الحصار يخنق صادرات النفط الإيرانية وطهران تقترب من نفاد مخزونها العائم

29 مليون برميل فقط خارج القيود البحرية... والشحنات الجديدة عالقة

سفن تعبر مضيق هرمز قبالة سواحل مدينة بندر عباس الساحلية جنوب إيران في 5 سبتمبر (أ.ف.ب)
سفن تعبر مضيق هرمز قبالة سواحل مدينة بندر عباس الساحلية جنوب إيران في 5 سبتمبر (أ.ف.ب)
TT

الحصار يخنق صادرات النفط الإيرانية وطهران تقترب من نفاد مخزونها العائم

سفن تعبر مضيق هرمز قبالة سواحل مدينة بندر عباس الساحلية جنوب إيران في 5 سبتمبر (أ.ف.ب)
سفن تعبر مضيق هرمز قبالة سواحل مدينة بندر عباس الساحلية جنوب إيران في 5 سبتمبر (أ.ف.ب)

تقترب إيران من فقدان أحد أهم مصادر تدفق العملة الصعبة إلى اقتصادها، مع تراجع كميات النفط الإيراني الموجودة على متن الناقلات خارج نطاق الحصار البحري الأميركي إلى نحو 29 مليون برميل، مقابل نحو 90 مليون برميل في منتصف يوليو (تموز)، وفق بيانات شركة «كبلر» لتتبع السفن.

وبحسب تقرير لصحيفة «وول ستريت جورنال»، لم تعبر أي شحنات من الخام الإيراني خط الحصار منذ إعادة فرضه من جانب البحرية الأميركية في منتصف يوليو (تموز)، وفق بيانات شركة «كبلر» لتتبع السفن.

وتشير تقديرات الشركة إلى أن الكميات المتاحة حالياً قد تنفد خلال الشهر المقبل، في وقت لم تتمكن فيه أي شحنة نفط إيرانية من عبور خط الحصار منذ إعادة فرضه من جانب البحرية الأميركية في منتصف يوليو (تموز).

وتواصل إيران تحميل كميات محدودة من الخام على ناقلات داخل الخليج، إلا أن هذه الشحنات لا تستطيع الوصول إلى المشترين خارج المنطقة، ما يقلص تدريجياً قدرة طهران على تحويل صادرات النفط إلى إيرادات نقدية.

ويأتي ذلك بعد نحو ستة أشهر من الحرب، وفي وقت يواجه فيه الاقتصاد الإيراني ضغوطاً متزايدة مع تراجع قيمة الريال وارتفاع التضخم وانكماش النشاط الاقتصادي.

تاجر عملات يحمل أوراقاً نقدية من فئة 100 دولار في طهران (رويترز)

مخزون النفط على السفن يتراجع سريعاً

كانت إيران قد استفادت من فترة التهدئة التي أعقبت مذكرة تفاهم مع الولايات المتحدة في منتصف يونيو (حزيران)، والتي تضمنت توقف الحصار لعدة أسابيع، لنقل كميات كبيرة من النفط إلى خارج منطقة الخليج تمهيداً لتسليمها لاحقاً.

وتعتمد طهران حالياً على الإيرادات الناتجة عن تلك الشحنات، إلا أن هذا المخزون يتقلص بسرعة.

وتقدر «كبلر» أن عمليات التسليم الحالية تبلغ نحو مليون برميل يومياً، تذهب غالبيتها إلى الصين، وهو ما قد يؤدي إلى استنزاف النفط الإيراني الموجود على الناقلات بحلول منتصف أكتوبر (تشرين الأول).

كما يُرجح أن تتراجع المدفوعات المرتبطة بشحنات جرى تسليمها بالفعل بحلول منتصف ديسمبر (كانون الأول)، فيما قد تصبح عملية تحصيل تلك الأموال أكثر صعوبة نتيجة العقوبات الأميركية التي تستهدف البنوك والقنوات المالية التي تسهّل التعاملات الإيرانية.

وقال وزير النفط الإيراني محسن باك نجاد، الجمعة، إن عمليات بيع النفط وتسليمه إلى العملاء تمت «على بُعد آلاف الكيلومترات من الخليج وبحر عُمان»، في إشارة إلى اعتماد طهران على شحنات جرى نقلها خارج منطقة القيود.

صادرات جديدة محدودة

وتظهر بيانات «كبلر» مدى الانخفاض في نشاط تحميل النفط الإيراني. فقد بلغ متوسط الكميات التي حُمّلت على ناقلات داخل الخليج خلال أغسطس (آب) نحو 255 ألف برميل يومياً، أي أقل بنسبة 85 في المائة من متوسط الفترة بين فبراير (شباط) وأبريل (نيسان).

ولا تزال هذه الشحنات الجديدة داخل منطقة الحصار، ولم تصل إلى المشترين.

ويمثل النفط عادة نحو ثلث إيرادات الموازنة الإيرانية، كما يوفر دخلاً مباشراً يساعد الدولة على تمويل مؤسساتها وأجهزتها العسكرية.

وتقول وزارة الخزانة الأميركية إن القوات المسلحة الإيرانية، بما فيها «الحرس الثوري»، تعتمد على شركات مخصصة وشبكات من «أسطول الظل» لبيع النفط وتوفير موارد مالية إضافية.

ومع تقلص القدرة على تصدير الخام، لا تواجه إيران مشكلة في الإيرادات فقط، بل تواجه أيضاً خطر اضطرارها إلى خفض الإنتاج.

تخفيض الإنتاج لتفادي امتلاء الخزانات

لم ترتفع مخزونات النفط داخل إيران بصورة كبيرة رغم القيود المفروضة على التصدير، وهو ما يشير إلى أن المنتجين بدأوا خفض مستويات الإنتاج لتقترب من احتياجات الاستهلاك المحلي، بحسب هومایون فلاكشاهي، رئيس تحليل النفط الخام في «كبلر».

ويعكس ذلك احتمال تحقق السيناريو الذي توقعه محللون خلال مرحلة الحصار الأولى في الربيع، عندما حذروا من أن استمرار منع التصدير قد يجبر إيران على خفض الإنتاج حتى لا تصل منشآت التخزين إلى طاقتها الاستيعابية القصوى.

ولا توفر الطرق البرية بديلاً عملياً لصادرات النفط البحرية. ووفق فلاكشاهي، تستطيع إيران نقل ما لا يزيد على نحو 40 ألف برميل يومياً بالشاحنات، وهي كمية محدودة للغاية مقارنة بصادراتها قبل الحرب، التي كانت تقترب من مليوني برميل يومياً.

كما تفتقر البلاد إلى عدد كافٍ من عربات السكك الحديدية المخصصة لنقل الخام والمنتجات النفطية المكررة.

الصين تعوض جزءاً من الخام الإيراني

بدأ بعض المشترين الصينيين في الاتجاه بصورة أكبر إلى خامات من السعودية والعراق والإمارات، وفق مسؤولين في قطاع الطاقة.

ويعكس هذا التحول تغيراً في خيارات المصافي الآسيوية مع تقلص الإمدادات الإيرانية. وفي بعض الحالات أصبح الخام الإيراني أكثر تكلفة بالنسبة إلى المشترين نتيجة انخفاض المعروض، رغم المخاطر التي ترافق التعامل معه.

وفي المقابل، قدم العراق خصومات تقترب من 30 دولاراً للبرميل على بعض درجات الخام، في وقت كان خام برنت يتداول حول 97 دولاراً للبرميل الاثنين.

ولا تعني هذه التحولات أن الصين تخلت عن النفط الإيراني، لكنها تشير إلى أن استمرار القيود يدفع المشترين إلى تنويع مصادر الإمداد، خصوصاً من المنتجين الخليجيين.

ضغوط تتجاوز النفط

تمتد تداعيات القيود البحرية إلى قطاع البتروكيماويات، الذي يمثل ثاني أكبر مصدر لإيران للعملة الأجنبية بعد النفط.

وتعتمد شركات البتروكيميائيات الإيرانية أيضاً بدرجة كبيرة على الشحن البحري، وقد تراجعت عمليات تحميل منتجاتها بنحو الثلثين في أغسطس مقارنة ببداية العام، وفق تقديرات «كبلر».

وفي المقابل، تمكن منتجو النفط الخليجيون الآخرون من المحافظة على تدفق كميات كبيرة من الخام، مستفيدين من مسارات بديلة للممر البحري.

وهذا الفارق يضع إيران في وضع أكثر صعوبة، إذ تعتمد بدرجة أكبر على النقل البحري المباشر لتسويق صادراتها.

نسخ من صحيفتي «همشهري» و«جام جم» الإيرانيتين تحمل صورة الرئيس الأميركي دونالد ترمب وعنواناً باللغة الفارسية: «بندقية العقوبات الفارغة» (إ.ب.أ)

الريال والتضخم في دائرة الضغط

تنعكس أزمة الصادرات على قدرة طهران على الحصول على الدولار والعملات الأجنبية اللازمة لتمويل الواردات، بما في ذلك المواد الخام التي تحتاج إليها المصانع.

ومع ارتفاع تكلفة الواردات نتيجة ضعف العملة، يزداد الضغط التضخمي، في وقت تجاوز فيه معدل التضخم الرسمي في إيران 80 في المائة على أساس سنوي.

وقال هَمَد حسين، الاقتصادي لدى «كابيتال إيكونوميكس»، إن الريال الإيراني فقد نحو 15 في المائة من قيمته أمام الدولار منذ إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترمب حملة الضغط الاقتصادي في أغسطس.

ويتوقع صندوق النقد الدولي انكماش الاقتصاد الإيراني بنسبة 5.4 في المائة خلال العام الحالي، وهو ما سيكون أسوأ أداء للاقتصاد الإيراني منذ ثمانينات القرن الماضي.

التجارة مستمرة لكن بتكلفة أعلى

ولم تتوقف التجارة الإيرانية بالكامل رغم الضغوط. فقد صدرت البلاد قرابة 15 مليار دولار من السلع غير النفطية بين منتصف مارس (آذار) ومنتصف أغسطس، وفق وسائل إعلام إيرانية، وإن كانت القيمة أقل من مستويات العام السابق.

لكن القيود طالت أحد أهم الممرات التجارية لإيران، بعدما توقفت إلى حد كبير التجارة الرسمية عبر الإمارات، عقب إعلان أبوظبي الشهر الماضي تعليق المعاملات المالية والاقتصادية مع طهران، وفق مسؤولين مطلعين على الأمر.

ولا تزال بعض الأنشطة التجارية تمر عبر شركات وشبكات غير رسمية، بينما تتحول أجزاء أخرى من التجارة إلى طرق عبر تركيا والعراق وعُمان وباكستان.

إلا أن تغيير المسارات يضيف وقتاً وتكاليف إلى عمليات الاستيراد والتصدير، ما يزيد الأعباء على الاقتصاد الإيراني.

هل تنجح استراتيجية الضغط؟

تضع هذه التطورات استراتيجية واشنطن للضغط الاقتصادي على إيران أمام اختبار مهم. فالإدارة الأميركية تراهن على أن تراجع عائدات النفط وارتفاع تكلفة التجارة سيزيدان الضغوط على طهران ويدفعانها إلى تقديم تنازلات.

لكن التأثير الاقتصادي لا يعني بالضرورة تغيير الموقف السياسي أو العسكري.

وقال حسين إن المسار المقبل سيتوقف بدرجة كبيرة على مقدار الألم الاقتصادي الذي يكون النظام الإيراني مستعداً لتحمله في سبيل تحقيق أهدافه العسكرية والجيوسياسية.

كما ترى إيلي جيرنمايه، مسؤولة شؤون إيران في المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية، أن العقوبات سيكون لها تأثير كبير في الأسر الإيرانية، لكنها تشكك في أن يؤدي ذلك وحده إلى دفع طهران إلى الاستسلام على طاولة المفاوضات.

وقالت إن المعطيات المتاحة تشير إلى أن النظام الإيراني «من المرجح أن يقاوم».

حركة المرور تسير على طول أحد الشوارع في حين ترسو سفينة تجارية في مضيق هرمز قبالة بندر عباس في إيران (أ.ب)

أزمة السيولة تقترب من مرحلة جديدة

وبينما لا تزال طهران قادرة على تحقيق إيرادات من النفط الذي نُقل إلى خارج منطقة الحصار خلال فترة التهدئة، فإن حجم هذا المخزون يتراجع بسرعة.

ومع انخفاضه إلى نحو 29 مليون برميل، وتراجع عمليات التحميل الجديدة، تواجه إيران خلال الأسابيع المقبلة اختباراً أكثر صعوبة في الحفاظ على تدفق النقد الأجنبي.

وإذا استمر معدل التسليم الحالي، فقد ينفد النفط الموجود على الناقلات خارج الحصار بحلول منتصف أكتوبر، وفق تقديرات «كبلر».

وعندها لن يكون التحدي أمام طهران هو مجرد بيع كميات أقل من النفط، بل الحفاظ على تدفق العملة الصعبة إلى اقتصاد يعتمد بدرجة كبيرة على صادرات الطاقة، في وقت تتزايد فيه تكلفة الواردات ويتراجع فيه سعر العملة ويشتد التضخم.

وتشير هذه التطورات إلى أن تأثير الحصار انتقل من تعطيل حركة الصادرات إلى الضغط على الإنتاج والإيرادات والعملة والتجارة في آن واحد، ما يضع الاقتصاد الإيراني أمام مرحلة أكثر صعوبة إذا استمرت القيود البحرية.


مقالات ذات صلة

إيرانية محكومة بالإعدام تناشد العالم التحرك لإنقاذ حياتها

شؤون إقليمية صورة عامة للعاصمة طهران (أرشيفية - رويترز)

إيرانية محكومة بالإعدام تناشد العالم التحرك لإنقاذ حياتها

ناشدت امرأة إيرانية، حُكم عليها بالإعدام على خلفية مشاركتها في الاحتجاجات مطلع العام الحالي، المجتمع الدولي إنقاذ حياتها وحياة آخرين يواجهون عقوبة الإعدام.

«الشرق الأوسط» (باريس )
رياضة عالمية روسيا هزمت إيران في كازان (أ.ب)

روسيا تهزم إيران بثنائية ودياً

فاز منتخب روسيا على نظيره الإيراني بنتيجة 2 - صفر في تجربة ودية جمعت بينهما الثلاثاء خلال العطلة الدولية الحالية.

«الشرق الأوسط» (كازان (روسيا))
الولايات المتحدة​ شعار وزارة الخزانة الأميركية (أ.ب)

أميركا تفرض عقوبات على 13 فرداً وكياناً لمساعدتهم إيران على شراء أسلحة

 أعلنت وزارة الخزانة الأميركية، الثلاثاء، أن واشنطن ​فرضت عقوبات على على 13 فردا وكيانا،، من بينها جهات تتخذ من الصين وهونغ كونغ وباكستان مقراً.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
المشرق العربي طائرة تابعة للخطوط الجوية العراقية بعد استئناف الرحلات إلى لبنان (أرشيفية - رويترز)

بغداد: استثناء خاص للخطوط العراقية لتسيير رحلات إلى إيران

كشف وزارة النقل العراقية اليوم الثلاثاء أن الخطوط الجوية العراقية حصلت على استثناء خاص لتسيير رحلاتها إلى إيران.

«الشرق الأوسط» (بغداد)
شؤون إقليمية طائرة تابعة لشركة «كاسبيان» الإيرانية للطيران (أ.ف.ب)

احتجاز طائرة إيرانية في إسطنبول بسبب ديون بقيمة 3 ملايين يورو

 احتُجزت طائرة تابعة لشركة «كاسبيان» الإيرانية للطيران في مطار إسطنبول، بينما كان الركاب وأفراد الطاقم على متنها استعداداً للإقلاع إلى إيران.

«الشرق الأوسط» (أنقرة)

السعودية ترصد 371 مليار دولار للإنفاق في موازنة 2027

وزير المالية في ملتقى الميزانية لعام 2026 (أرشيفية - الشرق الأوسط)
وزير المالية في ملتقى الميزانية لعام 2026 (أرشيفية - الشرق الأوسط)
TT

السعودية ترصد 371 مليار دولار للإنفاق في موازنة 2027

وزير المالية في ملتقى الميزانية لعام 2026 (أرشيفية - الشرق الأوسط)
وزير المالية في ملتقى الميزانية لعام 2026 (أرشيفية - الشرق الأوسط)

تمضي السعودية في دعم النمو الاقتصادي وتمويل أولوياتها التنموية والاستراتيجية خلال 2027، مع تقديرات أولية بوصول إجمالي الإنفاق إلى نحو 1.392 تريليون ريال (371.2 مليار دولار)، مقابل إيرادات تبلغ 1.202 تريليون ريال (320.5 مليار دولار)، فيما يقدَّر عجز الموازنة بنحو 3.6 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي.

وأعلنت وزارة المالية، الأربعاء، البيان التمهيدي للميزانية العامة للدولة للعام المالي 2027، في وقت تواصل فيه المملكة تنفيذ برامج التحول الاقتصادي وتوسيع قاعدة الأنشطة غير النفطية، بالتوازي مع اتباع سياسة مالية تستهدف دعم النمو والمحافظة على استدامة المالية العامة.

وتشير تقديرات وزارة المالية إلى ارتفاع إجمالي الإيرادات من 1.202 تريليون ريال (320.5 مليار دولار) في 2027 إلى نحو 1.351 تريليون ريال (360.3 مليار دولار) في 2029، بينما يرتفع إجمالي النفقات من 1.392 تريليون ريال (371.2 مليار دولار) إلى نحو 1.544 تريليون ريال (411.7 مليار دولار) خلال الفترة نفسها.

وتعكس هذه التقديرات استمرار الإنفاق على الأولويات التنموية والاستراتيجية والمشاريع ذات العائد الاقتصادي والاجتماعي، في إطار تخطيط مالي طويل المدى يستهدف الحفاظ على استدامة المالية العامة عبر الدورات الاقتصادية.

وفي الوقت نفسه، أسهمت مبادرات التنويع والإصلاحات الاقتصادية في زيادة الإيرادات غير النفطية من نحو 166 مليار ريال (44.3 مليار دولار) في 2015 إلى 505 مليارات ريال (134.7 مليار دولار) في 2025، مما عزز استقرار الإيرادات العامة وتنوع مصادرها.

الاقتصاد غير النفطي يحافظ على النمو

وتشير التقديرات الأولية إلى تأثر الاقتصاد السعودي خلال 2026 بالتطورات الاقتصادية والجيوسياسية، مع توقع انكماش الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي بنسبة 3.6 في المائة، نتيجة تراجع الأنشطة النفطية بنسبة 21.8 في المائة.

في المقابل، من المتوقع أن تواصل الأنشطة غير النفطية نموها بنسبة 3.2 في المائة خلال العام، بما يحد من أثر انخفاض النشاط النفطي على الاقتصاد ككل.

وخلال النصف الأول من 2026، سجلت الأنشطة غير النفطية نمواً بنسبة 1.8 في المائة، لترفع مساهمتها في الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي إلى مستوى تاريخي بلغ 57.3 في المائة، مدفوعةً بقوة الطلب المحلي وتدفقات الاستثمار الخاص.

البطالة عند 6.5 % والتضخم عند مستويات محدودة

وعلى صعيد المؤشرات الاقتصادية والاجتماعية، انخفض معدل البطالة بين السعوديين إلى 6.5 في المائة خلال الربع الثاني من 2026.

في الوقت نفسه، تشير التقديرات الأولية إلى تسجيل التضخم نحو 2.1 في المائة لكامل العام الحالي، في ظل استمرار مستويات الطلب المحلي وتطور النشاط الاقتصادي غير النفطي.

تمويل محلي ودولي لدعم المشاريع

وتعتزم الحكومة مواصلة عمليات التمويل المحلية والدولية خلال 2027 والمدى المتوسط، وفق إطار استراتيجية الدين متوسطة المدى، من خلال إصدار السندات والصكوك والحصول على القروض، إلى جانب التوسع في أدوات التمويل الحكومي البديل.

وتشمل هذه الأدوات تمويل المشاريع والبنية التحتية ووكالات ائتمان الصادرات، بما يوفر قنوات إضافية لتمويل المشاريع والأولويات التنموية.

وأكد وزير المالية محمد الجدعان أن التقديرات الأولية لموازنة 2027 تأتي في ظل بيئة اقتصادية عالمية تتسم باستمرار عدم اليقين وتسارع التطورات الجيوسياسية.

وقال إن المملكة تواصل إدارة ماليتها العامة من منظور طويل المدى، بما يعزز قدرتها على التعامل مع المتغيرات ومواصلة الإنفاق على الأولويات التنموية والاستراتيجية، مع المحافظة على استدامة المالية العامة ومتانة المركز المالي.

وأضاف أن الحكومة مستمرة في رصد التطورات الاقتصادية والجيوسياسية وتقييم انعكاساتها المحتملة على الاقتصاد العالمي وسلاسل الإمداد وأسواق الطاقة، والتعامل معها بسياسات مرنة واستباقية تدعم الاقتصاد وتعزز قدرته على مواصلة تحقيق مستهدفات رؤية السعودية 2030.

وأكد الجدعان استمرار خطط التحول الاقتصادي لدعم النمو وتوسيع القاعدة الاقتصادية، بما ينعكس على نمو الإيرادات غير النفطية ويسهم في تحقيق مستويات أكثر استدامة واستقراراً للإيرادات على المديين المتوسط والطويل.

عجز 2027 ضمن سياسة مالية طويلة المدى

يأتي العجز المقدر عند 3.6 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي ضمن سياسة مالية تستهدف المحافظة على متانة المركز المالي وتعزيز الاستدامة المالية، مع استمرار الإنفاق على المشاريع ذات الأولوية.

وحسب وزارة المالية، يتيح هذا النهج للحكومة تبني سياسات مالية متوازنة عبر الدورات الاقتصادية، ودعم النمو والتكيف مع المتغيرات وإدارة الأزمات والاحتياجات الطارئة، مع المحافظة على مستويات مستدامة من الدين العام واحتياطيات مالية معتبرة.

وتعتزم الحكومة مواصلة عمليات التمويل المحلية والدولية خلال 2027 وعلى المدى المتوسط، وفق إطار استراتيجية الدين متوسطة المدى، عبر إصدار السندات والصكوك والحصول على القروض بتكلفة عادلة، إلى جانب التوسع في أدوات التمويل الحكومي البديل، بما يشمل تمويل المشاريع والبنية التحتية ووكالات ائتمان الصادرات.


بين «دولة» لولا و«سوق» بولسونارو... اقتصاد البرازيل على مفترق طرق

سيارات «بي واي دي» على خط الإنتاج في مصنع الشركة للسيارات الكهربائية بمجمع كاماساري الصناعي بولاية باهيا البرازيلية يوم 3 فبراير 2026 (رويترز)
سيارات «بي واي دي» على خط الإنتاج في مصنع الشركة للسيارات الكهربائية بمجمع كاماساري الصناعي بولاية باهيا البرازيلية يوم 3 فبراير 2026 (رويترز)
TT

بين «دولة» لولا و«سوق» بولسونارو... اقتصاد البرازيل على مفترق طرق

سيارات «بي واي دي» على خط الإنتاج في مصنع الشركة للسيارات الكهربائية بمجمع كاماساري الصناعي بولاية باهيا البرازيلية يوم 3 فبراير 2026 (رويترز)
سيارات «بي واي دي» على خط الإنتاج في مصنع الشركة للسيارات الكهربائية بمجمع كاماساري الصناعي بولاية باهيا البرازيلية يوم 3 فبراير 2026 (رويترز)

تدخل الانتخابات الرئاسية البرازيلية، التي تُجرى جولتها الأولى الأحد، على وقع مواجهة اقتصادية واضحة بين الرئيس لويس إيناسيو لولا دا سيلفا، الساعي إلى ولاية رابعة، ومنافسه فلافيو بولسونارو، نجل الرئيس السابق جايير بولسونارو، إذ يطرح كل منهما رؤية مختلفة لدور الدولة والسوق، وفق تقرير لصحيفة «لوفيغارو» الفرنسية.

الصناعة في قلب مشروع لولا

يراهن لولا على تدخُّل قوي للدولة لدعم الصناعة وإعادة التصنيع، بعدما تراجعت حصة القطاع الصناعي من الناتج المحلي الإجمالي من 48 في المائة عام 1985 إلى 25 في المائة عام 2024.

ومنذ عودته إلى السلطة مطلع 2023، واصل لولا سياسة دعم الصناعة التي بدأها خلال ولايتيه الأوليين. وفي يونيو (حزيران)، أعلن تخصيص 140 مليار ريال (نحو 27 مليار دولار أميركي) إضافية للسياسة الصناعية، فيما تجاوز إجمالي الأموال المخصصة لخطة «الصناعة البرازيلية الجديدة» 750 مليار ريال (نحو 145 مليار دولار) بين 2023 و2026.

وتبرز مدينة بيتيم في ولاية ميناس جيرايس بالبرازيل ساحة رئيسية لهذه المنافسة. وتضم المدينة مصنعاً ضخماً لمجموعة «ستيلانتيس»، التي أعلنت استثمارات بقيمة 14 مليار ريال (2.7 مليار دولار) في المنطقة حتى عام 2030. وتُعدّ ميناس جيرايس ولاية محورية انتخابياً، إذ لم يُنتخب أي رئيس برازيلي منذ انتخابات 1950 من دون الفوز فيها.

لكن المدينة العمّالية التي كانت تُعد معقلاً لليسار شهدت تحولاً سياسياً. ففي الجولة الثانية من انتخابات 2022، حصل جايير بولسونارو فيها على 52.43 في المائة من الأصوات مقابل 47.57 في المائة للولا.

صورة مدمجة تُظهر الرئيس البرازيلي لويس إيناسيو لولا دا سيلفا (يسار) ومنافسه فلافيو بولسونارو (أ.ف.ب)

جاذبية العمل المستقل

وتواجه رؤية لولا تحدياً اجتماعياً يتمثل في تغيّر تطلعات شريحة من الشباب الذين بات بعضهم يفضّل العمل المستقل وريادة الأعمال على الوظائف التقليدية في المصانع والشركات.

ويقول مسؤولون في شركات محلية إن صعوبة جذب العمال والاحتفاظ بهم باتت تؤثر في خطط النمو، في وقت يرى فيه مؤيدون لبولسونارو أن اليمين يمنح مساحة أكبر للمبادرة الفردية والعمل الحر.

بولسونارو يراهن على تحرير السوق

في المقابل، يمنح برنامج فلافيو بولسونارو دوراً أكبر للسوق وأقل للدولة. ويرى أستاذ الاقتصاد في جامعة ميناس جيرايس الفيدرالية، ريكاردو ماتشادو لويز، أن معسكر بولسونارو يعتقد أن السوق الأقل خضوعاً للتنظيم قادرة على تقديم حلول للمشكلات الصناعية بصورة أفضل من تدخل الدولة.

وتستشهد دانييلا ماركيز، المنسقة الاقتصادية لحملة بولسونارو، بتجربة الرئيس الأرجنتيني خافيير ميلي، وأعلنت أن البرنامج يستهدف إلغاء أكثر من ألف قاعدة وإجراء تنظيمي تفرضها الدولة على النشاط الاقتصادي.

وتعكس المنافسة بين لولا وبولسونارو انقساماً حول مستقبل الاقتصاد البرازيلي، بين نموذج يقوم على تعزيز دور الدولة ودعم الصناعة، وآخر يمنح السوق والمبادرة الفردية مساحة أكبر.


تضخم أهدأ ونمو أقوى يربكان حسابات «الفيدرالي»

لافتة «مطلوب موظفون» معلقة على نافذة مطعم في ميدفورد - ماساتشوستس (رويترز)
لافتة «مطلوب موظفون» معلقة على نافذة مطعم في ميدفورد - ماساتشوستس (رويترز)
TT

تضخم أهدأ ونمو أقوى يربكان حسابات «الفيدرالي»

لافتة «مطلوب موظفون» معلقة على نافذة مطعم في ميدفورد - ماساتشوستس (رويترز)
لافتة «مطلوب موظفون» معلقة على نافذة مطعم في ميدفورد - ماساتشوستس (رويترز)

رسمت البيانات الاقتصادية الأميركية الصادرة الأربعاء، صورة مزدوجة للاقتصاد، مع مراجعة قوية بالزيادة لنمو الناتج المحلي الإجمالي في الربع الثاني، في وقت استقر فيه التضخم عند مستوى أعلى من هدف «الاحتياطي الفيدرالي»، في حين أظهرت بيانات منفصلة تسارع التوظيف في القطاع الخاص خلال سبتمبر (أيلول).

وتعزز هذه القراءات صورة اقتصاد لا يزال قادراً على النمو بوتيرة متماسكة، رغم استمرار ضغوط الأسعار؛ ما يعقّد حسابات «الفيدرالي» بشأن المسار المقبل لأسعار الفائدة.

ورفع مكتب التحليل الاقتصادي تقديره لنمو الناتج المحلي الإجمالي في الربع الثاني إلى 2.2 في المائة على أساس سنوي، من 1.5 في المائة في التقدير السابق، بزيادة قدرها 0.7 نقطة مئوية. وكان الاقتصاديون يتوقعون الإبقاء على القراءة السابقة عند 1.5 في المائة.

ورغم المراجعة الكبيرة، تباطأ النمو مقارنة بالربع الأول، الذي عدّل المكتب تقديره أيضاً بالزيادة إلى 2.5 في المائة، من 2.1 في المائة في القراءة السابقة.

كما رفع المكتب تقديره لنمو الاقتصاد الأميركي خلال عام 2025 إلى 2.3 في المائة، من 2.1 في المائة سابقاً.

وتأتي المراجعة الصعودية لنمو الربع الثاني في وقت يترقب فيه المستثمرون القراءة الأولية للناتج المحلي الإجمالي للربع الثالث، والمقرر صدورها في 29 أكتوبر (تشرين الأول)؛ بحثاً عن مؤشرات على ما إذا كانت قوة الاقتصاد ستستمر خلال النصف الثاني من العام.

التضخم فوق الهدف

وفي بيانات منفصلة، أظهر مؤشر «نفقات الاستهلاك الشخصي» (PCE)، المقياس المفضل لدى «الفيدرالي» لقياس التضخم، ارتفاع الأسعار بنسبة 3.4 في المائة على أساس سنوي في أغسطس (آب) مقابل توقعات بارتفاعه إلى 3.7 في المائة، ليستقر عند المستوى نفسه المسجل في يوليو (تموز) بعد مراجعة بيانات الشهر السابق.

وارتفع المؤشر بنسبة 0.3 في المائة على أساس شهري خلال أغسطس، في حين سجل المؤشر الأساسي، الذي يستبعد أسعار الغذاء والطاقة الأكثر تقلباً، زيادة سنوية قدرها 3 في المائة.

وتظل هذه المستويات أعلى بكثير من هدف «الفيدرالي» البالغ 2 في المائة، الذي لم ينجح التضخم في العودة إليه منذ أوائل عام 2021.

وتكتسب بيانات الأسعار أهمية خاصة بالنسبة للأسواق، التي تراقب مسار التضخم لتقييم الخطوة المقبلة للبنك المركزي، في ظل استمرار الاقتصاد في إظهار قدرة على النمو.

منشأة تصنيع تابعة لشركة «كوهيرنت» في شيرمان - تكساس (أ.ب)

التوظيف يعزز الصورة

وأظهرت بيانات «إيه دي بي» أن القطاع الخاص الأميركي أضاف 90 ألف وظيفة في سبتمبر، متجاوزاً توقعات الاقتصاديين بزيادة قدرها 70 ألفاً، بعد تعديل عدد الوظائف المضافة في أغسطس بالخفض إلى 36 ألفاً من 38 ألفاً.

ويصدر تقرير «إيه دي بي» بالتعاون مع «مختبر الاقتصاد الرقمي بجامعة ستانفورد»، قبل تقرير الوظائف الحكومي الذي يصدر الجمعة، والذي يوفر مؤشرات أوسع عن أوضاع سوق العمل.

وحسب استطلاع لـ«رويترز»، يتوقع الاقتصاديون إضافة 85 ألف وظيفة في القطاع الخاص خلال سبتمبر، و90 ألف وظيفة إلى إجمالي الوظائف غير الزراعية، مع استقرار معدل البطالة عند 4.1 في المائة للشهر الثالث على التوالي.

ولا يُعدّ تقرير «إيه دي بي» مؤشراً دقيقاً دائماً لأرقام الوظائف الحكومية؛ ولذلك ستظل بيانات مكتب إحصاءات العمل المنتظرة الجمعة أكثر أهمية في تقييم قوة سوق العمل.

وكان مكتب إحصاءات العمل قد أظهر الثلاثاء تراجع عدد الوظائف الشاغرة مقارنة بعدد العاطلين عن العمل، مع وجود 1.01 وظيفة شاغرة لكل شخص عاطل في أغسطس، مقابل 1.06 في يوليو.

وتضع البيانات الأخيرة «الفيدرالي» أمام معادلة غير سهلة: الاقتصاد ينمو بوتيرة أقوى مما أظهرت التقديرات السابقة، والتوظيف الخاص يستعيد بعض الزخم، في حين لا يزال التضخم أعلى من المستوى المستهدف.

وبذلك، لا توفر البيانات أساساً واضحاً لتوقع تحول سريع في السياسة النقدية؛ فاستمرار قوة النشاط الاقتصادي يقلل الحاجة إلى خفض قريب للفائدة، في حين يبقي استقرار ضغوط الأسعار الباب مفتوحاً أمام خفضها لاحقاً إذا استمر التضخم في مسار الانحسار.