ليبيا: احتفال «التبو» بـ«اليوم الوطني» يعيد التوترات إلى الكفرة

في ظل أزمات اجتماعية متصاعدة منذ سقوط نظام القذافي

اجتماع لرئيس البرلمان الليبي عقيلة صالح مع قيادات وشخصيات قبلية (المنبر الإعلامي لقبيلة «الزوي»)
اجتماع لرئيس البرلمان الليبي عقيلة صالح مع قيادات وشخصيات قبلية (المنبر الإعلامي لقبيلة «الزوي»)
TT

ليبيا: احتفال «التبو» بـ«اليوم الوطني» يعيد التوترات إلى الكفرة

اجتماع لرئيس البرلمان الليبي عقيلة صالح مع قيادات وشخصيات قبلية (المنبر الإعلامي لقبيلة «الزوي»)
اجتماع لرئيس البرلمان الليبي عقيلة صالح مع قيادات وشخصيات قبلية (المنبر الإعلامي لقبيلة «الزوي»)

أطلت توترات قبلية برأسها في مدينة الكفرة، جنوب شرقي ليبيا أخيراً، على خلفية خلافات بين قبيلتَي «الزوي» و«التبو»، إثر الترويج لتنظيم احتفال بمناسبة «اليوم الوطني للثقافة التباوية» في المدينة، في مشهد أعاد إلى الواجهة ذكريات صراع مسلح دامٍ لأشهر بين الطرفين قبل نحو 11 عاماً.

ويربط الشيخ إبراهيم أبو بكر نصر، رئيس «المجلس الأعلى لمشايخ وأعيان فزان»، التوترات الحالية في الكفرة بسياق أوسع، عادّاً أنه نتج عن «تراكمات متوارثة منذ الإطاحة بنظام العقيد معمر القذافي في عام 2011، في ظلِّ ضعف حضور الدولة، وما ترتب على ذلك من توترات اجتماعية ومشكلات على الحدود، وتدفقات للمهاجرين وتغيرات في التركيبة السكانية»، بحسب تصريح لـ«الشرق الأوسط».

ولم تشهد الكفرة، منذ انتهاء النزاع المسلح بين «الزوي» و«التبو» قبل 11 عاماً، تسوية اجتماعية نهائية تنهي تداعياته بصورة كاملة. وقد أسفر القتال، الذي اندلع وقتها في الكفرة ومحيطها، وانتهى في أكتوبر (تشرين الأول) 2015، عن مقتل وإصابة العشرات، قبل أن تنجح وساطة قادها قادة قبليون وبرلمانيون في التَّوصُّل إلى وقف للقتال.

لكن قبل أيام، عاد التوتر بين القبيلتين إلى الواجهة، مع إعلان سكان من مكون التبو تنظيم «اليوم الوطني للثقافة التباوية» في 15 سبتمبر (أيلول) داخل المدينة، بمشاركة الناشط والشخصية الاجتماعية باباي إنكازي التباوي. وهو ما أثار اعتراض أوساط من قبيلة الزوي، التي عدّت استقباله في الكفرة استفزازاً، في ظلِّ توترات سابقة بين الجانبين، بحسب مصدر محلي تحدَّث إلى «الشرق الأوسط»، مفضِّلاً عدم ذكر اسمه لحساسية الموقف.

وتصاعد الخلاف عقب تداول مقطع مصور عبر صفحات تواصل ليبية وإعلام محلي، الجمعة، لرئيس «المجلس الاجتماعي لقبيلة الزوي»، السنوسي الحليق، خلال اجتماع مع رئيس البرلمان عقيلة صالح، وقادة قبليين، انتقد فيه إقامة مهرجان للتبو في الكفرة، عادّاً أن تنظيمه «لا يراعي مشاعر قبيلة الزوي»، في ظلِّ عدم التَّوصُّل إلى مصالحة نهائية بين الطرفين.

وحذَّر الحليق من تداعيات «عدم استقرار الجنوب الشرقي»، مستشهداً بتقارير تتحدث عن انتشار ملايين من قطع السلاح خارج سلطة الدولة، قبل أن ينتقد قرار حكومة أسامة حماد اعتماد مخطط لبلدية ربيانة، وتخصيص 4500 قطعة أرض فيها، متهماً السلطات بالسماح باستقرار أعداد من التبو القادمين من تشاد والنيجر في المنطقة، واصفاً ذلك بأنه «توطين علني وصريح».

وفي محاولة لاحتواء تداعيات تصريحاته، أوضح القيادي القبلي أن حديثه لا يشمل التبو الليبيين، قائلاً: «أيدينا دائماً ممدودة للتبو الليبيين، فهم إخوتنا في الوطن، لكن حديثنا عن غير الليبيين».

وأثارت هذه التصريحات ردود فعل غاضبة في أوساط اجتماعية تابعة للتبو، مساء الجمعة، عدَّت وصف القادمين من تشاد والنيجر بـ«معبّدة» (عبيد) إساءةً مرفوضةً، ورأت فيه خطاباً يحمل دلالات عنصرية وتحريضية.

اجتماع رئيس وأعضاء مجلس شيوخ وأعيان التبو بليبيا في يوليو الماضي (الصفحة الرسمية للمجلس)

ووجّه «التجمع الوطني التباوي» خطاباً إلى عقيلة صالح، عدَّ فيه صدور التصريحات خلال لقاء بحضوره «أمراً بالغ الخطورة»، محذِّراً من أنَّ مثل هذا الخطاب قد يهدِّد السلم الأهلي، ويفتح الباب أمام توترات على أساس الهوية والانتماء العرقي. وطالب التَّجمُّع صالح بتوضيح موقفه الشخصي وموقف مجلس النواب من التصريحات، وإدانة أي تهديد يستهدف التبو في مختلف أنحاء ليبيا.

كما عبَّر مشايخ وأعيان وشباب من «التبو» عن رفضهم لما وصفوه بـ«الإساءة، والخطاب العنصري» بحق مكونهم، مطالبين الحليق بتقديم اعتذار. وحذَّروا، في بيان، من أنَّ خطاب التحقير والتمييز يمكن أن يزيد الاحتقان، ويمس النسيج الاجتماعي، داعين عقلاء قبيلة الزوي إلى المساهمة في احتواء الموقف.

وتكتسب الكفرة حساسيةً خاصةً في المشهد الليبي، بحكم موقعها في أقصى الجنوب الشرقي قرب الحدود مع مصر والسودان وتشاد، فضلاً عن تركيبتها الاجتماعية المتنوعة، وتداخل الاعتبارات القبلية والحدودية فيها.

وتضم المدينة مجموعتَين اجتماعيَّتين رئيسيَّتين من العرب والتبو. وفي ظلِّ غياب إحصاء سكاني رسمي حديث، تشير تقديرات بحثية سابقة أوردها «تشاتام هاوس» إلى أنَّ عدد العرب في الكفرة، ومن بينهم «الزوي»، كان نحو 55 ألف نسمة، مقابل أقل من 10 آلاف من «التبو»، وهي أرقام لا تعكس بالضرورة الوضع الديموغرافي الحالي.

وفي محاولة لاحتواء التوتر، دعا عضو المجلس الأعلى للدولة، موسى فرج، إلى عدم تحويل الخلافات الناجمة عن مواقف فردية إلى صراع اجتماعي، مؤكداً أصالة القبيلة في المجتمع الليبي، مع ضرورة بقاء دورها اجتماعياً وأخلاقياً دون أن تحل محل الدولة والمواطنة، بحسب منشور عبر «فيسبوك».

أما عضوة الهيئة التأسيسية لصياغة الدستور، رانيا الصيد، فقد ذكّرت بأن الليبيين توحدوا خلال مقاومة الغزو الإيطالي، بعيداً عن الانتماءات القبلية والمناطقية، مؤكدة أن القبيلة كانت آنذاك «خندقاً للذود عن الوطن وليست سوراً للتقسيم»، في إشارة إلى أهمية الوحدة الوطنية.

وتُعدُّ الكفرة أبرز مراكز قبيلة «الزوي» في جنوب شرقي ليبيا، مع حضور تاريخي لها في أجدابيا ومناطق أخرى من برقة والداخل الصحراوي. أما «التبو»، فهم مجموعة إثنية صحراوية عابرة للحدود، تنتشر في جنوب ليبيا وشمال تشاد والنيجر، ولها حضور بارز في الكفرة ومحيطها.

ومع عودة التوترات القبلية، يرى رئيس المجلس الأعلى لقبائل ومشايخ فزان أنَّ القيادة العامة للجيش الوطني، التي تسيطر على شرق ليبيا وأجزاء واسعة من جنوبها، تحاول التعامل بهدوء مع مثل هذه التوترات، بما يحفظ السلم الاجتماعي، لكنه يرى أن المعالجة الأمنية وحدها لا تكفي لإنهاء أسبابها.

ويخلص إلى أن الحلَّ الأكثر استدامة يظلُّ مرتبطاً بعودة الاستقرار إلى مؤسسات الدولة، وتعزيز حضورها على الحدود وفي المدن الجنوبية، بما يحد من قدرة الخلافات القبلية والحدودية على التحول إلى أزمات أمنية واجتماعية جديدة.


مقالات ذات صلة

اتفاق «لجنة الحوار» يفجر تباينات بين قوى إسلامية في ليبيا

شمال افريقيا رئيس المجلس الأعلى للدولة محمد تكالة متحدثاً إلى رئيس حزب «العدالة والبناء» فيصل الصافي خلال لقاء بطرابلس في مايو الماضي (صفحة الحزب)

اتفاق «لجنة الحوار» يفجر تباينات بين قوى إسلامية في ليبيا

أعاد اتفاق لجنة الحوار المصغرة «4+4» إلى الواجهة الانقسام المتنامي داخل القوى المحسوبة على التيار الإسلامي في ليبيا.

علاء حموده (القاهرة)
شمال افريقيا رئيس جهاز الاستخبارات التركي إبراهيم قالن في تركيا مع رئيسي مجلسي «النواب» و«الدولة» عقيلة صالح ومحمد تكالة أمس الخميس (المركز الإعلامي لصالح)

عَودة صالح وتكالة للحوار... خلط جديد لأوراق الأزمة الليبية

في تحرك وصف بأنه يعيد خلط أوراق الأزمة الليبية، جاء اتفاق رئيسي «النواب» و«الدولة»، عقيلة صالح ومحمد تكالة، ليرسم ملامح مرحلة يرى فيها البعض «مناورة سياسية».

جمال جوهر (القاهرة)
شمال افريقيا مشروع عمارات الجبل في درنة شرق ليبيا (صندوق التنمية والإعمار في شرق ليبيا)

3 أعوام على «دانيال»... درنة الليبية تتعافى وأسر ما زالت تنتظر حقوقها

بين تسارع وتيرة الإعمار وبلوغها مستويات متقدمة، واستمرار وجع الملفات العالقة؛ تمضي درنة الليبية في استعادة عافيتها وسط مطالبات متجددة بالتعويض الشامل والعدالة.

علاء حموده (القاهرة)
شمال افريقيا جانب من عملية إنقاذ المهاجرين قبالة زوارة الليبية أغسطس الماضي (الإدارة العاملة لأمن السواحل بغرب ليبيا)

لماذا يصر خفر السواحل الليبي على إعادة «المهاجرين» من البحر؟

جددت «أطباء بلا حدود» اتهاماتها لخفر السواحل الليبي بالإعادة القسرية للمهاجرين، وسط شكوك متزايدة حول دوافع تمسّك السلطات بتكثيف الاعتراض بالبحر.

جمال جوهر (القاهرة)
شمال افريقيا المنفي مستقبلاً وفد المجلس العسكري - مصراتة (مكتب المنفي)

المنفي يرفض أي ترتيبات تعيد إنتاج الانقسام السياسي في ليبيا

واصل محمد المنفي رئيس المجلس الرئاسي الليبي على مدى اليومين الماضيين لقاءاته مع قوى اجتماعية محلية، في تحرك بدا بمثابة تحشيد داخلي لمواجهة «المبادرة الأميركية».

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

هل تكفي إعادة هيكلة أكبر تجمع مصري مُعارض لإنعاش حضوره السياسي؟

جانب من مؤتمر اقتصادي نظمته الحركة في مايو الماضي (الحركة المدنية)
جانب من مؤتمر اقتصادي نظمته الحركة في مايو الماضي (الحركة المدنية)
TT

هل تكفي إعادة هيكلة أكبر تجمع مصري مُعارض لإنعاش حضوره السياسي؟

جانب من مؤتمر اقتصادي نظمته الحركة في مايو الماضي (الحركة المدنية)
جانب من مؤتمر اقتصادي نظمته الحركة في مايو الماضي (الحركة المدنية)

بعد خلافات موسعة أدت إلى انسحاب عدد من الأحزاب، اتخذت «الحركة المدنية الديمقراطية»، وهي أكبر تجمع مصري معارض، إجراءات إصلاحية لإعادة هيكلة تنظيماتها، ما أثار تساؤلات بشأن ما إذا كانت هذه الخطوات كافيةً لإنعاش حضورها السياسي.

وقررت «الحركة» إلغاء «مجلس الأمناء»، الذي يضم شخصيات عامة، ويعود إليه تنظيمياً اتخاذ القرارات النهائية، واستبدال «لجنة تنفيذية» به غلب على تشكيلها تصعيد لافت لجيل الشباب.

وحسب بيان «الحركة»، مساء الجمعة، ما زالت «النقاشات مستمرة لاستكمال تشكيل اللجنة»، حتى تكون «تعبيراً عن مكونات الحركة الحالية، أو التي سوف تنضم للحركة من أحزاب وشخصيات عامة»، كما تم اختيار «منسق عام» جديد للحركة من جيل الشباب هو المهندس أكرم إسماعيل، الذي يشغل حالياً موقع «منسق الاتصال السياسي» بحزب «العيش والحرية» (تحت التأسيس).

وجاءت إعادة هيكلة «الحركة»، التي تأسست عام 2017، وتعد أكبر تجمع مصري معارض، عقب أزمات داخلية، أدت إلى إعلان أحزاب «المصري الديمقراطي الاجتماعي» و«الإصلاح والتنمية»، و«العدل»، ثم حزب «المحافظين»، تجميد عضويتها، عقب ما عُرف بأزمة «قصر قرطام»، حين أصدرت الحركة في مايو (أيار) الماضي بياناً أعلنت فيه رفضها قيام الحكومة بهدم قصر على النيل مملوك لرئيس حزب «المحافظين» رجل الأعمال أكمل قرطام، إذ ربطت «الحركة» قضية القصر، الذي قالت الحكومة إنه خالف إجراءات البناء، بقضايا جماهيرية عامة، ما أثار انتقادات واسعة، واضطرت الحركة لاحقاً إلى الاعتذار، وسحب البيان.

إعادة هيكلة أكبر تجمع مصري مُعارض بمصر (الحركة المدنية)

وفي يونيو (حزيران) الماضي، شكلت «الحركة» لجنة لإعادة «الهيكلة»، تتولى فحص ودراسة جميع المقترحات المقدمة لتطوير وتجديد أدائها السياسي والتنظيمي.

وأعلنت «الحركة»، في بيان «إعادة الهيكلة»، الجمعة، قبول «تجميد نشاط الأحزاب التي أعلنت تجميد عضويتها»، مؤكدة على «اعتبار الأحزاب التي قررت المشاركة في الاستحقاقات الانتخابية السابقة على قوائم السلطة، مهما كانت أسبابها، خارجة عن الحركة»، في إشارة إلى الأحزاب التي خاضت الانتخابات البرلمانية السابقة ضمن «القائمة الوطنية» التي أعدتها أحزاب «الموالاة».

وقال «المنسق العام» الجديد للحركة أكرم إسماعيل لـ«الشرق الأوسط»، إن«إعادة الهيكلة تهدف إلى محاولة استعادة زخم الحركة وإعادة تقديم نفسها للجمهور باعتبارها كياناً معارضاً عبر أنشطة وفعاليات جديدة، والتشاور السياسي مع شخصيات عامة من خارج الحركة»، مؤكداً أنه يتوقع أن «يؤدي تصعيد الشباب للمواقع القيادية بالحركة إلى إحداث زخم سياسي واسع».

وحسب بيان «إعادة الهيكلة»، تنفتح الحركة خلال المرحلة المقبلة على انضمام «الفاعلين السياسيين من خارجها، في مقدمتهم القوى الشابة والشخصيات العامة»، كما رحبت بـ«أي نقد لها»، مؤكدة أنها «سوف تتفاعل مع النقد في إطار من الشفافية».

اجتماع سابق للحركة المدنية (الحركة المدنية)

وعلى الرغم من ترحيبه بتصعيد الشباب، يعتقد الخبير في الشؤون السياسية والبرلمانية، نائب مدير «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية» الدكتور عمرو هاشم ربيع، أن إعادة هيكلة الحركة «لا تكفي لاستعادة حضورها السياسي»، وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «الحركة تحتاج إلى إعادة النظر في برنامجها السياسي، لأن أحد أسباب أزماتها الداخلية وجود مكونات سياسية متنوعة من أحزاب ذات آيدلوجيات مختلفة ومتباعدة، وهو ما يتطلب نقاشات لتحديد نقاط الاتفاق والاختلاف حول القضايا الرئيسية والآليات السياسية للتعاطي معها».

وحسب ربيع، فإن «اختلاف الآيدلوجيات بين أحزاب الحركة يحتاج إلى تحديد رؤية سياسية عامة تترجم إلى برنامج موحد تتوافق حوله أحزابها».

وأشارت الحركة في بيانها إلى أنها عملت على «إعادة تقييم أوضاعها وتحركاتها ومناقشة ما طُرح من الرأي العام وأعضاء الحركة من نقد، وهو جزء أساسي من بنيتها»، مؤكدة «استمرارها لتكون بديلاً مدنياً».

وفي رأي أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة الدكتور مصطفى كامل السيد، فإن «إعادة الهيكلة تستوجب خطوات أخرى لاستعادة الحضور السياسي للحركة»، وقال لـ«الشرق الأوسط»، إن«أبرز الخطوات التي يجب أن تتخذها الحركة لاستعادة حضورها السياسي، تنشيط لجان الشباب والمرأة، والاشتباك المباشر مع القضايا الحيوية التي تمس حياة الناس عبر فعاليات جماهيرية، والتوسع في أنشطة وندوات للتواصل مع الجماهير».


اتفاق «لجنة الحوار» يفجر تباينات بين قوى إسلامية في ليبيا

رئيس المجلس الأعلى للدولة محمد تكالة متحدثاً إلى رئيس حزب «العدالة والبناء» فيصل الصافي خلال لقاء بطرابلس في مايو الماضي (صفحة الحزب)
رئيس المجلس الأعلى للدولة محمد تكالة متحدثاً إلى رئيس حزب «العدالة والبناء» فيصل الصافي خلال لقاء بطرابلس في مايو الماضي (صفحة الحزب)
TT

اتفاق «لجنة الحوار» يفجر تباينات بين قوى إسلامية في ليبيا

رئيس المجلس الأعلى للدولة محمد تكالة متحدثاً إلى رئيس حزب «العدالة والبناء» فيصل الصافي خلال لقاء بطرابلس في مايو الماضي (صفحة الحزب)
رئيس المجلس الأعلى للدولة محمد تكالة متحدثاً إلى رئيس حزب «العدالة والبناء» فيصل الصافي خلال لقاء بطرابلس في مايو الماضي (صفحة الحزب)

أعاد اتفاق لجنة الحوار المصغرة «4+4» إلى الواجهة الانقسام المتنامي داخل القوى المحسوبة على التيار الإسلامي في ليبيا، كاشفاً عن تباين في رؤيتها لشروط الترشح للانتخابات وحدود التسوية السياسية المقبلة.

ويعكس ذلك - بحسب متابعين لملف الإسلام السياسي في ليبيا - مساراً براغماتياً منذ سقوط نظام معمر القذافي عام 2011، تراجعت خلاله وحدة الموقف داخل هذا التيار لمصلحة رؤى وتحالفات أكثر تعدداً وتبايناً.

وأثار الاتفاق، الذي وقعه ممثلو طرفي الانقسام العسكري والسياسي في شرق البلاد وغربها بطرابلس قبل نحو أسبوعين، مواقف متباينة بين قوي إسلامية محسوبة عليها، خصوصاً بشأن السماح لمزدوجي الجنسية بالترشح، مع إلزام الفائز بالتخلي عن جنسيته الأخرى قبل تولي المنصب، إلى جانب السماح للعسكريين بالترشح والتصويت.

وأبدى «الحزب الديمقراطي» بقيادة محمد صوان انفتاحاً على المسار التوافقي، بينما تحفظ حزب «العدالة والبناء» على الاتفاق، داعياً إلى توسيع المشاركة، وضمان حياد المؤسسة العسكرية، واستقلال مفوضية الانتخابات، وتقليص مدة خريطة الطريق.

أما المفتي المعزول الصادق الغرياني، فتبنى موقفاً أكثر تشدداً، داعياً إلى الاحتجاج على الاتفاق، ورفض ما وصفه بـ«الخضوع لضغوط المجتمع الدولي».

ويرى محللون أن اختلاف المواقف يعكس تفاوتاً في ترتيب الأولويات داخل التيار الإسلامي؛ فبينما ينظر فريق إلى التوافق السياسي باعتباره مدخلاً لإنهاء المرحلة الانتقالية، والوصول إلى الانتخابات، يركز فريق آخر على الضمانات المحيطة بالعملية الانتخابية وشروطها، فيما يرفض الغرياني المسار برمته.

ولا تعود الخلافات إلى اتفاق «4+4» وحده؛ إذ بدأت ملامحها في الظهور منذ مرحلة ما بعد الاتفاق السياسي الموقع في الصخيرات المغربية عام 2015، رغم أن الإسلاميين، وفي مقدمتهم جماعة «الإخوان المسلمين»، كانوا يمثلون «كتلة واحدة متماسكة» خلال فترة «المؤتمر الوطني العام»، وهو أول مجلس تشريعي ليبي بعد سقوط نظام القذافي، بين عامي 2012 و2014، ومثَّلهم سياسياً آنذاك حزب «العدالة والبناء».

وتؤكد هذا الواقع نادية الراشد، العضوة السابقة في «المؤتمر الوطني»، التي تسلط الضوء على تجربتها آنذاك بالقول إن القوى الإسلامية كانت تمضي في ذلك الحين وفق «أجندة سياسية وتشريعية متناغمة»، في مسعى للسيطرة على مفاصل الدولة الليبية.

غير أن المشهد بدأ يتغير بعد اتفاق «الصخيرات»، مع بروز اتجاهات مختلفة داخل البيئة الإسلامية، بين تيار يدفع نحو التوافق السياسي، وآخر أكثر تشدداً في التعامل مع المسارات السياسية القائمة، بحسب ما ذكرت الراشد لـ«الشرق الأوسط».

صوان خلال ترؤسه مجلس السياسات بـ«الحزب الديمقراطي» الليبي بطرابلس في أغسطس الماضي (صفحة الحزب)

وتعد استقالة عدد من أعضاء «جماعة الإخوان» في مصراتة عام 2021، وحل فرع الجماعة في المدينة وتأسيس «جمعية الإحياء والتجديد»، بالتوازي مع انشقاق محمد صوان عن رئاسة «العدالة والبناء»، وتأسيسه «الحزب الديمقراطي»، من أبرز المحطات التي أسهمت في اتساع دائرة الخلافات داخل التيار الإسلامي.

وترى الراشد أن هذه التطورات بلورت مسارين رئيسيين؛ أولهما يضم الموالين لصوان، إلى جانب عدد من أعضاء كتلة «الوفاق» في المجلس الأعلى للدولة، فيما يمثل حزب «العدالة والبناء» جانباً من الاتجاه الآخر، الذي تصفه بـ«الصقور»، مع تقاطع بعض مواقفه مع توجهات المفتي السابق الصادق الغرياني.

وعلى ذلك، لم يعد التيار الإسلامي في ليبيا «كتلة سياسية واحدة متماسكة»، وفق رؤية المحلل السياسي حسام فنيش، خصوصاً بعدما أفرزت السنوات الماضية مكونات ذات خلفيات تنظيمية وفكرية وسياسية مختلفة، إلى جانب شخصيات وتكنوقراط لا ينتمون إلى الأطر التنظيمية التقليدية.

ويرى فنيش في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن الانقسام داخل حزب «العدالة والبناء»، وما ترتب عليه من تأسيس «الحزب الديمقراطي» بقيادة صوان، شكّل نقطة تحول أساسية، نقلت التيار من حالة أقرب إلى وحدة الموقف إلى تعدد في المشاريع والتحالفات والقراءات السياسية.

وامتد هذا التحول إلى المجلس الأعلى للدولة؛ إذ لم تعد القوى المحسوبة على البيئة الإسلامية تتحرك بوصفها كتلة متجانسة، وظهرت مواقف متباينة حيال القوانين الانتخابية ومخرجات لجنة «6+6» ومسار «4+4»، فضلاً عن تقييم أدوار الأمم المتحدة والقوى الإقليمية، بحسب فنيش.

ويقول فنيش إن ما يجري يتجاوز الخلاف التنظيمي إلى «إعادة تشكل سياسي وفكري أوسع»، أصبحت معه المواقف تتحدد بدرجة أكبر وفق التحالفات والملفات المطروحة، وليس وفق الانتماء التنظيمي وحده.

ومع ذلك، لا يعني تباين المواقف، وفق الراشد، غياب المصالح المشتركة؛ إذ ترى أن «هذه القوى، رغم خلافاتها، تسعى إلى الحفاظ على حضورها في ترتيبات المرحلة المقبلة، في ظل تراجع شعبية (جماعة الإخوان) وغياب هيكل تنظيمي موحد يجمع مكوناتها».

وتضيف أن رئيس حكومة «الوحدة الوطنية» عبد الحميد الدبيبة سعى خلال السنوات الأخيرة إلى «تقليم أظافر الإخوان وتحجيم نفوذهم السياسي»، وهو ما أسهم، من وجهة نظرها، في إعادة توزيع النفوذ داخل البيئة السياسية المحسوبة على الجماعة.

في المقابل، يرى فنيش أن إعادة ترتيب المشهد «لا تعني خروج القوى الإسلامية من المعادلة، وإنما تغير طبيعة حضورها، مع تزايد أهمية التحالفات، والقدرة على التأثير في مسارات التسوية والانتخابات وتوحيد مؤسسات الدولة».

ويفتح اتفاق «4+4» بين «الجيش الوطني» وحكومة «الوحدة» باب الترشح للانتخابات الرئاسية أمام العسكريين ومزدوجي الجنسية، مع إلزام الفائز مزدوج الجنسية بالتخلي عن جنسيته الأجنبية قبل أداء اليمين الدستورية، فيما يعتمد القانون رقم 10 لسنة 2014 أساساً للانتخابات البرلمانية، مع السماح لأعضاء الأحزاب بالترشح بصفاتهم الفردية.


حظر احتفالات «مخالفة للثقافة المصرية» بالمدارس الدولية يثير جدلاً

وزير التعليم خلال لقاء مع إعلاميين وخبراء (وزارة التربية والتعليم)
وزير التعليم خلال لقاء مع إعلاميين وخبراء (وزارة التربية والتعليم)
TT

حظر احتفالات «مخالفة للثقافة المصرية» بالمدارس الدولية يثير جدلاً

وزير التعليم خلال لقاء مع إعلاميين وخبراء (وزارة التربية والتعليم)
وزير التعليم خلال لقاء مع إعلاميين وخبراء (وزارة التربية والتعليم)

أثار إعلان وزارة التربية والتعليم والتعليم الفني في مصر عن حظر احتفالات اعتُبرت «مخالفة للثقافة المصرية» في المدارس الدولية، حالةً واسعةً من الجدل.

وبينما أثنى البعض على القرار وعدّوه «خطوة في اتجاه تعميق حس الانتماء لدى النشء في البلاد»، رأى آخرون فيه «نوعاً من فرض الوصاية على الجيل الجديد، على نحو يحدّ من قدرة هؤلاء على التواصل مع العالم من حولهم»، وفق تعليقات لمستخدمي مواقع التواصل الاجتماعي.

وجاء القرار على خلفية تشديد حكومي على الاهتمام بـ«مواد الهوية» ضمن مقررات المناهج الدراسية في تلك المدارس؛ حيث أكد محمد عبد اللطيف، وزير التربية والتعليم والتعليم الفني، أن «المدارس الدولية باتت ملزمة منذ أغسطس (آب) 2024، بأن تجعل مادتي اللغة العربية والتاريخ تمثلان 20 في المائة من إجمالي مجموع درجات الطلبة، بعد أن كانت المادتان خارج المجموعة، ومن ثم لا يتم الاهتمام بهما».

وأضاف عبد اللطيف، في تصريحات على هامش لقاء جمعه بإعلاميين وأكاديميين وشخصيات عامة، رفقة ضياء رشوان، وزير الدولة للإعلام، أن «الاحتفالات التي تنظمها المدارس الدولية لإحياء مناسبات لا نعرف عنها شيئاً، ولا تتوافق مع ثقافتنا، تُعد غير مقبولة»، وفق تعبيره.

وعدّ الدكتور تامر شوقي، أستاذ علم النفس التربوي بجامعة عين شمس وأحد الحضور في لقاء الوزير، مواد الهوية، مثل اللغة العربية والتاريخ والتربية الدينية، بمثابة «المواد المظلومة في التعليم المصري بكل مراحله وأنماطه، سواء الحكومي أو الخاص أو الدولي؛ حيث تعرضت للإهمال والتهميش وغاب الاهتمام بها، وهو ما أدى إلى تخريج أجيال لا تمتلك الحد الأدنى من الثقافة الوطنية، وتخطئ في أبسط قواعد نطق العربية الفصحى والإملاء».

الوزير تحدث عن جهود تطوير التعليم (وزارة التربية والتعليم)

وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أن «إهمال مثل هذه المواد يُعد مخالفة صارخة لمواد الدستور المصري، لا سيما المادة (24) التي تنص على أن اللغة العربية والتربية الدينية والتاريخ الوطني مواد أساسية في التعليم قبل الجامعي، فضلاً عن المادة (19) التي تجعل التعليم حقّاً وتُحدد أهدافه، ومن بينها بناء الشخصية المصرية والحفاظ على الهوية الوطنية، وكذلك المواد الدستورية المتعلقة بالثقافة واللغة العربية».

ورغم أن وزير التعليم المصري لم يضرب أمثلة محددة بالاحتفالات «المرفوضة»، فإن تعليقات عديدة عبر منصات التواصل الاجتماعي أشارت إلى «الهالووين» و«الفالنتين» و«الكريسماس»، معتبرة أن «هناك حالة من الحرص المبالغ فيه من جانب إدارات بعض المدارس والطلبة وأولياء الأمور على إحياء مثل هذه المناسبات، وكأنها أعياد قومية، رغم أنها تقليد أعمى لما يحدث في الغرب»، وفق آراء.

الوزير استعرض خطوات لتطوير التعليم (وزارة التربية والتعليم)

وعدّت نهاد أبو القمصان، المحامية والناشطة الحقوقية، القرار الوزاري بمثابة «انتكاسة»، قائلة إن «من بين الأهداف الأساسية لإلحاق الأطفال بالمدارس الدولية إتاحة الفرصة أمامهم للتعرف إلى التنوع الثقافي والاختلاف، وتأهيلهم للتعامل مع مجتمعات وثقافات متعددة».

وأوضحت، في مقطع فيديو بثته عبر صفحتها بموقع «فيسبوك»، أن «إطلاع الأطفال على ثقافات مختلفة منذ الصغر يساعدهم على فهم العالم من حولهم، ويجنبهم التعرض للصدمات الحضارية في مراحل لاحقة، خصوصاً إذا خاضوا تجارب الدراسة أو العمل خارج مصر».

في المقابل، رأى شوقي أن «مثل هذه الاحتفالات من شأنها أن تزيد من أزمة الاغتراب وعدم الانتماء لدى أبناء الجيل الجديد الذي ينشأ على الثقافة الغربية والجهل بثقافته الوطنية، ما يجعله هدفاً سهلاً للغزو الثقافي»، مشيراً إلى أن «الانفتاح على الآخر ونشر ثقافة التسامح يكون بدراسة الثقافة الغربية وإتقان لغاتها وفهم تطورها التاريخي، وليس بتبني الاحتفال بأعيادها وإحياء مناسباتها».