من الآبار وصولاً إلى الميزانية... أين تذهب أموال النفط الليبي؟

وسط استمرار معاناة قطاعات واسعة من المواطنين

أطر القاطرة «الهاني» تباشر مهامها التشغيلية في ميناء الزويتينة (المؤسسة الوطنية للنفط)
أطر القاطرة «الهاني» تباشر مهامها التشغيلية في ميناء الزويتينة (المؤسسة الوطنية للنفط)
TT

من الآبار وصولاً إلى الميزانية... أين تذهب أموال النفط الليبي؟

أطر القاطرة «الهاني» تباشر مهامها التشغيلية في ميناء الزويتينة (المؤسسة الوطنية للنفط)
أطر القاطرة «الهاني» تباشر مهامها التشغيلية في ميناء الزويتينة (المؤسسة الوطنية للنفط)

يحاصر الظلام الدامس مناطق ليبية عدّة، من بينها ضاحية «عين زارة» بالعاصمة طرابلس، حيث يقطن الباحث عز الدين مختار، الذي دفعته أزمة انقطاع الكهرباء في جُل مدن بلاده إلى طرح تساؤلات عدّة تتعلق بمسارات عوائد النفط، التي لم تسلم من «الفساد»، ولماذا لم تنهض ليبيا من كبوتها حتى الآن؟ ولماذا تستمر معاناة قطاعات واسعة من المواطنين في بلد يحصل على مداخيل هائلة بفضل عائدات النفط؟

تعتمد ليبيا على عائدات النفط بنسبة تقارب 98 في المائة، لكن يظل الاستفهام الأبرز كيف يتم تجميع عائداته؟ وكيف يتم إنفاقها في ظل الانقسام الحكومي الذي تعيشه؟ ولماذا يشتكي سكانها الفقر؟ علماً أنها تمتلك أكبر احتياطي في أفريقيا، وتنتج وتصدر قرابة 1.4 مليون برميل في اليوم.

بداية، تتكفل المؤسسة الوطنية للنفط بتحصيل إيرادات مبيعات النفط الخام والغاز بالدولار الأميركي، وإيداعها في حساباتها لدى «المصرف الليبي الخارجي»، ثم تحويل هذه الإيرادات من المصرف الخارجي إلى حسابات «مصرف ليبيا المركزي» في طرابلس، حيث تُقيّد كإيرادات سيادية للميزانية العامة، وتُحوَّل إلى الدينار الليبي. (الدولار يساوي 6.36 دينار في السوق الرسمية)، في حين يسجل 9.12 في السوق الموازية.

أطر القاطرة «الهاني» تباشر مهامها التشغيلية في ميناء الزويتينة (المؤسسة الوطنية للنفط)

بعد ذلك تأتي الخطوة التالية بتولي وزارة المالية في طرابلس أذونات الصرف، بناءً على الترتيبات المالية المعتمدة، ويبدأ «المصرف المركزي» في تسييل الأموال للقطاعات والجهات الحكومية، وفق أبواب الموازنة العامة للدولة.

وعانت عائدات صادرات النفط في ليبيا من فترات تذبذب كبيرة خلال السنوات الماضية؛ إذ تراوحت ما بين 18 و22 مليار دولار، لكنها قفزت إلى قرابة 18 مليار دولار خلال النصف الأول من العام الجاري، بزيادة تقارب الضعف عن الفترة ذاتها العام الماضي، وفق وزارة الاقتصاد في حكومة «الوحدة» المؤقتة.

ويرجع محمد الشحاتي، الخبير النفطي الليبي، هذه الزيادة خلال تلك الفترة إلى الحرب الإيرانية.

أين الخلل؟

يشخّص اختصاصيو الاقتصاد الليبي، ومن بينهم الدكتور أيوب الفارسي، أستاذ الاقتصاد بجامعة بنغازي، الأزمة الليبية في الاعتماد على النفط كمصدر وحيد للدخل. وقال إن حالة الاقتصاد الليبي «تشكل نموذجاً واضحاً لكيفية تحوّل الاعتماد المفرط على الموارد الطبيعية إلى أزمة مالية مركبة، حيث يتقاطع غياب التنويع الاقتصادي مع التشرذم السياسي، ليُنتجا وضعاً معقداً يمس الحياة المعيشية للمواطنين».

تزويد محطة «الرويس» الليبية بالغاز يسهم في استقرار شبكة الكهرباء (المؤسسة الوطنية للنفط)

وأوضح الفارسي، عضو لجنة السياسة النقدية بمصرف ليبيا المركزي، أن بنيان الاقتصاد الليبي «يقوم على نموذج الدولة الريعية، التي تعتمد بشكل شبه كلي على عائدات صادرات النفط لتغذية الخزانة العامة وتأمين العملة الأجنبية».

وذهب في حديث لـ«الشرق الأوسط» إلى أن «هذا الاعتماد الأحادي على النفط أوجد اختلالات هيكلية عميقة، في مقدمتها تهميش القطاعات الإنتاجية كالزراعة والصناعة، وتضخم الجهاز الإداري للدولة لاستيعاب العمالة في وظائف حكومية غير منتجة، إلى جانب الاعتماد المباشر على الاستيراد لتغطية أغلب السلع الاستهلاكية».

وتظل الأنشطة الصناعية في ليبيا محدودة ومقتصرة في مجملها على القطاع الخاص والصناعات البسيطة، وسط انتقادات لتمركز السوق لدى عدد محدود من التجار والمستوردين؛ ما عزز تدفق السلع المستوردة على حساب الإنتاج المحلي.

وفي جل الاحتجاجات الشعبية التي تشهدها المدن الليبية، يتساءل المنددون بالحكومة: أين تذهب أموال النفط؟ ولماذا يعاني المواطنون رغم أنهم أبناء دولة منتجة للطاقة؟

حقل «البوري» النفطي في ليبيا (المؤسسة الوطنية للنفط)

في هذا السياق، يلفت الشحاتي إلى ضرورة التمييز بين قيمة النفط المُنتَج، والإيرادات التي تعود فعلياً إلى الخزانة العامة. ويقول لـ«الشرق الأوسط» موضحاً أن «ليس كل برميل يُنتَج في ليبيا يتحول إلى دولار يدخل الخزانة العامة مباشرةً، بالنظر إلى وجود حصة للشريك الأجنبي»، مبرزاً أن «الشركات الأجنبية، وفق ترتيبات تعاقدية مختلفة، أصبحت شريكة في الإنتاج».

وتحدث الشحاتي عن مفارقة لافتة، مفادها أن ليبيا «ورغم كونها دولة منتجة للنفط، فإنها أصبحت تعتمد بدرجة كبيرة على استيراد البنزين والديزل، وغيرها من المنتجات النفطية لتغطية احتياجات السوق المحلية، وبالتالي فإن جزءاً متزايداً من الموارد يتحول إلى عملة أجنبية لتمويل واردات المحروقات».

كما أشار الشحاتي إلى وجود مشكلة تتمثل في أن ليبيا «لا تنشر بصورة منتظمة حساباً موحداً وسهل القراءة، يجيب بوضوح عن سؤال بسيط: كم بلغت القيمة الإجمالية للنفط المنتج؟ وكم ذهب إلى الشركاء؟ وكم تم تصديره لحساب الدولة؟ وكم وُجّه للسوق المحلية؟ وما هي الإيرادات الصافية التي أصبحت متاحة فعلياً للإنفاق العام؟».

وهنا يعتقد أن «الأرقام المتداولة تعطي أجزاءً من الصورة، لكنها لا تقدم دائماً الصورة الكاملة لحركة الإيرادات من البئر إلى الحسابات العامة للدولة».

وتتركز آبار وحقول النفط في ليبيا بشكل رئيسي في حوض سرت (شرق)، الذي يضم نحو 82 في المائة من الاحتياطي النفطي، إضافة إلى حقول جنوب غربي البلاد في حوض مرزق، والمناطق البحرية قبالة الساحل.

* أزمات الوقود والكهرباء

رؤية الفارسي والشحاتي، التي كشفت عن بعض نقاط الخلل في مسار رحلة النفط من الآبار إلى الموازنة العامة، تتزامن مع أزمة انقطاع الكهرباء راهناً، والتي أدخلت ليبيا مرحلة «بلاك آوت» مرات عدة خلال الأيام الماضية، إلى جانب انقطاع للتيار لمدد تتجاوز 17 ساعة يومياً في بعض المناطق، وهو ما عدّه الباحث الاقتصادي مختار، جزءاً من أزمات مالية متكررة تعانيها بلاده، ومنها شح الوقود.

مضاعفة معدل الإنتاج بأحد الآبار بحقل «أبو الطفل» بزيادة بلغت 798 برميل يومياً (المؤسسة الوطنية للنفط)

وأرجع مختار في حديث إلى «الشرق الأوسط» ما يعانيه جُل الليبيين إلى «الفساد»، و«إنفاق لا محدود» على حكومتين متنازعتين على السلطة في غرب ليبيا وشرقها، إلى جانب «تهريب النفط عبر شركة (أركنو) التي يذهب عائدها إلى أشخاص بأعينهم، وليس إلى خزينة الدولة».

وهنا يرصد مختار عمق الأزمة الاقتصادية في ليبيا المتمثلة في الدعم؛ إذ يذهب أكثر من 60 في المائة من ميزانية البلاد إلى ملف دعم الوقود، الذي طالب حكومة طرابلس برفعه تدريجياً، ثم وضع خطة وطنية لتأهيل الكوادر البشرية، وقال بهذا الخصوص: «ليس لدينا مهارات صناعية في أي شيء؛ فضلاً عن أننا نستورد كل شيء من الزبادي والألبان والفواكه والخضراوات والأسماك المجمدة، وحتى الملابس الداخلية، كله من الخارج».

وتحتل ليبيا المرتبة الـ10 عالمياً من حيث احتياطيات النفط المؤكدة، باحتياطيات تبلغ نحو 48.3 مليار برميل، وفق بيانات «وورلد ميتر».

وقال فريق الخبراء في تقريرهم الأخير بشأن الوضع في ليبيا، الذي يغطي المدة الممتدة ما بين أكتوبر (تشرين الأول) 2024 وفبراير (شباط) 2026، إن «(أركنو) عملت على تحويل 3 مليارات دولار على الأقل من العائدات النفطية إلى حسابات بنكية خارج ليبيا ما بين يناير (كانون الثاني) 2024 ونوفمبر (تشرين الثاني) 2025».

وحسب التقرير، فإن «أركنو»، التي تأسست عام 2023 بوصفها شركة خاصة، تخضع لسيطرة غير مباشرة من جانب صدام حفتر، نائب القائد العام لـ«الجيش الوطني»، وتواجه اتهامات بـ«تهريب النفط».

وسبق أن استقصت وكالة «رويترز» حول الشركة، وخلصت إلى أن بعض إيرادات النفط «تتحول بعيداً عن مصرف ليبيا المركزي»، استناداً إلى وثائق شحن وبيانات لمجموعة بورصات لندن وشركة «كبلر».

كيف يتم توزيع الإيرادات؟

تتوزع الإيرادات النفطية، وفق خبراء واقتصاديين، على الأبواب الأربعة المعتمدة في الموازنة العامة؛ إذ يستحوذ الباب الأول الخاص بـ«المرتبات والأجور» على النسبة الأكبر من الإيرادات، وتُصرف لجميع موظفي القطاع العام في مختلف المناطق (شرقاً وغرباً وجنوباً)، عبر منظومة الرقم الوطني الموحدة.

جانب من حقل «أبو الطفل» النفطي في ليبيا (المؤسسة الوطنية للنفط)

ويلي ذلك الباب الثاني المخصص لـ«النفقات التسييرية» لتشغيل الوزارات والمؤسسات العامة، في حين يبرز الباب الثالث الخاص بـ«الدعم» كأحد أهم الأبواب، لكونه يغطي دعم الوقود والمياه والكهرباء. أما الباب الرابع، فيتمثل في «التنمية والمشاريع» الموجهة للبنية التحتية، فضلاً عن المخصصات الموجهة للمؤسسة الوطنية للنفط لضمان إدامة الإنتاج وزيادته.

وهنا يلفت الشحاتي إلى مشكلة تتمثل في أن 26 في المائة من العائدات النفطية يذهب لتوريد المحروقات، أي ما يعادل 7 مليارات دولار، في حال كان سعر البرميل عند 70 دولاراً للبرميل، مبرزاً أن «المؤشرات هذا العام تشير إلى ارتفاع أضخم قد يصل إلى ما بين 8 و9 مليارات دولار؛ نتيجة ارتفاع سعر النفط لأكثر من 85 دولاراً للبرميل، وكذلك إلى توسع الفارق بين أسعار الخام وأسعار الديزل والبنزين نتيجة الشح في الأسواق»، كما لفت إلى «الارتفاع في الاستهلاك المحلي بسبب النمو الاقتصادي من جهة، وتصاعد عمليات التهريب من جهة أخرى».

كما كشف الشحاتي عن أزمة ثانية، تتمثل في «عدم وجود ميزانية معتمدة في البلد حتى نستطيع أن نحدد كيفية التوزيع بين الفئات والتوزيع الإقليمي الجغرافي، ولكن الواضح هو سيطرة مراكز المدن الرئيسية على معظم المصاريف»، مشيراً في هذا السياق إلى «اختلال كبير وواضح في المرتبات بين الأقاليم الثلاثة وبين الدرجات الوظيفية ونوعيات الوظيفة؛ وهي مشكلة لها أبعاد خطيرة في خلق فجوات مالية واسعة بين الطبقات، وحتى موضوع توحيد الإنفاق التنموي، الذي تم الاتفاق عليه، لا يبدو أنه مطبق بشكل سليم لعدم وجود معايير واضحة، وعدم وجود ميزانية متكاملة».

وبشأن هذه النقطة تحديداً، أوضح الشحاتي أنه «لا توجد معايير لتوزيع عوائد النفط، وعملية التوزيع تتم بشكل عشوائي غير مستدام».

وتشير البيانات إلى أن تصنيف ليبيا في مؤشر مدركات الفساد تراجع في أحدث تصنيف إلى المرتبة الـ177، من أصل 182 دولة في 2025، بعد أن كان في المرتبة الـ173 من 180 دولة عام 2024؛ ما يعكس استمرار تفاقم مستويات الفساد، وغياب أي تحسن ملموس خلال العامين الأخيرين.

معاناة الاقتصاد المحلي

سلط تقرير الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، بشأن ليبيا الضوء على استمرار معاناة الاقتصاد المحلي من اختلالات هيكلية عميقة، جراء ارتفاع مستويات الإنفاق العام، والاعتماد الأحادي على عائدات النفط والغاز، بالتزامن مع الضغوط المتزايدة على أسعار الغذاء والوقود والكهرباء.

شركة «سرت» تنهي التجارب التشغيلية لتزويد محطة سرت البخارية بالغاز الطبيعي (المؤسسة الوطنية للنفط)

ويغطي التقرير، الذي قُدم إلى مجلس الأمن الدولي في 17 أغسطس (آب) الحالي، الفترة من الأول من أبريل (نيسان) وحتى 28 يوليو (تموز) الماضي. ونقل عن صندوق النقد الدولي أن العجز المالي في ليبيا بلغ 30 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي خلال العام الماضي، في حين قفز الدين العام إلى 146 في المائة من الناتج المحلي، بالتوازي مع ارتفاع التضخم إلى مستويات خانقة تسجل خانة العشرات؛ ما أدى إلى تآكل القوة الشرائية للمواطنين.

ولحظ التقرير الأممي وجود «ارتفاعات غير مبررة في استهلاك الوقود من قِبل الأجهزة العسكرية والأمنية وقطاع الطاقة، فضلاً عن تكرار الشراء المزدوج».

تأثير الانقسام المؤسسي

فاقم الانقسام السياسي والمؤسسي، وتعدد السلطات في ليبيا من الوضع الاقتصادي، وفق الفارسي، عضو لجنة السياسة النقدية بمصرف ليبيا المركزي، الذي يرى أن هذه «الاختلالات» لم تبق في حدودها الهيكلية التقليدية، وقال إن هذا الوضع «أدى إلى نشوء مالية عامة متوازية، وتمدد مفرط في الإنفاق الاستهلاكي لتغطية متطلبات الأطراف المتنافسة؛ ما رفع بند المرتبات والدعم إلى مستويات غير مسبوقة».

ومع تكرار صدمات إغلاق الحقول النفطية في السابق، وتراجع الإيرادات الفعلية، لجأت السلطات المالية إلى التمويل بالعجز والتوسع في الدين العام؛ ما أغرق السوق بكتل نقدية لا تقابلها أي زيادة في الإنتاج المحلي، حسب الفارسي.

وكانت الإيرادات النفطية لعام 2025 قد بلغت 21.9 مليار دولار، حسب «المؤسسة الوطنية للنفط»، مقارنة بـ18.6 مليار دولار خلال عام 2024، بزيادة قدرها 15 في المائة.

وهنا يُجمل الفارسي تأثير هذه «الاختلالات» على السياسة النقدية ومعيشة المواطنين، وقال إن هذا التدهور في المالية العامة وضع السلطة النقدية في موقف معقد، وأجبرها على اتخاذ قرارات اضطرارية لحماية الاحتياطيات وتدارك العجز. مشيراً إلى أن هذا الأمر «أدى إلى تآكل قيمة العملة الوطنية، وشح السيولة وانعدام الثقة، بالإضافة إلى شلل أدوات التنمية؛ إذ تحولت السياسة النقدية من أداة لتحفيز النمو والاستثمار إلى أداة لإدارة الأزمات اليومية».

لماذا لا تُحل الأزمة المالية؟

يرجع اقتصاديون سبب أزمة ليبيا المالية إلى أسباب عدّة، من بينها وفق ما يرصد الشحاتي «تفشي الفساد بشكل غير مسبوق»، وقال بهذا الخصوص: «لم يعد الفساد يقتصر على الهوامش، بل أصبح يستحوذ على جوهر المال العام في قطاعات أساسية؛ ما يعطل أي محاولة إصلاح».

كما يعزو الأزمة إلى «غياب الرؤية المؤسسية بعد تفكك الإدارة الوسطى، التي كانت تربط السياسات المالية والنقدية بالواقع الاقتصادي، وتوفر غطاءً سياسياً موحداً، فأصبحت السياسات منفصلة عن حقائق الاقتصاد، وفقدت القدرة على استعادة التوازن».

كما يرى الشحاتي أن الإصلاحات الكلاسيكية التي نجحت في دول أخرى «لا يمكن أن تنجح في ليبيا؛ نظراً لغياب سلطة سياسية مركزية قادرة على وضع رؤية مؤسسية وردع الفساد، الذي انتشر أفقياً وعمودياً في أجهزة الدولة والقطاع الخاص».

واستكمالاً لرؤية الحل، انتهى الفارسي إلى أن استمرار الأزمة المالية والنقدية في ليبيا يستلزم «معالجة جذور المشكلة عبر توحيد إدارة المالية العامة، وضبط الإنفاق الحكومي، والشروع في إصلاحات هيكلية حقيقية، تنقل البلاد تدريجياً من استهلاك الريع إلى بناء اقتصاد متعدد الموارد».

وللخروج من هذه الأزمة الراهنة، لم يفت الباحث عز الدين مختار أن يطالب الحكومة في طرابلس بـ«وضع خطة استراتيجية للاستفادة من الموارد البشرية، والاهتمام بالصناعات الصغرى والمتوسطة» للخروج من أزمة الاعتماد فقط على عائدات النفط.

واجهة البنك المركزي بطرابلس (رويترز)

يشار إلى أن مسعود سليمان، رئيس المؤسسة الوطنية للنفط في ليبيا، قال في تصريحات إعلامية الأسبوع الماضي، إن بلاده تحتاج إلى استثمارات تتراوح بين 30 و40 مليار دولار لتطوير مواردها النفطية والغازية غير المستغلة، موضحاً أن مؤسسته تستهدف رفع الإنتاج إلى مليوني برميل يومياً بحلول 2030.


مقالات ذات صلة

العراق يوقّع اتفاقاً مدته 25 عاماً لتطوير حقل عجيل النفطي

الاقتصاد رئيس الوزراء العراقي خلال توقيع اتفاقية تطوير وتشغيل حقل عجيل النفطي مع شركة «كيبت» الخاصة (إكس)

العراق يوقّع اتفاقاً مدته 25 عاماً لتطوير حقل عجيل النفطي

قال مكتب رئيس الوزراء العراقي، السبت، إن شركة نفط الشمال وقّعت عقداً مدته 25 عاماً مع شركة «كيبت» الخاصة لتطوير المشروعات بهدف تطوير وتشغيل حقل عجيل النفطي.

«الشرق الأوسط» (بغداد)
الاقتصاد صهاريج تخزين النفط في منشآت تكرير بمجمع دايسان للبتروكيماويات في كوريا الجنوبية (رويترز)

كوريا الجنوبية قد تلجأ إلى مقايضة احتياطي النفط الاستراتيجي بعد ارتفاع الأسعار

طمأن الرئيس الكوري الجنوبي لي جاي ميونغ، السبت، مواطني بلاده بأن الحكومة تتخذ جميع التدابير اللازمة لاستقرار أسعار النفط، وسط ارتفاع حاد في أسعار الخام العالمية

«الشرق الأوسط» (سيول)
الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب في دبلن يوم 12 سبتمبر 2026 (إ.ب.أ)

ترمب: حرب إيران ستنتهي بعد انتخابات التجديد النصفي للكونغرس

قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب مجدداً، السبت، إنه يعتقد أن الحرب مع إيران ستنتهي بعد انتخابات التجديد النصفي للكونغرس.

«الشرق الأوسط» (عواصم)
المشرق العربي الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون عند مدخل قصر الإليزيه في باريس (إ.ب.أ)

ماكرون يلتقي الزيدي الاثنين لتعزيز التعاون وتنويع مسارات تصدير النفط

يستقبل الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، الاثنين، رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي، لبحث تعزيز التعاون الدفاعي، و«تنويع» مسارات تصدير النفط.

«الشرق الأوسط» (باريس )
الاقتصاد مقر البنك المركزي في موسكو (رويترز)

«المركزي» الروسي يبقي الفائدة عند 14 % قبيل الانتخابات البرلمانية

أبقى البنك المركزي الروسي سعر الفائدة الرئيسي عند 14 في المائة يوم الجمعة، قبل أسبوع من انتخابات برلمانية يراقبها الكرملين من كثب.

«الشرق الأوسط» (موسكو)

البرهان يدعو واشنطن للتحقيق بمزاعم «الكيماوي»

البرهان لدى مخاطبته مجموعة من الإعلاميين في مقر القيادة العامة للجيش بالخرطوم (إعلام مجلس السيادة)
البرهان لدى مخاطبته مجموعة من الإعلاميين في مقر القيادة العامة للجيش بالخرطوم (إعلام مجلس السيادة)
TT

البرهان يدعو واشنطن للتحقيق بمزاعم «الكيماوي»

البرهان لدى مخاطبته مجموعة من الإعلاميين في مقر القيادة العامة للجيش بالخرطوم (إعلام مجلس السيادة)
البرهان لدى مخاطبته مجموعة من الإعلاميين في مقر القيادة العامة للجيش بالخرطوم (إعلام مجلس السيادة)

دعا رئيس «مجلس السيادة» الانتقالي القائد العام للجيش السوداني، عبد الفتاح البرهان، الولايات المتحدة إلى إرسال فريق للتحقيق في أي منطقة تزعم أن القوات المسلحة استخدمت فيها أسلحة كيميائية خلال الحرب، مؤكداً أن الخرطوم سبق أن قدمت الدعوة إلى واشنطن، لكنها لم تتلقَّ استجابة.

وقال البرهان، خلال لقاء موسع مع إعلاميين في القيادة العامة للجيش بالخرطوم، حضرته «الشرق الأوسط»، إن السودان لا يمتلك مصانع لإنتاج المواد الكيميائية، مضيفاً أن من حقه، وفقاً للضوابط والأعراف الدولية، امتلاك المواد الكيماوية المخصصة للاستخدامات المدنية.

وأشار في هذا الصدد إلى قصف الولايات المتحدة مصنع «الشفاء» للأدوية في الخرطوم بحري عام 1998، خلال إدارة الرئيس الأسبق بيل كلينتون، على خلفية اتهامات باحتوائه على مواد مرتبطة بإنتاج أسلحة كيميائية، وهي الاتهامات التي ظلت الحكومة السودانية تنفيها.

مصفاة «الجيلي» للبترول بعد استهدافها في وقت سابق وسط اتهامات باستخدام مواد سامة (إكس)

تأتي تصريحات البرهان بعد أيام من نشر «يورونيوز» تحقيقاً استند إلى تقرير أعده فريق يقوده مسؤولون سابقون في منظمة حظر الأسلحة الكيميائية، وتضمن شهادات ومواد مصورة عن حوادث يشتبه في استخدام مواد سامة خلالها، أبرزها في مصفاة الجيلي شمال الخرطوم. كما نشرت صحيفتا «واشنطن بوست» و«نيويورك تايمز» تحقيقاً عن برنامج سري مزعوم لتطوير ذخائر محملة بالكلور.

كانت الخارجية الأميركية قد خلصت، في أبريل (نيسان) 2025، إلى أن الجيش استخدم أسلحة كيميائية خلال عام 2024، وفرضت لاحقاً عقوبات على السودان، من دون نشر أدلتها التفصيلية. وتنفي الخرطوم الاتهامات، فيما لم تصدر منظمة حظر الأسلحة الكيميائية حتى الآن نتيجة فنية مستقلة تثبتها أو تنفيها، وسط مطالب بإجراء تحقيق دولي ميداني.

تمسك بـ«إعلان جدة»

وجدد البرهان تمسكه بـ«إعلان مبادئ جدة»، مؤكداً ضرورة انسحاب «قوات الدعم السريع» من المناطق المدنية، ومشدداً على أنها لن يكون لها أي دور في مستقبل الدولة بعد ما وصفها بـ«الانتهاكات والفظائع التي ارتكبتها بحق الشعب السوداني».

ممثلون لطرفَي النزاع السوداني خلال توقيع «اتفاق جدة» في مايو 2023 (رويترز)

وقال إن المبادرات التي قدمها وسطاء دوليون لإقرار هدنة إنسانية تهدف، حسب رأيه، إلى إعادة «قوات الدعم السريع» إلى المشهد السياسي. وأوضح أن المبادرة الأخيرة اقترحت تنفيذ الهدنة أولاً، على أن تحدد لاحقاً فترة انسحاب القوات من المناطق التي تسيطر عليها، مضيفاً: «رفضنا هذا المقترح».

وتطرَّق البرهان إلى التحركات داخل مجلس الأمن لتوسيع حظر الأسلحة المفروض على دارفور ليشمل أنحاء السودان كافة، قائلاً إن عدداً من الدول ساندت موقف الخرطوم وعارضت توسيع نطاق الحظر.

كان مجلس الأمن قد مدد العقوبات المفروضة على دارفور، لمدة شهر بما فيها حظر الأسلحة وتجميد الأصول وحظر السفر، من دون إقرار المقترح الأميركي بتوسيعها لتشمل جميع أنحاء البلاد، في ظل تباينات بين أعضاء المجلس بشأن نطاق الإجراءات المقترحة وإتاحة فرصة جديدة لمزيد من المفاوضات. وأكد البرهان أن أي قرار بتوسيع حظر السلاح لن يؤثر، على حد قوله، في القوات المسلحة أو موقفها الميداني في العمليات العسكرية.

الخروج بالمروحية

وكشف قائد الجيش للمرة الأولى عن تفاصيل مغادرته مقر القيادة العامة، بعدما ظل محاصراً داخله أشهراً، قائلاً إنه غادر على متن طائرة مروحية، وإن العملية لم يكن يعلم بها سوى قائد القاعدة الجوية وقبطان الطائرة.

ووصف الأشهر الأولى من الحرب بأنها كانت «قاسية»، بعد سيطرة «قوات الدعم السريع» على عدد من المواقع العسكرية، باستثناء سلاح المدرعات. وأضاف أن الجيش لجأ إلى الإسقاط الجوي لإيصال الغذاء والأدوية والاحتياجات العسكرية إلى القوات المحاصرة داخل القيادة العامة ومواقع أخرى.

واتهم دولاً لم يسمها بعرقلة محاولات الجيش شراء مظلات الإسقاط الجوي اللازمة لإمداد قواته منذ اندلاع الحرب في أبريل (نيسان) 2023. وقال إن عملية استعادة العاصمة الخرطوم نفذتها ستة متحركات قتالية، وإنه كان يتابع سير المعارك من غرفة العمليات إلى أن تمكن الجيش من إخراج «قوات الدعم السريع» من أحياء العاصمة.

وجدد البرهان اتهامه دولاً مجاورة بالتورط في الحرب، قائلاً إن بعضها سمح باستخدام مطاراته وإقامة معسكرات داخل أراضيه لنقل العتاد العسكري إلى «قوات الدعم السريع».

تسليح «الدعم السريع»

وفي حديثه عن الفترة السابقة للحرب، قال البرهان إنه طالب الرئيس المعزول عمر البشير مرات عدة بوقف تسليح «قوات الدعم السريع»، وأن تقتصر عمليات التسليح على الجيش.

وأضاف أن اجتماعاً بهذا الخصوص حضره وزير الدفاع الأسبق عبد الرحيم محمد حسين، الذي حذَّر البشير من احتمال انقلاب قائد «الدعم السريع» محمد حمدان دقلو «حميدتي» عليه، لكن البشير رد بأن «حميدتي في جيبه»، وطلب منهما عدم التدخل في شؤون تلك القوات. واتهم البرهان نظام «الإنقاذ» السابق بالسعي إلى تفكيك الجيش ودمجه في «قوات الدعم السريع»، والاستعانة بخبراء روس للمساعدة في تنفيذ تلك الترتيبات.

قائد «قوات الدعم السريع» محمد حمدان دقلو المعروف بـ«حميدتي» (رويترز)

وأكد أنه، منذ توليه منصب القائد العام للجيش، لم يمنح أي فرد من «قوات الدعم السريع» رتبة عسكرية، مشيراً إلى أن تلك القوات كانت تمول عمليات التجنيد من أموال تتلقاها من الخارج.

التحول المدني

وفي الشأن السياسي، وصف البرهان إجراءات 25 أكتوبر (تشرين الأول) 2021، بأنها «تصحيح لمسار الثورة وليست انقلاباً»، وقال إن الحكومة الأولى لرئيس الوزراء السابق عبد الله حمدوك عجزت عن بناء مؤسسات الدولة، وسعت إلى تمكين الأحزاب على حساب المؤسسات الرسمية.

وزعم أن حمدوك كان قد وافق على حل الجهاز التنفيذي وتشكيل حكومة جديدة تتولى بناء الدولة والمضي بالمرحلة الانتقالية إلى الأمام. وكشف عن رفضه عرضاً قدمه عدد من قيادات «قوى الحرية والتغيير»، بينهم مريم الصادق المهدي وخالد عمر يوسف وبابكر فيصل، لتصميم اتفاق بديل عن «الاتفاق الإطاري»، يتكون من 15 نقطة، من بينها استمرارهم في السلطة ودمج «قوات الدعم السريع» في الجيش خلال عشر سنوات، مقابل استمراره على رأس الدولة.

رئيس الوزراء السابق عبد الله حمدوك مشاركاً في اجتماعات أديس أبابا الأخيرة (إعلام حزب الأمة القومي)

وأكد البرهان تأييده للتحول المدني الديمقراطي واختيار السودانيين من يمثلهم، لكنه شدد على أنه «لا توجد قوة في العالم تستطيع إعادة حمدوك أو من يمثله إلى السلطة». كما نفى وجود أي تواصل بين قيادة الجيش والتحالف المدني الديمقراطي لقوى الثورة «صمود»، الذي يقوده حمدوك.

وقال البرهان إن الحوار السوداني - السوداني المرتقب سيشمل القوى السياسية والمدنية، لكنه سيستثني القوى العسكرية، مضيفاً: «لن نسمح لأي فصيل بتحقيق مكاسب سياسية من خلال حمل السلاح». وشدد على ضرورة دمج قوات الفصائل والحركات المسلحة في الجيش، مؤكداً أنه «بانتهاء الحرب لن تكون هناك ميليشيا داخل الدولة».


قضايا أفريقيا والتوترات الإقليمية تستحوذ على لقاءات السيسي في «بريكس»

الرئيس المصري يلتقي الأمين العام للأمم المتحدة على هامش قمة «بريكس» (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري يلتقي الأمين العام للأمم المتحدة على هامش قمة «بريكس» (الرئاسة المصرية)
TT

قضايا أفريقيا والتوترات الإقليمية تستحوذ على لقاءات السيسي في «بريكس»

الرئيس المصري يلتقي الأمين العام للأمم المتحدة على هامش قمة «بريكس» (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري يلتقي الأمين العام للأمم المتحدة على هامش قمة «بريكس» (الرئاسة المصرية)

شهدت لقاءات الرئيس المصري، عبد الفتاح السيسي، على هامش قمة «بريكس» في نيودلهي، مناقشات موسعة حول قضايا أفريقيا، والتوترات الإقليمية.

وبحث الرئيس المصري مع سكرتير عام الأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، السبت، عدداً من القضايا الإقليمية الراهنة، بحسب بيان للرئاسة المصرية. وأكد أن «تحقيق السلام والاستقرار في الشرق الأوسط، يستوجب التوصل إلى حل عادل وشامل للقضية الفلسطينية وفقاً لمقررات الشرعية الدولية، بما يضمن السلام الدائم والاستقرار الإقليمي».

و جرى التطرق إلى الأزمة السودانية، حيث شدد الرئيس المصري على «أن المساس بأمن ووحدة وسيادة السودان الشقيق يمثل خطاً أحمر لن تسمح مصر بتجاوزه»، وفق البيان الرئاسي المصري.

الرئيس المصري يلتقي نظيره الجنوب أفريقي على هامش قمة «بريكس» (الرئاسة المصرية)

كما بحث السيسي مع سيريل رامافوزا، رئيس جمهورية جنوب أفريقيا، الأزمات والنزاعات الجارية بالقارة الأفريقية، مؤكداً «حرص مصر على دعم استقرار وسيادة الدول الأفريقية كافة، وفي مقدمتها السودان»، بحسب البيان الرئاسي المصري.

وتناولت المحادثات مستجدات الأوضاع في منطقة الشرق الأوسط، حيث تم التأكيد على «أن القضية الفلسطينية ستظل القضية المركزية، وأن إقامة الدولة الفلسطينية وفقاً لمقررات الشرعية الدولية هي الضمان لتحقيق السلام الدائم والاستقرار في المنطقة».

وفيما يتعلق بقضية المياه، شدد الجانبان على «ضرورة احترام قواعد القانون الدولي والعمل على ضمان حقوق الدول بما يحافظ على الأمن والاستقرار الإقليمي».

كما تبادل السيسي مع الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، مساء الجمعة، الرؤى حول عدد من القضايا الإقليمية والدولية محل الاهتمام المشترك، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، حيث أكدا «وجوب التوصل إلى تسوية عادلة وشاملة، استناداً إلى حل الدولتين وقرارات الشرعية الدولية».

كما تطرق اللقاء إلى الأزمة الإيرانية، وأكد الرئيسان «أولوية خفض التصعيد والعودة إلى مسار التفاوض، بهدف التوصل إلى اتفاق شامل ومستدام ينهي الأزمة بالوسائل السلمية».

ويرى مساعد وزير الخارجية الأسبق السفير رخا أحمد حسن، في حديث لـ«الشرق الأوسط»، أن قمة «بريكس فرصة مصرية للتشاور حول شواغل وقضايا أفريقيا والتوترات الإقليمية وحشد الدعم للتهدئة، ونافذة لتبادل الأفكار والحلول التي تدعم استقرار القارة الأفريقية ومنطقة الشرق الأوسط والتأكيد على الحد من التصعيد فيهما».

وأشار إلى أن السياسات الخارجية المصرية «قائمة على التشاور والدفع نحو السلام والتهدئة في المنطقة، وكان ذلك واضحاً في مجمل المشاورات الرئاسية المصرية التي ركزت على خفض التوتر والتحذير من تداعيات استمراره».

السيسي يلتقي الرئيس الروسي على هامش قمة «بريكس» (الرئاسة المصرية)

كما التقى الرئيس السيسي، السبت، بعدد من الرؤساء التنفيذيين لكبرى الشركات الهندية.

وجاء اللقاء في ضوء حجم أعمال هذه الشركات وخططها الطموحة للتوسع الاستثماري في مصر، بما يعكس ما تتمتع به السوق المصرية من فرص واعدة وإمكانات جاذبة للاستثمار الأجنبي المباشر.


سلطات شرق ليبيا تواجه ضغوطاً دولية لوقف إعدام مدانين بـ«الإرهاب»

المدعي العام العسكري فرج الصوصاع (إعلام الجيش الوطني)
المدعي العام العسكري فرج الصوصاع (إعلام الجيش الوطني)
TT

سلطات شرق ليبيا تواجه ضغوطاً دولية لوقف إعدام مدانين بـ«الإرهاب»

المدعي العام العسكري فرج الصوصاع (إعلام الجيش الوطني)
المدعي العام العسكري فرج الصوصاع (إعلام الجيش الوطني)

تزداد الضغوط الدولية والمحلية على سلطات شرق ليبيا لوقف تنفيذ أحكام الإعدام بحق مدانين بقضايا إرهاب، بعدما بدأت عمليات التنفيذ في 23 أغسطس (آب) الماضي. وجاء أحدث هذه الضغوط من منظمة «العفو الدولية» وحكومة «الوحدة» الوطنية، وسط دعوات لمراجعة المحاكمات، وضماناتها القانونية.

غير أن مسؤولاً عسكرياً في «الجيش الوطني»، طلب عدم كشف هويته، قال لـ«الشرق الأوسط»، إن تنفيذ أحكام الإعدام الصادرة عن القضاء العسكري في الشرق يأتي ضمن مكافحة الإرهاب، ومعاقبة متهمين بارتكاب جرائم بحق المدنيين خلال سنوات الصراع، التي سبقت سيطرة قوات حفتر على شرق وجنوب البلاد.

وبدا ملف أحكام الإعدام على الصعيد الدولي أكثر إثارة للقلق، مع تحذير «منظمة العفو الدولية»، مساء الجمعة، من خطر وشيك يتهدَّد نحو 50 شخصاً صدرت بحقهم أحكام بالإعدام، بعد أن قدرت المنظمة تنفيذ أحكام بحقِّ ما لا يقل عن 30 شخصاً منذ 23 أغسطس، ودعت إلى وقف عمليات التنفيذ، وإعادة النظر في الأحكام الصادرة بحق المدانين.

وأقرَّت المنظمة الحقوقية، التي تتخذ لندن مقراً لها في بيان مساء الجمعة، بأن بعض المحكوم عليهم أُدينوا في قضايا قتل، وجرائم مرتبطة بالإرهاب على خلفية النزاع بين عامَي 2014 و2018، لكنها قالت إن الإعدامات جاءت بعد محاكمات عسكرية، وصفتها بأنها «جائرة للغاية» وسرية، وسط مزاعم بالتعذيب وانتزاع الاعترافات قسراً.

وذهبت «العفو الدولية» إلى المطالبة بوقف جميع عمليات الإعدام فوراً، وإلغاء الأحكام الصادرة عن المحاكمات، التي وصفتها بـ«الجائرة»، وإعادة محاكمة المتهمين أمام محاكم مدنية تضمن معايير المحاكمة العادلة. كما دعت إلى السماح للمراقبين الدوليِّين بدخول سجن قرنادة، وسائر مرافق الاحتجاز في شرق ليبيا.

وكانت مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان قد دعت الشهر الماضي السلطات الليبية إلى عدم تكرار تنفيذ أحكام الإعدام، وأعربت عن «فزعها» إزاء إعدام 11 متهماً في شرق ليبيا، عقب محاكمات قالت إنها «شابتها عيوب»، مطالبة بوقف هذه الممارسات وضمان حقوق المتهمين.

ولا تتوافر أرقام رسمية محدَّثة بشأن أعداد عناصر تنظيم «داعش» والجماعات المتطرفة الأخرى، المحتجزين في السجون العسكرية بشرق ليبيا، بعدما أُوقفوا عقب معارك بنغازي ودرنة بين 2014 و2018. كما تظل معلومات جنسياتهم وأوضاعهم القانونية والأحكام بحقهم محدودة وغير معلنة.

رئيس حكومة «الوحدة» الليبية عبد الحميد الدبيبة (مكتب الدبيبة)

محلياً، وفي بلد يعاني انقساماً حكومياً وعسكرياً، صعَّدت حكومة «الوحدة» في طرابلس لهجتها تجاه الإعدامات المُنفَّذة في مناطق خاضعة لسيطرة «الجيش الوطني». وقالت في بيان صدر بطرابلس، مساء الجمعة، إن استمرارها «يثير شكوكاً بشأن سلامة المحاكمات والضمانات القانونية والقضائية للمتهمين»، مؤكدة أن مكافحة الإرهاب يجب أن تتم عبر القضاء المختص.

وشدَّدت الحكومة، التي يترأسها عبد الحميد الدبيبة، على أن إنفاذ القانون ومكافحة الجريمة والإرهاب يجب أن يجريا ضمن اختصاص القضاء، والإجراءات القانونية المكفولة للمتهمين، محذِّرة من أن استمرار وجود جهات احتجاز وإجراءات قضائية خارج إطار السلطة القضائية الوطنية الموحدة قد يهيئ بيئة تسمح بتكرار الانتهاكات.

وطالبت «الوحدة» بوقف فوري لتنفيذ أحكام الإعدام وأي إجراءات مماثلة، ومراجعة أوضاع المحكوم عليهم، وضمان حقوقهم في محاكمات عادلة، والدفاع والاستعانة بمحامين، والتواصل مع ذويهم، مؤكدة أن مكافحة الإرهاب لا تنفصل عن احترام الإجراءات القانونية والضمانات القضائية.

ووصف مستشار قانوني، تحدَّث دون ذكر اسمه، الأحكام الصادرة عن المحاكم العسكرية في الشرق بأنها «صورية وباطلة»، وفقما قال لـ«الشرق الأوسط» بوصفها صادرة عن محاكم لم تُنشأ من السلطة المختصة، ولا تستند إلى أساس قانوني معترف به، بينما أشار قانونيون إلى حكم للمحكمة العليا بعدم دستورية إحالة المدنيين للقضاء العسكري.

وسبق أن أعرب المجلس الأعلى للدولة عن قلقه إزاء الإعدامات، وطالب بالكشف عن أسماء المُنفَّذة بحقهم، والجهات القضائية التي أصدرت الأحكام ومراحل التقاضي. كما وصفت مفوضية الأمم المتحدة لحقوق الإنسان الإعدامات بأنها «انتكاسة خطيرة»، داعية إلى وقفها ومنع تكرارها.

وفي أغسطس الماضي، أعلن مكتب المدعي العام العسكري في بنغازي تنفيذ أحكام رمياً بالرصاص بحق 10 أشخاص على الأقل، أُدينوا في قضايا وُصفت بالإرهاب، عقب محاكمات أمام محاكم عسكرية. وتحدَّثت منظمات حقوقية لاحقاً عن إعدام 16 شخصاً على الأقل بنهاية الشهر ذاته.

وتُعدُّ هذه العمليات أول إعدامات معلنة في ليبيا منذ وقف فعلي لها استمر نحو 15 عاماً بعد 2011. وقالت منظمات حقوقية إن بعض العائلات لم تُبلّغ مسبقاً بمواعيد التنفيذ، وتلقت إخطارات لتسلُّم الجثامين، وسط قيود على التَّعرُّف إليها، والحصول على تقارير طبية وشهادات وفاة.