الرسائل التحذيرية قد تحمي من تأثيرات «مواقع التواصل»

على غرار منتجات التبغ والكحول

تساعد ملصقات التحذير الشباب على استخدام وسائل التواصل الاجتماعي بطريقة صحية (آنسبيلاش)
تساعد ملصقات التحذير الشباب على استخدام وسائل التواصل الاجتماعي بطريقة صحية (آنسبيلاش)
TT

الرسائل التحذيرية قد تحمي من تأثيرات «مواقع التواصل»

تساعد ملصقات التحذير الشباب على استخدام وسائل التواصل الاجتماعي بطريقة صحية (آنسبيلاش)
تساعد ملصقات التحذير الشباب على استخدام وسائل التواصل الاجتماعي بطريقة صحية (آنسبيلاش)

أظهرت دراسة حديثة أجرتها كلية الطب بجامعة ستانفورد الأميركية أن الرسائل التي تُحذر من أضرار وسائل التواصل الاجتماعي قد تُسهم في الحد من استخدامها بين الشباب. وكشفت التجربة التي شملت نحو 1000 مراهق وشاب عن أن هذه التحذيرات تُعزز أيضاً وعيهم بمخاطر وسائل التواصل الاجتماعي.

وقد استُلهمت فكرة الدراسة، التي نشرت الجمعة، في مجلة «جاما هيلث فوروم»، من دعوة أطلقها الجراح العام الأميركي آنذاك، الدكتور فيفيك مورثي، عام 2024، لإضافة ملصقات تحذيرية صحية إلى وسائل التواصل الاجتماعي، على غرار التحذيرات المُطبقة على التبغ والكحول وغيرها من المنتجات الخطرة. وقد سنّت 4 ولايات أميركية منذ ذلك الحين تشريعات تُلزم بوضع هذه التحذيرات. وسيدخل قانون كاليفورنيا حيز التنفيذ في الأول من يناير (كانون الثاني) 2027.

وقالت الدكتورة آنا غرومون، الأستاذة المساعدة في طب الأطفال والمؤلفة الرئيسية للدراسة، إن ملصقات التحذير تُعدّ إحدى الوسائل التي قد تُساعد الناس على استخدام وسائل التواصل الاجتماعي بطريقة صحية. وأضافت في بيان الجمعة: «لم نكن نعرف ما ينبغي أن تتضمنه التحذيرات، أو ما إذا كانت فعّالة في تغيير السلوك. أحياناً، تُحدث تغييرات طفيفة في التحذيرات فرقاً كبيراً».

ووجدت الدراسة أن الرسائل التي تناولت الأضرار العامة على الصحة النفسية والتحذيرات الخاصة بالاكتئاب والقلق، من بين 15 رسالة تم اختبارها، لاقت صدى أكبر لدى الشباب. وقال الدكتور توماس روبنسون، أستاذ صحة الطفل والمؤلف الرئيسي للدراسة: «أفاد المراهقون والشباب باستمرار أنهم شعروا بأن رسائل التحذير التي اختبرناها ستُقلل من الاستخدام الضار لوسائل التواصل الاجتماعي». وأضافت غرومون: «تشير بياناتنا إلى أن هذه التحذيرات قد تُجدي نفعاً، لذا يجدر بنا تخصيص الوقت الكافي لصياغة النص بدقة».

آثار سلبية

وكانت دراسات سابقة قد ربطت بين الإفراط في استخدام هذه الوسائل وكثيراً من النتائج السلبية، بما في ذلك الاكتئاب والقلق وتشوّه صورة الجسم واضطرابات النوم.

وأوضحت غرومون أن إضافة التحذيرات إلى وسائل التواصل الاجتماعي تحظى بتأييد واسع، مشيرة إلى أنه بعد دعوة الجراح العام في عام 2024، قدّم ائتلاف يضم 42 مدعياً عاماً من مختلف الولايات الأميركية التماساً إلى الكونغرس لإصدار قانون فيدرالي يُلزم بإضافة التحذيرات. وقد اختبر باحثو الدراسة 14 تحذيراً ورسالة تحكم، باستخدام استبيانات وُزِّعت على 1012 شاباً. كان نصفهم تقريباً من المراهقين الذين تتراوح أعمارهم بين 13 و17 عاماً، والنصف الآخر من الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و29 عاماً.

وضع الباحثون رسائل تحذيرية حول 6 مواضيع صحية: إدمان وسائل التواصل الاجتماعي، وصورة الجسم السلبية، واضطرابات النوم، والاكتئاب، والقلق، والأضرار العامة على الصحة النفسية، وحقيقة أن وسائل التواصل الاجتماعي لم تثبت سلامتها للشباب. وقد صمموا تحذيرين لكل موضوع.

ونظراً لأن بعض شركات التواصل الاجتماعي اقترحت إمكانية تقديم تحذيراتها الخاصة، اختبر الباحثون أيضاً رسالةً تقترح أخذ استراحة من استخدام الشاشة، مشابهةً لتلك المستخدمة على «تيك توك». شاهد المشاركون الرسائل بترتيب عشوائي. وقاموا بتقييم كل رسالة بناءً على سؤالين: «إلى أي مدى تُثنيك هذه الرسالة عن استخدام وسائل التواصل الاجتماعي؟» و«إلى أي مدى تزيد هذه الرسالة من وعيك بمخاطر استخدام وسائل التواصل الاجتماعي».

وكان تأثير الرسائل التي تناولت أضرار الصحة النفسية ملحوظاً. إذ قيّم المشاركون جميع رسائل التحذير بأنها أكثر فعالية من الرسالة المرجعية. كما قيّموا جميع التحذيرات التي أشارت إلى الآثار الصحية، باستثناء التحذير من الإدمان، بأنها أكثر فعالية من الرسالة التي تقترح أخذ استراحة من استخدام الشاشة.

وكانت الرسائل التي اعتُبرت الأكثر فعالية هي تلك التي تناولت أضرار الصحة النفسية بشكل عام، والاكتئاب، والقلق. وعلى الرغم من أن البيانات لا توضح سبب نجاح تلك الرسائل، قالت غرومون: «لو أردت التكهن، لقلت إن هذه أضرارٌ تُلامس مشاعر الناس. قد يقول الناس: 'هذا صحيح، أتصور حدوث ذلك لأصدقائي أو لي'، وهذه نتائج تهم الناس».


مقالات ذات صلة

«اعتقل المهاجرين وابنِ الجدار»... ألعاب جديدة على موقع البيت الأبيض الرسمي

يوميات الشرق لقطة شاشة تُظهر ألعاب البيت الأبيض الإلكترونية (موقع البيت الأبيض)

«اعتقل المهاجرين وابنِ الجدار»... ألعاب جديدة على موقع البيت الأبيض الرسمي

أطلقت الإدارة الأميركية يوم الخميس، سلسلة من الألعاب الإلكترونية التي تحاكي بعض أولوياتها، من بينها تشديد الرقابة على الحدود وبناء الجدار الحدودي.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
يوميات الشرق تأخير تعرض الأطفال لمواقع التواصل أفضل لصحتهم النفسية (أرشيفية - رويترز)

دراسة: تأخير استخدام الأطفال لوسائل التواصل قد يحمي صحتهم النفسية

أشارت دراسة جديدة إلى أهمية تقييد وصول الأطفال لمواقع التواصل الاجتماعي، وأن ذلك مفيد لصحتهم النفسية.

«الشرق الأوسط» (سيدني )
صحتك خوارزميات وسائل التواصل تشجع المراهقين على إيذاء النفس

خوارزميات وسائل التواصل تشجع المراهقين على إيذاء النفس

كشفت دراسة نفسية حديثة، عن مدى تعرض المراهقين لمحتوى خطير يتعلق بإيذاء النفس على الإنترنت، وكيفية وصولهم إليه.

د. هاني رمزي عوض (القاهرة)
يوميات الشرق شعار تطبيق «تيك توك» في طوكيو (أ.ف.ب)

مقاطع الطعام عبر «تيك توك» تحفّز شهية المراهقين

كشفت دراسة أميركية عن أن تطبيق «تيك توك» لعرض مقاطع الفيديو يُسهم في تشكيل شهية المراهقين.

أوروبا فرق الطوارئ في موقع حادث على طريق «إم 9» في مقاطعة كيلدير بآيرلندا بسبب سير في الاتجاه المعاكس (د.ب.أ)

تحدي «عكس الاتجاه» يؤدي لمصرع 12 شخصاً في إنجلترا وآيرلندا خلال أسبوع

لقي 12 شخصاً مصرعهم خلال أقل من أسبوع، في حوادث سير بإنجلترا وآيرلندا، نتيجة قيادة سيارات بعكس الاتجاه على طرق رئيسية، وسط انتشار هذه الممارسة كتحدٍّ رائج.

«الشرق الأوسط» (لندن)

مخاوف في مصر من تسرب مياه الصرف إلى جامع أحمد بن طولون

صحن جامع أحمد بن طولون (وزارة السياحة والآثار)
صحن جامع أحمد بن طولون (وزارة السياحة والآثار)
TT

مخاوف في مصر من تسرب مياه الصرف إلى جامع أحمد بن طولون

صحن جامع أحمد بن طولون (وزارة السياحة والآثار)
صحن جامع أحمد بن طولون (وزارة السياحة والآثار)

الإجراءات العاجلة والتحركات التي أعلنتها وزارة السياحة والآثار المصرية من أجل حماية جامع أحمد بن طولون الأثري من مياه الصرف الصحي، لم تمنع مخاوف أثريين مصريين من استمرار تسرب مياه الصرف له؛ ما يعرضه لمخاطر، إذا لم تتخذ إجراءات حاسمة لحماية الجامع الأثري.

الجامع الذي بناه والي مصر ومؤسس الدولة الطولونية عام 265 هـ (879 م) على قمة جبل يشكر، كان جزءاً من مدينة القطائع التي بناها عاصمة لدولته الوليدة، لتأكيد استقلاليته عن الخلافة العباسية، ويتميز بمئذنته الملوية أو الملتفة التي تعكس طراز مسجد العبّاس في سامراء (العراق). كما تحتوي العقود والنوافذ المطلة على صحن الجامع على زخارف جصية هندسية ونباتية، وتقع النافورة (الميضأة) المخصصة للوضوء في منتصف صحن الجامع تعلوها قبة مرتكزة على أعمدة رخامية، وتعد من أبرز الآثار الإسلامية في حي السيدة زينب بوسط القاهرة.

مئذنة جامع أحمد بن طولون (وزارة السياحة والآثار)

وحسب بيان أصدرته الوزارة، حدثت المشكلة نتيجة انسداد في بعض مواصير الصرف الصحي بالمنطقة؛ ما أدى إلى تجمع المياه في «الزيادة» الخاصة بالجامع، وهي مساحة تقع خلفه.

ويرى استشاري ترميم الآثار الدكتور فاروق شرف أن «مسجد أحمد بن طولون لا يمكن أن تصل له المياه إلا عبر مسجد مجاور هو مسجد صارغطمش، وكان مسجد ابن طولون قد خضع لعملية ترميم وحماية وقت تولِّي الفنان فاروق حسني مسؤولية وزارة الثقافة، وقد راعى المشرفون على عمليات ترميمه إنشاء 4 غرف تفتيش لتجميع مياه الأمطار في جوانب صحنه الأربعة».

ويضيف لـ«الشرق الأوسط»: «أما عن مسجد صارغطمش فقد قامت الوزارة وقتها بترميمه، وهو تحفة مملوكية، ومن أجمل مساجد العصر المملوكي البحري، ويقع في شارع الصليبة الموجود به مسجد ابن طولون، وقد تم ترميمه وعزل صحنه تماماً، لحمايته من المياه القادمة من قلعة الكبش». وكانت الفكرة، حسب شرف «تقوم على تحويل المياه المنصبة من أعلى الجبل إلى المجاري العمومية الموجودة في الشارع، وهكذا تم التخلص من المياه التي تسيل بشكل مستمر، بعد تحويلها لمواصير الصرف».

كما أشار إلى أن «خطورة تجمع المياه، تكمن في عدم تصريفها، وهذا يمثل خطراً كبيراً على الموقع الأثري، أما قضية التجمع المائي خلف مسجد أحمد بن طولون، وهو مبنيّ فوق منطقة جبلية، فمخاطرها تأتي من الأملاح التي تسكن الحجر بعد تجفيف المياه التي لا يمكن أن تدخل المسجد إلا عن طريق الصحن المكشوف للهواء، وقد جاء ضمن خطة ترميمه، لتفادي ذلك، إنشاء غرف تفتيش لتجميع المياه في جوانبه، مهمتها سحب المياه خصوصاً وقت الأمطار، وتصريفها للخارج.

البيان التوضيحي بشأن الإجراءات الفورية المتخذة للتعامل مع تجمع مياه بمنطقة قلعة الكبش خلف جامع ابن طولون الأثري تمثلت في الدفع بعربات شفط المياه، واتخاذ الإجراءات الفنية اللازمة لتسليك المواسير والتعامل مع الموقف، للحفاظ على المنطقة الأثرية وسلامتها.

ويُعد جامع أحمد بن طولون ثاني أقدم مسجد باقٍ في مصر، ومن أوسع المساجد مساحةً، وتبلغ مساحته الكلية – بما في ذلك الزيادات –أكثر من 26 ألف متر مربع، ويتميز بتخطيطه المتعامد، وهو تخطيط تقليدي للمساجد الجامعة الكبرى في العصر العباسي، ويتكون من صحن مربع مكشوف تتوسطه ميضأة أنشئت في العصر المملوكي، يحيط به 4 أروقة، أكبرها رواق القبلة في الجهة الشرقية، ويضم 5 صفوف من الأعمدة، بينما تتألف الجهات الثلاث الأخرى من رواقين فقط لكل منها. ويحيط بالمسجد سور خارجي من 3 جهات (الشمال والجنوب والغرب) يفصل بينه وبين البناء مساحة مكشوفة تُعرف بالزيادة، وهي سمة معمارية معروفة في مساجد سامراء وسوسة أيضاً.


ثلاثة أفلام تختبر الغضب والخوف والمصير في «فينيسيا»

بطلتَا «غضب» في مواجهة لا تخلو من المخاطر (ملف «مهرجان فينيسيا»)
بطلتَا «غضب» في مواجهة لا تخلو من المخاطر (ملف «مهرجان فينيسيا»)
TT

ثلاثة أفلام تختبر الغضب والخوف والمصير في «فينيسيا»

بطلتَا «غضب» في مواجهة لا تخلو من المخاطر (ملف «مهرجان فينيسيا»)
بطلتَا «غضب» في مواجهة لا تخلو من المخاطر (ملف «مهرجان فينيسيا»)

كما العادة، يوفّر المهرجان أفلاماً كثيرة لا يمكن لأي امرئ مشاهدتها في 10 أيام أو حتى أسبوعين. وهذا ليس حكراً على «مهرجان فينيسيا» فقط، وإنما على كل المهرجانات الكبيرة التي تتنافس في استحواذ العروض العالمية الأولى. لكنّ الأمر ليس في العدد. إنه في النوعية أولاً، وبما يختاره المهرجان من أعمال لأسباب تتعلَّق برغبته في توجيه الاهتمام إلى مخرج جديد أو إلى موضوع معيّن.

سنجد كلّ هذا هنا في فينيسيا، في برمجة تتوالى من الثامنة والنصف صباحاً إلى ما بعد منتصف الليل.

ينتقل ذلك إلى حضن الناقد الذي عليه أن يختار ما يشاهده من هذا الكم، وما يصرف النظر عنه مضطراً؛ ما يراه جوهرياً ومهمّاً للكتابة عنه، أو يستطيع تأجيل مشاهدته إلى فرصة أخرى، ربما في عروضه التجارية أو عبر بعض المنصات المدفوعة الثمن.

غضب في بيروت

«Furies»

★★★

يشترك الفيلم اللبناني «غضب» (Furies) في قسم «سبوتلايت»، الذي يتيح الإضاءة على مواهب جديدة. ومن هذه الزاوية، يُقدّم مخرجه رامي قديح عمله الطويل الأول بعد سنوات من تحقيق أفلام قصيرة. والهوية اللبنانية المذكورة تعود إلى المخرج وإلى حقيقة أنّ الأحداث تدور في مدينة بيروت. لكن التمويل وَرَدَ من شركة «RT Features» الأميركية، مع إسهام قطري، وعناية عدد من الأسماء الرنّانة، من بينها جورج كلوني منتجاً منفّذاً.

«غضب» فيلم أكشن يتمحور حول شقيقتَين قرّرتا سرقة المصرف الذي حجب عن إحداهما مدخراتها. يبدأ بالإشارة إلى إيقاف المصارف اللبنانية عام 2022 عمليات الصرف وعدم دفع أي مبلغ للمودعين. وفي سياقه، يذكر اسم حاكم مصرف لبنان السابق رياض سلامة شريكاً أكبر في هذه اللعبة التي حرمت مئات آلاف الناس أموالهم. وفي مشهد آخر، يصوّر كيف أنّ ذوي السلطة يستطيعون سحب ما يريدون من دون تأخير لمجرّد أنهم كذلك.

إنه الفساد الضارب أطنابه في لبنان، كما يؤكد الفيلم، وعلى الشقيقتين فعل شيء حيال ذلك، لأنّ الشقيقة الصغرى (ريم مروّة) مصابة بالسرطان في أول مراحله. والخطة، بعد أن امتنع مدير المصرف عن الاستماع إلى توسّلات الشقيقة الكبرى (ماريا ناكوزي)، هي سرقة المصرف. وهناك ثغرة تكتشفانها، وهي أنّ الجدار بين المحلّ التجاري الملاصق للمصرف والمصرف ذاته من الباطون ويمكن هدمه. سيأخذ ذلك وقتاً، وسيتطلّب الاستعانة برجلَيْن (عصام بو خالد وحسن عقيل) لافتعال مشكلة في ساعة متأخرة من الليل بالقرب من المصرف، حتى يغطّي شجارهما على ما يجري.

تجري السرقة بنجاح صعب، لكن ما يلي ذلك سلسلة من الأحداث المتسارعة التي تنجح في صنع التشويق ضمن إيقاع حثيث. وفي الثلث الأخير من الفيلم، تتحوّل بوصلته إلى تنفيذ مَشاهد أكشن وتشويق، مبتعدةً عن طرح القضية المُثارة سابقاً. ليس أنّ المخرج، الذي شارك نورا ماريانا في كتابة السيناريو وأجرى مونتاج الفيلم بنفسه، أراد أساساً تقديم نقد حاد للوضع وتأثيره في المجتمع اللبناني، لكن هذه القضية تبدو أكثر فأكثر، مع دخول الفيلم في مَشاهد ما بعد نجاح العملية، في صلب الترفيه الخشن؛ ذلك الذي يحوّل الفيلم إلى فيلم حركة ومطاردات ومواقف خطرة.

يبقى أسلوب عمل المخرج ملتزماً بتقطيع سريع وإيقاع أسرع ولقطات حادّة القطع. ورغم أنّ هذا المنوال من العمل يدفن فرص إيجاد مساحات للتفكير، فإنّ قديح يفرضه بنجاح. والممثلتان اللتان تقودان الفيلم تفعلان ذلك باحتراف جيّد، ممّا يمنحه وجهة جديدة بالنسبة إلى السينما العربية عموماً، إذ لا تقود المرأة فقط، بل تنخرط أيضاً في العملية العنيفة وتتصدّى لها.

فرهاد أصلاني في لقطة من «مراقب» (ملف «مهرجان فينيسيا»)

منزل آيل للهدم في طهران

«مراقب»

★★

يختار المخرج الإيراني محسن غرائي لفيلمه الجديد «مراقب» (العنوان التسويقي «Falling House») أن يسرد حكايته بالحوار منذ البداية. ثمة حرص على عدم انقطاع الحوار القائم بين حارس السجن رشيد (فرهاد أصلاني) والمسؤول عنه، الذي يرتاب في أنه يقبض رِشى من المسجونين لتسهيل حصولهم على بعض مطالبهم. ينفي رشيد ذلك، ونصدّقه، رغم أن لديه مشكلات أخرى؛ إذ تسلّم إشعاراً من المحكمة بضرورة إخلاء بيته بسبب شَقّ طريق جديد. وحين ننتقل إلى ذلك المنزل، نجد أن المنطقة بأسرها عبارة عن منازل مهدّمة وحفريات جارية. منزل رشيد، الذي يؤويه وزوجته وابنتيه، هو الوحيد الباقي.

تتيح لنا الحكاية لاحقاً الانتقال إلى مشكلات داخل البيت. قدر كبير من عدم الفهم وغياب التفاهم يتوزّع بين أفراد العائلة حيال مطالبها وموقف رب العائلة منها. على سبيل المثال، هناك ابنته الكبرى التي تريد مغادرة إيران لتصبح عارضة أزياء. والزوجة غير راضية عن تأخّر زوجها في إيجاد مأوى، فيما هو غير راضٍ عن كلّ شيء. ويترجم المخرج هذا الوضع بمحاولة رشيد فرض ما يرتئيه وممارسة سطوته على الجميع.

لا بأس بهذا ليكون حكايةً تستمرّ أكثر من ساعتين (133 دقيقة تحديداً)، لكن بما أنّ الفيلم يعتمد على الحوار، فإنّ غياب المساحات الصامتة والمَشاهد الموحية، عوضاً عن التعبير عن كلّ شيء بالحوار، يطيح بموضوع كان يمكن أن يؤدّي غرضه الدرامي على نحو أفضل.

تمثيل أصلاني هو الوحيد الذي يستحق الاهتمام والتعاطف. هو رجل بدين إلى حد أنه لا يستطيع ربط حذائه. ومشكلته البدنية تواكب شعوره بالإحباط وقلّة الحيلة. كذلك يماثل البيت المهدّد بالهدم وضع العائلة المهدّدة بالمشاعر التي تنال من وحدتها. وكون غالبية الأحداث تدور داخل البيت يحدّ من قدرة المخرج على استغلال أماكن أخرى وتخفيف وطأة ذلك الحوار المسترسل.

هذا رابع فيلم لغرائي. أفلامه الثلاثة السابقة كانت إيرانية التمويل، أما هذا، فالتمويل آتٍ من شركة بريطانية، رغم أنه صُوِّر في إيران.

سام روكويل وجون مالكوفيتش في «وايلد هورس ناين» (ملف «مهرجان فينيسيا»)

في ربوع بعيدة

«Wild Horse Nine»

★★★★

في مكان آخر قلّما اهتمّت السينما بتصويره، تقع أحداث فيلم مارتن مكدونا الجديد «Wild Horse Nine». إنها «جزيرة إيستر» الواقعة عند أطراف تشيلي، حيث ينتقل بطلا الفيلم، سام روكويل وجون مالكوفيتش، من مدينة سانتياغو عام 1973، وتبدأ الأحداث. إنها المرحلة السابقة مباشرة للانقلاب العسكري ونهاية حكم سلفادور ألليندي.

يؤدّي مالكوفيتش دور كريس، عميل وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية الذي يعتزم نشر مذكراته عن المهمّات التي حقّقها لحساب الوكالة. وتشمل هذه عمليات توزّعت بين الشرق الأوسط وأفريقيا وأميركا اللاتينية، وكان حاضراً في عملية اغتيال كينيدي. أما لي (روكويل) فهو العميل الآخر الذي يصاحبه في هذه الرحلة. إنه أصغر سنّاً ويكنّ لكريس تقديراً ومحبّة، لكن عليه تنفيذ أمر رئيس عمليات الوكالة المسؤول عنهما، الذي يُشار إليه باسم «MJ» ويؤدي دوره ستيف بوشيمي، بقتل كريس لمنعه من نشر ما يعتزم كشفه من أسرار.

ولدى وصولهما إلى الجزيرة، يلتقيان مع فتاتين من تشيلي. ويعرب كريس، الذي لا يكترث بالإفصاح عمّا يجبّ أن يبقى مستتراً، عن موقفه المناوئ لحكم ألليندي، مهاجماً اليسار والمثقفين المؤيّدين له. وهذا يثير غضب الفتاتين مونيكا (ماريانا دي جيرولامو) وأليسيا (أيلين سالاس). ولاحقاً، سنكتشف شيئاً أبقاه المخرج طيّ الكتمان بشأن حقيقتهما.

معظم الفيلم كناية عن تقديم علاقة كريس بماضيه وانعكاسات هذا الماضي على حاضره. ليس أنه يندم على عمليات تشمل القتل، بل لأنه يكاد يصل إلى قناعة بأنّ كل شيء في الحياة لم يعد يحمل معنى. هو مصاب بالسرطان، وسيطلب من لي قتله. أما موقف لي فصعب. من ناحية، عليه قتله لا لأن كريس طلب منه ذلك، وإنما استجابة للأمر الصادر إليه، ومن ناحية أخرى، يكنّ له المودّة والتقدير.

ولا ترتكز العلاقة بينهما على الاحترام والمحبّة الإنسانية والتقدير العميق المتبادل فحسب، وإنما تتحلّى أيضاً بكتابة دقيقة لتفاصيل شخصية كل منهما: لي الذي يواجه متاعب مع زوجته ورئيس العمليات، وكريس الذي بات يعيش بمشاعره، حتى وإن ظلّ على قناعة كاملة بمواقفه السياسية.

يأتي فيلم مكدونا إثر فيلمه الجيد السابق «جنيّات إنيشرين» (The Banshees of Inisherin) عام 2022، الذي احتوى بدوره على شخصيتَين تتبادلان المواقف، وإن بنبرة أكثر حدّة. والفيلم الجديد ثنائي البطولة أيضاً، لكن موضوعه يظل إنسانياً في الأساس، ومليئاً بشغف متابعة حكايات المخرج التي تخالف المعهود من الموضوعات.


مصر تراهن على نجاح تحويل قلب القاهرة إلى مزار مفتوح

القاهرة الخديوية تحظى بخطط تطوير (المقاولون العرب)
القاهرة الخديوية تحظى بخطط تطوير (المقاولون العرب)
TT

مصر تراهن على نجاح تحويل قلب القاهرة إلى مزار مفتوح

القاهرة الخديوية تحظى بخطط تطوير (المقاولون العرب)
القاهرة الخديوية تحظى بخطط تطوير (المقاولون العرب)

تراهن مصر على تحويل قلب القاهرة إلى متحف مفتوح عبر مشروعات للتطوير والترميم وإعادة تأهيل مواقع ومناطق مختلفة، خصوصاً المناطق ذات الطابع التراثي والتاريخي والأثري مثل القاهرة التاريخية والفاطمية والخديوية.

ومن هذا المنطلق اِجتمع الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، السبت، مع الدكتور أسامة الأزهري وزير الأوقاف، والدكتور إبراهيم صابر محافظ القاهرة، واللواء أمير سيد أحمد مستشار رئيس الجمهورية للتخطيط العمراني، واللواء وليد عارف رئيس الهيئة الهندسية للقوات المسلحة، لمتابعة جهود إعادة إحياء معالم القاهرة الإسلامية والتاريخية.

واستعرض وزير الأوقاف الموقف التنفيذي لإعادة إحياء وترميم كثير من المساجد والأضرحة التاريخية، مُشيراً إلى أن ما يتم تنفيذه من جهود تمتد لتشهد فتح مزيد من المسارات السياحية المُتكاملة للربط بين مجموعة من المواقع والمعالم التاريخية والتراثية، لافتاً إلى أنه بالانتهاء مما يتم تنفيذه من أعمال تتعلق بإعادة إحياء المعالم التاريخية، سيصبح «قلب القاهرة» مزاراً مفتوحاً يستقطب المزيد من الحركة السياحية، وفق بيان لرئاسة الجمهورية.

شارع المعز من معالم القاهرة التاريخية (وزارة السياحة والآثار)

وأوضح السفير محمد الشناوي، المُتحدث الرسمي لرئاسة الجمهورية، أن محافظ القاهرة أشار إلى جهود إعادة إحياء كثير من معالم القاهرة الخديوية والتاريخية والإسلامية، وما يتم من تأهيل وتطوير للبنية التحتية الموجودة بالمناطق التاريخية والمناطق المحيطة بها. وفي هذا السياق، أكد رئيس الجمهورية على ضرورة اِستمرار جهات الدولة المعنية في جهودها نحو إعادة إحياء مختلف المعالم التاريخية والتراثية بالقاهرة، وتطوير المناطق المحيطة بها سعياً لاجتذاب المزيد من السائحين، مُشدداً على ضرورة تبني مشروع لـ«تخضير القاهرة» يستهدف تحويل أي مساحة يتم إخلاؤها إلى مسطحات خضراء.

وتهتم مصر بتطوير معالم القاهرة عبر عدة مشاريع تحت إشراف جهاز التنسيق الحضاري وعدد من أجهزة الدولة الأخرى، وبالشركة بين القطاع العام ومؤسسات الدولة والقطاع الخاص وشركات التطوير العقاري، وكان من ثمرة ذلك تطوير مناطق في القاهرة الخديوية وتحويلها إلى فضاء فني مفتوح.

قلعة صلاح الدين من معالم القاهرة الإسلامية (وزارة السياحة والآثار المصرية)

ويؤكد الخبير الآثاري، الدكتور عبد الرحيم ريحان، رئيس حملة الدفاع عن الحضارة المصرية، أن مصر تنفذ منذ عام 2014 خطة متكاملة لتطوير القاهرة التاريخية والحفاظ على طابعها الحضاري والمعماري، في إطار جهود تستهدف تحويل العاصمة إلى متحف مفتوح يضم مختلف الحقب التاريخية، بما يعزز مكانة مصر على خريطة السياحة الثقافية العالمية».

وتضم القاهرة التاريخية معالم أثرية متنوعة تعود معظمها للفترتين القبطية والإسلامية، وتضم منطقة مجمع الأديان وحصن بابليون بمصر القديمة، ومنطقة القاهرة الفاطمية التي تضم قلعة صلاح الدين الأيوبي وشارع المعز والجامع الأزهر وعشرات الجوامع والأضرحة والمواقع الأثرية، وهي مسجلة ضمن قائمة اليونسكو للتراث العالمي منذ عام 1979.

ويلفت ريحان إلى أن «الدولة لم تعد تكتفي بعمليات الترميم الفردية للآثار، بل اتجهت إلى تطوير المواقع التاريخية والدينية ودمجها ضمن مسارات سياحية متكاملة، تلبي تطلعات الزائر الذي يبحث عن تجربة متكاملة تحكي قصة تاريخية متصلة، وليس مجرد زيارة لمواقع منفردة، وفي هذا الصدد يبرز مسار (مساجد آل البيت) ومسار الدرب الأحمر من باب زويلة حتى ميدان القلعة».

وفي الختام يلفت الخبير الآثاري إلى أهمية مشروع تخضير القاهرة، مشيراً إلى أن «زيادة المساحات الخضراء وتكثيف أعمال التشجير يسهمان في تحسين المشهد الحضاري للعاصمة، ويعكسان صورة جمالية متكاملة تجعل الزائر لا يرى سوى عناصر الجمال والتنظيم».