تعاني السوق العقارية المصرية أزمة حادة في ظل تأخر العديد من شركات التطوير عن مواعيد تسليم الشقق والوحدات للمشترين، وفق العقود المبرمة، بشكل استدعى تدخل الرئيس عبد الفتاح السيسي، الذي وجه بتطبيق القانون تجاه المخالفين، قائلاً إنه «سيتعامل بحدة» في هذا الأمر.
وبعد ساعات من توجيه السيسي، بدأت لجان مختصة بتفقد المشاريع الإنشائية في عدد من المدن الجديدة.
وتنتشر على «تيك توك»، مقاطع مصورة منذ شهور، تعكس حجم الأزمات في القطاع العقاري، بعضها لمشاجرات بين أصحاب شقق ومطورين، بعد اكتشاف بيع الوحدة نفسها لأكثر من عميل، وأخرى لعملاء صوروها داخل مقرات شركات التطوير في ظل تأخر مواعيد التسليم، وتمرير الوعد بعد الآخر دون الوفاء به، فضلاً عن شكاوى وتحذيرات مكتوبة عبر «فيسبوك» و«إكس» لمشترين دونوا تجاربهم مع مطور عقاري أو جمعية ما، وبعضهم قال إنه أنهى 80 في المائة من أقساط الشقة، بينما المشروع لم تُدشن فيه طوبة واحدة، وآخرون تأخر موعد تسليمهم لخمس وست سنوات.
وقال السيسي، خلال كلمته في احتفالية الاحتفال بالمولد النبوي، الأربعاء: «تتم حالياً مراجعة شاملة بين أجهزة الدولة المختلفة على كل المطورين العقاريين، والتزاماتهم تجاه المواطنين، وأنا في هذا الموضوع سأكون حاداً»، مضيفاً أن «كل من أخذ مالاً بالتزام وعقود بين طرفين، هو ملتزم بتنفيذ هذا التعاقد في التوقيت المحدد بالعقد، وغير ذلك سنتخذ الإجراءات القانونية حفاظاً على حقوق الناس ومصداقية الدولة».

ويرى الخبير الاقتصادي وائل النحاس، أن تدخل الرئيس في أزمة السوق العقارية «دليل على تفاقم الوضع؛ بشكل يؤثر على سمعة الدولة والبنية الاقتصادية ككل وفرص جذب مستثمرين»، لافتاً في حديثه لـ«الشرق الأوسط» إلى «أهمية هذا القطاع وحيويته، باعتباره عصباً رئيسياً في الاقتصاد بأي دولة»، قائلاً: «إذا أردت أن تضرب اقتصاد أي دولة فإن القطاعين المصرفي والعقاري هما السبيل لذلك».
وفَصّل النحاس أزمات القطاع العقاري، في عجز بعض المطورين عن الوفاء بالاستحقاقات مع ارتفاع تكاليف الإنتاج عدة أضعاف، بسبب التعويم، وقال: «بعض المطورين قيّموا مشاريع في عام 2018، بملياري جنيه (الدولار نحو 50 جنيهاً)، بينما تبلغ قيمة الإنشاء الآن، أكثر من 24 مليار جنيه، وبالتالي يواجهون أزمة في التنفيذ».
وأضاف: «من جهة أخرى يجد المشتري نفسه في أزمة، فلا حصل على الوحدة ولا يستطيع شراء وحدة مثيلة بأمواله حالياً»، لافتاً إلى أن «الكثير من الشركات تتأخر في التسليم لهذه الأسباب، وكثير منها تحصل على قروض ضخمة من البنوك»، معتبراً أنها «أزمة متشعبة وخطيرة، والدولة وحدها التي عليها بحث كيف يمكن حلها دون انهيار القطاع».

وتفقد مسؤولون في وزارة الإسكان، الخميس، مشروعي «نزهة الأندلس» (كومبوند) والمرحلة التكميلية لمشروع «نزهة التجمع الثالث» بالقاهرة الجديدة، وتم التأكيد على أهمية تكثيف معدلات العمل خلال المرحلة الحالية، باعتبارها المرحلة النهائية من المشروع، مع ضرورة استكمال جميع الأعمال وفقاً للمواصفات الفنية ومعايير الجودة المعتمدة، والتنسيق المستمر بين الجهات المعنية لضمان جاهزية الوحدات ومختلف مكونات المشروع قبل بدء إجراءات التسليم، وفق بيان للوزارة.
وكان الأمين العام لـ«جمعية المطورين العقاريين»، محمد غباشي، رحب بتدخل الرئيس في ضبط السوق العقارية، معتبراً أنها «رسالة لا تستهدف القطاع العقاري أو المطورين الجادين، وإنما تمثل دعماً حقيقياً لتنظيم السوق وحماية سمعة الصناعة العقارية وتعزيز الثقة بين المواطن والمطور والدولة»، بحسب ما أكده لوسائل إعلام محلية.
وقالت المحامية المصرية نهاد أبو القمصان، خلال مقطع فيديو عبر مواقع التواصل، إنه «على إيجابية تدخل الرئيس وما يحمله من رسائل مُطمئنة للمواطنين، لكن تظل هناك مسائل عالقة تحتاج لتوضيح: ماذا عن العقود المُجحفة التي تحولت لعقود إذعان؟ وما الموقف مع الشركات المتأخرة بينما سحبت فلوس العملاء، هل سيتم سحب الأرض منها ودخول بنوك لاستكمال المشاريع، أم كيف سيتم التصرف فيها؟».
وتعدّ سوق العقارات المصرية من أكثر الأسواق نمواً وتطوراً خلال العقد الأخير، مدفوعة بتوجهات رسمية لتوسعته بعدد من المشاريع الضخمة، في مقدمتها مشروع العاصمة الإدارية الجديدة.
وبلغ حجم سوق العقارات في مصر 18.04 مليار دولار في عام 2023، وسط توقعات أن يتجاوز 30 مليار دولار في عام 2028، بمعدل نمو سنوي 10.96 في المائة، وفق ما نقله مركز معلومات مجلس الوزراء عن مؤسسة «موردر إنتلجنس» العالمية.
ورصدت «الشرق الأوسط» شكاوى واسعة من مواطنين عن تأخر في مواعيد التسليم لسنوات، وبعضها لشركات كبرى وشهيرة، ويتنوع النطاق الجغرافي للمشاريع بين جنوب القاهرة في مدينة «السادس من أكتوبر» وامتداداتها، وشرقها في «العبور» والعاصمة الإدارية الجديدة.
وشدد الخبير العقاري عبد المجيد جادو، على ضرورة تدخل الدولة بإصدار قانون للمطورين العقاريين يحدد العلاقة بينهم وبين العملاء، ويضع معايير واضحة تطبق على الجميع، لافتاً إلى أهمية السوق العقارية إذ تساهم في تشغيل نحو 200 قطاع وصناعة أخرى، كما أنها دليل على حضارات ونمو الأمم.
وحذر جادو، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، من أن التقاعس عن إصدار بيئة تشريعية حاكمة لقطاع العقارات «سيؤدي إلى الدخول في متاهة تضر بالقطاع والاقتصاد بوجه عام».






