تُصنَّف «وثيقة استراتيجية الأمن القومي الأميركي»، التي نشرتها إدارة الرئيس دونالد ترمب في نوفمبر (تشرين الثاني) 2025، وثيقةً ذات قيمة جيوسياسية بامتياز. فهي تصدر من دولة تملك أوّل اقتصاد في العالم؛ مع موازنة دفاع قد تتجاوز 1.5 تريليون دولار أميركي للعام المقبل؛ هذا عدا تقسيمها العالم مناطقَ قيادات جغرافية (القيادات القتالية الجغرافية) تبدأ من الولايات المتحدة الأميركية، وتنتهي في الشرق الأقصى، مروراً بكل من الشرق الأوسط، وأفريقيا، وأوروبا، وأخيراً أميركا اللاتينية.

تهدف «الوثيقة» إلى «إعلان النيات الجيوسياسية» لمن يهمه الأمر؛ أصديقاً كان أم عدواً أم منافساً. تُحدّد فيها الأولويات في المناطق الجغرافية حول العالم، كما المصالح الحيوية، ومصادر التهديدات الخارجية كما الداخلية. وتُعدُّ الوثيقة خريطة طريق للداخل الأميركيّ كي يستعدّ؛ كلٌ فيما خصّه. وكي تكون لهذه الوثيقة مصداقية، فلا بد من توفّر وسائل التنفيذ، كما حتمية إظهار النيات فعلياً على أرض الواقع (مناورات عسكرية مثلاً).
تأخذ الاستراتيجية في الحسبان حالة الحلفاء، خصوصاً أن التنفيذ قد يكون بإسهام ومشاركة منهم. كما يؤخذ في الحسبان مكان التنفيذ، والظروف التي يعيشها النظام العالمي. فماذا عن حالة النظام العالمي؟
«تركيبة النظام»... مقابل «إدارة النظام»
يُميّز مفكّرو العلاقات الدولية بين «تركيبة النظام (International System)» وكيفية «إدارة هذه التركيبة (World Order)». فـ«تركيبة النظام» للعالم تُبيّن لنا هرمية النظام: اللاعبون وترتيبهم، وكيفية التفاعل فيما بينهم، وكيف تُوزّع القوة والقدرة على التأثير في الديناميكية العالمية. هل التركيبة ثنائية القطب كما كانت خلال الحرب الباردة؟ أم أحادية القطب كما أصبحت بعد سقوط الاتحاد السوفياتي؟ أم متعدّدة الأقطاب كما يظهر الآن؟

في المقابل، يقوم النظام العالمي على كيفية إدارة وتفاعل أجزاء ومكونات التركيبة الدولية. ما القواعد؟ ما المؤسسات الدولية؟ ما القوانين الدولية المعتمدة؟ إذن هناك «تركيبة نظام»، وهناك «عملية التفاعل بين مكونات هذه التركيبة (النظام العالمي)». لكن المؤكد أن الحفاظ على التناغم بين التركيبة وكيفية إدارتها يتطلَّب مؤسسةً مُتّفقاً عليها بين الكبار تكون الحكم عند الخصام، قبل الذهاب إلى الصدام المباشر، وتكون لديها القدرة على فرض الثواب والعقاب.
هذا مع التذكير بأن تَشكُّل أي مؤسسة دولية في أي تركيبة للنظام، هو حتماً انعكاس مباشر لموازين القوى؛ ممثلةً في الأعضاء الخمسة الدائمين في مجلس الأمن و«حقّ الفيتو». ألا يُشكِّل مجلس الأمن هذه الحالة؟ لكن هل سقوط النظام العالمي، أو كيفية تفاعل القوى فيما بينها، يعني حكماً سقوط التركيبة العالمية؟ ليس بالضرورة. فقد تستمر التركيبة، مع تغيير جذري في تركيبة النظام العالمي، كصعود الصين حالياً، مع بقاء المؤسسات الدولية، كما القوانين الدولية، على ما هي عليه، حتى ولو تراجع تأثيرها.
تعطينا الحرب العالمية الثانية نموذجاً حياً بشأن «التغيير في التركيبة»، مع «التغيير في النظام العالمي» في الوقت نفسه. فبعد هذه الحرب، انتقلت تركيبة النظام إلى الثنائية بعد أن كانت متعددة الأقطاب. كما سقطت المؤسسات الدولية (عصبة الأمم)؛ لأنها لم تكن قادرة على «إدارة النظام العالمي» آنذاك، لتحلّ محلها الأمم المتحدة وغيرها من المؤسسات الدولية، لتخدم هذه المؤسسات «التركيبة» كما «النظام العالمي».
استراتيجية جديدة
يقول المفكر والقائد الشيوعي ليون تروتسكي: «إذا لم تكن مهتماً بالحرب، فالحرب مهتمة بك». وقد ينطبق القول نفسه على الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، اليوم؛ بمعنى أنه «إذا لم يكن مهتماً بالشرق الأوسط، فالشرق الأوسط مهتم به».
وإذا كان الرئيس ترمب قد تعهّد خلال حملته الانتخابية بعدم خوض الحروب، فإن الحرب الدائرة حالياً في الشرق الأوسط مهتمّة به جداً. ولكل رئيس أميركي «حربه الخاصة». ويقول الكاتب الأميركي جوفري بيريت في كتابه «بلد صنعته الحروب؛ من الثورة إلى فيتنام... صعود أميركا» إن الحروب المتتالية جعلت من أميركا قوّة عظمى. فالحرب، وفق الكاتب، هي المُحرّك الأساسي لبناء الدولة الأميركية. والقوة العسكرية هي التي صنعت القوة الاقتصادية. بتعبير آخر: إن صعود الولايات المتحدة بوصفها قوةً عظمى هو نتيجة التفاعل المستمر بين الحرب وبناء وتوسّع الدولة والتقدّم الصناعي والتوسّع الجيوسياسي.

إذا اختصرنا «استراتيجية الأمن القومي» في 5 نقاط أساسية، فستكون على الشكل التالي: «أميركا أولاً»، و«السلام عبر القوة»، و«الردع»، و«تقاسم الأعباء»، و«المنافسة بين القوى الكبرى». ويمكن القول إن ترمب يواجه في كل من هذه النقاط صعوبات جمة، حيث «لم يتطابق حساب الحقل مع حساب البيدر»، خصوصاً أن نجاح الاستراتيجيات هو ما يتحقق على أرض الواقع الملموس، وليس ما يُكتب في النص. لكن كيف؟
أراد الرئيس ترمب، عبر استراتيجيته، القول إن المحيط الأميركي المباشر هو الأهم بالنسبة إلى الولايات المتحدة الأميركية. فهو الضامن للأمن الداخلي الأميركي. وعليه؛ وجبت استعادة التأثير الأميركي في هذا المحيط، وذلك بحرمان المنافسين من موطئ قدم لهم في الخلفية الأميركية. أراد استرداد قناة بنما، وأراد شراء غرينلاند من الدنمارك، أو حتى ضمها بالقوة لأنها حيوية للأمن القومي الأميركي، خصوصاً مع التغيّر المناخي، وفتح طريق الشمال، كما أهمية الموقع للمشروع الدفاعي الكبير «القبّة الذهبية» للدفاع ضد الصواريخ العابرة للقارات. هذا مع عدم إهمال ما تملكه غرينلاند من ثروات طبيعية يحتكر بعضها التنين الصيني.
ولمّح الرئيس ترمب إلى ضمّ كندا لتكون الولاية الـ51. هذا مع التذكير بأن الولايات المتحدة الأميركية حاولت مرّتين غزو كندا: الأولى عام 1775 بغزو مقاطعة كيبيك؛ والثانية عام 1812 بهدف ضرب النفوذ الإنجليزي. هذا عدا وضع خطط سرية أميركية لغزو كندا في بدايات القرن العشرين.
وأعاد الرئيس ترمب إحياء عقيدة الرئيس جيمس مونرو (1823) عبر الانتشارِ العسكري الكبير في البحر الكاريبي، وعمليةِ اختطاف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو. يرى بعض الخبراء أن العملية العسكرية في فنزويلا هي «تغيير للنظام لكن بوسائل وطرق أخرى». وأخيراً وليس آخراً، ينتظر الرئيس ترمب السقوط الفعلي للنظام في كوبا.

ويسعى الرئيس ترمب إلى إيقاف الحروب في العالم. وهو يدّعي أنه قد أنهى 9 حروب حول العالم. يريد إنهاء حرب السودان. وكذلك إنهاء الحرب بين جمهورية الكونغو الديمقراطية ورواندا، لكن مع خلفية الاستفادة من ثروات الكونغو الطبيعية التي تقدّر قيمتها بـ24 تريليون دولار أميركي. وهي ثروات حيوية للعم سام للتخلّص تدريجياً من الاعتماد على سلاسل التوريد الآتية من الصين؛ لا سيّما في المعادن النادرة.
لكن سؤالاً يفرض نفسه: هل استطاع الرئيس ترمب وقف الحرب الأوكرانية من خلال مبدأ «السلام عبر القوة»؟ وعندما نقول قوّة، فليس بالضرورة أن تكون هذه القوة عسكرية فقط، بل تأخذ العقوبات الاقتصادية الحيّز الأكبر.
يرى الرئيس ترمب أن أوروبا أصبحت ناضجة بما يكفي للدفاع عن نفسها. فهي لديها مجتمعة دخل قومي أكبر من الدخل القومي الصيني. فما الذي يمنعها من زيادة الإنفاق العسكري والإسهام في الأعباء الدفاعية؟ ولماذا يجب أن تكون أوكرانيا مسؤولية أميركية في الوقت الذي تبعد فيه عن الأراضي الأميركية نحو 9 آلاف كيلومتر؟
حرب إيران
لم تكن إيران الموضوع الرئيسي لـ«استراتيجية الأمن القومي الأميركي»؛ فهي وردت في 3 سياقات بوصفها القوة التي تزعزع الأمن في الشرق الأوسط. أما في «الاستراتيجية العسكرية القومية (NMS)» الأميركية الأخيرة، فذُكرت إيران بوصفها تشكِّل تهديداً للأمن الإقليمي في الشرق الأوسط.
وقد أنتجت الحرب الأخيرة واقعاً مختلفاً عن كل من «استراتيجية الأمن القومي»، كما «الاستراتيجية العسكرية القومية» الأميركية. لكن كيف؟ تأثَّر كل العالم المحيط - ضمناً - بأزمة الطاقة بسبب إغلاق مضيق هرمز. وأنتجت الحرب جيلاً جديداً من القيادات الإيرانية أعلى تشدداً ممن قبله، وهي تأخذ اليوم طابعاً يجمع بين الدين والقومية، بعد أن كانت ركيزةُ منظومة الحكم السابق دينيةً بامتياز.

في الحرب الأخيرة مع إيران، التي لم تنته بعد، استهلكت الولايات المتحدة أغلب مخزونها في الصواريخ بعيدة المدى، خصوصاً صاروخ «كروز -توماهوك»، كما استهلكت جزءاً كبيراً من مخزون صواريخ الدفاعات الجوية. فعلى سبيل المثال لا الحصر، استهلكت أميركا 1000 صاروخ «توماهوك» من أصل 3100 في المخزون. ولتعويض هذا الكم، يستلزم الأمر 47 شهراً. كما استهلكت أميركا خلال الحرب الحالية نحو 1430 صاروخ «باتريوت» من أصل 2330 صاروخاً في المخزون. ولتعويض هذا الكم، يستلزم الأمر نحو 42 شهراً، وذلك وفق تقديرات نشرتها صحيفة «فاينانشال تايمز».
وخاضت الولايات المتحدة الأميركية الحرب الأخيرة من خارج المنطقة، ومن خارج القواعد العسكرية الموجودة في المنطقة، والتي أصبحت هدفاً لإيران بحجة الوجود الأميركي، مع أن الرسالة الإيرانية العسكرية كانت تتجه إلى أهداف عدة؛ أهمها: التصعيد الأفقي على دول المنطقة، كما في العلاقة بين دول الخليج والولايات المتحدة الأميركية. ومن خلال التصعيد الأفقي، أرادت إيران بناء معادلة ردع جديدة بعد أن سقط الوكلاء، وفشل الردع، كما فشلت استراتيجية الدفاع المتقدّم.
في واقع كهذا، قد يتحقّق بعض الأهداف من «استراتيجية الأمن القومي الأميركي»، وأهمها: تحقيق التوازن من خارج الإقليم (Offshore Balancing)، وذلك عبر قيام تحالفات إقليمية تزيح الأعباء عن كاهل الولايات المتحدة الأميركية؛ كي تتفرّغ لشرق آسيا. يُذكّرنا هذا الواقع بعقيدة الرئيس ريتشارد نيكسون عام 1969. فهل حدث ما توقّعته أميركا من تحالفات؟ بالطبع كلا، فقد أنتجت المنطقة؛ نتيجة الواقع الجيوسياسي الحساس، تحالفاً دفاعياً؛ كان يُحَضَّر له منذ مدة بين دول تتقاسم أهدافاً مشتركة؛ تمثل في «اتفاقية مكّة» الأخيرة.

دور الجغرافيا
لكن يبقى السؤال: هل انتهت الحرب في المنطقة؟ بالطبع كلا. لكن كيف هو الواقع العسكري الاستراتيجي الآن؟
تستفيد إيران من العامل الجغرافي؛ القرب من مضيق هرمز. تستخدم عامل الوقت لِلَيّ ذراع الولايات المتحدة الأميركية. في المقابل، تستعمل أميركا الحرب الاقتصادية عبر الحصار البحري الذي يُكلّف إيران، وفق صحيفة «وول ستريت جورنال»، نحو 450 مليون دولار أميركي يومياً. فهل ستشهد المرحلة المقبلة تصعيداً أم حلاً سياسياً؟ في السياسة هناك دائماً تشاؤم.
وقد أظهرت الحرب في المنطقة حدود القوّة الأميركية، كما أظهرت الأزمة اللوجستية العسكرية الأميركية الخطيرة. وبذلك يكون «البنتاغون» قد خرق المبدأ الذي وضعه الجنرال الأميركي الراحل، عمر برادلي، حين قال: «الهواة يتحدثون عن الاستراتيجية، أما المحترفون فيتحدثون عن اللوجستية». وفي حال كهذه، يستفيد المنافسون من هذا الوضع لتثبيت قواعد اشتباك جديدة، أو حتى تحدّي القوّة الأميركية. هذا ما يفعله الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، حالياً تجاه أوكرانيا عبر تكثيف إنتاج الصواريخ الباليستية، واستعمالها في الوقت نفسه.
التحدي الصيني
كيف يمكن تنفيذ الأهداف التي حددتها «استراتيجية الأمن القومي الأميركي» في ظل التخلي عن الحلفاء، وفي ظل نقص الذخيرة في حال قررت الدفاع عن تايوان وبعض الحلفاء؟ كيف يمكن التحالف مع الهند لموازنة الثقل الصيني في ظلّ تقارب أميركي - صيني؟ وإذا كانت الاستراتيجية الأميركية تركز على احتواء الصين، ومنعها من الهيمنة على بحر الصين الجنوبي، فكيف يُفسر الخبراء الاستراتيجيون الأميركيون هيمنة الصين على «المثلث الفولاذي (Iron Triangle)» من الجزر في بحر الصين الجنوبيّ (المؤلَّف من: جزر سبارتلي وباراسيل وشعاب سكاربورو)، وذلك عبر بناء قواعد عسكرية ثابتة، الأمر الذي يعطيها القدرة على السيطرة على خطوط الممرات المائية، وردع القوات الأميركية؛ الأمر الذي يضرب بدوره فكرة احتواء الصين الواردة في «استراتيجية الأمن القومي الأميركي»؟

وإذا كانت «الاستراتيجية الأميركية» تركز على آسيا، وبالتحديد على الصين، فكيف يُفسَّر استقدام بعض من القوات الأميركية (مشاة البحرية وحاملات الطائرات) من الشرق إلى منطقة الخليج العربي؟ وكيف يُفسر خفض المشاركة في المناورات المشتركة مع كوريا الجنوبية، والقول إن علاقة الرئيس ترمب جيدة مع الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون؛ خصوصاً أن كوريا الشمالية تشكّل ركناً أساسياً في تجمّع الدول التي تناهض الهيمنة الأميركية، وعلى رأسها الصين؟ فهل هذا يُعزز الردع المذكور في «الوثيقة الأميركية»؟ وهل هو «السلام عبر القوّة»؟ وكيف سيقرأها المنافسون؟
خلال زيارته الأخيرة إلى الصين، في مايو (أيار) 2026، ولدى سؤاله عن موقف أميركا تجاه تايوان، رفض الرئيس ترمب إعطاء تعهّد عسكري صريح لتايوان. كما قال إنه سيعيد النظر في صفقة الأسلحة الكبيرة للجزيرة. أتت أجوبة الرئيس ترمب عن كل الأسئلة كأنه يريد الحفاظ على استراتيجية الغموض الأميركية التقليدية تجاه هذه القضية. لكن المهم، كيف ستقرأ الصين الوضع الأميركي في منطقة الشرق الأوسط؟ ولماذا سحبت كثيراً من قواتها البحرية؟ وماذا عن نقص الذخيرة ذات القيمة الاستراتيجية؟
بشأن اليابان، وهي الحليف الأهم في شرق آسيا، لا يعارض الرئيس ترمب الدفاع عنها، لكن شرط أن تدفع طوكيو ثمناً مقابل هذا الدفاع.
من خلال المقارنة بين نصِّ «وثيقة الأمن القومي الأميركي» وحال العالم اليوم وما الدور الأميركي، يمكن استنتاج الأمور التالية: وصلت أميركا إلى «الامتداد الأقصى». وعليه؛ يجب على العم سام تحديد الأولويات. وفي هذا الإطار قد يمكن القول إن أميركا ستعود إلى التركيز على النصف الغربي من الكرة الأرضية. أما باقي أصقاع الكرة، فقد يشهد تنافساً جيوسياسياً بين القوى المعنية لملء الفراغ. كذلك الأمر، ومن خلال سلوكيات الرئيس ترمب، يمكن القول إنه سيسعى إلى «نظام عالمي جديد» - دون السعي إلى «تغيير التركيبة» - يكون فيه للولايات المتحدة دور جديد، وذلك مع حتمية تغيير أو تعديل في أدوار بعض المنظمات الدولية.


