من الآبار وصولاً إلى الميزانية... أين تذهب أموال النفط الليبي؟

وسط استمرار معاناة قطاعات واسعة من المواطنين

أطر القاطرة «الهاني» تباشر مهامها التشغيلية في ميناء الزويتينة (المؤسسة الوطنية للنفط)
أطر القاطرة «الهاني» تباشر مهامها التشغيلية في ميناء الزويتينة (المؤسسة الوطنية للنفط)
TT

من الآبار وصولاً إلى الميزانية... أين تذهب أموال النفط الليبي؟

أطر القاطرة «الهاني» تباشر مهامها التشغيلية في ميناء الزويتينة (المؤسسة الوطنية للنفط)
أطر القاطرة «الهاني» تباشر مهامها التشغيلية في ميناء الزويتينة (المؤسسة الوطنية للنفط)

يحاصر الظلام الدامس مناطق ليبية عدّة، من بينها ضاحية «عين زارة» بالعاصمة طرابلس، حيث يقطن الباحث عز الدين مختار، الذي دفعته أزمة انقطاع الكهرباء في جُل مدن بلاده إلى طرح تساؤلات عدّة تتعلق بمسارات عوائد النفط، التي لم تسلم من «الفساد»، ولماذا لم تنهض ليبيا من كبوتها حتى الآن؟ ولماذا تستمر معاناة قطاعات واسعة من المواطنين في بلد يحصل على مداخيل هائلة بفضل عائدات النفط؟

تعتمد ليبيا على عائدات النفط بنسبة تقارب 98 في المائة، لكن يظل الاستفهام الأبرز كيف يتم تجميع عائداته؟ وكيف يتم إنفاقها في ظل الانقسام الحكومي الذي تعيشه؟ ولماذا يشتكي سكانها الفقر؟ علماً أنها تمتلك أكبر احتياطي في أفريقيا، وتنتج وتصدر قرابة 1.4 مليون برميل في اليوم.

بداية، تتكفل المؤسسة الوطنية للنفط بتحصيل إيرادات مبيعات النفط الخام والغاز بالدولار الأميركي، وإيداعها في حساباتها لدى «المصرف الليبي الخارجي»، ثم تحويل هذه الإيرادات من المصرف الخارجي إلى حسابات «مصرف ليبيا المركزي» في طرابلس، حيث تُقيّد كإيرادات سيادية للميزانية العامة، وتُحوَّل إلى الدينار الليبي. (الدولار يساوي 6.36 دينار في السوق الرسمية)، في حين يسجل 9.12 في السوق الموازية.

أطر القاطرة «الهاني» تباشر مهامها التشغيلية في ميناء الزويتينة (المؤسسة الوطنية للنفط)

بعد ذلك تأتي الخطوة التالية بتولي وزارة المالية في طرابلس أذونات الصرف، بناءً على الترتيبات المالية المعتمدة، ويبدأ «المصرف المركزي» في تسييل الأموال للقطاعات والجهات الحكومية، وفق أبواب الموازنة العامة للدولة.

وعانت عائدات صادرات النفط في ليبيا من فترات تذبذب كبيرة خلال السنوات الماضية؛ إذ تراوحت ما بين 18 و22 مليار دولار، لكنها قفزت إلى قرابة 18 مليار دولار خلال النصف الأول من العام الجاري، بزيادة تقارب الضعف عن الفترة ذاتها العام الماضي، وفق وزارة الاقتصاد في حكومة «الوحدة» المؤقتة.

ويرجع محمد الشحاتي، الخبير النفطي الليبي، هذه الزيادة خلال تلك الفترة إلى الحرب الإيرانية.

أين الخلل؟

يشخّص اختصاصيو الاقتصاد الليبي، ومن بينهم الدكتور أيوب الفارسي، أستاذ الاقتصاد بجامعة بنغازي، الأزمة الليبية في الاعتماد على النفط كمصدر وحيد للدخل. وقال إن حالة الاقتصاد الليبي «تشكل نموذجاً واضحاً لكيفية تحوّل الاعتماد المفرط على الموارد الطبيعية إلى أزمة مالية مركبة، حيث يتقاطع غياب التنويع الاقتصادي مع التشرذم السياسي، ليُنتجا وضعاً معقداً يمس الحياة المعيشية للمواطنين».

تزويد محطة «الرويس» الليبية بالغاز يسهم في استقرار شبكة الكهرباء (المؤسسة الوطنية للنفط)

وأوضح الفارسي، عضو لجنة السياسة النقدية بمصرف ليبيا المركزي، أن بنيان الاقتصاد الليبي «يقوم على نموذج الدولة الريعية، التي تعتمد بشكل شبه كلي على عائدات صادرات النفط لتغذية الخزانة العامة وتأمين العملة الأجنبية».

وذهب في حديث لـ«الشرق الأوسط» إلى أن «هذا الاعتماد الأحادي على النفط أوجد اختلالات هيكلية عميقة، في مقدمتها تهميش القطاعات الإنتاجية كالزراعة والصناعة، وتضخم الجهاز الإداري للدولة لاستيعاب العمالة في وظائف حكومية غير منتجة، إلى جانب الاعتماد المباشر على الاستيراد لتغطية أغلب السلع الاستهلاكية».

وتظل الأنشطة الصناعية في ليبيا محدودة ومقتصرة في مجملها على القطاع الخاص والصناعات البسيطة، وسط انتقادات لتمركز السوق لدى عدد محدود من التجار والمستوردين؛ ما عزز تدفق السلع المستوردة على حساب الإنتاج المحلي.

وفي جل الاحتجاجات الشعبية التي تشهدها المدن الليبية، يتساءل المنددون بالحكومة: أين تذهب أموال النفط؟ ولماذا يعاني المواطنون رغم أنهم أبناء دولة منتجة للطاقة؟

حقل «البوري» النفطي في ليبيا (المؤسسة الوطنية للنفط)

في هذا السياق، يلفت الشحاتي إلى ضرورة التمييز بين قيمة النفط المُنتَج، والإيرادات التي تعود فعلياً إلى الخزانة العامة. ويقول لـ«الشرق الأوسط» موضحاً أن «ليس كل برميل يُنتَج في ليبيا يتحول إلى دولار يدخل الخزانة العامة مباشرةً، بالنظر إلى وجود حصة للشريك الأجنبي»، مبرزاً أن «الشركات الأجنبية، وفق ترتيبات تعاقدية مختلفة، أصبحت شريكة في الإنتاج».

وتحدث الشحاتي عن مفارقة لافتة، مفادها أن ليبيا «ورغم كونها دولة منتجة للنفط، فإنها أصبحت تعتمد بدرجة كبيرة على استيراد البنزين والديزل، وغيرها من المنتجات النفطية لتغطية احتياجات السوق المحلية، وبالتالي فإن جزءاً متزايداً من الموارد يتحول إلى عملة أجنبية لتمويل واردات المحروقات».

كما أشار الشحاتي إلى وجود مشكلة تتمثل في أن ليبيا «لا تنشر بصورة منتظمة حساباً موحداً وسهل القراءة، يجيب بوضوح عن سؤال بسيط: كم بلغت القيمة الإجمالية للنفط المنتج؟ وكم ذهب إلى الشركاء؟ وكم تم تصديره لحساب الدولة؟ وكم وُجّه للسوق المحلية؟ وما هي الإيرادات الصافية التي أصبحت متاحة فعلياً للإنفاق العام؟».

وهنا يعتقد أن «الأرقام المتداولة تعطي أجزاءً من الصورة، لكنها لا تقدم دائماً الصورة الكاملة لحركة الإيرادات من البئر إلى الحسابات العامة للدولة».

وتتركز آبار وحقول النفط في ليبيا بشكل رئيسي في حوض سرت (شرق)، الذي يضم نحو 82 في المائة من الاحتياطي النفطي، إضافة إلى حقول جنوب غربي البلاد في حوض مرزق، والمناطق البحرية قبالة الساحل.

* أزمات الوقود والكهرباء

رؤية الفارسي والشحاتي، التي كشفت عن بعض نقاط الخلل في مسار رحلة النفط من الآبار إلى الموازنة العامة، تتزامن مع أزمة انقطاع الكهرباء راهناً، والتي أدخلت ليبيا مرحلة «بلاك آوت» مرات عدة خلال الأيام الماضية، إلى جانب انقطاع للتيار لمدد تتجاوز 17 ساعة يومياً في بعض المناطق، وهو ما عدّه الباحث الاقتصادي مختار، جزءاً من أزمات مالية متكررة تعانيها بلاده، ومنها شح الوقود.

مضاعفة معدل الإنتاج بأحد الآبار بحقل «أبو الطفل» بزيادة بلغت 798 برميل يومياً (المؤسسة الوطنية للنفط)

وأرجع مختار في حديث إلى «الشرق الأوسط» ما يعانيه جُل الليبيين إلى «الفساد»، و«إنفاق لا محدود» على حكومتين متنازعتين على السلطة في غرب ليبيا وشرقها، إلى جانب «تهريب النفط عبر شركة (أركنو) التي يذهب عائدها إلى أشخاص بأعينهم، وليس إلى خزينة الدولة».

وهنا يرصد مختار عمق الأزمة الاقتصادية في ليبيا المتمثلة في الدعم؛ إذ يذهب أكثر من 60 في المائة من ميزانية البلاد إلى ملف دعم الوقود، الذي طالب حكومة طرابلس برفعه تدريجياً، ثم وضع خطة وطنية لتأهيل الكوادر البشرية، وقال بهذا الخصوص: «ليس لدينا مهارات صناعية في أي شيء؛ فضلاً عن أننا نستورد كل شيء من الزبادي والألبان والفواكه والخضراوات والأسماك المجمدة، وحتى الملابس الداخلية، كله من الخارج».

وتحتل ليبيا المرتبة الـ10 عالمياً من حيث احتياطيات النفط المؤكدة، باحتياطيات تبلغ نحو 48.3 مليار برميل، وفق بيانات «وورلد ميتر».

وقال فريق الخبراء في تقريرهم الأخير بشأن الوضع في ليبيا، الذي يغطي المدة الممتدة ما بين أكتوبر (تشرين الأول) 2024 وفبراير (شباط) 2026، إن «(أركنو) عملت على تحويل 3 مليارات دولار على الأقل من العائدات النفطية إلى حسابات بنكية خارج ليبيا ما بين يناير (كانون الثاني) 2024 ونوفمبر (تشرين الثاني) 2025».

وحسب التقرير، فإن «أركنو»، التي تأسست عام 2023 بوصفها شركة خاصة، تخضع لسيطرة غير مباشرة من جانب صدام حفتر، نائب القائد العام لـ«الجيش الوطني»، وتواجه اتهامات بـ«تهريب النفط».

وسبق أن استقصت وكالة «رويترز» حول الشركة، وخلصت إلى أن بعض إيرادات النفط «تتحول بعيداً عن مصرف ليبيا المركزي»، استناداً إلى وثائق شحن وبيانات لمجموعة بورصات لندن وشركة «كبلر».

كيف يتم توزيع الإيرادات؟

تتوزع الإيرادات النفطية، وفق خبراء واقتصاديين، على الأبواب الأربعة المعتمدة في الموازنة العامة؛ إذ يستحوذ الباب الأول الخاص بـ«المرتبات والأجور» على النسبة الأكبر من الإيرادات، وتُصرف لجميع موظفي القطاع العام في مختلف المناطق (شرقاً وغرباً وجنوباً)، عبر منظومة الرقم الوطني الموحدة.

جانب من حقل «أبو الطفل» النفطي في ليبيا (المؤسسة الوطنية للنفط)

ويلي ذلك الباب الثاني المخصص لـ«النفقات التسييرية» لتشغيل الوزارات والمؤسسات العامة، في حين يبرز الباب الثالث الخاص بـ«الدعم» كأحد أهم الأبواب، لكونه يغطي دعم الوقود والمياه والكهرباء. أما الباب الرابع، فيتمثل في «التنمية والمشاريع» الموجهة للبنية التحتية، فضلاً عن المخصصات الموجهة للمؤسسة الوطنية للنفط لضمان إدامة الإنتاج وزيادته.

وهنا يلفت الشحاتي إلى مشكلة تتمثل في أن 26 في المائة من العائدات النفطية يذهب لتوريد المحروقات، أي ما يعادل 7 مليارات دولار، في حال كان سعر البرميل عند 70 دولاراً للبرميل، مبرزاً أن «المؤشرات هذا العام تشير إلى ارتفاع أضخم قد يصل إلى ما بين 8 و9 مليارات دولار؛ نتيجة ارتفاع سعر النفط لأكثر من 85 دولاراً للبرميل، وكذلك إلى توسع الفارق بين أسعار الخام وأسعار الديزل والبنزين نتيجة الشح في الأسواق»، كما لفت إلى «الارتفاع في الاستهلاك المحلي بسبب النمو الاقتصادي من جهة، وتصاعد عمليات التهريب من جهة أخرى».

كما كشف الشحاتي عن أزمة ثانية، تتمثل في «عدم وجود ميزانية معتمدة في البلد حتى نستطيع أن نحدد كيفية التوزيع بين الفئات والتوزيع الإقليمي الجغرافي، ولكن الواضح هو سيطرة مراكز المدن الرئيسية على معظم المصاريف»، مشيراً في هذا السياق إلى «اختلال كبير وواضح في المرتبات بين الأقاليم الثلاثة وبين الدرجات الوظيفية ونوعيات الوظيفة؛ وهي مشكلة لها أبعاد خطيرة في خلق فجوات مالية واسعة بين الطبقات، وحتى موضوع توحيد الإنفاق التنموي، الذي تم الاتفاق عليه، لا يبدو أنه مطبق بشكل سليم لعدم وجود معايير واضحة، وعدم وجود ميزانية متكاملة».

وبشأن هذه النقطة تحديداً، أوضح الشحاتي أنه «لا توجد معايير لتوزيع عوائد النفط، وعملية التوزيع تتم بشكل عشوائي غير مستدام».

وتشير البيانات إلى أن تصنيف ليبيا في مؤشر مدركات الفساد تراجع في أحدث تصنيف إلى المرتبة الـ177، من أصل 182 دولة في 2025، بعد أن كان في المرتبة الـ173 من 180 دولة عام 2024؛ ما يعكس استمرار تفاقم مستويات الفساد، وغياب أي تحسن ملموس خلال العامين الأخيرين.

معاناة الاقتصاد المحلي

سلط تقرير الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، بشأن ليبيا الضوء على استمرار معاناة الاقتصاد المحلي من اختلالات هيكلية عميقة، جراء ارتفاع مستويات الإنفاق العام، والاعتماد الأحادي على عائدات النفط والغاز، بالتزامن مع الضغوط المتزايدة على أسعار الغذاء والوقود والكهرباء.

شركة «سرت» تنهي التجارب التشغيلية لتزويد محطة سرت البخارية بالغاز الطبيعي (المؤسسة الوطنية للنفط)

ويغطي التقرير، الذي قُدم إلى مجلس الأمن الدولي في 17 أغسطس (آب) الحالي، الفترة من الأول من أبريل (نيسان) وحتى 28 يوليو (تموز) الماضي. ونقل عن صندوق النقد الدولي أن العجز المالي في ليبيا بلغ 30 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي خلال العام الماضي، في حين قفز الدين العام إلى 146 في المائة من الناتج المحلي، بالتوازي مع ارتفاع التضخم إلى مستويات خانقة تسجل خانة العشرات؛ ما أدى إلى تآكل القوة الشرائية للمواطنين.

ولحظ التقرير الأممي وجود «ارتفاعات غير مبررة في استهلاك الوقود من قِبل الأجهزة العسكرية والأمنية وقطاع الطاقة، فضلاً عن تكرار الشراء المزدوج».

تأثير الانقسام المؤسسي

فاقم الانقسام السياسي والمؤسسي، وتعدد السلطات في ليبيا من الوضع الاقتصادي، وفق الفارسي، عضو لجنة السياسة النقدية بمصرف ليبيا المركزي، الذي يرى أن هذه «الاختلالات» لم تبق في حدودها الهيكلية التقليدية، وقال إن هذا الوضع «أدى إلى نشوء مالية عامة متوازية، وتمدد مفرط في الإنفاق الاستهلاكي لتغطية متطلبات الأطراف المتنافسة؛ ما رفع بند المرتبات والدعم إلى مستويات غير مسبوقة».

ومع تكرار صدمات إغلاق الحقول النفطية في السابق، وتراجع الإيرادات الفعلية، لجأت السلطات المالية إلى التمويل بالعجز والتوسع في الدين العام؛ ما أغرق السوق بكتل نقدية لا تقابلها أي زيادة في الإنتاج المحلي، حسب الفارسي.

وكانت الإيرادات النفطية لعام 2025 قد بلغت 21.9 مليار دولار، حسب «المؤسسة الوطنية للنفط»، مقارنة بـ18.6 مليار دولار خلال عام 2024، بزيادة قدرها 15 في المائة.

وهنا يُجمل الفارسي تأثير هذه «الاختلالات» على السياسة النقدية ومعيشة المواطنين، وقال إن هذا التدهور في المالية العامة وضع السلطة النقدية في موقف معقد، وأجبرها على اتخاذ قرارات اضطرارية لحماية الاحتياطيات وتدارك العجز. مشيراً إلى أن هذا الأمر «أدى إلى تآكل قيمة العملة الوطنية، وشح السيولة وانعدام الثقة، بالإضافة إلى شلل أدوات التنمية؛ إذ تحولت السياسة النقدية من أداة لتحفيز النمو والاستثمار إلى أداة لإدارة الأزمات اليومية».

لماذا لا تُحل الأزمة المالية؟

يرجع اقتصاديون سبب أزمة ليبيا المالية إلى أسباب عدّة، من بينها وفق ما يرصد الشحاتي «تفشي الفساد بشكل غير مسبوق»، وقال بهذا الخصوص: «لم يعد الفساد يقتصر على الهوامش، بل أصبح يستحوذ على جوهر المال العام في قطاعات أساسية؛ ما يعطل أي محاولة إصلاح».

كما يعزو الأزمة إلى «غياب الرؤية المؤسسية بعد تفكك الإدارة الوسطى، التي كانت تربط السياسات المالية والنقدية بالواقع الاقتصادي، وتوفر غطاءً سياسياً موحداً، فأصبحت السياسات منفصلة عن حقائق الاقتصاد، وفقدت القدرة على استعادة التوازن».

كما يرى الشحاتي أن الإصلاحات الكلاسيكية التي نجحت في دول أخرى «لا يمكن أن تنجح في ليبيا؛ نظراً لغياب سلطة سياسية مركزية قادرة على وضع رؤية مؤسسية وردع الفساد، الذي انتشر أفقياً وعمودياً في أجهزة الدولة والقطاع الخاص».

واستكمالاً لرؤية الحل، انتهى الفارسي إلى أن استمرار الأزمة المالية والنقدية في ليبيا يستلزم «معالجة جذور المشكلة عبر توحيد إدارة المالية العامة، وضبط الإنفاق الحكومي، والشروع في إصلاحات هيكلية حقيقية، تنقل البلاد تدريجياً من استهلاك الريع إلى بناء اقتصاد متعدد الموارد».

وللخروج من هذه الأزمة الراهنة، لم يفت الباحث عز الدين مختار أن يطالب الحكومة في طرابلس بـ«وضع خطة استراتيجية للاستفادة من الموارد البشرية، والاهتمام بالصناعات الصغرى والمتوسطة» للخروج من أزمة الاعتماد فقط على عائدات النفط.

واجهة البنك المركزي بطرابلس (رويترز)

يشار إلى أن مسعود سليمان، رئيس المؤسسة الوطنية للنفط في ليبيا، قال في تصريحات إعلامية الأسبوع الماضي، إن بلاده تحتاج إلى استثمارات تتراوح بين 30 و40 مليار دولار لتطوير مواردها النفطية والغازية غير المستغلة، موضحاً أن مؤسسته تستهدف رفع الإنتاج إلى مليوني برميل يومياً بحلول 2030.


مقالات ذات صلة

من أمن الإمدادات إلى الذكاء الاصطناعي... قضايا تجمع قادة الطاقة العالميين في الرياض

خاص العاصمة السعودية الرياض (رويترز)

من أمن الإمدادات إلى الذكاء الاصطناعي... قضايا تجمع قادة الطاقة العالميين في الرياض

تتجه أنظار قطاع الطاقة العالمي إلى الرياض اعتباراً من يوم الأحد، مع انطلاق أسبوع من الاجتماعات الوزارية، والفعاليات الدولية.

هلا صغبيني (الرياض)
شمال افريقيا اجتماع لجنة «4+4» في تونس الأسبوع الماضي (البعثة الأممية)

«خطاب التحريض» يختبر صمود اتفاق «4+4» في ليبيا

رغم توقيع اتفاق «4+4» برعاية أممية، تتواصل السجالات الإعلامية وتبادل الاتهامات بين معسكري شرق ليبيا وغربها، وسط تساؤلات عن فرص صمود الاتفاق.

جاكلين زاهر (القاهرة)
الاقتصاد لافتة شارع «وول ستريت» خارج بورصة نيويورك (رويترز)

الأسهم الأميركية تتجه بحذر نحو ختام أسبوع قياسي

أسهم تراجع أسعار النفط في دفع الأسهم الأميركية إلى الارتفاع خلال تعاملات يوم الجمعة، مع اقتراب السوق من اختتام أسبوع شهد تسجيل مستويات قياسية.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
الاقتصاد ورقة نقدية من الروبية الهندية في صورة توضيحية (رويترز)

السندات الحكومية الهندية تسجل خسائر أسبوعية للأسبوع الثامن توالياً

تراجعت السندات الحكومية الهندية للأسبوع الثامن على التوالي؛ إذ أدى ارتفاع أسعار النفط وتحول البنك المركزي نحو سياسة نقدية أكثر تشدداً إلى إضعاف شهية المستثمرين.

«الشرق الأوسط» (مومباي )
الاقتصاد متداول يراقب شاشات تعرض مؤشرات الأسهم في بورصة نيويورك (أ.ب)

العقود الآجلة للأسهم الأميركية ترتفع قليلاً مع تراجع النفط

ارتفعت العقود الآجلة لمؤشرات الأسهم الأميركية قليلاً، يوم الجمعة، مع تراجع أسعار النفط بفعل انحسار المخاوف بشأن الإمدادات في الشرق الأوسط.

«الشرق الأوسط» (نيويورك )

النور: لا حكم للبرهان وحميدتي كعسكريّين


 عبد الواحد نور مشاركاً في اجتماعات سابقة في نيروبي (إعلام تحالف صمود)
عبد الواحد نور مشاركاً في اجتماعات سابقة في نيروبي (إعلام تحالف صمود)
TT

النور: لا حكم للبرهان وحميدتي كعسكريّين


 عبد الواحد نور مشاركاً في اجتماعات سابقة في نيروبي (إعلام تحالف صمود)
عبد الواحد نور مشاركاً في اجتماعات سابقة في نيروبي (إعلام تحالف صمود)

رفض عبد الواحد نور، رئيس حركة «جيش تحرير السودان»، مشاركة البرهان وحميدتي في الحكم بصفتيهما العسكريتين، مشترطاً لخوض السياسة التخلي عن الصفة والبزة العسكرية والاحتكام إلى صناديق الاقتراع.

وأكد نور في مقابلة مع «الشرق الأوسط» أن مستقبل السودان يجب أن يكون مدنياً، وأن امتلاك القوات لا يمنح قادتها حق الحكم. وشدد على أن حركته لن تنحاز إلى أي من طرفَي الحرب، ولن تشارك في تسوية تعيد الإسلاميين إلى السلطة.

ودعا إلى حل الجيش القائم وبناء جيش قومي جديد، تخضع له جميع القوات، بما فيها قوات حركته، وفق معايير موحدة، وتقتصر مهمته على حماية الأرض والشعب والدستور.

ورفض تقسيم السودان، محذراً من امتداد تداعيات الحرب إلى دول الجوار.


العاهل المغربي يشدد على وضع قضايا الشباب في صدارة السياسات العمومية

العاهل المغربي دعا إلى أن تُشكل الولاية التشريعية والحكومية الجديدة منعطفاً لمواصلة طموح المغرب كقوة اقتصادية صاعدة (ماب)
العاهل المغربي دعا إلى أن تُشكل الولاية التشريعية والحكومية الجديدة منعطفاً لمواصلة طموح المغرب كقوة اقتصادية صاعدة (ماب)
TT

العاهل المغربي يشدد على وضع قضايا الشباب في صدارة السياسات العمومية

العاهل المغربي دعا إلى أن تُشكل الولاية التشريعية والحكومية الجديدة منعطفاً لمواصلة طموح المغرب كقوة اقتصادية صاعدة (ماب)
العاهل المغربي دعا إلى أن تُشكل الولاية التشريعية والحكومية الجديدة منعطفاً لمواصلة طموح المغرب كقوة اقتصادية صاعدة (ماب)

دعا العاهل المغربي، الملك محمد السادس، إلى أن تُشكل الولاية التشريعية والحكومية الجديدة منعطفاً حقيقياً لمواصلة طموح المغرب كقوة اقتصادية صاعدة وموثوقة، مع تحقيق التوازن والانسجام بين النمو الاقتصادي، وتعزيز العدالة الاجتماعية والمجالية. وشدد على وضع قضايا الشباب في صدارة اهتمامات السياسات العمومية.

وقال الملك، في خطاب افتتاح الدورة الأولى من السنة التشريعية الأولى للولاية التشريعية الثانية عشرة، اليوم الجمعة، بالرباط، إن هذه الولاية تأتي في ظرفية استثنائية حافلة بالفرص التي قد لا تتكرر، لمواصلة الإنجازات في مختلف المجالات، مقدّماً تهانيه لأعضاء مجلس النواب على ثقة الناخبين.

وفي سياق حديثه عن الشباب، شدّد الملك محمد السادس على ضرورة وضع قضاياهم في صدارة اهتمامات هيئات الحكامة، من خلال تصور متكامل يضمن تكافؤ الفرص، ويشمل التعليم والتأهيل والإدماج الاقتصادي.

وربط الخطاب الملكي هذا التوجه بتعزيز ثقة الشباب في قدراتهم على الارتقاء الاجتماعي، وفي مؤسسات وطنهم، وفي الفرص التي يوفرها لهم لبناء مستقبل أفضل في ظل الحرية والكرامة والاستقرار.

وفيما يتعلق بالتدبير الترابي، أكد الملك أن الرهان الحقيقي للمرحلة المقبلة يتمثل في العمل الميداني على المستوى الترابي، من خلال الوقوف على المشاكل الحقيقية لكل منطقة، والعمل على إيجاد حلول واقعية لها.

وأوضح أن النهوض بالتنمية المندمجة، وتحسين الخدمات العمومية، وتحفيز الاستثمار المنتج، ترتبط ارتباطاً وثيقاً بمسار الجهوية المتقدمة وتفعيل اللاتمركز الإداري، منبهاً إلى أن التأخير والاختلالات التي تُعرقل تنزيل اللامركزية واللاتمركز ينعكسان سلباً على برامج التنمية الاقتصادية والاجتماعية، وتعوق التجاوب مع الانشغالات الحقيقية للمواطنين.

في هذا الصدد، شدد الملك محمد السادس على أنه «لم يعد من المقبول أي تأخير، أو تماطل في التفعيل الكامل لميثاق اللاتمركز»، بما يقتضيه ذلك من نقل الصلاحيات والموارد البشرية والمالية الضرورية من المركز إلى الأقاليم والجهات.

كما دعا إلى وضع حد للعراقيل التي تعوق عمل مؤسسات الجهة، من خلال تحديد أكثر وضوحاً للاختصاصات، والرفع من مواردها البشرية والمادية، وتنظيم العلاقات بين الدولة والجهات، ووضع آليات للتنسيق والتعاقد تتيح للجهات اتخاذ القرار وتنفيذ المشاريع.

وعلى المستوى الاقتصادي، دعا الملك إلى تسريع المشاريع المبرمجة في البنيات التحتية، وإطلاق جيل جديد من الاستراتيجيات الكبرى، خاصة في مجالات الأمن المائي والطاقي والغذائي، والإقلاع الصناعي والاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي. كما حثّ على الترشيد وتطوير قدرات المملكة في مجال الاحتياطات الاستراتيجية، وتأمين توريد المواد الأساسية، داعياً القطاع الخاص الوطني إلى الارتقاء إلى فاعل استراتيجي في التحول التنموي، وأن يكون أكثر مبادرة وافتكاراً، وقدرة على خلق فرص الشغل والاستثمار والتصدير.

وبخصوص موضوع الهجرة والأزمة التي اندلعت مع إسبانيا، قال الملك محمد السادس إن المقاربة المتوازنة التي اعتمدها المغرب في تدبير ظاهرة الهجرة أسفرت عن نتائج ملموسة، غير أن النموذج الحالي للتعاون في هذا المجال أصبح متجاوزاً، وهو ما تؤكده الأزمات المتكررة.

وفي هذا السياق، أكد الملك أن الشراكة مع إسبانيا عرفت تطورات مهمة في مختلف المجالات، بما فيها محاربة الهجرة غير الشرعية، لكنها باتت تواجه تحديات كبيرة مرتبطة ببعض المقتضيات القانونية المتجاوزة، والقرارات القضائية البعيدة عن الواقع. وأوضح أن هذه المقتضيات والقرارات تحول، مع الأسف، دون ترحيل الأطفال القاصرين والأشخاص الذين ينتحلون صفة اللجوء، وتُغذي أطماع الشبكات الإجرامية.

وفي معرض حديثه عن التصريحات غير المسؤولة، الصادرة عن بعض الأوساط السياسية والإعلامية، شدد الملك محمد السادس على أن الشراكة اختيار سياسي والتزام إرادي، ولن تكون أبداً محل أي ضغط أو تهديد أو ابتزاز، مؤكداً أن المغرب سيقدم لشركائه وثيقة استراتيجية واضحة وعملية، تؤسس لوجه جديد من الشراكة، بما يعزز التنمية المشتركة والتنافسية الاقتصادية.

وفي رسالة إلى أعضاء المؤسسة التشريعية، أكد الملك محمد السادس أن الانتداب البرلماني «أمانة والتزام سياسي وتعاقد أخلاقي» يربط البرلمانيين بالمواطنين، داعياً أعضاء البرلمان إلى الاضطلاع بمسؤوليتهم الوطنية، قائلاً: «كونوا - رعاكم الله - في مستوى هذه المسؤولية الوطنية التي تتحملونها أمام الله، وأمام المواطنين، وأمام التاريخ».

كان الملك محمد السادس مرفوقاً بولي العهد الأمير مولاي الحسن، والأمير مولاي رشيد، والأمير مولاي أحمد.


عبد الواحد نور: لا حكم للبرهان وحميدتي بالبزة العسكرية

رئيس «حركة السودان» عبد الواحد النور مشاركاً في اجتماعات نيروبي «إعلام تحالف صمود»
رئيس «حركة السودان» عبد الواحد النور مشاركاً في اجتماعات نيروبي «إعلام تحالف صمود»
TT

عبد الواحد نور: لا حكم للبرهان وحميدتي بالبزة العسكرية

رئيس «حركة السودان» عبد الواحد النور مشاركاً في اجتماعات نيروبي «إعلام تحالف صمود»
رئيس «حركة السودان» عبد الواحد النور مشاركاً في اجتماعات نيروبي «إعلام تحالف صمود»

رفض عبد الواحد نور، رئيس حركة وجيش تحرير السودان، مشاركة قائد الجيش عبد الفتاح البرهان وقائد قوات «الدعم السريع» محمد حمدان دقلو «حميدتي» في أي حكم مقبل بصفتيهما العسكريتين، مشترطاً على من يريد خوض العمل السياسي التخلي عن صفته وبزته العسكرية والاحتكام إلى الانتخابات.

وأكد نور، في مقابلة مع «الشرق الأوسط»، أن حركته لن تنحاز إلى أي من طرفي الحرب، ولن تشارك في تسوية تعيد الإسلاميين إلى السلطة، داعياً إلى بناء جيش قومي جديد تخضع له جميع القوات، بما فيها قوات حركته، وفق معايير موحدة.

ويعد عبد الواحد نور أحد أبرز قادة الحركات التي حملت السلاح في دارفور عام 2003 احتجاجاً على تهميش الإقليم. وقد رفض اتفاق أبوجا عام 2006، الذي وقعه نظام الرئيس السابق عمر البشير مع جناح من حركته بقيادة مني أركو مناوي.

السياسة بعد البزة

وربط النور موقفه من البرهان وحميدتي بمطالب ثورة ديسمبر (كانون الأول) 2018، مؤكداً أن مستقبل الحكم يجب أن يكون مدنياً، وأن امتلاك القوات لا يمنح قادتها حق المشاركة السياسية. وقال: «من يريد تأسيس حزب أو عرض مشروع على السودانيين، يستطيع ذلك بعد مغادرة المؤسسة العسكرية، على أن تكون الكلمة للناخبين».

صورة مركبة لقائدي الجيش البرهان (يسار) و«قوات الدعم السريع» حميدتي (الشرق الأوسط)

وكانت الاحتجاجات التي اندلعت في ديسمبر 2018 قد أفضت إلى الإطاحة بنظام الإنقاذ الوطني برئاسة البشير في أبريل (نيسان) 2019، ثم تشكيل سلطة انتقالية بمشاركة المدنيين والعسكريين. غير أن انقلاب أكتوبر (تشرين الأول) 2021 الذي قاده البرهان وحميدتي، قطع مسار الانتقال المدني، قبل اندلاع الحرب بين الجيش و«الدعم السريع» في أبريل 2023، على خلفية الصراع على السلطة والخلاف بشأن ترتيبات دمج القوات.

وشدد النور على أن حركته لا تقاتل إلى جانب أي من الطرفين. وبشأن الحديث عن تفاهمات مع «الدعم السريع» في دارفور، أبدى ترحيبه بأي تفاهم يمنع المواجهة، من دون أن يؤكد وجود اتفاق أو يحدد مضمونه، مؤكداً أن حركته ستدافع عن نفسها إذا تعرضت لاعتداء من أي جهة.

وأوضح أن وجود قواته في جبل مرة، معقل حركته في دارفور، يسبق الحرب الحالية، وأنها حافظت على مواقعها رغم مواجهات الجيش والجنجويد وميليشيات وحركات منشقة عنها.

وحذر من امتداد تداعيات الحرب إلى دول الجوار، ورفض تقسيم السودان، معتبراً أن الحفاظ على وحدته يقتضي معالجة الأسباب التي تدفع بعض مكوناته إلى المطالبة بتقرير المصير أو الانفصال. واستشهد بانفصال جنوب السودان عام 2011، محذراً من تكرار التجربة إذا بقيت جذور النزاع من دون معالجة.

موجات النزوح إلى تشاد تزداد بوتيرة حادة فراراً من الحرب في كردفان والنيل الأزرق (مفوضية اللاجئين)

ودعا نور إلى عقد اجتماع يعالج قضايا الهوية والعلاقة بين الدين والدولة واحتكار السلطة، إلى جانب إدارة التنوع والموارد وشكل الحكم. وقال: «المواطنة المتساوية وسيادة القانون هما ضمان الوحدة»، مؤكداً أن الخلافات السياسية ينبغي أن تُحسم عبر الانتخابات والبرلمان.

وقال نور إن حركته خلصت، بعد اندلاع الحرب 2023، إلى أن الحياد وحده لا يكفي، فأطلقت في أكتوبر 2023 مبادرة دعت إليها الأحزاب وحركات الكفاح المسلح ومنظمات المجتمع المدني والقيادات الأهلية والشخصيات الوطنية، بهدف وقف الحرب وإنهائها، ومواجهة خطاب الكراهية، واستعادة التحول المدني الديمقراطي. وانتقلت لاحقاً إلى محاولة تشكيل جبهة للقوى المدنية الرافضة للحرب وغير المصطفة مع طرفيها، لاستعادة ثورة ديسمبر وأهدافها. واقترحت الحركة معايير لتمثيل الشباب والنساء ولجان المقاومة والمجتمع المدني والإدارات الأهلية والشخصيات القومية.

خلاف العلمانية

روى النور وجود خلاف حول العلمانية، مشيراً إلى أن حزب الأمة، يوافق على مضمون العلمانية، لكنه يتحفظ على المصطلح. وأشار إلى تشكيل لجنة برئاسة الدكتور عبد الله حمدوك، رئيس الوزراء الانتقالي السابق، الذي تواصل مع عبد العزيز الحلو، قائد الحركة الشعبية لتحرير السودان/ قطاع الشمال بشأن صياغة تنص على فصل الدين عن الدولة. وأضاف أن حزب الأمة طلب نصاً يحمل المعنى نفسه من دون استخدام المصطلحات المرتبطة بالعلمانية، ومُنح أسبوعين للتشاور داخل مؤسساته.

الرئيس الكيني ويليام روتو مع حمدوك وعبد الواحد نور رئيس «حركة تحرير السودان» خلال توقيع وثيقة نيروبي مايو 2024 (إكس)

وقال إن انقسام «تقدم» وظهور «صمود» ثم «تأسيس» جاء بعد تلك المداولات. وكانت «تقدم»، وهي تنسيقية لقوى مدنية بقيادة حمدوك، قد انقسمت في فبراير (شباط) 2025 بسبب الخلاف بشأن تشكيل حكومة موازية، وأعلن المعارضون لهذا الخيار تحالف «صمود» بقيادة حمدوك. وأكد النور أن حركته لن تستمر في المبادرة إذا انحرفت عن هدف استعادة ثورة ديسمبر والتأسيس لحكم مدني، مشدداً على رفض الالتحاق بالإسلاميين بقوله: «ما بنمشي للكيزان». و«الكيزان» تعبير سوداني شائع يُستخدم للإشارة إلى التيار الإسلامي، ولا سيما المرتبطين بنظام البشير، الذي حكم البلاد منذ انقلاب عام 1989 حتى إطاحته عام 2019.

ودعا النور إلى حل الجيش القائم وبناء جيش قومي جديد بعد وقف الحرب، على أن تخضع جميع القوات، بما فيها قوات حركته، لمعايير موحدة.

وقال: «الجيش لا يحكم، الجيش مؤسسة من مؤسسات الدولة»، معتبراً أن إعادة بنائه يجب أن تنهي احتكار قيادته وتدخله في السلطة، وتحصر مهمته في حماية الأرض والشعب والدستور.

واستند في دعوته إلى ما وصفه باستمرار البنية الموروثة من الاستعمار، متهماً نخَباً محددة بالسيطرة على القيادة واستخدام المؤسسة العسكرية لقمع مطالب مناطق أخرى.

واتهم النور الجيش بارتكاب جرائم في الجنوب والنيل الأزرق وجبال النوبة ودارفور، باستخدام أسلحة كيميائية، مستشهداً بتقرير أصدرته منظمة العفو الدولية عام 2016 بشأن جبل مرة. وكانت المنظمة قد قالت إنها جمعت أدلة ترجح استخدام أسلحة كيميائية ضد المدنيين، فيما نفت الحكومة السودانية آنذاك تلك النتائج ورفضت الأدلة التي استند إليها التقرير.

حمدوك وعبد الواحد محمد نور خلال لقاء سابق في باريس (الشرق الأوسط)

ووصف النور الجيش القائم بأنه «أكبر ميليشيا»، وعدّه تابعاً للإسلاميين، داعياً إلى بناء مؤسسة عسكرية تمثل قوميات السودان ومناطقه، وفق شروط واضحة للخدمة وتأهيل الضباط وتشكيل القيادة؛ وأكد أن قوات حركته لن تُستثنى من هذه العملية.

المحاسبة داخل الحركة

ورداً على اتهامات بارتكاب انتهاكات بحق أعضاء في الحركة، قال نور إن المغادرة متاحة لمن يريد، بينما يخضع من يبقون للوائح التنظيم والقانون العسكري. وأكد أن المحاسبة تشمل القيادة، بمن فيها هو، وأن للحركة مؤسسات عدلية. واتهم بعض الخارجين من الحركة باستخدام تلك الاتهامات لتبرير انتقالهم إلى النظام الذي تمردوا عليه، معلناً استعداده للمثول أمام محكمة دولية أو محاكم دولة تحترم سيادة القانون. وقال إنه موجود في كينيا ومستعد للمثول أمام محاكمها إذا قُدمت قضية ضده.

ورفض اختزال الحركة في شخصه، قائلاً: «حركة تحرير السودان ده ما حق عبد الواحد»، ومؤكداً أن بإمكانها اختيار رئيس آخر. لكنه لم يقدم، في إجابته، تفاصيل عن مصير الأعضاء الذين تناولتهم الاتهامات.

وبشأن أوضاع المدنيين، قال إن مناطق سيطرة الحركة في جبل مرة (غرب دارفور) تستقبل، وفق تقديراته، أكثر من سبعة ملايين سوداني. وأضاف أن قواته توفر لهم الأمن، لكنها تفتقر إلى الإمكانات اللازمة لتوفير الغذاء والمياه والسكن، داعياً المنظمات إلى مساعدتهم والصحافيين إلى زيارة المنطقة، كما رفض تصنيف حركته ضمن «حركات دارفور»، معتبراً أن مشروعها يتعلق بالسودان كله، وأن حصر القوى القادمة من الأقاليم في المطالب المحلية يحرمها من المشاركة في تحديد السياسات الوطنية.

التفاوض بشروط

نفى النور رفض التفاوض من حيث المبدأ، موضحاً أن حركته تفاوضت مع نظام البشير في جولتين بمدينة أبشي التشادية عام 2003، ثم شاركت في سبع جولات بأبوجا النيجيرية بين عامي 2004 و2006. وانتهت مفاوضات أبوجا إلى اتفاق في مايو (أيار) 2006 وقعه جناح مني مناوي، بينما رفضه جناح النور وحركة العدل والمساواة لعدم تلبيته مطالبهما السياسية والأمنية. وقال نور إن تلك التجربة دفعته إلى رفض العودة إلى التفاوض مع النظام، بعدما خلص إلى أنه يسعى إلى استيعاب معارضيه بالمناصب والأموال، لا إلى تحقيق السلام. وأضاف: «الثورة عمرها ما بتبقى جزء من النظام». واستشهد بعد ذلك برفضه التحالفات، وبتعاون الحركة مع حركة العدل والمساواة، ومشاركتها في التجمع الوطني الديمقراطي والجبهة الثورية و«الفجر الجديد» وإعلان باريس عام 2014.

وعزا مغادرتها الجبهة الثورية، التي جمعت حركات مسلحة معارضة للبشير، إلى تحولها، في تقديره، من جبهة لإسقاط النظام إلى جبهة تفاوض تسعى إلى «الهبوط الناعم» عبر «نداء السودان»، في إشارة إلى التوصل لتسوية مع النظام بدلاً من إسقاطه.