خطط فردية لنزوح استباقي من جنوب لبنان

عائلات تُبعد أطفالها... وأخرى تُغادر خشية «التهجير تحت القصف»

مواطن يدخن النرجيلة في مدينة النبطية بين الأبنية المتضررة والمدمَّرة نتيجة القصف الإسرائيلي (أ.ف.ب)
مواطن يدخن النرجيلة في مدينة النبطية بين الأبنية المتضررة والمدمَّرة نتيجة القصف الإسرائيلي (أ.ف.ب)
TT

خطط فردية لنزوح استباقي من جنوب لبنان

مواطن يدخن النرجيلة في مدينة النبطية بين الأبنية المتضررة والمدمَّرة نتيجة القصف الإسرائيلي (أ.ف.ب)
مواطن يدخن النرجيلة في مدينة النبطية بين الأبنية المتضررة والمدمَّرة نتيجة القصف الإسرائيلي (أ.ف.ب)

يرسل اللبناني حسين حركة، ابن بلدة زوطر الغربية في الجنوب، عائلته إلى مكان أكثر أمناً، فيما يبقى وحيداً في البلدة لمراقبة منزله وممتلكاته.

لا ينتظر إنذاراً إسرائيلياً بالإخلاء، ولا يعرف ما إذا كان التصعيد سيتحول إلى مواجهة أوسع، لكنه يؤكد لـ«الشرق الأوسط» أن «الناس مرتبكة، ولا أحد يعرف إلى أين ستصل الأمور»، قبل أن يحسم خياره قائلاً: «أنا موجود هنا وحدي، أما عائلتي فأرسلتها إلى مكان أكثر أماناً. لا يوجد هنا شعور حقيقي بالأمان».

جنود وآليات إسرائيلية في بلدة زوطر الشرقية على بُعد أمتار من أول منطقة تجريبية في زوطر الغربية بجنوب لبنان (أ.ف.ب)

وتتكرر تجربة حسين في عدد من البلدات الجنوبية القريبة من مناطق وجود القوات الإسرائيلية؛ حيث يبدو أن الأهالي أعدّوا خططاً فردية للتعامل مع احتمال النزوح. فبعض العائلات تغادر قبل وصول القصف، فيما تُبعد أخرى أطفالها وتُبقي أحد أفرادها في المنزل، فيما يختار آخرون الرحيل نهائياً خشية الاضطرار إلى النزوح تحت القصف إذا اتسعت المواجهة.

الأولاد يغادرون أولاً

يقول حسين إن العائلات التي لديها أطفال أصبحت أقل استعداداً لانتظار ما ستؤول إليه التطورات، بعدما اختبرت النزوح والقصف في السابق. ويضيف: «العائلة التي لديها أولاد وأطفال لا تستطيع التعامل مع الأمر ببساطة. الناس جرّبت النزوح والقصف من قبل، ولذلك، ما إن تشعر بأن الوضع قد يتدهور، حتى تبدأ التفكير في الرحيل».

ويلفت إلى مغادرة عمال وأصحاب آليات كانوا يعملون على رفع الأنقاض وإصلاح المنازل في زوطر الغربية مع ارتفاع وتيرة القصف.

مغادرة قبل المعركة

ويختار علي، وهو أب لطفل في السابعة من عمره، خياراً أكثر حسماً، إذ غادر المنطقة كلياً مع عائلته بعد تصاعد الحديث عن قرب معركة في منطقة علي الطاهر، واحتمال اتساع المواجهة.

زحمة سيارات قادمة من الجنوب على الطريق الساحلي في مدينة صيدا السبت الماضي إثر ضربات إسرائيلية في العمق (أ.ف.ب)

ويقول علي لـ«الشرق الأوسط»: «أنا غادرت لأنني خائف من المعركة المقبلة، ومن أن تتوسع المواجهة. لديّ طفل عمره 7 سنوات، ولا أريد أن أنتظر حتى يبدأ القصف، ثم أبحث عن طريق للخروج. أخاف من أن نُهجّر تحت القصف؛ لذلك فضّلت أن أخرج قبل أن تبدأ المعركة، أو يصبح النزوح أصعب. بالنسبة إليّ، فالكلام عن (مرتفعات علي الطاهر) ليس منفصلاً عما يجري في المنطقة، والمعركة مرتبطة أيضاً بالبُعد الإقليمي، ولهذا لا أحد يعرف إلى أين يمكن أن تصل إذا بدأت».

ويضيف: «قد تبدأ الحرب في نقطة وتكبر، وأنا لا أريد أن أضع عائلتي وطفلي في هذا الاحتمال. عشنا تجربة النزوح، ونعرف ماذا يعني أن تتحرك العائلات دفعة واحدة والطرقات مزدحمة والقصف مستمر؛ لذلك فضّلت أن أتخذ القرار من الآن. إذا بقي الوضع هادئاً نعود، لكنني لن أنتظر اتساع المواجهة حتى أخرج عائلتي».

مقياس شخصي للخطر

في النبطية، تشرح زينب فقيه كيف تحوّلت خبرة القصف إلى مقياس شخصي للخطر. تقول لـ«الشرق الأوسط» إنها استعدت للمغادرة فور سماع حركة كثيفة للطيران وغارات وهمية خلال إحدى الليالي الأخيرة: «خطر لي مباشرة أن الأمور قد تتوسع. جهزنا أغراضنا، أيقظت الأولاد، ووقفنا في الممر، وجهزنا أنفسنا».

لكنها لم تُغادر بعدما عرفت أن القصف لا يزال متركزاً في منطقة علي الطاهر. وتقول: «صرنا نعرف تقريباً أين القصف. عندما يكون على علي الطاهر نعرف أنه بعيد نسبياً، لكن عندما يبدأ يقترب نجهز أنفسنا للهرب».

تُظهر صورة التُقطت من منطقة النبطية جنوب لبنان تصاعد الدخان من موقع الغارات الإسرائيلية التي استهدفت قمم تلال منطقة علي الطاهر (أ.ف.ب)

وتختصر المعايير التي يُتخذ على أساسها القرار: «الصوت هو الذي يجعلك تبقى أو لا تبقى»، مضيفة: «إذا نزلت قذيفة مدفعية واحدة في قلب النبطية تقريباً ستجدني قد غادرت».

ولا تنتظر زينب بياناً رسمياً كي تعرف متى تغادر. وتشير إلى أن مجموعات محلية على «واتساب» تساعد في متابعة الميدان، وأن بعضها «يتصرف بمسؤولية، ولا يخيف الناس كثيراً»، فيما يعتمد الأهالي على خبرتهم.

أعصاب الناس لم تعد تحتمل

وتربط بيسان نصار سرعة المغادرة بالإرهاق المتراكم، وتقول لـ«الشرق الأوسط»: «اليوم، حتى لو وقع القصف بعيداً نسبياً، هناك مَن يقرر الرحيل فوراً، لأن الناس تتذكر ما عاشته خلال الأشهر الأربعة الماضية. من لديه أولاد يفكر أولاً في إخراجهم، والابتعاد بهم عن الخطر».

وتؤكد بيسان نصار أن «أعصاب الناس لم تعد تحتمل»، فيما تضيق الخيارات تحت ضغط الوضع الاقتصادي. فقد استهلكت عائلات جزءاً من مدخراتها، واضطرت مصالح ومتاجر إلى الإغلاق، ثم العودة إلى العمل وسط حركة ضعيفة.

وتقول بيسان نصار: «في الجنوب، الحركة التجارية شبه متوقفة، والناس لا تشتري إلا الضروريات، خصوصاً الطعام. من كان يدخر قرشاً لليوم الأسود اضطر إلى صرفه».

أزمة الإيواء

ويصطدم النزوح بأزمة الإيواء. تقول رولا ياسين لـ«الشرق الأوسط» إن «كثيراً من الناس نزحوا عندما حصلت الضربة؛ بعضهم عاد، وبعضهم لم يعد»، خصوصاً العائلات التي لديها أطفال.

وتروي أن عائلة قريبة منها حملت فرشها وغادرت ليلاً على أمل العودة إلى مدرسة سبق استخدامها مركزاً للإيواء، لكنها لم تجدها مفتوحة، في وقت تستعد فيه المدارس للعام الدراسي. وتضيف: «هناك أشخاص لا يوجد أمامهم مركز إيواء ولا مدرسة»، ما يدفع بعضهم إلى العودة أو اللجوء إلى أقارب.

وتقول نصار إن عائلات تفكر في استئجار منازل مؤقتة، لكنها تتردد مع ارتفاع الإيجارات، وعدم وضوح مدة التصعيد.

يعودون صباحاً ويغادرون ليلاً

ويرصد حسين فقيه، من النبطية، شكلاً آخر للنزوح؛ إذ يعود بعض السكان نهاراً لمتابعة أعمالهم، ثم يغادرون مع حلول الليل. ويقول: «أملك محلاً تجارياً، أخرج كل يوم نحو العاشرة والنصف أو الحادية عشرة، وأعود قرابة الثامنة والنصف. أرى الناس يصعدون أمامي، وبعد الظهر أراهم ينزلون من جديد. يأتون ويفتحون مصالحهم، ثم يغادرون في الليل».

ويضيف: «عندما يأتي الليل الكل يخاف»، مشيراً إلى أن بعض العائلات تتوجه إلى صيدا أو مناطق أخرى عند اشتداد القصف، ثم تعود في الصباح.


مقالات ذات صلة

تعهد «حزب الله» بتحييد لبنان... بين قرار طهران وحسابات الداخل

المشرق العربي لافتات رُفعت على طريق المطار لشكر إيران على وقف إطلاق النار في لبنان (الشرق الأوسط)

تعهد «حزب الله» بتحييد لبنان... بين قرار طهران وحسابات الداخل

يثير تعهد «حزب الله» بعدم توجهه للانخراط عسكرياً إذا شنّت أميركا أو إسرائيل حرباً جديدة على إيران، تساؤلات حول خلفيات هذا الموقف ومدى قدرته على الصمود.

كارولين عاكوم (بيروت)
المشرق العربي دبابة إسرائيلية تنفذ مناورة داخل بلدة زوطر الشرقية المحتلة في جنوب لبنان (أ.ف.ب)

هل تكبح ضغوط بيئة «حزب الله» مشاركته بالحرب؟

تتصدر تداعيات حرب إسرائيلية على بيئة «حزب الله» قائمة النقاشات داخل الحزب مع احتمالات انخراطه في حرب محتملة على إيران.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي البطريرك الماروني بشارة الراعي خلال عظة الأحد في بكركي (الوكالة الوطنية)

بيع الأراضي يثير هواجس مسيحية من تغيّر ديموغرافي في لبنان

أعاد تحذير البطريرك الماروني بشارة بطرس الراعي من تزايد بيع الأراضي في لبنان هواجس مسيحية تتجاوز انتقال الملكيات إلى احتمال تبدّل التركيبة السكانية.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
الخليج الأمير عبد العزيز بن سعود وزير الداخلية السعودي ونظيره اللبناني أحمد الحجار (الشرق الأوسط)

تأكيد سعودي - لبناني على تعزيز التعاون الأمني

بحث الأمير عبد العزيز بن سعود بن نايف وزير الداخلية السعودي ونظيره اللبناني أحمد الحجار الأحد المستجدات الراهنة بالمنطقة، وأكدا على تعزيز التعاون الأمني الثنائي

«الشرق الأوسط» (الرياض)
المشرق العربي الراعي لدى وصوله إلى العاقورة لترؤس قداس الأحد (فيسبوك)

الراعي يُحذّر من تهريب السلاح عبر الحدود: تهديد لأمن لبنان

حذّر البطريرك الماروني بشارة الراعي من أن تكرار محاولات تهريب المتفجرات والسلاح عبر الحدود الى لبنان «يكشف أن أي ثغرة في ضبط الحدود يمكن أن تتحول إلى تهديد».

«الشرق الأوسط» (بيروت)

القضاء العراقي: المؤبد لـ7 فرنسيين أُدينوا بالانتماء إلى «داعش»

مجلس القضاء الأعلى العراقي (أرشيفية - وسائل إعلام محلية)
مجلس القضاء الأعلى العراقي (أرشيفية - وسائل إعلام محلية)
TT

القضاء العراقي: المؤبد لـ7 فرنسيين أُدينوا بالانتماء إلى «داعش»

مجلس القضاء الأعلى العراقي (أرشيفية - وسائل إعلام محلية)
مجلس القضاء الأعلى العراقي (أرشيفية - وسائل إعلام محلية)

قضت محكمة عراقية، اليوم (الثلاثاء)، بالسجن المؤبد بحق 7 فرنسيين، لإدانتهم بالانتماء إلى تنظيم «داعش» وبث الرعب بين المدنيين.

وأفاد قاضي محكمة تحقيق الكرخ الثالثة، في جلسة علنية عُقدت اليوم بحضور محامي الدفاع المنتدبين للدفاع عن المدانين، بصدور الأحكام بحق سبعة مدانين من أصول جزائرية ويحملون الجنسية الفرنسية، ستة منهم بالسجن المؤبد لمدة 20 عاماً، وآخر لمدة 15 عاماً بجريمة الانتماء إلى تنظيم «داعش» والعمل مع التنظيم في سوريا وبث الرعب بين المدنيين، وفق ما أفادت «وكالة الأنباء الألمانية».

وقال قاضي المحكمة إن هذا القرار جاء من أجل إصلاح الذات وفسح المجال لتصويب مسار حياة المدانين.


القبض على منفذي هجوم الكنيسة في الأردن

آثار الرصاص على المبنى الذي اختبأ فيه الإرهابيون الثلاثة قرب منطقة حمود في الكرك جنوب الأردن (مديرية الأمن العام)
آثار الرصاص على المبنى الذي اختبأ فيه الإرهابيون الثلاثة قرب منطقة حمود في الكرك جنوب الأردن (مديرية الأمن العام)
TT

القبض على منفذي هجوم الكنيسة في الأردن

آثار الرصاص على المبنى الذي اختبأ فيه الإرهابيون الثلاثة قرب منطقة حمود في الكرك جنوب الأردن (مديرية الأمن العام)
آثار الرصاص على المبنى الذي اختبأ فيه الإرهابيون الثلاثة قرب منطقة حمود في الكرك جنوب الأردن (مديرية الأمن العام)

ألقت قوات الأمن الأردنية، صباح أمس (الاثنين)، القبض على منفّذي الاعتداء الدامي الذي استهدف كنيسة في محافظة الكرك بعد عملية أمنية محكمة. وكان الإرهابيون الثلاثة قد نفذوا الاعتداء على كنيسة في قرية حمود يوم الجمعة مما تسبب في مقتل تسعة أشخاص وإصابة 25 آخرين بجروح.

وقالت مصادر مطلعة لـ«الشرق الأوسط» إن عمليات استخباراتية أمنية قادت إلى حصر نطاق مواقع البحث والتحري عن الإرهابيين الثلاثة الذين نفذوا الاعتداء، بعد تحصنهم في بيت مهجور في قرية جديّدة التي ينتمون إليها، وهم شقيقان وأحد أبناء عمومة، مختارين مكاناً للاختباء لا يبعد سوى 5 دقائق عن موقع الكنيسة. وذكرت المصادر أن الإرهابيين تحصنوا في المنزل المهجور لمدة 60 ساعة، حيث لم يشعر السكان المجاورون بأي حركة في المنزل.

وأوضحت المصادر أن العملية الأمنية استخدمت فيها طائرات مسيّرة و«روبوتات» موجهة من بُعد، وأن «الإرهابيين أطلقوا خلالها النار من سطح المنزل المتحصنين فيه على (الدرون) لمنعها من تحديد موقعهم على الخرائط الجوية، مشيرة إلى أن الأجهزة الأمنية أدخلت في النهاية (روبوتات) إلى مكان المواجهة للتأكد من إصابة الأهداف».


الزيدي ينهي تكليف رئيس المخابرات العراقي

العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني ورئيس الوزراء العراقي علي الزيدي في عمّان 26 أكتوبر 2026 (د.ب.أ)
العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني ورئيس الوزراء العراقي علي الزيدي في عمّان 26 أكتوبر 2026 (د.ب.أ)
TT

الزيدي ينهي تكليف رئيس المخابرات العراقي

العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني ورئيس الوزراء العراقي علي الزيدي في عمّان 26 أكتوبر 2026 (د.ب.أ)
العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني ورئيس الوزراء العراقي علي الزيدي في عمّان 26 أكتوبر 2026 (د.ب.أ)

أنهى رئيس الوزراء العراقي، أمس، تكليف حميد الشطري من رئاسة جهاز المخابرات الوطني، وفق ما نقلته وكالة الأنباء العراقية (واع)، من دون تقديم مزيد من التفاصيل. وسيتولى الزيدي بنفسه إدارة جهاز المخابرات مؤقتاً إلى حين تكليف مدير جديد.

وتولى الشطري رئاسة جهاز المخابرات الوطني منذ 19 ديسمبر (كانون الأول) 2024، بعد تعيينه من قبل رئيس الوزراء السابق محمد شياع السوداني، خلفاً لرائد جوحي.

من جهة أخرى، أصدرت محكمة عراقية، أمس، أمراً بالقبض على رئيس مجلس محافظة ميسان، مصطفى دعير عبد الحسن المحمداوي، على خلفية شكوى قدمها مكتب رئيس الوزراء تتعلق بتهديده بالعصيان المدني وقطع الطرق وفصل محافظة ميسان عن جسد العراق، وذلك احتجاجاً على استمرار إغلاق منفذ الشيب الحدودي مع إيران.

وأمهل المحمداوي الحكومة الاتحادية في بغداد حتى يوم الخميس المقبل، لإعادة فتح المنفذ قبل تنفيذ تهديداته.