السندات اليابانية تعيد رسم خريطة رؤوس الأموال العالمية

ارتفاع العوائد يهدد الطلب على الديون من أميركا إلى أستراليا

ورقة نقدية من فئة 1000 ين ياباني (رويترز)
ورقة نقدية من فئة 1000 ين ياباني (رويترز)
TT

السندات اليابانية تعيد رسم خريطة رؤوس الأموال العالمية

ورقة نقدية من فئة 1000 ين ياباني (رويترز)
ورقة نقدية من فئة 1000 ين ياباني (رويترز)

يبدو أن التحول التاريخي في سوق السندات اليابانية بدأ يتجاوز حدود طوكيو ليعيد تشكيل جزء من حركة رؤوس الأموال العالمية، بعدما تجاوز عائد السندات الحكومية اليابانية لأجل عشر سنوات مستوى 3 في المائة للمرة الأولى منذ عام 1996، في تطور يحمل تداعيات تتجاوز تكلفة الاقتراض المحلية إلى أسواق الخزانة الأميركية والديون الأوروبية والأسترالية.

فعلى مدى عقود، لعب المستثمرون اليابانيون دوراً محورياً في تمويل أسواق السندات العالمية، مستفيدين من بيئة محلية اتسمت بعوائد شديدة الانخفاض دفعتهم إلى البحث عن دخل أعلى في الخارج. لكن هذه المعادلة بدأت تنقلب تدريجياً مع صعود العوائد داخل اليابان إلى مستويات لم تشهدها السوق منذ ثلاثة عقود.

والسؤال الأهم حالياً لا يتعلق بما إذا كان المستثمرون اليابانيون سيبيعون فجأة محافظهم الخارجية الضخمة، بل بما إذا كانت اليابان ستتوقف تدريجياً عن كونها المشتري الهامشي الذي تعتمد عليه أسواق الدين الدولية.

وتشير البيانات إلى أن هذا التحول بدأ بالفعل، فقد باع المستثمرون اليابانيون صافي سندات خارجية بقيمة نحو 3 تريليونات ين، أي ما يقارب 18.7 مليار دولار، منذ بداية العام وحتى 22 أغسطس (آب)، وهو أكبر تدفق صافٍ إلى الخارج منذ موجة الهبوط العنيفة في أسواق السندات عام 2022.

ومع أن الرقم يظل صغيراً مقارنة بمحفظة اليابان الخارجية التي تبلغ نحو 2.4 تريليون دولار، فإن الاتجاه نفسه يكتسب أهمية، خصوصاً مع ظهور إشارات من صناديق التقاعد ومديري الأصول إلى تزايد الاهتمام بإعادة الأموال إلى السوق المحلية.

وقال مايكل وايدنر، الرئيس المشارك للدخل الثابت العالمي في «لازارد لإدارة الأصول»، إن المستثمرين اليابانيين خفّضوا تعرضهم للأوراق المالية المقومة بالين طوال نحو 25 عاماً، لكن ارتفاع العوائد المحلية غيَّر المعادلة، وبدأ يدفعهم إلى إعادة توزيع محافظهم.

عائد 3 % يغير الحسابات

بلغ عائد السندات الحكومية اليابانية لأجل عشر سنوات 3 في المائة هذا الأسبوع، بعدما تضاعف أكثر من ثلاث مرات خلال العامين الماضيين. وخلال الفترة نفسها، ارتفع عائد سندات الخزانة الأميركية لأجل عشر سنوات بنحو نقطة مئوية فقط، مما أدَّى إلى تقلص الفارق بين العائدين بأكثر من 100 نقطة أساس.

وهذا التقلص مهم للغاية بالنسبة للمستثمر الياباني. فعندما كانت السندات المحلية تحقق عوائد قريبة من الصفر، كان منطق الاستثمار في الخزانة الأميركية أو السندات الأوروبية واضحاً حتى بعد تحمل تكلفة التحوط من تقلبات العملات. أما الآن، فقد أصبحت السندات اليابانية نفسها تقدم عائداً جذاباً، من دون تحمل مخاطر الدولار أو اليورو أو تكاليف التحوط المرتفعة.

وقال توشينوبو تشيبا، مدير صندوق في «سيمبلكس لإدارة الأصول»، إنه أصبح أكثر تشاؤماً تجاه سندات الخزانة الأميركية وبدأ في شراء السندات اليابانية لأجل عشر سنوات قبل وصول العائد إلى ذروته الأخيرة.

وأضاف أن شراء السندات اليابانية بعائد يزيد على 3 في المائة أصبح قراراً سهلاً للمستثمر طويل الأجل، معتبراً أن سحب جزء من الأموال من الولايات المتحدة وإعادتها إلى اليابان يمثل حركة طبيعية في البيئة الحالية.

صناديق التقاعد تتحرك

وتبرز صناديق التقاعد باعتبارها أحد أهم مصادر التحول المحتمل، فقد أظهر مسح أجرته «جي بي مورغان لإدارة الأصول» وشمل 82 صندوق تقاعد تابعاً لشركات يابانية أن صافي نسبة الصناديق التي تعتزم زيادة حيازاتها من السندات المحلية بلغ أعلى مستوى منذ بدء المسح في 2008.

كما واصلت هذه الصناديق تقليص استثماراتها في الديون الخارجية، وسط ارتفاع تكلفة التحوط من العملات.

ولا توجد حتى الآن مؤشرات على أن صندوق استثمار المعاشات التقاعدية الحكومي الياباني، البالغة أصوله نحو 1.8 تريليون دولار، يقوم بتحول واسع في محفظته. لكن مجرد احتمال زيادة الوزن النسبي للأصول المحلية أثار قلق الأسواق خلال الصيف، نظراً إلى ضخامة هذا الصندوق وتأثيره المحتمل في التدفقات العالمية.

وقال ماسايوكي ناكاجيما، كبير الاستراتيجيين في «ميزوهو بنك» بلندن، إن ارتفاع عوائد السندات الحكومية اليابانية يجعل الدخل الثابت المحلي أكثر جاذبية على أساس التحوط من العملات، وقد يشجع المستثمرين على تحويل جزء من أصولهم الخارجية إلى اليابان.

الضغط يمتد إلى أميركا وأستراليا

وتحمل هذه التحولات أهمية خاصة لسوق سندات الخزانة الأميركية، لأن اليابان أكبر مالك أجنبي لها. فإذا لم يعد المستثمر الياباني يرى ضرورة لمطاردة العائد الأميركي، فإن الطلب الهامشي على الخزانة قد يتراجع في وقت تعاني فيه الولايات المتحدة أصلاً من دين عام ضخم واحتياجات إصدار متزايدة.

وقال جاستن أونوكوسي، كبير مسؤولي الاستثمار في «سانت جيمس بليس»، إن ارتفاع العوائد اليابانية يقلص فجأة حجم المشتري الهامشي للسندات الأميركية والدولية، لأن الفارق في القيمة النسبية لم يعد كبيراً كما كان.

وفي أستراليا، حيث كان المستثمرون اليابانيون من أكبر حائزي الدين الأجانب قبل الجائحة، لاحظ المتعاملون أيضاً تحولاً من تراكم المراكز إلى الاكتفاء بالحفاظ على الحيازات الحالية.

وقال رايان إليس، رئيس مبيعات الأسواق في «سيتي» لأستراليا ونيوزيلندا، إن المستثمرين اليابانيين أظهروا للمرة الأولى منذ سنوات ميلاً أكبر إلى السوق المحلية، في قرار مدفوع في الأساس بمستوى العائد.

أثر أوسع على علاوة الأجل

ولا يعني هذا بالضرورة موجة بيع ضخمة ومفاجئة للسندات الأجنبية. فالمراكز اليابانية الخارجية تراكمت على مدى عقود، وكثير منها يدار ضمن استراتيجيات طويلة الأجل أو محمية من تقلبات العملات. لكن حتى تباطؤ المشتريات الجديدة يحمل أثراً مهماً، فالأسواق العالمية تعتمد إلى حد كبير على «المشتري الهامشي»، أي المستثمر الذي يضيف طلباً جديداً عند كل إصدار. وإذا تراجع هذا الطلب من اليابان، فقد يحتاج المقترضون إلى تقديم عوائد أعلى لجذب المستثمرين الآخرين.

وقال ماساهيكو لو، كبير استراتيجيي الدخل الثابت في «ستيت ستريت لإدارة الاستثمار»، إن القصة الأساسية ليست إعادة أموال ضخمة إلى اليابان دفعة واحدة، بل توقف اليابان تدريجياً عن لعب دور المشتري الهامشي للسندات الأجنبية، وأضاف أن انخفاض الطلب الإضافي من واحدة من أكبر مجمعات المدخرات في العالم يسهم في رفع «علاوة الأجل» عالمياً، أي العائد الإضافي الذي يطلبه المستثمرون مقابل الاحتفاظ بالسندات طويلة الأجل.

بنك اليابان في قلب التحول

ويتوقف مدى استمرار هذا الاتجاه على السياسة النقدية اليابانية. فالمستثمرون يسعرون حالياً احتمالاً مرتفعاً لرفع بنك اليابان سعر الفائدة خلال اجتماعه في 17 و18 سبتمبر (أيلول)، بعدما أكد المحافظ كازو أويدا أن البنك سيواصل رفع الفائدة إذا استمرت الأوضاع الاقتصادية والأسعار في مسارها الحالي. ويرى كيفن ثوزيت من «كارمينياك» أن تحسين وضع الين يحتاج إلى رفع الفائدة بوتيرة أسرع مما تتوقعه الأسواق.

وهنا تتداخل سوق السندات مع سوق العملات، فإذا رفع بنك اليابان الفائدة بصورة أسرع، قد يحصل الين على دعم إضافي، ويصبح الاستثمار المحلي أكثر جاذبية. لكن إذا بقيت الفجوة مع الولايات المتحدة واسعة، فقد يستمر ضعف العملة ويحد من سرعة عودة الأموال إلى الداخل.

وتأتي هذه التحولات في وقت تتزايد فيه أيضاً المخاوف من السياسة المالية اليابانية. فحكومة رئيسة الوزراء ساناي تاكايتشي تدفع باتجاه إنفاق أكبر على قطاعات استراتيجية مثل الذكاء الاصطناعي وأشباه الموصلات والبنية التحتية، في وقت ترتفع فيه بالفعل تكاليف خدمة الدين.

وقد ساهمت هذه المخاوف في صعود عوائد السندات المحلية، لأن المستثمرين يطلبون تعويضاً أكبر مقابل تحمل مخاطر المعروض المتزايد والتوسع المالي.

وامتنعت وزيرة المالية ساتسوكي كاتاياما عن التعليق على مستوى 3 في المائة تحديداً، لكنها أكدت التزام الحكومة بإدارة الدين بصورة مناسبة.

من «مصدر» إلى «وجهة» لرأس المال

لذلك، قد يكون التغيير الأهم الجاري في اليابان هو تحولها التدريجي من دولة تصدر المدخرات إلى الخارج بحثاً عن العائد، إلى سوق قادرة على الاحتفاظ بجزء أكبر من تلك المدخرات داخلياً.

وهذا تحول ذو وزن عالمي. فإذا استقرت العوائد اليابانية عند مستويات مرتفعة نسبياً، واستمر بنك اليابان في التشديد، فقد يزداد إقبال صناديق التقاعد وشركات التأمين ومديري الأصول على السندات المحلية.

وكل ين يبقى في الداخل ولا يذهب إلى الخزانة الأميركية أو الديون الأوروبية أو الأسترالية يعني، في النهاية، مشترياً أقل في أسواق عالمية تعاني أصلاً من وفرة الإصدارات وارتفاع الديون والتضخم.

وقد لا تتحول اليابان بين عشية وضحاها إلى ساحب ضخم لرؤوس الأموال من الخارج، لكن مجرد تراجع دورها كمصدر دائم للطلب على السندات الأجنبية كافٍ لتغيير معادلة التسعير.

وبذلك يصبح حاجز 3 في المائة أكثر من مجرد رقم في سوق السندات اليابانية. إنه علامة على تحول أعمق في اتجاه المال العالمي؛ من عقود كانت فيها اليابان تمول الخارج بسبب انعدام العائد في الداخل، إلى مرحلة يصبح فيها الاحتفاظ بالمدخرات داخل اليابان خياراً أكثر منطقية وربحية.


مقالات ذات صلة

الصين ترفض اتهامات تعمد التسبب في «الفوائض التجارية»

الاقتصاد محافظ بنك الشعب الصيني بان غونغ شنغ في مؤتمر صحافي سابق بالعاصمة بكين (رويترز)

الصين ترفض اتهامات تعمد التسبب في «الفوائض التجارية»

رفضت الصين الاتهامات بأنها تتعمد تحقيق فوائض تجارية ضخمة على حساب شركائها في وقت تزداد فيه الضغوط الدولية على بكين لإعادة توجيه اقتصادها نحو الاستهلاك المحلي 

«الشرق الأوسط» (بكين)
الاقتصاد مساعد وزير الاتصالات وتقنية المعلومات د.سلطان بن سعيد خلال كلمته الافتتاحية (الشرق الأوسط)

293 مليون دولار استثمارات جديدة في الشركات الناشئة السعودية خلال «ليب 2026»

د اليوم الثالث من مؤتمر «ليب 2026» الإعلان عن جولات واستثمارات في رأس المال الجريء تجاوزت 293 مليون دولار، في عدد من الشركات الناشئة في السعودية.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد صهاريج نفط وغاز في مستودع تخزين بميناء تشوهاي الصيني (رويترز)

الصين توسع صادرات الوقود لاقتناص هوامش الربح

تتجه الصين إلى الحفاظ على صادرات مرتفعة من الوقود المكرر خلال سبتمبر مستفيدة من هوامش الربح القوية في الأسواق الخارجية

«الشرق الأوسط» (بكين)
الاقتصاد رجل يمر أمام مقر «البنك المركزي» في العاصمة اليابانية طوكيو (أ.ف.ب)

«بنك اليابان» يمهد لرفع جديد للفائدة دون تعهدات

اقترب «بنك اليابان» خطوة إضافية من رفع أسعار الفائدة في سبتمبر (أيلول)، بعدما تعهد محافظه بمواصلة التشديد النقدي إذا استمرت الأوضاع الاقتصادية في مسارها الحالي.

«الشرق الأوسط» (طوكيو)
الاقتصاد رجل يلتقط صورة أمام مقر البورصة في هونغ كونغ (رويترز)

الأسهم الصينية تتراجع واليوان تحت ضغط

تراجعت الأسهم الصينية، الأربعاء، تحت ضغط موجة بيع عالمية في السندات وارتفاع أسعار النفط، في حين بقيت سوق هونغ كونغ مستقرة نسبياً

«الشرق الأوسط» (بكين)

«ريان إير»: شركات طيران «ستكافح من أجل البقاء» وسط ارتفاع أسعار النفط

تتوقع «ريان إير» الآيرلندية ارتفاع أسعار تذاكر الرحلات القصيرة «بشكل ملموس» إذا استمرت أسعار النفط المرتفعة حتى 2027 (رويترز)
تتوقع «ريان إير» الآيرلندية ارتفاع أسعار تذاكر الرحلات القصيرة «بشكل ملموس» إذا استمرت أسعار النفط المرتفعة حتى 2027 (رويترز)
TT

«ريان إير»: شركات طيران «ستكافح من أجل البقاء» وسط ارتفاع أسعار النفط

تتوقع «ريان إير» الآيرلندية ارتفاع أسعار تذاكر الرحلات القصيرة «بشكل ملموس» إذا استمرت أسعار النفط المرتفعة حتى 2027 (رويترز)
تتوقع «ريان إير» الآيرلندية ارتفاع أسعار تذاكر الرحلات القصيرة «بشكل ملموس» إذا استمرت أسعار النفط المرتفعة حتى 2027 (رويترز)

قالت شركة «ريان إير» إنها تعتقد أن بعض شركات الطيران المنافسة «ستكافح للحفاظ على طاقتها التشغيلية، أو حتى من أجل البقاء» في الشتاء المقبل إذا ظلت أسعار النفط مرتفعة، حسبما ذكرت «وكالة الأنباء البريطانية».

كما تتوقع شركة الطيران الآيرلندية أن ترتفع أسعار تذاكر الرحلات القصيرة «بشكل ملموس» إذا استمرت أسعار النفط المرتفعة حتى عام 2027.

كما خفضت الشركة هدفها لحركة النقل الجوي للعام المقبل، في ظل جهودها لتقليل استخدام الوقود غير المحوط سعره خلال فترة الشتاء.

يأتي ذلك بعد ارتفاع جديد في أسعار النفط مرتبط بتصاعد حدة الصراع في الشرق الأوسط مؤخراً.

ووفقاً للاتحاد الدولي للنقل الجوي، ارتفع متوسط سعر وقود الطائرات بنسبة 8.2 في المائة على أساس شهري ليصل إلى نحو 156 دولاراً للبرميل، كما ارتفع بنسبة 74.2 في المائة خلال العام الماضي.

وأكدت «ريان إير» أن نحو 80 في المائة من احتياجاتها من وقود الطائرات لعام 2027 محوطة بسعر يبلغ 67 دولاراً للبرميل، ما يجعلها في وضع جيد لتحقيق أرباح جيدة لعام آخر.

لكنها أوضحت أن ارتفاع تكلفة الوقود غير المحوّط سعره يعني أنه من «المنطقي» تقليل تعرضها لهذه التكاليف خلال جدول التشغيل الشتوي غير المربح، والذي يمتد من نوفمبر (تشرين الثاني) إلى مارس (آذار).


الصين ترفض اتهامات تعمد التسبب في «الفوائض التجارية»

محافظ بنك الشعب الصيني بان غونغ شنغ في مؤتمر صحافي سابق بالعاصمة بكين (رويترز)
محافظ بنك الشعب الصيني بان غونغ شنغ في مؤتمر صحافي سابق بالعاصمة بكين (رويترز)
TT

الصين ترفض اتهامات تعمد التسبب في «الفوائض التجارية»

محافظ بنك الشعب الصيني بان غونغ شنغ في مؤتمر صحافي سابق بالعاصمة بكين (رويترز)
محافظ بنك الشعب الصيني بان غونغ شنغ في مؤتمر صحافي سابق بالعاصمة بكين (رويترز)

رفضت الصين الاتهامات بأنها تتعمد تحقيق فوائض تجارية ضخمة على حساب شركائها، في وقت تزداد فيه الضغوط الدولية على بكين لإعادة توجيه اقتصادها نحو الاستهلاك المحلي وتقليص اعتماده على الصادرات، بعد وصول فائضها التجاري إلى مستوى قياسي يقارب 1.2 تريليون دولار خلال 2025.

وقال محافظ بنك الشعب الصيني، بان غونغ شنغ، خلال اجتماع وزراء المالية ومحافظي البنوك المركزية لـ«مجموعة العشرين» في الولايات المتحدة، إن الصين «لم تسعَ قط بصورة متعمدة إلى تحقيق فائض تجاري»، مؤكداً أنها تعمل على توسيع الطلب المحلي والحفاظ على مستوى مرتفع من الانفتاح على الاقتصاد العالمي. وتأتي تصريحات بان في ظل اتساع الخلاف بين بكين وعدد من الاقتصادات الكبرى حول أسباب الاختلالات التجارية العالمية. وأظهر بيان صادر عن رئاسة «مجموعة العشرين» عقب الاجتماع الذي اختتم الثلاثاء أن المشاركين، باستثناء الصين، اتفقوا على ضرورة التخلص من «السياسات غير السوقية» التي تؤدي إلى تفاقم تلك الاختلالات.

وتواجه الصين انتقادات كثيرة من شركائها التجاريين مع ارتفاع صادراتها الصناعية وتسجيلها فائضاً تجارياً قياسياً. وتخشى الولايات المتحدة وأوروبا ودول أخرى أن يؤدي تدفق المنتجات الصينية، خصوصاً في قطاعات استراتيجية وصناعية، إلى زيادة الضغوط على الشركات المحلية، ودفع الحكومات نحو إقامة حواجز تجارية إضافية. لكن بان قدّم رؤية مختلفة للمشكلة، عادّاً أن معالجة الاختلالات العالمية لا يمكن أن تركز على الدول ذات الفائض وحدها، بل تحتاج إلى إصلاحات هيكلية في جميع الاقتصادات. وقال إن الدول التي تعاني عجزاً تجارياً يتعين عليها خفض العجز المالي وزيادة معدلات الادخار المحلي، بينما ينبغي للدول ذات الفوائض تعزيز نمو الاستهلاك والاستثمار.

ويعكس هذا الطرح محاولة صينية لنقل النقاش من التركيز على فائضها التجاري إلى السياسات الاقتصادية الأوسع للدول الكبرى، خصوصاً مستويات الإنفاق الحكومي والادخار والاستثمار. وأشار محافظ البنك المركزي إلى أن تصاعد الحمائية التجارية، والتوسع في استخدام اعتبارات الأمن القومي في السياسات الاقتصادية، وعدم القدرة على التنبؤ بالإجراءات الحكومية، أصبحت من الأسباب الرئيسية وراء ازدياد الاختلالات في الاقتصاد العالمي خلال السنوات الأخيرة. كما حذّر من أن الاحتكاكات التجارية والسياسات الحمائية لا تقتصر آثارها على الدول المستهدفة، بل تؤثر في سلاسل الإمداد العالمية وترفع التضخم وتربك توقعات الشركات والمستثمرين.

وتكتسب المواجهة حول الفائض التجاري الصيني أهمية كبيرة مع اعتماد الاقتصاد الصيني بدرجة كبيرة على التصنيع والصادرات في مواجهة ضعف الاستهلاك المحلي وأزمة العقارات الممتدة. وبالنسبة إلى بكين، يكمن التحدي في الحفاظ على قوة صادراتها من دون دفع مزيد من الاقتصادات إلى إقامة حواجز أمام المنتجات الصينية. أما بالنسبة إلى شركائها التجاريين، فإن الاختبار يتمثل في تحديد ما إذا كانت الاختلالات يمكن معالجتها عبر الحوار والإصلاحات الداخلية، أم أنها ستقود إلى مرحلة جديدة من الرسوم الجمركية والقيود التجارية. وهكذا يتحول فائض الصين التجاري من مجرد مؤشر اقتصادي إلى واحدة من أكثر القضايا حساسية في العلاقات الاقتصادية العالمية، مع اختلاف واضح بين بكين وشركائها حول المسؤولية عن الاختلالات وأفضل السبل لمعالجتها.


«السعودي للاستثمار» يبيع 50 % من «أميركان إكسبريس السعودية» بـ381 مليون دولار

بطاقات ائتمانية تابعة لـ«أميركان إكسبريس» في صورة توضيحية بمكتب في فرانكفورت (رويترز)
بطاقات ائتمانية تابعة لـ«أميركان إكسبريس» في صورة توضيحية بمكتب في فرانكفورت (رويترز)
TT

«السعودي للاستثمار» يبيع 50 % من «أميركان إكسبريس السعودية» بـ381 مليون دولار

بطاقات ائتمانية تابعة لـ«أميركان إكسبريس» في صورة توضيحية بمكتب في فرانكفورت (رويترز)
بطاقات ائتمانية تابعة لـ«أميركان إكسبريس» في صورة توضيحية بمكتب في فرانكفورت (رويترز)

أعلن «البنك السعودي للاستثمار» توقيع اتفاقية مع شركة «أميركان إكسبريس الشرق الأوسط» لبيع كامل حصته البالغة 50 في المائة في شركة «أميركان إكسبريس السعودية»، وذلك بعد الحصول على الموافقات التنظيمية اللازمة.

وتبلغ قيمة المقابل المالي المستحق للبنك عند إتمام الصفقة 1.43 مليار ريال (381.36 مليون دولار)، تدفع نقداً، إضافة إلى مقابل شراء مؤجل يمثل حصة البنك من الأرباح القابلة للتوزيع التي حققتها الشركة خلال الفترة من إبرام الصفقة وحتى إتمام نقل الأسهم.

وبحسب بيان للبنك على السوق المالية السعودية (تداول)، الأربعاء، يُحدد المقابل المؤجل وفقاً لأحكام اتفاقية المساهمين المبرمة بين البنك و«أميركان إكسبريس الشرق الأوسط».

ومن المتوقع أن يحقق البنك مكاسب بقيمة 792.41 مليون ريال (211.31 مليون دولار) من الصفقة، استناداً إلى القيمة الدفترية لاستثماره في الشركة البالغة 637.70 مليون ريال (170.05 مليون دولار) كما في 30 نوفمبر (تشرين الثاني) 2025.

وتأتي الصفقة نتيجة إنهاء اتفاقية المساهمين المبرمة بين الطرفين في 25 سبتمبر (أيلول) 2018، وتخارج البنك السعودي للاستثمار من شركة «أميركان إكسبريس السعودية».

وتخضع الصفقة لاستيفاء الشروط المسبقة ومتطلبات الإتمام المنصوص عليها في الاتفاقية، بما في ذلك الحصول على الموافقات النظامية من الجهات ذات العلاقة.

وقال البنك إن الأثر المالي للصفقة سينعكس في قوائمه المالية للفترة ذات الصلة بعد إتمامها، بينما سينعكس الأثر المالي لمقابل الشراء المؤجل بعد احتسابه وتسلمه.

وسيستخدم البنك متحصلات البيع لدعم وتعزيز مركزه المالي، وفقاً لما ذكره في إفصاحه.

وتعمل «أميركان إكسبريس السعودية» كشركة مساهمة مقفلة مرخصة من البنك المركزي السعودي، وتقدم خدمات إصدار بطاقات الائتمان وبطاقات الخصم المؤجل وحلول المدفوعات للشركات، إلى جانب خدمات ومنتجات شبكة «أميركان إكسبريس» داخل السعودية.

وحققت الشركة إيرادات بلغت 644.29 مليون ريال (171.81 مليون دولار) في 2025، مقابل 608.98 مليون ريال (162.39 مليون دولار) في 2024، و507.41 مليون ريال (135.31 مليون دولار) في 2023.

وبلغ صافي الربح بعد الزكاة والضريبة 151.97 مليون ريال (40.53 مليون دولار) في 2025، مقارنة بـ150.49 مليون ريال (40.13 مليون دولار) في 2024، و88.16 مليون ريال (23.51 مليون دولار) في 2023.