تبدو «ترافالغار سكوير» في قلب لندن مختلفة قليلاً هذه الأيام. ففي إحدى زواياها، تقف امرأة سوداء شابة بفستان أزرق وحذاء بكعب من اللون نفسه، تتزين بمجوهرات من الخرز الزجاجي، فيما توحي وقفتها بأنها لا تنتظر أحداً... بل تمضي إلى الأمام.
العمل البرونزي يحمل اسم «Lady in Blue» (السيدة باللون الأزرق)، وهو للفنانة الأميركية تشابالالا سيلف المقيمة في نيويورك، وسيبقى في الساحة لمدة عامين، ضمن الأعمال الفنية التي تتناوب على «القاعدة الرابعة» (Fourth Plinth)، إحدى أشهر منصات الفن العام في العاصمة البريطانية. وفقاً لشبكة «سي إن إن».

والتمثال هو السادس عشر الذي يحتل هذه القاعدة، التي تحولت على مدى السنوات إلى مساحة لاستضافة أعمال فنية معاصرة تثير النقاش، وتقف في مواجهة المعالم التاريخية المحيطة بها، وفي مقدمتها عمود نيلسون وتماثيل الأسود الشهيرة.
لكن «السيدة باللون الأزرق» لا تحاول منافسة الماضي بقدر ما تتطلع إلى المستقبل. أرادت سيلف أن تقدم امرأة معاصرة لا ترتبط بشخصية تاريخية محددة، وأن تترك للمشاهد مساحة ليرى فيها نفسه.
وقالت الفنانة قبل الكشف عن العمل إنها أرادت «لفت انتباه الجميع إلى المستقبل»، معتبرة أن العالم لا يملك ما يكفي من النصب التي تتحدث عن المستقبل المشترك الذي ينتظرنا.

ويحمل التمثال أيضاً دلالة خاصة في بريطانيا، حيث لا تزال الأعمال النحتية التي تصور النساء السوداوات محدودة للغاية. وتشتهر سيلف بتقديم الجسد الأنثوي الأسود بطريقة تفتح نقاشاً حول العرق والهوية والنوع الاجتماعي، لكنها لا تريد اختزال أعمالها في هذه القضايا وحدها.
وتقول إن ما يهمها هو أن يغادر الناس المكان وهم يشعرون بأن بإمكانهم أن يكونوا على طبيعتهم، من دون الحاجة إلى تقديم تفسير لأنفسهم أو لهويتهم.
وللفنانة تجربة سابقة أكثر قسوة في بريطانيا. ففي عام 2023، تعرض تمثالها «Seated» (جالسة) في بيكسهيل أون سي للتخريب، بعدما رُشّ جسد المرأة السوداء فيه بالطلاء الأبيض. شعرت سيلف بحزن شديد، لكنها رأت لاحقاً في الحادثة درساً حول الطريقة التي يمكن أن يعكس بها العنف الواقع على التماثيل ما يواجهه أشخاص حقيقيون في حياتهم.
وبعد الحادثة، شارك سكان المنطقة في تنظيف التمثال وإزالة الطلاء عنه، في مشهد اعتبرته الفنانة تعبيراً عن رغبة المجتمع في مواجهة مشكلاته.
أما في «السيدة باللون الأزرق»، فتبقى الحركة هي الرسالة الأوضح. المرأة لا تقف ساكنة؛ إنها تخطو إلى الأمام بثقة، في إشارة إلى الطموح والأمل وإمكانية البدء من جديد.
وتقول سيلف: «لديها رغبة في الحركة». وربما لهذا السبب تبدو المرأة، وسط زحام «ترافالغار سكوير»، وكأنها لا تقف هناك من أجل أن ينظر إليها المارة فحسب، بل لتذكرهم بأن الطريق إلى الأمام مفتوح أمام الجميع.



