يتغير النقاش حول الذكاء الاصطناعي في السعودية مع انتقال عدد متزايد من المشاريع من مرحلة التجربة إلى التشغيل الفعلي. فبعد أن تركز الاهتمام لسنوات على النماذج والمعالجات والقدرة الحاسوبية، يبرز تحدٍّ آخر يتعلق بالبنية التي تربط هذه المكونات بعضها ببعض، وتحافظ على حركة البيانات وأمنها، وتتيح للمؤسسات تشغيل تطبيقات الذكاء الاصطناعي على نطاق واسع.
على هامش مؤتمر «ليب 2026» المنعقد في الرياض حتى نهاية الأسبوع، قال بدر الماضي، نائب الرئيس والمدير التنفيذي لشركة «سيسكو» في المملكة العربية السعودية، إن الشبكات أصبحت عنصراً حاسماً في المرحلة الجديدة من بناء البنية التحتية للذكاء الاصطناعي، حتى وإن كانت أقل ظهوراً من وحدات معالجة الرسوميات أو النماذج اللغوية.
وأوضح خلال مقابلة خاصة مع «الشرق الأوسط» أن الشركة، التي تعمل في المملكة منذ أكثر من 25 عاماً، توسع دورها من البنية الشبكية والتعاون الرقمي والأمن إلى بناء البنية التي تحتاج إليها مراكز الذكاء الاصطناعي واسعة النطاق، بالتوازي مع تطوير القدرات البشرية والأمن والسيادة الرقمية.
ويَظهر هذا التحول بوضوح في التعاون بين «سيسكو» و«AMD» و«هيوماين»، إذ أعلنت الشركات خلال «ليب» أن البنية الحاسوبية المعتمدة على معالجات «AMD Instinct MI355X» وبنية شبكات «Cisco Silicon One» أصبحت قيد التشغيل في السعودية، وتخدم عملاء «هيوماين» داخل المملكة وخارجها.

البنية تدخل مرحلة التشغيل
يمثل الإعلان انتقالاً من الخطط الاستثمارية إلى تشغيل قدرة حاسوبية فعلية يمكن استخدامها لتدريب نماذج الذكاء الاصطناعي وتنفيذ عمليات الاستدلال. وتجمع المنظومة بين وحدات «AMD Instinct MI355X» ومعالجات «EPYC» وشبكات «سيسكو» المبنية على «Silicon One»، إضافةً إلى أنظمة «N9000» وتقنيات اتصال بصري بسرعة 800 غيغابت، لربط وحدات المعالجة داخل بيئة مصممة للأحمال المكثفة للذكاء الاصطناعي.
وستقدم «هيوماين» هذه القدرة بصيغة «GPU-as-a-Service» لتشغيل أحمال تتراوح بين تدريب النماذج وتشغيلها، فيما تخطط الشركات الثلاث للمرحلة التالية التي تصل إلى 250 ميغاواط من البنية التحتية للذكاء الاصطناعي، على أن يبدأ تنفيذها في 2027، مع بدء دخول جزء من القدرة إلى الخدمة في النصف الثاني من العام. ويبقى المستهدف الأوسع للمشروع المشترك الوصول إلى ما يصل إلى 1 غيغاواط بحلول 2030. وأوضح الماضي أن أهمية دور «سيسكو» في هذه المنظومة تكمن في توفير «العمود الفقري» الذي تتحرك عبره البيانات بين المكونات المختلفة.
وأضاف أن الحديث عن الذكاء الاصطناعي غالباً ما يبدأ بالمنصات والمعالجات، لكن المؤسسات تكتشف عند الانتقال إلى التشغيل أن نجاح أي منصة يعتمد على بنية شبكية قادرة على التعامل مع هذا الحجم من البيانات، موضحاً أن شبكة «سيسكو» هي الطبقة التي تنتقل عبرها البيانات داخل البنية المادية للمشروع.
من التدريب إلى الاستدلال
لا يرتبط الطلب المتوقع بنوع واحد من أحمال الذكاء الاصطناعي، إذ تختلف التطبيقات حسب القطاعات. وأشار الماضي إلى الخدمات المالية، حيث يمكن استخدام الذكاء الاصطناعي في مكافحة غسل الأموال ومعالجة طلبات القروض، إلى جانب التصنيع، حيث يمكن أتمتة عدد متزايد من المهام المتكررة. وقال إن أي قطاع تقريباً أصبح يملك حالات استخدام يمكن تحويلها إلى تطبيقات للذكاء الاصطناعي، من الرعاية الصحية والسيارات إلى الخدمات المالية والصناعة. لكن هذه التطبيقات تضع متطلبات جديدة على البنية التحتية. فكلما زادت عمليات التدريب والاستدلال وتدفقت البيانات بين آلاف المعالجات، أصبحت سرعة الشبكة وزمن الاستجابة والقدرة على العمل دون انقطاع جزءاً مباشراً من أداء النموذج نفسه. وتأتي هذه الحاجة في وقت تظهر فيه فجوة بين طموحات المؤسسات والقدرة التقنية المتاحة لها. ففي مؤشر جاهزية الذكاء الاصطناعي الذي نشرته «سيسكو» سابقاً، قالت 91 في المائة من المؤسسات السعودية إنها تخطط لنشر وكلاء للذكاء الاصطناعي، في حين أفادت 29 في المائة فقط بامتلاكها قدرة قوية على وحدات معالجة الرسوميات.
من إثبات المفهوم إلى إثبات القيمة
يرى الماضي أن السوق السعودية قطعت بالفعل شوطاً في تبني الذكاء الاصطناعي. ويوضح أن الشركات مرت منذ 2023 بمرحلة كانت فيها معظم النقاشات حول التجربة واستكشاف الإمكانات، ثم بدأت التطبيقات تنتقل إلى الإنتاج، لتدخل الآن مرحلة تتعلق بتحسين الاستخدام وإثبات القيمة. ويرى أن السؤال لم يعد فقط عمّا إذا كان بالإمكان بناء تطبيق ذكاء اصطناعي، وإنما عمّا إذا كانت المؤسسة تستطيع تحقيق عائد واضح منه. ووصف التحول بأنه انتقال من مرحلة إثبات المفهوم إلى إثبات القيمة. وأفاد: «الشركات تريد أن ترى القيمة»، موضحاً أن ذلك قد يعني تحسين العمليات، وزيادة الكفاءة، ورفع الإيرادات، أو تحسين الربحية. ويرى أن العقبة أمام هذه المرحلة قد لا تكون نقص التطبيقات نفسها، وإنما عدم جاهزية البنية الأساسية التي تعتمد عليها. فالتطبيق الذي يعمل بصورة جيدة في تجربة صغيرة لا يعني بالضرورة أنه قادر على التعامل مع آلاف المستخدمين أو كميات ضخمة من البيانات داخل بيئة تشغيل حساسة.

الشبكة لم تعد مجرد أنابيب
يصف الماضي أحد التحديات بأنه ميل السوق إلى التركيز على الطبقات الأكثر وضوحاً في الذكاء الاصطناعي ونسيان البنية التي تعمل تحتها. فالمنصات والنماذج لا تعمل بمعزل عن الشبكات ومراكز البيانات وأنظمة التخزين والحماية. ويشير إلى أن المؤسسات تحتاج إلى تحديث بنيتها لتصبح أكثر «صلابة ومرونة وأمناً»، خصوصاً مع دخول الذكاء الاصطناعي في العمليات الحكومية والقطاعات المنظمة.
وتزداد هذه المتطلبات لأن حركة البيانات في أنظمة الذكاء الاصطناعي مختلفة عن تطبيقات المؤسسات التقليدية، إذ تتطلب بعض الأحمال اتصالاً كثيفاً بين أعداد كبيرة من المعالجات بزمن استجابة شديد الانخفاض. لهذا توسع «سيسكو» عالمياً ما تسميه «Secure AI Factory»، الذي يجمع الشبكات والحوسبة والأمن والمراقبة ضمن بنية واحدة تستهدف الأحمال الضخمة، من تدريب نماذج تضم تريليونات المعلمات إلى تنفيذ الاستدلال عند الحافة.
السيادة تتجاوز موقع البيانات
تحتل السيادة الرقمية موقعاً متقدماً في قرارات المؤسسات السعودية، خصوصاً الجهات الحكومية والخدمات المالية والقطاعات المنظمة. وشدد نائب الرئيس والمدير التنفيذي لشركة «سيسكو» في المملكة العربية السعودية، على أن السيادة كانت من الموضوعات الأساسية في النقاشات المتعلقة بالسحابة حتى قبل انتشار الذكاء الاصطناعي، وأن توسع الذكاء الاصطناعي جعلها أكثر تعقيداً. فالأمر لا يرتبط فقط بمكان تخزين البيانات، بل بحمايتها في أثناء الحركة وعند التخزين، والقدرة على معرفة كيفية استخدامها ومراقبة دورة حياتها. ونوه إلى أن «سيسكو» تجمع بين الشبكات والأمن والمراقبة، بما في ذلك القدرات التي أضافتها بعد استحواذها على شركة «سبلانك Splunk»، لتمكين المؤسسات من رؤية ما يحدث داخل بنيتها والتعامل مع المتطلبات الأمنية والتنظيمية. واستشهد الماضي بالبنية السحابية المحلية لخدمات التعاون التابعة للشركة، قائلاً إنها تسمح لجهات حكومية ومؤسسات في قطاعات منظمة باستخدام الخدمات بما يتماشى مع متطلبات السيادة المحلية. ويمتد مفهوم السيادة إلى البنية الجديدة مع «هيوماين» و«AMD». فالتعاون مصمَّم لإعطاء العملاء تحكماً أكبر في مكان وجود البيانات، وكيفية تخصيص النماذج، والطريقة التي يتم بها تشغيل أنظمة الذكاء الاصطناعي وإدارتها.
تغير معادلة الأمن
يضيف انتشار الوكلاء المستقلين طبقة أخرى من التعقيد؛ إذ ينفِّذ المستخدم معظم القرارات مباشرةً في التطبيقات التقليدية، بينما تستطيع الأنظمة الوكيلة الوصول إلى البيانات والأدوات واتخاذ خطوات متتالية بصورة مستقلة. وبرأي الماضي، السعودية تتحرك بسرعة في هذا المجال، وجاهزيتها لتبني الذكاء الاصطناعي الوكيل مرتفعة مقارنةً بكثير من الأسواق. لكنّ زيادة الاستقلالية تعني أن المؤسسات تحتاج إلى رؤية أكبر لما تقوم به الأنظمة، وما البيانات التي تصل إليها، والصلاحيات التي تستخدمها. وهنا تصبح الشبكة والأمن والمراقبة أجزاء مترابطة، لأن المؤسسات لا تريد الاستفادة من سرعة الذكاء الاصطناعي مقابل التضحية بالسيطرة على البيانات أو الالتزام بمتطلبات السيادة.

قرابة نصف مليون متعلم... و500 ألف إضافي
لا تضع «سيسكو» البنية التحتية وحدها في قلب شراكتها مع المملكة. فعبر «Cisco Networking Academy»، دربت الشركة حتى الآن نحو نصف مليون متعلم في المملكة. وفي مايو (أيار) 2025، تعهدت بتوفير تدريب رقمي مجاني لـ500 ألف متعلم إضافي خلال خمس سنوات في مجالات تشمل الذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني وعلوم البيانات والبرمجة. وكانت الشركة قد أفادت في أكتوبر (تشرين الأول) 2025 بأن عدد المستفيدين تجاوز 480 ألف متعلم، مع مشاركة نسائية بلغت 36 في المائة.
ويشدد الماضي على أن تطوير رأس المال البشري يجب أن يتحرك بالتوازي مع الاستثمار التقني، لأن بناء مراكز البيانات وحده لا يكفي إذا لم تتوافر الكفاءات القادرة على تصميم الأنظمة وتشغيلها وتأمينها. ويشير إلى شراكات مع الجامعات والمؤسسات الكبرى لسد فجوات المهارات الجديدة التي يخلقها الذكاء الاصطناعي، خصوصاً في الشبكات والأمن والبنية التحتية المتقدمة. ومن بين هذه المبادرات معهد الذكاء الاصطناعي الذي أطلقته «سيسكو» بالتعاون مع جامعة الملك عبد الله للعلوم والتقنية «كاوست»، ويركز على البحث والتطوير وبناء المواهب المحلية.
23 مشروعاً للتحول الرقمي
يمتد وجود الشركة أيضاً عبر برنامج «Country Digital Acceleration» الذي بدأ في السعودية عام 2016. وحسب «سيسكو»، أسهم البرنامج في تنفيذ 23 مشروعاً في قطاعات تشمل الصحة والتعليم والمدن الذكية والخدمات الحكومية. وذكر الماضي أن هذه المبادرات تعكس تحول العلاقة مع المملكة من تقديم منتجات منفردة إلى شراكات تتعلق بالتقنية ورأس المال البشري والأثر الاجتماعي.
ويرى أن الهدف النهائي هو استخدام التقنية لتحسين جودة الخدمات الحكومية والخاصة، وليس قياس نجاح الشراكة بحجم المعدات أو عدد المنصات المنشورة فقط.
ما الفجوة المتبقية؟
مع توسع الاستثمارات السعودية في مراكز البيانات والحوسبة، يرى الماضي أن واحدة من كبرى الفجوات المحتملة تتمثل في تحديث البنية المؤسسية القائمة. فعديد من المؤسسات لديها أنظمة وشبكات صُممت لعصر مختلف، بينما تتطلب تطبيقات الذكاء الاصطناعي بنية أكثر كثافة وسرعة وقابلية للمراقبة. ورأى أن «AI يغيِّر كامل مشهد البنية التحتية وطريقة عمل الشركات»، ولذلك تحتاج المؤسسات إلى تحديث شبكاتها من دون التضحية بالأمن أو السيادة. وتظهر أهمية هذا التحديث مع زيادة أعداد التطبيقات الوكيلة، وارتفاع حركة البيانات بين مراكز الحوسبة، وتوسع استخدام «GPU-as-a-Service»، إذ تصبح الشبكة نفسها جزءاً من القدرة الحاسوبية وليست مجرد وسيلة اتصال بينها.
اختبار السنوات المقبلة
بالنسبة إلى بدر الماضي، لا يوجد مؤشر منفرد يمكن من خلاله الحكم على نجاح السعودية في بناء اقتصاد للذكاء الاصطناعي. لكنه يرى أن العناصر الأساسية موجودة: استثمارات كبيرة في البنية، وشراكات تقنية، وبرامج لتطوير المهارات، وطلب متزايد من المؤسسات الحكومية والخاصة. وسيكون الاختبار في كيفية جمع هذه العناصر وتحويلها إلى تطبيقات تعمل على نطاق واسع وتحقق قيمة اقتصادية.
ومع بدء تشغيل بنية «AMD» و«سيسكو» و«هيوماين»، والاستعداد لمرحلة تصل إلى 250 ميغاواط اعتباراً من 2027 ثم مستهدف يصل إلى غيغاواط واحد بحلول 2030، ينتقل جزء من النقاش من حجم القدرة التي يتم الإعلان عنها إلى مقدار ما سيستخدم منها فعلياً، وما التطبيقات التي ستُبنى فوقها؟
ويرى الماضي أن ارتفاع التبني يجب أن يصاحبه تحسن في الأمن والسيادة، مع قدرة المؤسسات على الانتقال من إثبات أن الذكاء الاصطناعي يعمل تقنياً إلى إثبات أنه يقدم قيمة فعلية.
وفي هذه المرحلة، تصبح الشبكات التي لا يراها المستخدم عادةً عنصراً أساسياً في المعادلة. فهي التي تربط المعالجات، وتنقل البيانات، وتوفر الرؤية الأمنية، وتحدد في النهاية ما إذا كانت البنية الضخمة للذكاء الاصطناعي قادرة على التحول من قدرة حاسوبية إلى خدمات وتطبيقات تعمل بصورة مستقرة على مستوى الاقتصاد.








