في مستشفى متصل بالشبكة الإلكترونية، قد يبدأ الخطر بفعل يبدو بسيطاً: طبيب يفتح ملفاً يحمل اسم المختبر، أو ممرضة تستجيب لطلب إعادة تعيين كلمة المرور، أو طبيب أسنان يرفع صورة أشعة إلى أداة ذكاء اصطناعي عامة طلباً لرأي سريع... والمهاجم لا يحتاج دائماً إلى كسر أبواب المستشفى الإلكترونية؛ وقد تكفي نقرة واحدة لفتحها له.
ومن هنا تبرز أهمية البرنامج الذي أعلنت عنه الهيئة السعودية للتخصصات الصحية، في أغسطس (آب) 2026، بعنوان «الأمن السيبراني في ممارسات الرعاية الصحية». والهيئة هي الجهة السعودية التي تنظم المهن الصحية، وتصنف الممارسين وتسجلهم، وتطور قدراتهم المهنية. ويمنح البرنامج، الموجّه إلى جميع الممارسين عن بُعد، 3 ساعات للتطوير المهني المستمر، ويجمع بين أساسيات الذكاء الاصطناعي وفرص استخدامه ومخاطره السيبرانية، لكنه يطرح سؤالاً يتجاوز محتواه التدريبي: لماذا يحتاج الطبيب أو الممرض أو طبيب الأسنان إلى هذه المعرفة؟ أليست حماية الأنظمة مهمة أقسام تقنية المعلومات؟

عندما يخرج الهجوم من الشاشة
الجواب أن المستشفى ليس مخزناً للبيانات فحسب، بل شبكة تمر عبرها وصفة الدواء، ونتيجة المختبر، وصورة الأشعة، وموعد الجراحة، ومسار سيارة الإسعاف. فإذا توقفت الشبكة، انتقل الضرر من الشاشة إلى سرير المريض.
وقدمت دراسة نشرتها دورية «شبكة جاما المفتوحة» (JAMA Network Open) في مايو (أيار) 2023 دليلاً واضحاً. فخلال هجوم استمر شهراً على مؤسسة صحية ببرمجيات الفدية، وهي برامج تشفّر الأنظمة، وتحجب الوصول إليها، ارتفع المتوسط اليومي لمراجعي الطوارئ في مستشفيين مجاورين لم يتعرضا للهجوم بنسبة 15.1 في المائة، وزاد متوسط الانتظار من 21 إلى 31 دقيقة. وخلص الباحثون إلى أن إصابة مستشفى واحد قد تُحدث اضطراباً إقليمياً يمتد إلى منشآت لم تُستهدف.
حين يتعلم المهاجم أيضاً
لم يخترع الذكاء الاصطناعي الاحتيال الرقمي، لكنه جعله أكثر إقناعاً وأدق استهدافاً. ففي مايو (أيار) 2025، خلص تقييم لـ«المركز الوطني البريطاني للأمن السيبراني» إلى أنه يسرّع جمع المعلومات، ويزيد فاعلية رسائل التصيد والهندسة الاجتماعية. والتصيد مراسلات تنتحل جهة معروفة لاستدراج المتلقي إلى فتح رابط أو كشف بيانات الدخول؛ لذلك لم تعد الرسالة المزيفة تفضح نفسها بلغة ركيكة؛ إذ يمكن توليدها بأسلوب يشبه مخاطبات المستشفى، وربطها باسم مؤتمر أو زميل أو حالة حقيقية.
وهنا يصبح الممارس هدفاً مختاراً، لا مستخدماً عابراً؛ لأنه يعرف مسار العمل، ويصل إلى المعلومات السريرية، ويتخذ قراراته تحت ضغط الوقت. ويستغل المهاجم ذلك بعبارات «نتيجة حرجة»، أو «تحويل عاجل»، أو «تحديث إلزامي للنظام»، لدفعه إلى التصرف قبل التحقق من هوية المرسل.
الخوارزمية نفسها قد تصبح هدفاً
في الهجمات التقليدية يظهر الضرر عادةً في ملف مسروق أو نظام متوقف. أما مع الذكاء الاصطناعي، فقد يستهدف المهاجم بيانات التدريب أو المدخلات المقدمة عند الاستخدام، فتصبح المخرجات التي يستند إليها القرار الطبي نفسها موضع التلاعب وفي مسودة إرشادية أصدرتها إدارة الغذاء والدواء الأميركية في يناير (كانون الثاني) 2025 بشأن الأجهزة الطبية المدعومة بالذكاء الاصطناعي.
وحددت الإدارة أخطاراً منها:
*«تسميم البيانات»، أي دس بيانات مزيفة أو معدلة لتغيير ما تتعلمه الخوارزمية
*«مراوغة النموذج»، أي إجراء تعديلات خفية على صورة أو بيانات جديدة لدفعه إلى تصنيف خاطئ، إضافة إلى تسريب البيانات أو سرقة النموذج.
وتكمن الخطورة في أن النظام قد يظل ظاهرياً في حالة تشغيل طبيعية، بينما يصدر توصية غير سليمة. فإذا تغيرت قراءة صورة طبية أو نتيجة مختبر بلا سبب سريري مقنع، لا يكفي أن يكون الخادم محمياً. وعلى الممارس مقارنة المخرجات بحالة المريض، والانتباه إلى الأنماط غير المعتادة، وإيقاف الأداة والإبلاغ عن الخلل عند الاشتباه بالتلاعب.

الممارس بوصفه جهاز إنذار مبكر
لا يقتضي هذا أن يتحول الطبيب إلى مهندس شبكات؛ فدوره يشبه جهاز الإنذار المبكر: يرصد الإشارة المريبة ويتصرف قبل اتساع الضرر. ويبدأ ذلك بعدم إدخال بيانات تعريفية لمريض في أداة غير معتمدة، ورفض طلبات الدخول أو تغيير كلمات المرور المشبوهة، والتحقق من الطلبات العاجلة عبر قناة مستقلة، وعدم مشاركة الحساب، والإبلاغ السريع عن الحادث.
لكن دوره لا ينتهي عند الوقاية، فعليه أن يعرف كيف تستمر الرعاية إذا تعطل النظام: كيف يراجع أدوية المريض وحساسياته؟ كيف يوثق قراره مؤقتاً؟ وكيف يضمن، بعد عودته، نقل المعلومات الورقية إلى السجل الصحيح؟ لذلك ينقص التدريب إن اقتصر على تجنب الاختراق، ولم يشمل العمل الآمن أثناء الانقطاع واستعادة المعلومات بعده.
ماذا تستطيع 3 ساعات أن تغيّر؟
لن تصنع 3 ساعات متخصصاً سيبرانياً، وليس ذلك هدف البرنامج؛ إذ إن أهميتها أنها تحوّل معرفة تقنية إلى مهارة يومية، وتمنح الفريق لغة مشتركة: متى يتوقف أو يتحقق أو يبلّغ. كما يتضاعف أثر التدريب بإضافة المحاكاة إلى الشرح: رسالة تصيد تجريبية، أو مكالمة تنتحل صفة مسؤول، أو تعطل مفاجئ للسجل الإلكتروني، أو نتيجة غير مألوفة تصدرها أداة ذكية.
وكانت المديرة الإقليمية لمنظمة الصحة العالمية لشرق المتوسط، الدكتورة حنان بلخي قالت في 23 يوليو (تموز) 2026، إن الهجمات السيبرانية لم تعد قضية تقنية معلومات فحسب، بل قضية سلامة مريض وأمن صحي. وهنا تتضح قيمة برنامج الهيئة: فالاستعداد الرقمي لا يبدأ في غرفة الخوادم وحدها، بل من الممارس الذي يمسك الجهاز عند سرير المريض.

مكافحة العدوى في البيئة الرقمية
كما أن مكافحة العدوى ليست مهمة فريق التعقيم وحده، فالأمن السيبراني ليس مهمة قسم التقنية وحده. وفي البيئة الرقمية تؤدي كلمة المرور الآمنة، والتحقق من الرسائل، والاستخدام المنضبط لأدوات الذكاء الاصطناعي دور غسل اليدين نفسه: قطع سلسلة الضرر قبل وصولها إلى المريض.
لهذا لا تبتعد هيئة التخصصات الصحية عن مهمتها بتدريب الممارسين على الأمن السيبراني، بل تجعل الكفاءة المهنية ملائمةً لمستشفى تغيرت أدواته ومخاطره. ففي عصر الذكاء الاصطناعي، قد تبدأ سلامة المريض بسؤال يسبق نقرة واحدة: هل هذا الرابط حقيقي؟



