النظام التجاري العالمي.

التجارة العالمية عند مفترق طرق

وقال كبير الاقتصاديين في «منظمة التجارة العالمية»، روب ستايغر، لـ«رويترز»، إن نظام التجارة العالمي يقف عند «منعطف حاسم»، مشيراً إلى 4 تحديات رئيسية تواجهه، هي: اتساع توزيع القوة الاقتصادية عالمياً، وازدياد تدخل الحكومات في الاقتصادات الوطنية، والتحولات التي فرضتها الرقمنة وسلاسل القيمة العالمية على طبيعة التجارة، إضافة إلى تصاعد الاحتكاكات السياسية بين الدول.

وأضاف: «القواعد الحالية تتعرض لضغوط متصاعدة، وهذا يترك أثراً ملموساً بالفعل. وإذا انهار النظام متعدد الأطراف على المستوى العالمي، فإن السيناريوهات التي أعددناها تشير إلى أن التكاليف الاقتصادية ستكون كبيرة للغاية».

وتأتي هذه التقديرات في وقت تتجه فيه دول كثيرة إلى إبرام ترتيبات تجارية إقليمية وقطاعية خاصة، وسط تصاعد التوترات التجارية وفرض الولايات المتحدة رسوماً جمركية واسعة النطاق.

وفي مارس الماضي، وافقت مجموعة من أعضاء المنظمة على المضي قدماً في أول مجموعة أساسية من القواعد المنظمة للتجارة الرقمية من خلال اتفاق متعدد الأطراف، متجاوزة اعتراضات بعض الأعضاء.

ورأى ستايغر أن الاتفاقيات التجارية الإقليمية والمبادرات متعددة الأطراف المحدودة قد تسهم في تعزيز النظام التجاري العالمي، لكنه حذر بأنها قد تتحول كتلاً متنافسة تقوض هذا النظام إذا ابتعدت عن الإطار متعدد الأطراف.

وأوضح أن غياب إطار قوي لـ«منظمة التجارة العالمية» قد يدفع بهذه الترتيبات إلى توجيه التجارة نحو شركاء مفضلين بدلاً من المنتجين الأعلى كفاءة، كما قد يشجع التكتلات التجارية على إقامة حواجز جديدة أمام الأطراف الخارجية.

وأضاف أن قواعد «المنظمة» تلعب دوراً أساسياً في الحد من التمييز ضد الدول غير الأعضاء في الاتفاقيات التجارية، وفي ضبط كيفية تصميم اتفاقيات التجارة الحرة.

وأشارت «المنظمة» إلى أن حالة عدم اليقين المرتبطة بالسياسات التجارية بلغت مستويات غير مسبوقة خلال السنوات الأخيرة، مع ازدياد استخدام الحكومات الرسوم الجمركية، والدعم الحكومي، وقيود التصدير، والسياسات الصناعية.

ورغم أن نحو 72 في المائة من تجارة السلع العالمية لا تزال تجري وفق مبدأ «الدولة الأولى بالرعاية» المعتمد في «منظمة التجارة العالمية»، مقارنة بنحو 80 في المائة عام 2022، فإن ستايغر وصف هذا التراجع بأنه «اتجاه مقلق»، يعكس خطر التآكل التدريجي للنظام التجاري متعدد الأطراف.