الكونغرس يرسم خطوطاً حمراء أمام ترمب عشية لقائه شي

حثّه على الوقوف إلى جانب تايوان وعدم التراجع عن «التزامات أمنية» تسمح للرئيس الصيني بأن يغادر وهو في موقع أقوى

متظاهر معارض للرئيس الصيني يحمل راية مقابل الكونغرس في 22 سبتمبر 2026 (أ.ب)
متظاهر معارض للرئيس الصيني يحمل راية مقابل الكونغرس في 22 سبتمبر 2026 (أ.ب)
TT

الكونغرس يرسم خطوطاً حمراء أمام ترمب عشية لقائه شي

متظاهر معارض للرئيس الصيني يحمل راية مقابل الكونغرس في 22 سبتمبر 2026 (أ.ب)
متظاهر معارض للرئيس الصيني يحمل راية مقابل الكونغرس في 22 سبتمبر 2026 (أ.ب)

بينما تستعد العاصمة واشنطن لاستقبال حافل للرئيس الصيني شي جينبينغ ولقائه المرتقب مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب، يتأهب الكونغرس لهذا اللقاء الذي يثير قلق المشرعين أكثر من حماستهم.

فزيارة من هذا النوع، في موسم انتخابي حاسم داخلياً وعلى وقع جبهة متوترة مع إيران خارجياً، دفعت عدداً من أعضاء الكونغرس إلى تذكير ترمب بأن الصين «تشكّل تهديداً للأمن والازدهار الأميركيين أكثر من أي وقت مضى».

وأفادت وسائل الإعلام الرسمية الصينية بأن شي توجّه إلى العاصمة الأميركية في طائرة خاصة برفقة زوجته بينغ ليوان، ووزير الخارجية وانغ يي، وعضو اللجنة الدائمة للمكتب السياسي للحزب الشيوعي الصيني تساي تشي، وسواهم، وفق ما أوضحت محطة «سي سي تي في» التلفزيونية الحكومية. ومن المنتظَر أن يصل إلى الولايات المتحدة، مساء الأربعاء، بتوقيت واشنطن.

السيناتورة الديمقراطية جين شاهين تلتقي زيلينسكي في نيويورك 22 سبتمبر 2026 (رويترز)

ووجّهت قيادات ديمقراطية بارزة، على رأسها كبيرة الديمقراطيين في لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ جين شاهين، وكبير الديمقراطيين في لجنة الاستخبارات في المجلس مارك وارنر، رسالة إلى البيت الأبيض تحذّر ترمب من الاستمرار في مساره الحالي مع الصين.

وتشير الرسالة بشكل محدد إلى تقارير أفادت بأن جهات صينية زوّدت إيران بصور عبر الأقمار الاصطناعية ومعلومات استخباراتية ساعدتها على استهداف عناصر من القوات الأميركية وقتلهم، مطالبةً ترمب بمواجهة نظيره الصيني في هذا الشأن.

تايوان وأوكرانيا والذكاء الاصطناعي

وحثّ المشرعون الرئيس الأميركي على الوقوف إلى جانب تايوان وعدم التراجع عن «التزامات أمنية راسخة» تؤدي للسماح للصين «بأن تفرض فيتو على الدعم الأميركي للدفاع عنها» إضافةً إلى الضغط على الرئيس شي «لوقف دعم حرب بوتين في أوكرانيا».

كما دعوا ترمب إلى «وضع حد لوصول الصين إلى الرقائق المتطورة ومعدات التصنيع التي تحتاج إليها لبناء أنظمة ذكاء اصطناعي خطرة»، محذرين من أن بكين تسرّع مساعيها للهيمنة في مجال الذكاء الاصطناعي عبر استغلال ثغرات في ضوابط التصدير الأميركية للوصول إلى الرقائق المتطورة ومعدات تصنيعها.

ترمب ونظيره الصيني في بكين 15 مايو 2026 (رويترز)

ووجّه أعضاء مجلس الشيوخ انتقادات لاذعة إلى الرئيس الأميركي وتوقيت اللقاء، فقالوا: «في وقت يواجه فيه الأميركيون ارتفاع أسعار الوقود والغذاء والسكن وغيرها من الاحتياجات، يفرش الرئيس ترمب السجاد الأحمر للرئيس شي، ويقيم عشاءات مغلقة تتيح لأصدقائه من أصحاب المليارات إبرام صفقات تهدد الوظائف الأميركية والأمن القومي». وختموا بالقول: «لا يمكننا أن نسمح للرئيس شي بأن يغادر وهو في موقع أقوى مما كان عليه عند وصوله. هذه ليست دبلوماسية، بل ضعف».

إيران وقلق يتجاوز الانقسام الحزبي

وزير الخارجية الإيراني ونظيره الصيني في بكين 16 سبتمبر 2026 (رويترز)

ولم تقتصر دعوات الضغط على الصين في ملف إيران على الديمقراطيين، بل ترددت أيضاً على لسان جمهوريين بارزين، من بينهم رئيس لجنة القوات المسلحة في مجلس الشيوخ روجر ويكر، الذي طالب ترمب بمساءلة شي عن «الدعم الواضح لإيران»، مشيراً في خطاب أمام مجلس الشيوخ إلى أن المعلومات الاستخباراتية التي قدمتها الصين لطهران أدت إلى مقتل جنود أميركيين. وقال ويكر: «أعلم أن الرئيس يعتزم مناقشة التجارة والذكاء الاصطناعي مع القيادة الصينية، وهو محق في ذلك. وربما يتحقق بعض التقدم. لكن خلال كل دقيقة من الحوار، ينبغي لقائدنا الأعلى أن يتذكر أن ضيفه ديكتاتور قمعي وحشي غير منتخب، يسعى إلى الهيمنة على جيرانه، وأن ترسانته العسكرية الضخمة موجّهة مباشرة نحو الولايات المتحدة الأميركية».

الرقائق المتطورة

زعيم الديمقراطيين بمجلس الشيوخ تشاك شومر في الكونغرس 15 سبتمبر 2026 (أ.ب)

من ناحيته، حذّر زعيم الديمقراطيين في مجلس الشيوخ تشاك شومر، ترمب من «التفريط بمصالح أميركا سعياً وراء عنوان إعلامي» لدى لقائه نظيره الصيني.

وركز شومر بشكل أساسي على الذكاء الاصطناعي والرقائق، داعياً الرئيس الأميركي إلى منع بيع الرقائق الأميركية الأكثر تطوراً ومعدات تصنيعها إلى الصين.

وقال شومر في خطاب أمام مجلس الشيوخ إن منع الصين من الوصول إلى هذه الرقائق والمعدات التي تسعى إليها بشدة يمثل إحدى أهم الأدوات المتاحة لواشنطن لكبح طموحات بكين في مجال الذكاء الاصطناعي.

وشدد شومر على أن تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي الأميركية المتطورة يجب أن تكون «خارج طاولة المفاوضات»، مذكّراً بمشاريع قوانين تحظى بدعم من الحزبين الديمقراطي والجمهوري في الكونغرس لحظر بيع الرقائق المتطورة إلى الصين، وقطع وصولها إلى معدات تصنيع الرقائق ومنع تهريب هذه التكنولوجيا، مطالباً ترمب بعدم الوقوف في وجه هذه الجهود.

«الإبقاء على الهدنة»

وتواجَهَت الولايات المتحدة والصين العام الفائت في حرب تجارية مفتوحة ذات تداعيات عالمية. واتفق ترمب وشي في أكتوبر (تشرين الأول) 2025 في بوسان (كوريا الجنوبية) على هدنة، عززتها زيارة ترمب لبكين في مايو (أيار).

ويلاحظ إدغارد د. كاغان، من مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية، كما نقلت عنه وكالة الصحافة الفرنسية، أن «كُلاًّ من البلدين يرغب في الإبقاء على الهدنة التجارية (...) التي تعهدت الولايات المتحدة بموجبها بعدم فرض رسوم جمركية جديدة على الصين، في مقابل التزام الأخيرة بالسماح بتزويد الولايات المتحدة وغيرها من المستهلكين بالعناصر الأرضية النادرة والمعادن الحيوية».

وتوضح الصين أن زيارة رئيسها للولايات المتحدة تهدف إلى «إثراء جوهر علاقة الاستقرار الاستراتيجي البنّاء» بين البلدين «وتعزيز الحوار والتعاون، وإدارة الخلافات بشكل مناسب». ويتوقع الخبراء أن تتسم المحادثات بالندّية.


مقالات ذات صلة

ترمب: الحوثيون يتصرفون بشكل سيئ للغاية

الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث في حديقة البيت الأبيض (أ.ب)

ترمب: الحوثيون يتصرفون بشكل سيئ للغاية

قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب، اليوم الثلاثاء، ​إن مسلحي جماعة الحوثي «يتصرفون بشكل سيئ للغاية».

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
أوروبا ترمب مستقبلاً بوتين بمناسبة «قمة ألاسكا» 15 أغسطس 2025 (أ.ب) p-circle

«ديزل بوتين» يربك الجمهوريين... وترمب يضغط على كييف لإنقاذ رهانه الانتخابي

«ديزل بوتين» يربك الجمهوريين... وترمب يضغط على كييف لإنقاذ رهانه الانتخابي... وواشنطن تؤكد استمرار آلية تزويد أوكرانيا بالأسلحة الأميركية

إيلي يوسف (واشنطن)
شؤون إقليمية مَن يفاوض ترمب في إيران؟ (رويترز) p-circle

ترمب لا يعرف مع من يتفاوض... مَن قُتل من قادة إيران ومَن بقي؟

مَن أبرز القادة الإيرانيين الذين قُتلوا في الضربات الأميركية والإسرائيلية، ومَن بقيَ على قيد الحياة، وما حجم نفوذه في مراكز القرار بطهران؟

«الشرق الأوسط» (طهران)
أوروبا لقاء بين ويتكوف وكوشنر والمبعوث الرئاسي الروسي كيريل ديميترييف قبل الاجتماع مع بوتين في موسكو يوم 22 يناير 2026 (رويترز) p-circle

الكرملين يناقش «هدنة الطاقة» مع واشنطن... وزيلينسكي يوقف الهجمات على مصافي النفط

يُجري الكرملين اتصالات بشأن وقف استهداف موسكو وكييف قطاعَ الطاقة، وتشتكي أوكرانيا من «تراجع الدعم الاستخباراتي» الأميركي...

رائد جبر (موسكو)
الولايات المتحدة​ السفيرة كيمبرلي غيلفويل إلى جانب الرئيس دونالد ترمب في واشنطن يوم 24 مارس 2025 (أ.ف.ب)

استقالة سفيرة أميركا لدى اليونان على خلفية مزاعم بسلوك غير لائق

استقالت كيمبرلي غيلفويل، سفيرة الولايات المتحدة لدى اليونان، اليوم (الثلاثاء)، وذلك في أعقاب مزاعم حول سلوك غير لائق، لكنها أكدت أنها ستدافع عن نفسها «بكل قوة».

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

ترمب: الحوثيون يتصرفون بشكل سيئ للغاية

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث في حديقة البيت الأبيض (أ.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث في حديقة البيت الأبيض (أ.ب)
TT

ترمب: الحوثيون يتصرفون بشكل سيئ للغاية

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث في حديقة البيت الأبيض (أ.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث في حديقة البيت الأبيض (أ.ب)

قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب، اليوم الثلاثاء، ​إن مسلحي جماعة الحوثي «يتصرفون بشكل سيئ للغاية» في ظل امتداد تداعيات الحرب بين الولايات المتحدة وإيران إلى ‌منطقة الشرق ‌الأوسط ​الأوسع.

وأضاف لصحافيين أنه قد يطلب من الرئيس التركي رجب طيب إردوغان التدخل ودعم ​المصالح ​السعودية. وأضاف «أعتقد أن الرئيس أردوغان سيلبي طلبي».

وأكد أنه سيتخذ «قرارا بشأن إيران قريبا جدا».


استقالة سفيرة أميركا لدى اليونان على خلفية مزاعم بسلوك غير لائق

السفيرة كيمبرلي غيلفويل إلى جانب الرئيس دونالد ترمب في واشنطن يوم 24 مارس 2025 (أ.ف.ب)
السفيرة كيمبرلي غيلفويل إلى جانب الرئيس دونالد ترمب في واشنطن يوم 24 مارس 2025 (أ.ف.ب)
TT

استقالة سفيرة أميركا لدى اليونان على خلفية مزاعم بسلوك غير لائق

السفيرة كيمبرلي غيلفويل إلى جانب الرئيس دونالد ترمب في واشنطن يوم 24 مارس 2025 (أ.ف.ب)
السفيرة كيمبرلي غيلفويل إلى جانب الرئيس دونالد ترمب في واشنطن يوم 24 مارس 2025 (أ.ف.ب)

استقالت كيمبرلي غيلفويل، سفيرة الولايات المتحدة لدى اليونان، اليوم (الثلاثاء)، وذلك في أعقاب مزاعم حول سلوك غير لائق، لكنها أكدت أنها ستدافع عن نفسها «بكل قوة» ضد الادعاءات «الكاذبة»، وفق ما نقلته وكالة «أسوشييتد برس».

وأعلن البيت الأبيض، في وقت سابق اليوم، أنه ​طلب من السفيرة الأميركية لدى اليونان كيمبرلي غيلفويل، الاستقالة.

وقالت كاتي زكاريا، المتحدثة باسم البيت الأبيض، في مؤتمر صحافي: «طلبنا من السفيرة غيلفويل ‌الاستقالة». وأضافت: «كانت ‌إضافةً رائعة ​للفريق، ‌ونتمنى ⁠لها ​التوفيق».

وذكر الرئيس ⁠دونالد ترمب، أمس (الاثنين)، أنه يفكر في إقالة غيلفويل، قائلاً للصحافيين: «نحن غير راضين».

وعبَّر مشرعون أميركيون ⁠في وقت سابق ‌عن ‌قلقهم إزاء اتهامات لغيلفويل ​بأنها ‌ربما هددت ‌بتقويض الحكومة اليونانية باستخدام نفوذ الولايات المتحدة.

ولم تردّ سفارة واشنطن في أثينا بعد ‌على طلب للتعليق موجّه إلى غيلفويل.

كيمبرلي غيلفويل يوم قدمت أوراق اعتمادها إلى الرئيس اليوناني قسطنطين تاسولاس 4 نوفمبر 2025 (إ.ب.أ)

ونشرت صحيفة «وول ستريت جورنال» في الأيام الأخيرة سلسلة من المقالات المحرجة التي طالت الخطيبة السابقة لنجل الرئيس الأكبر دونالد جونيور، والمذيعة السابقة في «فوكس نيوز».

ووفقاً للصحيفة التي استندت إلى لقطات شاشة، تبادلت غيلفويل مراسلات على مدى أشهر مع إريك ديترز، وهو قانوني ومرشح سابق للكونغرس عن ولاية كنتاكي، سعياً لشطب ديون شخصية مترتبة عليها لبطاقة ائتمان بقيمة 100 ألف دولار. ومنذ عام 2020، قدّم هذا المانح الجمهوري الثري مئات آلاف الدولارات إلى عائلة ترمب، ودعماً لمعسكر المرشح الفائز في الانتخابات الرئاسية لعام 2024؛ غير أن طلباً من غيلفويل في يوليو (تموز) 2025 بدا ذا طابع شخصي أكثر، إذ كان بشأن تسوية رصيد بطاقتها الائتمانية، وكتبت: «عزيزي، أحتاج منك أن تقوم بذلك من أجلي اليوم».

وأضافت، بحسب الصحيفة التي قالت إنه أرسل عبر تطبيق «سيغنال»: «لن يظهر ذلك إذا حوّلت المال إلى أميركان إكسبريس».

ولم يتابع إريك ديترز الأمر، مؤكداً أن ذلك سيعرّض زواجه للخطر، وفقاً لصحيفة «وول ستريت جورنال» التي أشارت إلى أن محامياً يمثل غيلفويل شكك في صحة الرسائل المنشورة، من دون تقديم مزيد من التفاصيل.

وفي أحدث ما كشفته، أفادت «وول ستريت جورنال»، السبت، مستندة هذه المرة إلى تسجيلات، بوجود محادثات تتباهى فيها السفيرة برحلات وإقامات فاخرة تكفل بتمويلها رجال أعمال يونانيون.

واليونان حليف ⁠مهم ⁠للولايات المتحدة في حلف شمال الأطلسي (ناتو)، إذ توفر منشآت عسكرية رئيسية لحماية الأمن في شرق البحر المتوسط، وتقود بعثة بحرية تابعة للاتحاد الأوروبي لحماية الملاحة التجارية في البحر الأحمر.


تاريخ الإعدام العسكري في أميركا... من سلوفيك وبينيت إلى الرائد نضال حسن

صورة مركبة للجندي الأميركي جون بينيت (يميناً) والمجند الأميركي إيدي دونالد سلوفيك (يساراً)
صورة مركبة للجندي الأميركي جون بينيت (يميناً) والمجند الأميركي إيدي دونالد سلوفيك (يساراً)
TT

تاريخ الإعدام العسكري في أميركا... من سلوفيك وبينيت إلى الرائد نضال حسن

صورة مركبة للجندي الأميركي جون بينيت (يميناً) والمجند الأميركي إيدي دونالد سلوفيك (يساراً)
صورة مركبة للجندي الأميركي جون بينيت (يميناً) والمجند الأميركي إيدي دونالد سلوفيك (يساراً)

تحتفظ سجلات القضاء العسكري الأميركي بفصول قاتمة وقاسية، تحولت فيها بذلة الجندية إلى حبل مشنقة أو جدار صلد أمام فرقة إعدام، فبينما كانت عقارب الساعة تقترب من منتصف الليل في شتاء عام 1945، سار الجندي الأميركي إيدي دونالد سلوفيك نحو حتفه أمام فرقة الإعدام رمياً بالرصاص في فرنسا، لتليها بعد 16 عاماً، وفي ليلة ماطرة من ربيع 1961، خطوات الجندي جون بينيت الأخيرة نحو حبل المشنقة في كانساس.

لم تكن هاتان النهايتان مجرد قرارات قضائية عابرة داخل معسكرات مغلقة، بل مثلتا نقطتي تحول تاريخيتين صدرتا كقرارات سيادية مصيرية تطلبت توقيعاً مباشراً ومصادقة نهائية من رئيس الولايات المتحدة بصفته القائد الأعلى للقوات المسلحة، لتطويا معاً حقبة العقوبات القصوى في العصر الحديث للجيش الأميركي وتفتحا الباب لقراءة الأبعاد السياسية والقانونية التي شكلت مصير هذين الجنديين.

المجند الأميركي إيدي دونالد سلوفيك (ويكيبيديا)

إيدي سلوفيك ورصاصات «هرتغن»... الهارب الوحيد من ساحة الشرف

في شتاء عام 1945 القارس، وبينما كانت معركة غابة هرتغن الطاحنة تحصد أرواح جنود الحلفاء، اتخذ المجند الأميركي إيدي دونالد سلوفيك قراراً كلفه حياته. سلوفيك، الذي كان يحمل تاريخاً من الجنوح في شبابه صُنّف بسببه سابقاً غيرَ مؤهل للخدمة قبل أن يُعاد سحبه مع اشتداد الحرب، لم يكن يملك عقيدة القتال، وأعلن صراحة لضباطه عجز هدوئه النفسي عن تحمل قعقعة السلاح وقذائف المدفعية في أوروبا.

تكمن الدلالة القانونية في قضية سلوفيك في أنه قدّم اعترافاً خطياً موقعاً بيده يؤكد فيه ارتكابه جرم «الفرار من الخدمة لتجنب الواجب الخطير»، رافضاً تمزيق تلك الورقة أو التراجع عنها حتى بعدما عُرضت عليه فرص العودة إلى الصفوف دون ملاحقة جنائية.

وقف سلوفيك أمام محكمة عسكرية مؤلفة من 9 ضباط، وفي 31 من يناير (كانون الثاني) عام 1945، نُفّذ بحقه حكم الإعدام رمياً بالرصاص في الأراضي الفرنسية، ليصبح الجندي الأميركي الوحيد الذي أُعدم بتهمة الفرار من الخدمة منذ الحرب الأهلية الأميركية وحتى يومنا هذا.

اعتراف خطي موقع بيد المجند الأميركي إيدي دونالد سلوفيك يؤكد فيه ارتكابه جرم «الفرار من الخدمة لتجنب الواجب الخطير» (ويكيبيديا)

سينما الواقع العسكري... فيلم يخلد مأساة سلوفيك

لم تقتصر قصة سلوفيك المأساوية على أروقة المحاكم العسكرية ودفاتر التاريخ، بل تحولت إلى عمل سينمائي وتلفزيوني بارز حظي باهتمام واسع وجسّد تفاصيل محاكمته وأيامه الأخيرة.

صورة لملصق الفيلم «إعدام الجندي سلوفيك» (ويكيبيديا)

فقد أُنتج فيلم درامي شهير ومؤثر بعنوان «إعدام الجندي سلوفيك» (The Execution of Private Slovik) وعُرض عام 1974، حيث لعب فيه الممثل مارتن شين دور الجندي الهارب ونقل من خلاله للجمهور الأميركي والعالمي حجم التعقيد الإنساني والنفسي الذي عاشه سلوفيك قبل أن يواجه رصاصات زملائه.

الممثل الأميركي مارتن شين في لقطة من فيلم «إعدام الجندي سلوفيك» (1974) الذي جسد مأساة الجندي الوحيد المحكوم بالفرار من الخدمة (المصدر: IMDb)

قرار أيزنهاور الصارم... عندما تصبح العقوبة رسالة ردع عليا

لم يكن إعدام سلوفيك ليرى النور دون غطاء سياسي وعسكري من أعلى الهرم؛ إذ جاء قرار المصادقة على موته بتوقيع من الجنرال دوايت أيزنهاور، القائد الأعلى لقوات الحلفاء في أوروبا في ذلك الوقت والذي تولى رئاسة الولايات المتحدة لاحقاً.

واجه أيزنهاور في تلك الفترة الحرجة تدفقاً مقلقاً لحالات الفرار وإصابات الجنود الذاتية هرباً من جحيم الجبهات المشتعلة. ورغم أن آلاف الجنود فروا من الخدمة ولم يواجهوا سوى أحكام بالسجن، فإن أيزنهاور رأى في ملف سلوفيك واعترافه الفج فرصة سانحة لتقديم نموذج ردع حازم لإعادة الانضباط إلى صفوف القوات المنهكة وسط معارك الحرب العالمية الثانية الطاحنة، متجاهلاً التماسات الرأفة ليدخل سلوفيك التاريخ كضحية لظرف عسكري وسياسي استثنائي.

جون بينيت وضباب ليفنوورث... حبل المشنقة الأخير في زمن السلم

بعد مرور 16 عاماً على رصاصات سلوفيك، تكرر المشهد في ثكنات الانضباط العسكري في فورت ليفنوورث بولاية كانساس، لكن بتهمة جنائية مغايرة تماماً وفي أجواء السلم.

في 13 من أبريل (نيسان) عام 1961، وتحت وابل من أمطار رعدية ضربت سماء كنساس، كان الجندي أسود البشرة جون بينيت يسير نحو المشنقة ليصبح آخر عسكري يُنفذ بحقه حكم الإعدام شنقاً في تاريخ القوات المسلحة الأميركية. تعود تفاصيل القضية إلى عام 1954، عندما كان بينيت متمركزاً مع القوات الأميركية في النمسا، حيث أُدين أمام محكمة عسكرية بتهمة اغتصاب طفلة نمساوية تبلغ من العمر 11 عاماً ومحاولة قتلها.

ورغم الدفوع الطبية التي قدمها محامو الدفاع حول معاناته من نوبات صرع واختلالات عقلية، ورغم المفارقة الإنسانية المتمثلة في تقديم الضحية وعائلتها التماساً للعفو عنه، صمد الحكم العسكري ليكون بينيت الجندي الأميركي الوحيد الذي يُعدم بسبب جريمة جنائية ارتُكبت في وقت السلم.

الجندي الأميركي جون بينيت (ويكيبيديا)

في عهد جون كينيدي... خيار الحفاظ على هيبة القانون الدولي

وصل ملف الجندي جون بينيت إلى مكتب الرئيس الأميركي الشاب جون كينيدي في عام 1961، وهو العام الأول لدخوله البيت الأبيض. وجد كينيدي نفسه أمام معضلة دبلوماسية وقانونية معقدة، فالجريمة ارتُكبت على أرض حليفة وفي حق مدنيين بالخارج، وأي تراجع عن العقوبة القصوى كان سيُفسر على أنه تساهل أميركي مع انتهاكات جنودها في القواعد الخارجية. رفض الرئيس كينيدي التدخل لتخفيف العقوبة وامتنع عن إصدار عفو رئاسي، تاركاً حبل المشنقة يطوي صفحة الإعدامات العسكرية الأميركية لستة عقود كاملة.

امتداد الإرث العسكري إلى الحاضر

طوت المنظومة القضائية الأميركية ملفي سلوفيك وبينيت كآخر الأحكام المنفذة في القرن العشرين، لتبقى ثكنات الانضباط العسكري في «فورت ليفنوورث» خالية من منصات الإعدام الفعلي طوال العقود التالية.

ورغم بقاء القوانين العسكرية الصارمة سارية دون تغيير جوهري في بنودها الأساسية، فإن ميزان العقوبات القصوى ظل معلقاً في انتظار قرار سيادي جديد يعيد تحريك هذه العجلة التاريخية.

نضال حسن يظهر بعد نقله من مركز بروك الطبي العسكري بسان أنطونيو إلى سجن مقاطعة بيل في بيلتون بولاية تكساس 9 أبريل 2010 (أ.ف.ب)

وتكتسب هذه السجلات القديمة أبعاداً معاصرة في الوقت الراهن؛ إذ يمثل قرار المصادقة على تنفيذ حكم الإعدام بحق الرائد السابق نضال مالك حسن حلقة الوصل الأولى والوحيدة التي تعيد إحياء هذا الإرث القضائي، لتصبح جريمته في قاعدة «فورت هود» الامتداد المباشر لتلك السلسلة التاريخية التي بدأت برصاصات سلوفيك عام 1945 وانتهت بمشنقة بينيت عام 1961.