اضطر المصري مجدي عبد التواب، وهو موظف خمسيني، إلى بيع وحدة سكنية (شاليه) اشتراها من شركة عقارية في أحد منتجعات «الساحل الشمالي» (شمال)، بخسارة في المبالغ التي سددها على مدار أكثر من عامين، وبعد مفاوضات استغرقت أشهراً عبر عدد من الوسطاء.
«الشاليه» التي يفترض أن يتسلمها عبد التواب في 2029، اشتراها مطلع 2024، أملاً في بيعها بعد عدة أشهر عملاً بنصيحة نجله الشاب، والحصول على سعر أعلى، في وقت كان فيه سعر الدولار بالسوق الموازية يتجاوز حاجز 60 جنيهاً.
ويقول عبد التواب، وهو أحد سكان العاصمة المصرية القاهرة، إنه استجاب لنصيحة نجله بوضع جزء كبير من مدخراته بالجنيه في محاولة لحفظ قيمتها بـ«الشاليه» التي زاد سعرها بالفعل لدى الشركة، لكنه لم يتمكن بعد مرور أكثر من عامين سوى الحصول على مبلغ مالي أقل مما سدده عند إعادة بيعها لشخص آخر، وتنفيذ التنازل في الشركة لكي يكون العميل الجديد مسؤولاً عن استكمال باقي الأقساط التي تمتد حتى 2034.
وينفذ عديد من الشركات العقارية في مصر مشروعات إسكان فاخر بتجمعات سكنية في عدة مواقع خصوصاً شرق القاهرة وغربها والساحل الشمالي، مع بيعها بنظام التقسيط لمدد تتراوح بين 6 أعوام و12 عاماً، مع مقدمات لا تزيد في غالبية المشاريع على 10 في المائة من إجمالي ثمن الوحدة ومواعيد تسلم تتراوح بين 4 و5 سنوات لدى غالبية الشركات.

وانطلقت خلال أغسطس (آب) الجاري منصة ناشئة باسم «عقار إكزيت» (Aqar Exit)، وهي متخصصة في إعادة بيع الوحدات المتعثر أصحابها في سداد باقي الأقساط. وشهد الإعلان عن إتاحة آلاف الوحدات بالفعل للبيع خلال أيام قليلة.
شقق المتعثرين
مؤسس المنصة والرئيس التنفيذي محمود عمار، يقول لـ«الشرق الأوسط» إن الموقع بات عليه خلال أول أسبوعين نحو 6 آلاف وحدة بقيمة تصل إلى 50 مليار جنيه (الدولار يساوي نحو 50 جنيهاً بالبنوك المصرية) غالبيتها عقارات لمشروعات في شرق القاهرة والساحل الشمالي لمتعثرين بحاجة إلى استرداد أموالهم وغالبيتهم قاموا بالشراء خلال عامي 2023 و2024 وسددوا الأقساط للشركات.
وأضاف أنهم بعد الأيام الأولى من إطلاق الموقع أتاحوا ميزة إضافية تتيح لصاحب الوحدة التنازل عن جزء مما دفعه لتسريع وتيرة البيع، لافتاً إلى أن أكثر من نصف الوحدات عليها طلبات شراء بالفعل من عملاء آخرين راغبين في الحصول على الوحدات.
وأكد أن «عملية نقل الملكية من مالك لآخر تكون أقل في الخسائر المالية للملاك الأوائل بدلاً من التنازل للشركة المالكة للمشروع التي تضع شروطاً جزائية تصل لخسارة نحو 15 و20 في المائة من إجمالي قيمة الوحدة، وهو ما قد يكون كل ما سدده العميل وربما يكون تخارجه من المشروع لصالح الشركة أكثر ضرراً».
«زبائن الخوف»
وهنا يشير الشريك المؤسس لإحدى منصات الملكية الجزئية أحمد صقر، لـ«الشرق الأوسط» إلى أن غالبية الراغبين في إعادة بيع وحداتهم هم «زبائن الخوف» الذين دخلوا للاستثمار في السوق العقارية خلال الفترة التي شهدت أزمة سعر الصرف واشتروا وحدات بأسعار ربما لا يملكونها من الأساس؛ أملاً في حفظ قيمة أموالهم مع إعادة بيعها مستقبلاً.
وأضاف أن هذه الفترة شهدت تسعيراً من المطورين على سعر صرف للدولار أمام الجنيه يفوق 70 جنيهاً مما خلق تحوطاً مبالَغاً فيه لدى الشركات، مع إقبال من المواطنين على الشراء في ذروة اضطراب سعر الصرف، الأمر الذي وضع المشترين في مأزق كبير لا سيما أن المطورين طرحوا العقارات بنفس المشاريع بتسهيلات أكثر، مما صعَّب عملية إعادة البيع.

ويؤكد الباحث الاقتصادي محمود نجم لـ«الشرق الأوسط» وجود تغير في الظروف الاقتصادية لدى المواطنين مقارنةً بالأوضاع قبل عامين، بالإضافة إلى مرور سوق العقارات بدورات صعود مع حدوث تخفيضات بسعر الصرف، ووجود رغبة لدى المواطنين في الشراء للتحوط من تقلبات العملة، لافتاً إلى أن من اشترى في «فترة الطفرة» ويبيع الآن في «فترة الركود» سيتعرض لخسارة مؤكدة.
وأضاف أن عملية إعادة بيع بعض الوحدات دفعت بعض المتعثرين لتنفيذ عمليات بيع عبر توكيلات موثقة انتظاراً لتسلم العميل الأصلي وحدته وتسليمها للمالك لتجنب سداد رسوم تنازل كبيرة داخل الشركة.
تعثر المئات
ويشير الخبير المتخصص بالشأن العقاري محمود الجندي لـ«الشرق الأوسط» إلى تعثر مئات المواطنين بالفعل في سداد الأقساط الخاصة بالوحدات والخسائر التي يتعرضون لها عند إعادة الوحدة للمطور، وأن بعض المطورين طرحوا وحدات بتسهيلات أكبر عن الموجودة لدى المشترين السابقين في محاولة لإنعاش حركة البيع.
وأضاف أن بعض الشركات تفرض رسوماً كبيرة عند التنازل عن الوحدات على الرغم من عدم قانونية الأمر، والبعض الآخر يفرض رسوماً إدارية عند إعادة البيع قبل التسلم، مشيراً إلى أن بعض الشركات تحاول الوصول إلى حلول وسطية مع العملاء المتعثرين، وهو أمر يختلف من شركة لأخرى.
مراجعة شاملة
ومؤخراً بدأت الحكومة المصرية مراجعة شاملة لعقود المشروعات العقارية المبرمة بين المطورين والمواطنين، في تحرك يستهدف ضبط السوق بعد شكاوى من حالات تأخر في تسليم وحدات سكنية، بالتزامن مع ارتفاع تكاليف البناء وتراجع القدرة الشرائية للعملاء.
ووجه الرئيس عبد الفتاح السيسي، الأربعاء، بضرورة المتابعة المستمرة والدقيقة لمدى التزام المطورين بالعقود المبرمة مع المواطنين، وعدم التأخر في تسليم الوحدات أو تنفيذ البنية الأساسية والمرافق المرتبطة بالمشروعات.




