«نومورا» لـ«الشرق الأوسط»: عوائد السندات تعيد رسم تكلفة رأس المال في المنطقة

العجز الأميركي والديون وأسعار النفط ترفع علاوة المخاطر... والموازنات الخليجية توفر هامش حماية

متداول يتابع تحركات الأسعار في بورصة نيويورك (أ.ف.ب)
متداول يتابع تحركات الأسعار في بورصة نيويورك (أ.ف.ب)
TT

«نومورا» لـ«الشرق الأوسط»: عوائد السندات تعيد رسم تكلفة رأس المال في المنطقة

متداول يتابع تحركات الأسعار في بورصة نيويورك (أ.ف.ب)
متداول يتابع تحركات الأسعار في بورصة نيويورك (أ.ف.ب)

تتجه أسواق الدين العالمية إلى مرحلة جديدة من ارتفاع تكلفة المال، مع صعود عوائد السندات الأميركية واليابانية والبريطانية إلى مستويات لم تشهدها منذ سنوات، وسط تداخل 3 ضغوط رئيسية: التضخم الذي تغذيه أسعار النفط، والعجوزات المالية المتضخمة، والاحتياجات المتصاعدة للاقتراض الحكومي. وبينما يعيد المستثمرون تسعير مخاطر الدين طويل الأجل، تمتد آثار الموجة إلى أسواق المنطقة عبر ارتفاع تكلفة التمويل السيادي والشركات؛ مما يضع اقتصادات الخليج أمام اختبار جديد لتكلفة رأس المال، وإن كانت تتمتع بمصدّات مالية أقوى من كثير من الأسواق الناشئة.

وفي قراءة خاصة لـ«الشرق الأوسط»، يرى الرئيس التنفيذي لمنطقة الشرق الأوسط في شركة «نومورا لإدارة الأصول»، طارق فضل الله، أن القفزة الأخيرة في عوائد السندات تحمل جانباً مؤقتاً مرتبطاً بالتوترات الجيوسياسية وأسعار النفط، «لكنها تكشف في الوقت نفسه عن تحول أعمق في أسواق الدين، مع ازدياد المخاوف من أن تصبح العوائد المرتفعة أطول استدامة بفعل العجوزات المالية المزمنة واحتياجات الاقتراض المتنامية في الاقتصادات الكبرى».

الرئيس التنفيذي لمنطقة الشرق الأوسط في شركة «نومورا لإدارة الأصول» طارق فضل الله (لينكد إن)

وتأتي قراءة فضل الله في وقت يواجه فيه سوق السندات العالمي موجة إعادة تسعير واسعة، مع ارتفاع عوائد الديون الحكومية الكبرى بفعل تداخل مخاوف التضخم المرتبط بارتفاع أسعار الطاقة، وتفاقم العجوزات المالية، وزيادة احتياجات الاقتراض. ففي الولايات المتحدة، اقترب عائد سندات الخزانة لأجل 10 سنوات من مستوى 5 في المائة، بعدما ارتفع بأكثر من 80 نقطة أساس منذ بداية مارس (آذار)، فيما تجاوز عائد السندات لأجل 30 عاماً مستويات لم يشهدها منذ نحو 19 عاماً. وفي اليابان، تجاوز عائد السندات الحكومية لأجل 10 سنوات مستوى 3 في المائة للمرة الأولى منذ عام 1996، بينما صعد نظيره البريطاني لأجل 10 سنوات إلى 5.268 في المائة، وهو أعلى مستوى منذ يونيو (حزيران) 2008.

وتكتسب هذه التحركات أهمية أكبر لأنها تشير إلى تغير في طريقة تسعير المخاطر في أسواق الدين، مع تركيز المستثمرين بصورة متزايدة على الآفاق المالية طويلة الأجل، وليس فقط على قرارات البنوك المركزية المقبلة. ويعني ذلك أن تكلفة الاقتراض قد تظل مرتفعة حتى في حال انحسار بعض الضغوط قصيرة الأجل، ما يضع مسار المالية العامة واستدامة الدين تحت مراقبة أكبر من جانب الأسواق.

وبينما بدأت أسواق السندات تظهر مؤشرات أولية على التهدئة الخميس، مع تراجع عائد الخزانة الأميركية لأجل 10 سنوات إلى نحو 4.77 في المائة وانخفاض العائد الياباني مجدداً إلى ما دون 3 في المائة، فإن مستويات العوائد لا تزال مرتفعة مقارنة بما كانت عليه قبل موجة البيع الأخيرة، ما يبقي السؤال مفتوحاً حول ما إذا كانت الاضطرابات الأخيرة تمثل تصحيحاً مؤقتاً أم بداية تحول أعمق في تكلفة الاقتراض العالمية.

وتزامنت موجة صعود العوائد مع تصاعد الاهتمام العالمي بتكلفة الاقتراض والدين العام، اللذين برزا ضمن القضايا الاقتصادية والمالية المطروحة في إطار «مجموعة العشرين»، في ظل بحث وزراء المالية ومحافظي البنوك المركزية تداعيات تشدد الأوضاع التمويلية على الاقتصاد العالمي والأسواق المالية. ويعكس ذلك اتساع نطاق ملف السندات، من تحركات في الأسواق إلى قضية اقتصادية ومالية أوسع، تتصل باستدامة المالية العامة، ومسار التضخم، وقدرة الاقتصادات الكبرى على تحمل أعباء الدين المتصاعدة.

كما تقاطعت هذه المخاوف مع تحذيرات «صندوق النقد الدولي» بأن ارتفاع عوائد السندات في الاقتصادات المتقدمة يرفع تكلفة الاقتراض عالمياً ويزيد الضغوط على الأسواق المالية، في وقت يقترب فيه الدين العام العالمي من 100 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، بينما فقد مسار انخفاض التضخم زخمه في عدد من الاقتصادات. وتضيف صدمات الطاقة والاستثمارات المتصاعدة المرتبطة بالذكاء الاصطناعي مصادر جديدة للضغوط على التضخم والنمو.

هل الارتفاع مؤقت أم بداية نظام جديد للعوائد؟

يرى فضل الله أن التحول الأهم في سوق السندات يتمثل في انتقال التسعير من رهانات السياسة النقدية قصيرة الأجل إلى إعادة تقييم مخاطر الاحتفاظ بالدين طويل الأجل، مع مطالبة المستثمرين بعائد أعلى مقابل مخاطر المدة والتضخم والمسار المالي.

ويبرز الدين الأميركي في قلب هذه المعادلة، بعدما تجاوز الدين الوطني للولايات المتحدة 40 تريليون دولار، وهو ما يراه فضل الله «تذكيراً واضحاً بحجم التحدي المالي الذي تواجهه أكبر سوق للسندات في العالم. ومع تصدر السندات طويلة الأجل موجة البيع، فإن الأسواق تعيد تسعير ما يتعين على الحكومات دفعه لتمويل احتياجاتها، وليس فقط ما تحدده قرارات البنوك المركزية بشأن أسعار الفائدة قصيرة الأجل».

ولا تتوقف تداعيات هذا التحول عند أسواق الدين؛ إذ إن سندات الخزانة الأميركية تمثل معيار التسعير الأساسي لما يعرف بـ«الأصل الخالي من المخاطر»؛ مما يعني أن ارتفاع عوائدها يرفع معدل الخصم المستخدم في تقييم مجموعة واسعة من الأصول؛ من الأسهم إلى السندات السيادية وشبه السيادية حول العالم.

أحد المارة أمام لوحة مؤشرات سوق الأسهم في طوكيو (إ.ب.أ)

5 %... مستوى يضع الأسهم تحت الاختبار

وتكتسب هذه المعادلة أهمية خاصة بالنسبة إلى الأسهم الأميركية، مع اقتراب عائد سندات الخزانة لأجل 10 سنوات من مستوى 5 في المائة، وهو مستوى ينظر إليه المستثمرون بوصفه عتبة نفسية قد تدفع بعضهم إلى إعادة توزيع محافظهم من الأصول الأعلى مخاطرة إلى السندات.

وتأتي هذه التطورات بعد موسم قوي لأرباح الشركات الأميركية؛ مما قد يحوّل اهتمام المستثمرين تدريجياً من نتائج الشركات إلى المتغيرات الاقتصادية والمالية الأوسع، وفي مقدمتها العوائد والتضخم والسياسة النقدية. ولا تزال تقييمات الأسهم مرتفعة نسبياً؛ إذ بلغ مضاعف السعر إلى الأرباح المستقبلية لمؤشر «ستاندرد آند بورز 500» نحو 19.7 مرة، مقارنة مع 22.2 مرة في بداية العام، لكنه لا يزال أعلى من متوسطه التاريخي البالغ نحو 16 مرة.

وبالنسبة إلى فضل الله، فإن اجتماع المخاوف المالية وارتفاع العوائد وتقييمات الأصول المرتفعة وتركيز المحافظ الاستثمارية يجعل الأسهم أمام اختبار مهم. وحتى الآن، ظل رد فعل الأسواق محدوداً نسبياً، «لكن الأسابيع المقبلة ستكون حاسمة في تحديد ما إذا كان المستثمرون قادرين على استيعاب ارتفاع العوائد، أم إن الضغوط ستدفع إلى تحول أوسع نحو تقليص المخاطر».

متداول يتحدث عبر الهاتف خلال مزاد سندات داخل قاعة تداول في مدريد (رويترز)

اليابان... نهاية عصر المال الرخيص؟

ولا تقتصر أهمية موجة العوائد على الولايات المتحدة وأوروبا؛ إذ يرى فضل الله أن التطور الأعمق قد يأتي من اليابان، التي لعبت على مدى نحو 3 عقود دوراً رئيسياً في توفير رأس المال منخفض التكلفة للأسواق العالمية.

ومع ارتفاع عائد السندات الحكومية اليابانية لأجل 10 سنوات إلى 3 في المائة، تصبح المعادلة أعقد أمام المستثمرين الذين اعتادوا الاقتراض بالين بتكلفة منخفضة وتوظيف الأموال في أصول ذات عوائد أعلى في الخارج، فيما تُعرف بـ«تجارة الفائدة» أو الـ«كاري تريد».

ويحذر فضل الله بأن «حقبة العوائد اليابانية القريبة من الصفر ربما تقترب من نهايتها؛ مما قد يغير اتجاهات تدفقات رأس المال العالمية. فارتفاع العائد المحلي في اليابان يمكن أن يجعل الاحتفاظ بالأصول اليابانية أعلى جاذبية، ويقلل في المقابل من جاذبية الاقتراض بالين لتمويل الاستثمارات في الأسواق الخارجية».

الخليج أمام تكلفة مال أعلى... لكن بهوامش أمان

وتنعكس هذه التطورات «بصورة مباشرة» على اقتصادات الخليج، نظراً إلى ارتباط معظم عملات المنطقة بالدولار؛ مما يعني انتقال أثر ارتفاع العوائد الأميركية إلى تكلفة الاقتراض السيادي والشركات، سواء في الأسواق المحلية أو عند إصدار أدوات الدين الدولية. ويشير فضل الله إلى أن ذلك يرفع تكلفة تمويل المشروعات وإعادة تمويل الديون القائمة، «لكنه لا يلغي قدرة دول المنطقة على مواصلة خطط الاستثمار والتنويع الاقتصادي، في ظل ما تتمتع به من إيرادات نفطية ومصدّات مالية ومراكز سيادية متينة».

ولا يعني ارتفاع تكلفة التمويل بالضرورة تراجع الاستثمارات الخليجية، «لكنه سيجعل كفاءة تخصيص رأس المال والعائد الاقتصادي للمشروعات أكبر أهمية، مع توجيه الأولوية إلى الاستثمارات القادرة على تحقيق عوائد مستدامة، مستفيدةً من قوة الموازنات والمراكز السيادية التي تمنح دول المنطقة مساحة أوسع للمناورة».

متداولون في بورصة نيويورك (أ.ف.ب)

هل تنحسر موجة العوائد؟

ورغم التحول الهيكلي في بعض محركات سوق السندات، فإن فضل الله لا يرى أن ارتفاع العوائد محكوم بالاستمرار في اتجاه واحد. ويشير إلى أن أسرع سيناريو يمكن أن يعكس الموجة الحالية «يتمثل في انحسار التوترات الجيوسياسية وتراجع أسعار النفط، بما يخفف علاوة المخاطر ويعيد تهدئة توقعات التضخم».

كما «يمكن لهبوط حاد في أسواق الأسهم، أو ظهور بيانات تؤكد عودة التضخم إلى مسار هبوطي واضح، أو لتدخل منسق من البنوك المركزية»، أن «يدفع المستثمرين مجدداً نحو السندات ويضغط على العوائد إلى الأسفل».

لكن الخطر الأكبر، وفق فضل الله، يتمثل في أن تصبح العجوزات المالية المرتفعة واحتياجات الاقتراض المتصاعدة واقعاً دائماً، «بما يعني أن الأسواق قد تضطر إلى التعايش مع (عائد أعلى لمدة أطول)؛ ليس فقط بسبب السياسة النقدية، وإنما أيضاً لأن المستثمرين سيطالبون بعائد أكبر مقابل تمويل حكومات مثقلة بالدين».

وبذلك، قد لا تكون موجة البيع الحالية مجرد حلقة مؤقتة في دورة أسعار الفائدة، بل بداية إعادة تسعير أوسع لتكلفة رأس المال العالمي؛ وهي معادلة ستفرض نفسها على الأسهم والسندات والاستثمار، وعلى الاقتصادات الخليجية التي تدخل هذه المرحلة من موقع أشد قوة، لكن ليس بمعزل عن ارتفاع تكلفة المال عالمياً.


مقالات ذات صلة

النفط الفنزويلي الثقيل يعقّد ملء الاحتياطي الأميركي... فهل تكون المقايضة الحل؟

تحليل إخباري وزير الطاقة الأميركي يتحدث مع الرئيسة الفنزويلية بالوكالة ديلسي رودريغيز في قصر ميرافلوريس الرئاسي في كاراكاس (أ.ب)

النفط الفنزويلي الثقيل يعقّد ملء الاحتياطي الأميركي... فهل تكون المقايضة الحل؟

تواجه خطة الرئيس الأميركي دونالد ترمب لإعادة ملء الاحتياطي النفطي الاستراتيجي تحدياً غير متوقع.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد شاشة بيانات مالية في غرفة تداول بنك هانا في سيول (إ.ب.أ)

الأسواق العالمية تنتعش ترقباً لإشارات «الفيدرالي»... والين يقفز

التقطت أسواق الأسهم والسندات أنفاسها خلال تعاملات الخميس، مع تراجع عوائد السندات الأميركية واليابانية عن مستويات مرتفعة.

«الشرق الأوسط» (طوكيو)
تقرير إخباري وزير الطاقة الأميركي يتحدث مع الرئيسة الفنزويلية بالإنابة ديلسي رودريغيز عقب توقيع اتفاقيات نفطية (رويترز)

تقرير إخباري رايت ينفي «سرقة» النفط الفنزويلي... وواشنطن تدفع باتجاه إعادة إحياء القطاع

رفض وزير الطاقة الأميركي كريس رايت اتهامات بأن واشنطن «تسرق النفط الفنزويلي»، بالتزامن مع توقيع شركات طاقة أميركية وأوروبية اتفاقات جديدة.

«الشرق الأوسط» (كاراكاس)
الاقتصاد لافتة «نحن نوظّف» في واجهة متجر للتجزئة في نيويورك خلال موسم العطلات (رويترز)

«إيه دي بي»: تباطؤ نمو الوظائف في القطاع الخاص الأميركي خلال أغسطس

أظهر تقرير التوظيف الوطني الصادر عن شركة «إيه دي بي»، يوم الأربعاء، تباطؤ نمو الوظائف في القطاع الخاص الأميركي خلال أغسطس (آب).

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد لافتة شارع «وول ستريت» خارج بورصة نيويورك (رويترز)

اقتراب عائد السندات الأميركية من 5 % يضع «وول ستريت» أمام اختبار صعب

يراقب مستثمرو الأسهم الأميركية بقلق ارتفاع عوائد سندات الخزانة بوصفه عقبة محتملة أمام موجة الصعود القياسية في «وول ستريت»

«الشرق الأوسط» (نيويورك)

السندات اليابانية تهدأ بعد اختبار الثلاثين عاماً

سيدة تمر أمام شاشة تعرض حركة الأسهم في العاصمة اليابانية طوكيو (أ.ب)
سيدة تمر أمام شاشة تعرض حركة الأسهم في العاصمة اليابانية طوكيو (أ.ب)
TT

السندات اليابانية تهدأ بعد اختبار الثلاثين عاماً

سيدة تمر أمام شاشة تعرض حركة الأسهم في العاصمة اليابانية طوكيو (أ.ب)
سيدة تمر أمام شاشة تعرض حركة الأسهم في العاصمة اليابانية طوكيو (أ.ب)

تنفست سوق السندات اليابانية الصعداء «مؤقتاً» الخميس، بعدما مر مزاد السندات الحكومية لأجل 30 عاماً من دون اضطراب كبير، بالتزامن مع تراجع العوائد عبر معظم آجال الاستحقاق، في وقت أعاد فيه المستثمرون تقييم مخاطر التضخم العالمي واحتمالات تشديد السياسة النقدية في الولايات المتحدة واليابان. وانخفض عائد السندات الحكومية اليابانية القياسية لأجل عشر سنوات بمقدار 4 نقاط أساس إلى 2.970 في المائة، بعدما تجاوز في الجلسات السابقة حاجز 3 في المائة للمرة الأولى منذ عام 1996.

وتتحرك العوائد عكسياً مع أسعار السندات. وتكتسب هذه الحركة أهمية خاصة بعدما أصبحت السوق اليابانية في الأسابيع الأخيرة واحدة من أبرز بؤر التقلب في أسواق الدخل الثابت العالمية، نتيجة تداخل ثلاثة عوامل رئيسية؛ هي ارتفاع التضخم، وتزايد توقعات رفع بنك اليابان أسعار الفائدة، وتنامي المخاوف بشأن حجم الدين العام واحتياجات الاقتراض الحكومية. وجاءت نتائج مزاد السندات لأجل 30 عاماً لتخفف جانباً من هذه المخاوف، فقد بلغت نسبة التغطية 3.79 مرة، مقارنة بـ3.86 مرة في المزاد السابق، بينما اتسع الفارق السعري المعروف باسم «ذيل المزاد» إلى 0.28 من 0.21 في أغسطس (آب).

ورغم أن الأرقام أظهرت بعض الضعف النسبي، فإن السوق استقبلت النتائج بهدوء، وظل عائد السندات لأجل 30 عاماً مستقراً بعد المزاد، منخفضاً 9.5 نقطة أساس خلال الجلسة إلى 4.070 في المائة.

وقال تاكايوكي مياجيما، كبير الاقتصاديين في «مجموعة سوني المالية»، إن نتيجة المزاد قد تبدو ضعيفة، إذا جرى النظر فقط إلى انخفاض نسبة التغطية واتساع الفارق السعري، لكنها لا تبدو سيئة بالمقارنة مع متوسط المزادات السابقة والاتجاه العام للسوق.

وهذا التقييم مهم، لأن المستثمرين كانوا يترقبون المزاد باعتباره اختباراً جديداً لقدرة الحكومة اليابانية على جذب الطلب في بيئة أصبحت فيها العوائد عند أعلى مستوياتها منذ عقود. وفي بقية منحنى العائد، انخفض عائد السندات لأجل عامين، الأكثر حساسية لسياسة بنك اليابان، بمقدار نصف نقطة أساس إلى 1.85 في المائة، بينما تراجع عائد الخمس سنوات نقطتين أساس إلى 2.290 في المائة، وانخفض عائد العشرين عاماً 8 نقاط أساس إلى 3.805 في المائة.

ويعكس هذا التراجع جزئياً تحولاً في المزاج العالمي؛ فقد انخفضت عوائد سندات الخزانة الأميركية من أعلى مستوياتها في عدة سنوات، بعد صدور بيانات توظيف أضعف من المتوقَّع في القطاع الخاص الأميركي، بالتزامن مع تصريحات أكثر حذراً من رئيس بنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك جون ويليامز؛ ما خفف بعض الرهانات على رفع الفائدة الأميركية هذا الشهر.

وكانت أسواق السندات العالمية قد شهدت موجة بيع واسعة في الأيام السابقة، مع ارتفاع أسعار الطاقة وتجدُّد المخاوف من التضخم، في ظل التوترات المستمرة في الشرق الأوسط.

• رأس المال يعود تدريجياً إلى الداخل

لكن الهدوء في سوق السندات اليابانية لا يلغي تحولاً أعمق بدأ يظهر في حركة رؤوس الأموال؛ فقد باع المستثمرون اليابانيون سندات أجنبية، للأسبوع الثاني على التوالي، حتى 29 أغسطس (آب)، وفق بيانات وزارة المالية، مع تسجيل صافي مبيعات بقيمة 824 مليار ين، أو نحو 5. 2 مليار دولار، من السندات الأجنبية طويلة الأجل. وتضيف هذه الأرقام دليلاً جديداً على أن المستثمر الياباني أصبح أقل اندفاعاً نحو شراء الدين الخارجي، مع ارتفاع العوائد المحلية وزيادة تكلفة التحوُّط من مخاطر العملات.

وفي الاتجاه المقابل، اشترى المستثمرون الأجانب سندات يابانية طويلة الأجل بقيمة صافية بلغت 509.1 مليار ين للأسبوع الثاني على التوالي، ما يشير إلى أن المستويات الحالية للعائد بدأت بالفعل تجذب رؤوس أموال خارجية.

وهذا التحوُّل مهم للأسواق العالمية، لأن اليابان كانت لعقود مصدراً رئيسياً للطلب على سندات الخزانة الأميركية والديون الأوروبية والأسترالية. وكلما أصبحت السندات اليابانية أكثر جاذبية، قلَّ الحافز أمام المستثمرين المحليين للبحث عن عوائد في الخارج.

• الين يستفيد من التشدُّد

وفي سوق العملات، واصل الين مكاسبه، مستفيداً من إعادة تسعير توقعات الفائدة اليابانية باتجاه أكثر تشدداً. ويعكس ذلك العلاقة المباشرة بين حركة العوائد وسعر الصرف؛ فكلما ارتفعت توقعات الفائدة في اليابان، تقلَّص جزء من الفجوة مع العوائد الأميركية؛ ما يمنح الين بعض الدعم بعد سنوات من الضعف. ويحمل هذا التطور بُعداً مهماً بالنسبة إلى بنك اليابان، الذي يواجه ضغوطاً متزايدة للتعامل مع التضخم المستورد الناتج عن ضعف العملة. لكن ارتفاع الفائدة لا يأتي بلا تكلفة؛ فاليابان تحمل واحداً من أكبر أعباء الدين العام بين الاقتصادات المتقدمة، وأي ارتفاع مستدام في العوائد يرفع تدريجياً تكلفة خدمة الدين ويزيد الضغوط على الموازنة.

• الأسهم تبقى حذرة

وفي سوق الأسهم، ظل الحذر مسيطراً؛ فقد تراجع مؤشر «نيكي» للجلسة الرابعة على التوالي، منخفضاً 0.17 في المائة إلى 64214.48 نقطة، وهو أدنى إغلاق في شهر، بينما ارتفع «توبكس» الأوسع نطاقاً 0.5 في المائة. وقال ناوتو تاكاهاشي، المحلل في «أيزاوا للأوراق المالية»، إن تركيز السوق ينصب حالياً على أسعار الفائدة والعملات، وإن حالة عدم اليقين المحيطة بهما تدفع المستثمرين إلى تقليص تعرضهم للأصول عالية المخاطر.

وكان أداء أسهم التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي متبايناً، فيما تعرَّض قطاع الطاقة لضغوط مع تراجع أسعار النفط وغياب مؤشرات على تصعيد جديد في المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران.

وبذلك، لا تمثل جلسة الخميس نهاية التوتر في سوق السندات اليابانية بقدر ما تمثل «استراحة مؤقتة» بعد موجة ارتفاع تاريخية في العوائد، فالاختبار الحقيقي سيظل مرتبطاً بمسار التضخم، وقرارات بنك اليابان، وحجم الإصدارات الحكومية المقبلة، ومدى استمرار المستثمرين اليابانيين في تقليص تعرضهم للسندات الخارجية.

وإذا استمرّت هذه الاتجاهات، فقد تتحول سوق السندات اليابانية من سوق كانت تعتمد تاريخياً على الفائدة المنخفضة والسيولة الضخمة إلى سوق تنافس فعلياً على رؤوس الأموال العالمية. أما مزاد الثلاثين عاماً، فقد منح طوكيو هدنة قصيرة، لكنه لم يغير الحقيقة الأساسية؛ وهي أن تكلفة المال في اليابان لم تعد كما كانت.


توقف موجة بيع سندات منطقة اليورو بعد 6 أيام من التراجع

أوراق نقدية من اليورو (رويترز)
أوراق نقدية من اليورو (رويترز)
TT

توقف موجة بيع سندات منطقة اليورو بعد 6 أيام من التراجع

أوراق نقدية من اليورو (رويترز)
أوراق نقدية من اليورو (رويترز)

توقفت موجة بيع سندات حكومات منطقة اليورو، يوم الخميس، بعد 6 أيام متتالية من التراجع، مما سيدفع العائدات إلى الابتعاد عن أعلى مستوياتها في سنوات عدة، مع انخفاض أسعار النفط والغاز القياسية، الأمر الذي خفف بعض المخاوف بشأن التضخم.

وارتفعت عوائد السندات في الأسابيع الأخيرة بفعل تنامي المخاوف من التضخم الناجم عن ارتفاع أسعار الطاقة، واحتمال ارتفاع أسعار الفائدة، إلى جانب القلق بشأن الاستدامة المالية في بعض الدول، بما في ذلك فرنسا والولايات المتحدة واليابان والمملكة المتحدة، وفق «رويترز».

وانخفض عائد السندات الألمانية لأجل 10 سنوات، وهو المعيار القياسي لمنطقة اليورو، بمقدار 1.5 نقطة أساس إلى 3.364 في المائة، ليظل أقل بقليل من أعلى مستوى له في 15 عاماً عند 3.3951 في المائة، والذي سجله يوم الأربعاء.

وقال إريك ليم، استراتيجي أسعار الفائدة في «كومرتس بنك»: «تصبح عوائد السندات الألمانية أكثر حساسية لتغيرات أسعار الغاز الطبيعي مع ارتفاع أسعار الغاز».

وأغلقت أسعار الغاز الطبيعي الأوروبية القياسية للعقود الآجلة يوم الأربعاء عند أعلى مستوى لها منذ يناير (كانون الثاني) 2023، لكنها تراجعت قليلاً يوم الخميس بعد تصريح الرئيس الأميركي دونالد ترمب بأن الحملة العسكرية المتجددة في إيران لن تدوم طويلاً.

كما انخفضت العقود الآجلة لخام برنت بأكثر من 1 في المائة، بعدما سجلت أعلى مستوى لها في نحو 6 أسابيع يوم الأربعاء.

توقعات البنك المركزي الأوروبي

دفعت الزيادة في أسعار الطاقة المتداولين إلى رفع توقعاتهم بشأن اتباع البنوك المركزية العالمية، بما فيها البنك المركزي الأوروبي، سياسة نقدية أكثر تشدداً.

ويتوقع متداولو سوق المال أن يرفع البنك المركزي الأوروبي سعر الفائدة بمقدار ربع نقطة مئوية إلى 2.5 في المائة عندما يعلن قراره بشأن السياسة النقدية بعد أسبوع من يوم الخميس. كما بدأت الأسواق في تسعير وصول سعر فائدة الإيداع إلى 3 في المائة بحلول يونيو (حزيران) من العام المقبل، بما يعني رفع أسعار الفائدة مرتين إضافيتين بحلول منتصف عام 2027.

وانخفض عائد السندات الألمانية لأجل عامين، الذي يتأثر بتغيرات توقعات أسعار الفائدة، بمقدار 1.5 نقطة أساس يوم الخميس إلى 2.966 في المائة، بعدما سجَّل يوم الأربعاء أعلى مستوى له في أكثر من عامين عند 3.0115 في المائة.


ارتفاع طفيف للأسهم الأوروبية يُنهي خسائر 3 جلسات متتالية

رسم بياني لمؤشر الأسهم الألماني «داكس» في بورصة فرانكفورت (رويترز)
رسم بياني لمؤشر الأسهم الألماني «داكس» في بورصة فرانكفورت (رويترز)
TT

ارتفاع طفيف للأسهم الأوروبية يُنهي خسائر 3 جلسات متتالية

رسم بياني لمؤشر الأسهم الألماني «داكس» في بورصة فرانكفورت (رويترز)
رسم بياني لمؤشر الأسهم الألماني «داكس» في بورصة فرانكفورت (رويترز)

ارتفعت الأسهم الأوروبية بشكل طفيف يوم الخميس، لتتعافى بعد ثلاث جلسات متتالية من الخسائر، بالتزامن مع انحسار موجة بيع السندات العالمية، بينما حوّل المستثمرون أنظارهم إلى البيانات الاقتصادية الأميركية المرتقبة بحثاً عن مؤشرات بشأن مسار السياسة النقدية المقبلة لمجلس الاحتياطي الفيدرالي.

وارتفع مؤشر «ستوكس 600» الأوروبي بنسبة 1 في المائة إلى 646.15 نقطة بحلول الساعة 07:10 بتوقيت غرينتش، بعدما سجل في الجلسة السابقة أدنى مستوى له في شهر. وجاء أداء المؤشرات الإقليمية متبايناً، إذ ارتفع مؤشر «داكس» الألماني بنسبة 0.1 في المائة، ومؤشر إسبانيا بنسبة 0.3 في المائة، بينما تراجع مؤشر «كاك 40» الفرنسي بنسبة 0.1 في المائة، وفق «رويترز».

وأدى التصعيد الأخير في الحرب في إيران إلى ارتفاع أسعار النفط، مما زاد المخاوف بشأن استمرار الضغوط التضخمية، وتضخم مستويات الدين الحكومي، وتشديد السياسة النقدية، وهو ما أسهم في موجة بيع عالمية في أسواق السندات والأسهم.

وتراجعت أسعار النفط، لكنها ظلت فوق مستوى 90 دولاراً للبرميل، بينما انخفضت عوائد سندات منطقة اليورو من أعلى مستوياتها الأخيرة.

ومن بين الأسهم التي شهدت تحركات ملحوظة، ارتفع سهم «دويتشه تيليكوم» بنسبة 1.7 في المائة بعد تقارير أفادت بأن شركة «إليوت» استحوذت على حصة في الشركة.

وقفز سهم «سويتك» بنسبة 10 في المائة بعد أن رفعت الشركة الفرنسية المصنعة لمواد أشباه الموصلات توقعاتها للربع الثاني وللعام بأكمله، مشيرة إلى تسارع الطلب على الرقائق المستخدمة في وصلات الألياف الضوئية بمراكز بيانات الذكاء الاصطناعي.

ومن المقرر أن يترقّب المستثمرون تقرير الوظائف غير الزراعية الأميركي، المقرر صدوره يوم الجمعة، بحثاً عن مؤشرات جديدة بشأن مسار السياسة النقدية لمجلس الاحتياطي الفيدرالي، بعدما دفعت تصريحات رئيس المجلس، كيفين وارش، المتشددة الأسبوع الماضي، المتداولين إلى زيادة رهاناتهم على رفع أسعار الفائدة مجدداً.