عودة الدولة إلى الجنوب اللبناني تتجاوز الانتشار الأمني... اختبار الخدمات والتعافي

برامج للزراعة والتعليم والحماية الاجتماعية... وفجوة تمويل كبيرة أمام إعادة الإعمار

رئيس الحكومة اللبناني نواف سلام خلال زيارته الجيش اللبناني في جنوب البلاد.. 21 أغسطس 2026 (الوكالة الوطنية للإعلام)
رئيس الحكومة اللبناني نواف سلام خلال زيارته الجيش اللبناني في جنوب البلاد.. 21 أغسطس 2026 (الوكالة الوطنية للإعلام)
TT

عودة الدولة إلى الجنوب اللبناني تتجاوز الانتشار الأمني... اختبار الخدمات والتعافي

رئيس الحكومة اللبناني نواف سلام خلال زيارته الجيش اللبناني في جنوب البلاد.. 21 أغسطس 2026 (الوكالة الوطنية للإعلام)
رئيس الحكومة اللبناني نواف سلام خلال زيارته الجيش اللبناني في جنوب البلاد.. 21 أغسطس 2026 (الوكالة الوطنية للإعلام)

تتقدم «عودة الدولة» إلى جنوب لبنان بوصفها عنواناً يتجاوز الانتشار الأمني والعسكري إلى استعادة حضور المؤسسات والخدمات، في مسار بدأت ملامحه تظهر عبر برامج للتعافي وإعادة تشغيل المدارس ودعم المزارعين ومساعدة العائلات المتضررة، لكنه لا يزال يصطدم بفجوة كبيرة بين حجم الأضرار والتمويل المتاح.

ومع عودة هذا العنوان إلى الخطاب الرسمي خلال التحركات الحكومية في الجنوب، تظهر الأرقام أن تثبيت السكان في بلداتهم وإعادة الحياة إلى المناطق المتضررة يشكّلان الوجه الآخر لحضور الدولة، في ظل أضرار واسعة طالت البنى التحتية والزراعة والتعليم، وأبقت آلاف الأسر بحاجة إلى دعم مباشر.

إطار للعودة... وتمويل غير مكتمل

وأطلقت الحكومة خلال 2026 «الإطار الوطني للعودة والتعافي المبكر واستعادة الخدمات الأساسية»، الذي يشمل عودة السكان والحماية الاجتماعية واستعادة الخدمات وسبل العيش والتحضير لإعادة الإعمار، من دون الإعلان حتى الآن عن موازنة موحّدة له.

ويشكّل «مشروع المساعدة الطارئة للبنان» (LEAP)، الذي ينفّذه مجلس الإنماء والإعمار، واحداً من أدوات تمويل هذا المسار. وصُمّم المشروع ضمن إطار قابل للتوسع إلى مليار دولار، فيما أُمّن حتى الآن 250 مليون دولار فقط، مقابل فجوة تمويل تبلغ 750 مليوناً.

ويتوزع التمويل المتاح على 50 مليون دولار للاستجابة الفورية، بما يشمل إدارة الركام وتأمين الأبنية وفتح الطرق، و175 مليوناً لاستعادة خدمات المياه والطاقة والنقل والصحة والتعليم، و15 مليوناً للدراسات والتصاميم، و10 ملايين لإدارة المشروع، فيما تبلغ الأموال المخصصة لإعادة الإعمار ضمن الإطار الكامل 455 مليون دولار، ولا يزال الجزء الأكبر منها غير مُموَّل.

وفي مسار موازٍ، أطلقت الحكومة في مايو (أيار) برنامجاً بنحو 32 مليون يورو للجنوب والبقاع يمتد حتى 2029، بتمويل 24.8 مليون يورو من الاتحاد الأوروبي، و5.35 مليون من الدنمارك، ومليوني يورو من الوكالة الفرنسية للتنمية، ويستهدف دعم السلطات المحلية والمؤسسات الصغيرة والقطاع الزراعي وخلق فرص العمل.

وتقول مصادر وزارية لبنانية لـ«الشرق الأوسط» إن «الإطار الجديد للاستجابة يشكّل أساساً لجذب التمويل، لكنه لا يزال غير مموَّل بالكامل»، موضحة أن «وزارة الشؤون الاجتماعية تواصل العمل بشكل مكثف على تأمين تمويل إضافي للمساعدة في الاستجابة للفئات المتضررة».

شبكة أمان لأكثر من مليون شخص

وتشكّل الحماية الاجتماعية أحد أبرز مسارات تثبيت السكان ومواكبة العودة. وتقول المصادر إن «أحد أبرز مسارات الاستجابة يتمثّل في المساعدات النقدية التي تقدّمها وزارة الشؤون الاجتماعية، التي تُغطّي نحو 230 ألف عائلة ضمن شبكة الأمان الاجتماعي المستجيبة للصدمات التابعة للوزارة»، بما يعني استفادة أكثر من مليون شخص عند احتساب متوسط عدد أفراد الأسرة.

ويكتسب هذا المسار أهمية خاصة في المناطق التي لا تزال فيها العودة مرتبطة بإمكان ترميم المنازل واستعادة الخدمات وفرص العمل، بما يجعل الدعم الاجتماعي جزءاً من عملية إعادة تثبيت السكان وليس مجرد استجابة طارئة.

دخان يتصاعد من الحقول المحيطة بقرية عيترون في جنوب لبنان... 14 أغسطس 2026 (أ.ف.ب)

الزراعة... إعادة المُزارع إلى أرضه

في القطاع الزراعي، حدّدت وزارة الزراعة خطة استجابتها بخمسة محاور هي: الدعم الطارئ للمزارعين، وحماية سلاسل توريد وإمداد الغذاء والأسواق، وحماية الإنتاج الحيواني والأصول، واستمرارية البرامج والخدمات، والتنسيق وتقييم الاحتياجات. وتشمل الإجراءات مراقبة سلاسل الإمداد الغذائي، وتسريع استيراد المنتجات النباتية وتمديد مهل استيراد بعض المنتجات الأساسية، ومراقبة الأسواق والأسعار بالتنسيق مع وزارة الاقتصاد، وتأمين مساعدات طارئة للمزارعين في المناطق الخطرة، وتكثيف العمل في المرافئ والمعابر ومراكز الحجر والمختبرات لتسريع دخول البضائع.

أما تمويل الاستجابة فلا يحدد التقرير موازنة إجمالية للخطة، بل يشير إلى تنسيق الوزارة مع الشركاء والمانحين لتحديد إمكانات وأولويات التدخل وتأمين الموارد. ووفق الموارد التي أبلغت عنها شبكة شركاء الزراعة في الوزارة التي يجري العمل على تأمينها، تبلغ المساعدات النقدية 1,650,150 دولاراً، وتستهدف 4,840 مزارعاً، فيما تستهدف المساعدات العينية 1,850 مزارعاً، وتشمل مجموعات مضخات شمسية للري ومدخلات زراعية وأعلافاً ومعالجة وبنى تحتية. كما أطلقت الوزارة، بالتعاون مع قطاع الأمن الغذائي، منصة للشركاء لتحديد الموارد المتوافرة ومتابعتها.

صورة تُظهِر حجم الدمار في إحدى مدارس لبنان (الهيئة الوطنية لحقوق الإنسان)

المدارس أمام اختبار سبتمبر

ويبرز التعليم بوصفه أحد أكثر الاختبارات المباشرة لقدرة المؤسسات الرسمية على العودة إلى العمل في الجنوب والنبطية.

وتقول مصادر وزارة التربية والتعليم العالي لـ«الشرق الأوسط» إن الوزارة تستهدف بدء العام الدراسي 2026-2027 حضورياً، بدءاً من 15 سبتمبر (أيلول) في المدارس التي تستوفي شروط السلامة والجاهزية، فيما تعتمد المدارس الواقعة ضمن المناطق المتأثرة في الجنوب والنبطية التعليم عن بُعد بصورة انتقالية إلى حين استكمال التقييمَيْن الفني والتشغيلي.

وكشفت المصادر عن أنه في ظل أضرار طالت 198 مدرسة من أصل 267 في محافظتي الجنوب والنبطية، بينها 89 مدرسة بأضرار طفيفة جداً، و64 بأضرار متوسطة، و15 بأضرار جسيمة، فيما دمرت 30 مدرسة بالكامل.

وتعتمد الوزارة «التجمع المدرسي» أساساً للتخطيط، بحيث يضم كل تجمع المدارس والمساحات التعليمية البديلة ضمن نطاق جغرافي واحد، مع ملف يتضمّن أعداد التلامذة والمعلمين وحالة الأبنية والطاقة الاستيعابية وأماكن وجود التلامذة النازحين.

ويبقى التلميذ مسجلاً في مدرسته الأم إذا تعذّر تشغيلها، ويتابع تعليمه مؤقتاً في مدرسة مستقبلة أو مساحة بديلة، فيما تخضع المدارس المستخدمة للإيواء لشروط تضمن الفصل الآمن بين الوظيفتَين.

وتُنشئ الوزارة بالتوازي قاعدة بيانات تشغيلية لمتابعة أوضاع المدارس والتلامذة، بالإضافة إلى خط ساخن، على أن يصدر قرار تشغيلي رسمي لكل مدرسة يحدد آلية استئناف التعليم فيها.

وتلفت إلى أن الوزارة عزّزت في إطار خطتها فكرة «Teaching Hubs»، أي مراكز التعليم والتعلُّم، بما يعيد تفعيل دور المعلمين في المناطق، ويتيح في الوقت نفسه إنشاء مراكز لدعم الطلاب ومساعدتهم على مواصلة تعليمهم.

وتوضح المصادر أن «الهدف لا يقتصر على إعادة تأهيل الأبنية المدرسية المتضررة، بل يشمل الحفاظ على المدرسة بوصفها كياناً قائماً حتى وإن دُمّر مبناها، من خلال استمرار إدارتها ومعلميها وأساتذتها وتلاميذها، بما يضمن بقاء المدرسة موجودة بهويتها ووظيفتها التربوية إلى حين إعادة تأهيلها أو إعمارها».

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended


مقالات ذات صلة

سلام يتفقد وحدات الجيش اللبناني جنوب الليطاني: نريده تحت سلطة واحدة

المشرق العربي رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام في زيارة للجنوب (الشرق الأوسط)

سلام يتفقد وحدات الجيش اللبناني جنوب الليطاني: نريده تحت سلطة واحدة

ربط رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام استعادة الدولة سلطتها في جنوب لبنان بمسار يتجاوز الانتشار العسكري، ليشمل تثبيت حضور المؤسسات والخدمات وإعادة الإعمار

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي مناصرة لـ«حزب الله» تشارك في حراك معارض لمسار التفاوض اللبناني مع إسرائيل الذي تمضي به الدولة اللبنانية (إ.ب.أ) p-circle

«حزب الله»: العقوبات الأميركية لن تثنينا عن «المقاومة» ونفتخر بعلاقتنا مع إيران

قال «حزب الله» إن العقوبات الأميركية لن تثنيه عن التمسك بـ«خيار المقاومة» في مواجهة إسرائيل، مؤكداً اعتزازه بعلاقته مع داعمته طهران.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي مبنى وزارة الخزانة الأميركية في واشنطن العاصمة (رويترز)

عقوبات أميركية جديدة تخنق «حزب الله»... وتختبر لبنان

لا تبدو العقوبات الأميركية الجديدة على «حزب الله» مجرد إجراء مالي يستهدف شبكات تحويل الأموال، بقدر ما تنطوي على مقاربة جديدة لطبيعة الحزب وعلاقته بالدولة.

يوسف دياب (بيروت)
المشرق العربي رئيس الحكومة اللبناني نواف سلام خلال زيارته الجيش اللبناني في جنوب البلاد اليوم (الوكالة الوطنية للإعلام)

سلام: وجود الجيش اللبناني في الجنوب حضور للدولة لا مجرد انتشار عسكري

أكد رئيس الحكومة اللبنانية، نواف سلام، اليوم الجمعة، أن وجود الجيش في الجنوب «ليس مجرد انتشار عسكري، بل حضور للدولة».

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي دخان يتصاعد من الحقول المحيطة بقرية عيترون في جنوب لبنان... 14 أغسطس 2026 (أ.ف.ب)

قصف وغارات وتفجيرات إسرائيلية تستهدف بلدات في جنوب لبنان

واصل الجيش الإسرائيلي، اليوم الجمعة، تنفيذ غارات جوية وقصف مدفعي وعمليات تفجير في مناطق متفرقة من جنوب لبنان.

«الشرق الأوسط» (بيروت)

سلام يتفقد وحدات الجيش اللبناني جنوب الليطاني: نريده تحت سلطة واحدة

رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام في زيارة للجنوب (الشرق الأوسط)
رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام في زيارة للجنوب (الشرق الأوسط)
TT

سلام يتفقد وحدات الجيش اللبناني جنوب الليطاني: نريده تحت سلطة واحدة

رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام في زيارة للجنوب (الشرق الأوسط)
رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام في زيارة للجنوب (الشرق الأوسط)

ربط رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام استعادة الدولة سلطتها في جنوب لبنان بمسار يتجاوز الانتشار العسكري، ليشمل تثبيت حضور المؤسسات والخدمات وإعادة الإعمار، مؤكداً من مدينة صور أن كل موقع ينتشر فيه الجيش يشكل خطوة إضافية في استعادة الدولة سيادتها وهيبتها.

وخلال زيارة إلى ثكنة بنوا بركات في صور، شدد سلام على أن «كل موقع ينتشر فيه الجيش بالجنوب هو موقع تستعيد فيه الدولة سلطتها وهيبتها»، مؤكداً أن «استعادة السيادة لا تكون إلا ببناء دولة قادرة، ولا تكون الدولة قادرة دون جيش واحد قوي».

وعدَّ أن «السيادة التي نستعيدها أمنياً يجب ترسيخها اقتصادياً واجتماعياً»، واضعاً بذلك انتشار الجيش ضِمن رؤيةٍ أوسع لعودة الدولة إلى الجنوب لا تقتصر على الجانب الأمني.

سلطة واحدة وقرار واحد

وقال سلام: «نحن نريد للجنوب، كما لكل لبنان، أن يكون تحت السلطة الواحدة، وأن يكون المواطن اللبناني فيه آمناً؛ لأن عنده جيشاً يحميه، وأن تنعم البلاد بالاستقرار مع استعادة الدولة ومؤسساتها الدستورية قرار الحرب والسلم».

وفي موازاة تأكيده دور الجيش، أشار إلى استمرار الاعتداءات الإسرائيلية وما تفرضه من أعباء على المؤسسة العسكرية، قائلاً: «إنني أدرك التحديات التي يواجهها الجيش، كما أدرك حجم الأعباء، في وقت تتواصل فيه الاعتداءات الإسرائيلية التي تهدد مدننا وقرانا وأهلنا»، مضيفاً أن «السيادة الحقة لا تؤخذ ولا تعطى، بل تُبنى».

وأشار سلام إلى أن حكومته «التزمت، في بيانها الوزاري، العمل على قيام دولة وطنية وفية للدستور». وقال: «نحن على عهدنا باقون، والعمل على تعزيز الجيش بالنسبة إلى حكومتنا ليس بنداً ثانوياً، بل هو خيار استراتيجي في صميم مشروعنا لاستعادة الدولة».

وأكد أن الحكومة «تُواصل العمل عبر حشد كل الدعم العربي والدولي من أجل تطوير قدرات الجيش البشرية، وتحسين تجهيزه والأوضاع المعيشية لأفراده»، مشدداً على أن «الجيش هو إحدى المؤسسات القليلة التي يلتقي فيها اللبنانيون».

من زيارة رئيس حكومة ووزير دفاع لبنان إلى الجنوب (الشرق الأوسط)

تحذير من السياسة والطائفية

وتوجّه سلام إلى العسكريين داعياً إلى تحصين المؤسسة من الانقسامات السياسية والطائفية، وقال: «حافظوا على وحدة الجيش، ولا تسمحوا لأهواء السياسة بأن تُفرق بينكم، ولا تقبلوا إلا بالدستور والقانون مرجعاً لكم»، مضيفاً: «لا تسمحوا لشرور الطائفية بأن تتسلل إلى صفوفكم».

وتابع: «إذا أراد اللبنانيون أن ينجحوا في إخراج البلاد من كبوتها، فلا خيار لهم سوى أن يكون لهم جيش واحد وعَلم واحد ودولة واحدة».

كما استذكر شهداء المؤسسة العسكرية، قائلاً: «نقف بخشوع أمام ذكرى الذين قدَّموا أغلى ما عندهم في الدفاع عن الوطن»، وتوجَّه إلى عائلاتهم بالقول: «أبناؤكم ليسوا شهداء المؤسسة العسكرية فحسب، بل هم شهداء الوطن بأكمله».

عودة الدولة أبعد من الانتشار العسكري

ووسّع سلام مفهوم عودة الدولة إلى الجنوب ليشمل مختلف القطاعات، مؤكداً أن «عودة الدولة إلى الجنوب لا تنحصر بانتشار الجيش فحسب، بل عبر كل القطاعات، مثل التعليم وإعادة الإعمار وكل شيء». وتابع: «نحن إلى جانب الجيش وملتزمون بتوفير كل مقوّمات نجاح مهمة المؤسسة العسكرية».

وختم موقفه بتوجيه «أسمى التحايا إلى أهالي الجنوب»، مؤكداً أن «الدولة لن توفر جهداً لتحقيق انسحاب إسرائيل بالكامل من أراضينا، واستعادة الأسرى وإعادة الإعمار».

رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام ووزير الدفاع ميشال منسى متوجهين في طوافة عسكرية للجنوب (الشرق الأوسط)

منسى: الانسحاب الكامل هدف المفاوضات

من جهته، وضع وزير الدفاع ميشال منسى زيارة الجنوب في إطار تثبيت حضور الدولة وسيادتها، قائلاً إن «زيارتنا إلى الجنوب ليست استطلاعية وتفقدية فحسب، بل نحن هنا، اليوم، لتأكيد موقفنا الثابت الساعي لاسترجاع سيادة الدولة».

وأكد أن المسار التفاوضي يرتبط، من وجهة نظر الحكومة، بهدف واضح، قائلاً: «هدفنا الأول من المفاوضات هو تحقيق الانسحاب الكامل للعدو الإسرائيلي من لبنان».

وأشاد منسى بدور الجيش، قائلاً: «ما كان الجيش يوماً إلا عنواناً للكرامة والتضحية والوفاء وجامعاً لجميع اللبنانيين وصمام أمان لوحدتهم وسِلمهم الأهلي، وما تسلّم الجيش مهمة إلّا وأنجزها بمهنية وحرفية عالية غير عابئ بتشويش من هنا أو ضغط من هناك»، منوهاً بجهود الحكومة في رفع مستوى الخدمات، وبالجيش اللبناني الذي يواصل تنفيذ مهماته، رغم الظروف الصعبة.

كان سلام قد وصل إلى مدينة صور، برفقة الأمين العام للمجلس الأعلى للدفاع اللواء الركن محمد المصطفى، وتوجَّه إلى ثكنة بنوا بركات، حيث كان في استقباله منسى، ورئيس الأركان اللواء الركن حسان عودة، وقائد قطاع جنوب الليطاني العميد الركن نيكولا تابت، قبل أن يضع إكليلاً من الزهر على النصب التذكاري لشهداء الجيش اللبناني.


ترحيب سوري متحفظ بإعلان عبدي اكتمال الاندماج: بانتظار الترتيبات التنفيذية

 عبدي مع مجموعة من قواته بلباس الجيش السوري (مواقع التواصل)
عبدي مع مجموعة من قواته بلباس الجيش السوري (مواقع التواصل)
TT

ترحيب سوري متحفظ بإعلان عبدي اكتمال الاندماج: بانتظار الترتيبات التنفيذية

 عبدي مع مجموعة من قواته بلباس الجيش السوري (مواقع التواصل)
عبدي مع مجموعة من قواته بلباس الجيش السوري (مواقع التواصل)

رحب نائب محافظ الحسكة السورية والمتحدث باسم الفريق الرئاسي المكلف بمتابعة تنفيذ «اتفاق 29 يناير (كانون الثاني) 2026»، أحمد الهلالي، بإعلان قائد «قوات سوريا الديمقراطية» (قسد)، مظلوم عبدي، الأخير بشأن الاندماج، بوصفه إقراراً بـ«حل (قسد)»، لكنه شدد على أن «هناك فرقاً بين إعلان قرار الدمج واستكمال ترتيباته التنفيذية على الأرض».

ورأى الكاتب والباحث السياسي السوري الكردي، علي تمي، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن قضية الدمج «معقدة ومتشابكة، ولا يمكن أن تنتهي بتصريح»، واصفاً إعلان عبدي عن خروج المقاتلين الذين ساعدوا «قسد» من المنطقة، بأنه «كلام غير منطقي، إذ لا يزال آلاف من المقاتلين الأجانب وفلول النظام السابق في الحسكة».

أفراد من قوات «قسد» في عين العرب (كوباني) (أرشيفية - رويترز)

وشارك الهلالي وعبدي، الخميس، في احتفالية جماهيرية بمناسبة مرور 100 عام على تأسيس مدينة القامشلي التابعة لمحافظة الحسكة، حيث ألقى عبدي كلمة تحدث خلالها عن «استكمال عملية الدمج العسكري والأمني والإداري» لقواته ضمن مؤسسات الدولة السورية، والتي نص عليها «اتفاق 29 يناير 2026».

وفي ساعة متأخرة من ليل الخميس، أكد الهلالي لقناة «الإخبارية» السورية، أن تصريحات عبدي «تمثل تطوراً مهماً وإيجابياً، وننظر إليها باعتبارها إعلاناً واضحاً عن الانتقال من مرحلة التفاهمات إلى مرحلة التنفيذ الفعلي للاندماج ضمن مؤسسات الدولة السورية».

وأوضح أن هذه التصريحات ستتحول إلى خطوات عملية على الأرض من خلال توحيد المؤسسات والمرجعية الإدارية وعودة مؤسسات الدولة إلى ممارسة كامل صلاحياتها بما يضمن وحدة القرار والسيادة السورية، مشيراً إلى أن «الاتجاه الذي أُعلن الخميس هو إنهاء حالة الازدواجية والكيانات الموازية والانتقال إلى دولة واحدة وجيش واحد ومؤسسات واحدة».

التنفيذ

«لكن طي الملف بشكل نهائي لا يكون بالتصريحات وحدها، وإنما باستكمال التنفيذ على الأرض»، وفق الهلالي الذي أضاف: «نحن نرى أن ما أُعلن إلى جانب الخطوات التي سبقت ذلك؛ مثل إزالة الرموز والأعلام الحزبية من المؤسسات والساحات العامة، يؤكد أن المسار يسير بهذا الاتجاه». وتابع: «الإعلان يشكل خطوة سياسية مهمة جداً باتجاه ذلك، لكنه لا يعني أن جميع مراحل التنفيذ الإداري والأمني والعسكري قد انتهت في لحظة واحدة».

صورة متداولة لعناصر من «قسد» في الجزيرة السورية (أرشيفية)

وبيّن الهلالي أن «هناك فرقاً بين إعلان قرار الدمج واستكمال ترتيباته التنفيذية على الأرض، ونحن نعمل الآن على أن تتحول هذه القرارات إلى واقع مؤسساتي كامل، بحيث تكون مؤسسات الدولة السورية هي المرجعية الوحيدة وتعود جميع المؤسسات والهيئات إلى إطار الدولة، ويُستكمل توحيد القرار الأمني والعسكري والإداري».

كما عدّ الهلالي، في تصريح نقله «تلفزيون سوريا»، تصريحات عبدي عن انتهاء عملية الدمج العسكري والأمني ضمن مؤسسات الدولة السورية، تمثل إقراراً بحل «قسد».

اكتمال الدمج

وكان عبدي أوضح أن عملية دمج المؤسسات العسكرية والخدمية والإدارية في مؤسسات الدولة الوطنية قد اكتملت، «ومن الآن فصاعداً، تبدأ عملية جديدة».

وأشار إلى أنه في المناطق التي كانت سابقاً ضمن حدود الإدارة الذاتية، «يتم تأسيس مؤسسات جديدة باسم الدولة السورية، بينما ستستمر المؤسسات السابقة في عملها»، داعياً أهالي المنطقة إلى حماية هذه المؤسسات.

وذكر أن القوات التي جاءت من «أجزاء كردستان» الأخرى لدعم «قسد» خلال المعارك، قد انسحبت بموجب اتفاق وبناءً على طلب من «قسد» نفسها، في إشارة إلى مقاتلي «حزب العمال الكردستاني» (PKK).

إلا أن الكاتب والباحث السياسي السوري الكردي، علي تمي، عدّ في تصريحه لـ«الشرق الأوسط»، قضية دمج «قسد» معقدة ومتشابكة، وبالتالي لا يمكن أن ينتهي هذا الأمر بتصريح من هنا وهناك، مشيراً «إلى أن حزب العمال الكردستاني (PKK) هو من يتحكم بها ويعدّها إحدى أدواته لمواجهة تركيا، لذلك يستبعد أن تسلم (قسد) سلاحها، ريثما تتضح الأمور حول عملية السلام في تركيا».

ولفت إلى أن «(قسد) لم تعلن حل نفسها رسمياً»، موضحاً: «من حيث المبدأ؛ نحن جميعاً مع تجنيب المنطقة إراقة دماء جديدة، وعملية الدمج ممكنة، لكن فرص النجاح ضئيلة جداً مع الأسف».

استقبال الرئيس أحمد الشرع قائدَ «قسد» مظلوم عبدي في أبريل الماضي (سانا)

ووصف تمي تصريحات عبدي بخروج القوات الكردية التي ساعدت «قسد» سابقاً من المنطقة، بأنه «كلام غير منطقي، فنحن نتحدث عن آلاف من المقاتلين الأجانب والفلول ما زالوا في الحسكة، وبما أن هناك محاولة للتهدئة فهذا أمر وارد، وبالتالي عملية الاندماج تواجه صعوبات وتحديات كبيرة».

بدايات

يذكر أن النواة الأولى لـ«الإدارة الذاتية»، التي كانت تهدف إلى تأسيس «مشروع كردي في سوريا»، بدأت عَبْر تشكيل «الهيئة الكردية العليا» التي أسسها «حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي» (PYD) في سوريا، و«المجلس الوطني الكردي»، بعد التوقيع على «اتفاقية أربيل (هولير)» في 12 يوليو (تموز) 2012. وقد شُكّل جناح عسكري لـ«الهيئة» مكوَّن من «وحدات حماية الشعب» (YPG) و«وحدات حماية المرأة» (YPJ) و«الأسايش»، ثم «قسد» التي يهيمن عليها الأكراد عام 2015.

وتوسعت جغرافيا «الإدارة الذاتية» من 3 مقاطعات عام 2014، إلى 6 مقاطعات عام 2016، لتصل عام 2023 إلى 7 مقاطعات. ورافق هذا التوسع الجغرافي توسُّع الأجهزة العسكرية والأمنية، والمؤسسات المدنية، التابعة لـ«الإدارة» التي تضم عشرات آلاف المنتسبين إليها.

وخسرت «قسد» نسبة كبيرة من مناطق سيطرتها، في مواجهاتٍ مسلحة اندلعت أواخر عام 2025 وبداية عام 2026 بين مسلحيها والجيش السوري واستمرت نحو أسبوعين، تبعها توقيع «اتفاق 29 يناير 2026».

ونص الاتفاق الموقع بين الحكومة السورية و«قسد» على وقف إطلاق النار ودمج تدريجي للمؤسسات العسكرية والمدنية التي أنشأها الأكراد خلال سنوات النزاع في إطار مؤسسات الدولة السورية، وتسليم المنافذ الحدودية وحقول النفط والغاز وخروج المقاتلين الأجانب من المنطقة.

فريق «قسد» في اجتماع مع المبعوث الرئاسي لتطبيق «اتفاق 29 يناير» (سانا)

وشهد شهر يوليو (تموز) الماضي، حالة استنفار لمواطنين في محافظة الحسكة استمرت عدة أيام لتحقيق مطالبهم، ببسط الدولة سيطرتها ونفوذها على كامل المحافظة، وعودة المهجرين إلى مدنهم وقراهم، وإنهاء هيمنة «قسد» على المنطقة، وانتهاكاتها بحق الأهالي.

الناشط صهيب اليعربي من أهالي شمال سوريا، كتب الأربعاء الماضي في حسابه على منصة «تلغرام»، أنه «منذ أن وُقع الاتفاق، قيل لأهالي الحسكة إن الدولة عائدة وزمن السلطتين إلى زوال، غير أن الذي حصل على الأرض لم يشبه هذا الكلام في شيء».

وأوضح اليعربي أن «(قسد) التي كان يفترض أن تذوب في مؤسسات الدولة، استخدمت الاتفاق غطاء لتثبيت سيطرتها من جديد، فوزّعت المناصب والوظائف في الإدارات الوليدة على جمهورها، وأبقت العرب والمهجرين ممنوعين من الدخول إلى مراكز الحسكة والقامشلي، وباتت تساوم على العودة كأنها منحة تمن بها على الناس».


«حزب الله»: العقوبات الأميركية لن تثنينا عن «المقاومة» ونفتخر بعلاقتنا مع إيران

مناصرة لـ«حزب الله» تشارك في حراك معارض لمسار التفاوض اللبناني مع إسرائيل الذي تمضي به الدولة اللبنانية (إ.ب.أ)
مناصرة لـ«حزب الله» تشارك في حراك معارض لمسار التفاوض اللبناني مع إسرائيل الذي تمضي به الدولة اللبنانية (إ.ب.أ)
TT

«حزب الله»: العقوبات الأميركية لن تثنينا عن «المقاومة» ونفتخر بعلاقتنا مع إيران

مناصرة لـ«حزب الله» تشارك في حراك معارض لمسار التفاوض اللبناني مع إسرائيل الذي تمضي به الدولة اللبنانية (إ.ب.أ)
مناصرة لـ«حزب الله» تشارك في حراك معارض لمسار التفاوض اللبناني مع إسرائيل الذي تمضي به الدولة اللبنانية (إ.ب.أ)

قال «حزب الله»، الجمعة، إن العقوبات الأميركية لن تثنيه عن التمسك بـ«خيار المقاومة» في مواجهة إسرائيل، مؤكداً اعتزازه بعلاقته مع داعمته طهران، غداة فرض واشنطن عقوبات على ما سمّته شبكة لتمويل الحزب، الذي اعتبرته «يخدم النظام الإيراني».

وقالت وزارة الخزانة الأميركية، في بيان، الخميس، إن الإدارة عدّلت نصاً قانونياً يصنّف الحزب «منظمة إرهابية»، لتأكيد أنه «يخدم النظام الإيراني تحت قيادة (فيلق القدس) التابع للحرس الثوري». وأعلنت فرض عقوبات على عشرة أفراد، اتهمتهم بالانتماء إلى شبكة مسؤولة عن تحويل أموال إلى «حزب الله».

وأورد «حزب الله»، في بيان، أن «كل تلك العقوبات والتصنيفات الظالمة لن تثنينا عن التمسك بخيار المقاومة وبحق لبنان واللبنانيين في الدفاع عن أرضهم وسيادتهم وثرواتهم، ولن تغيّر من حقيقة أن المقاومة كانت وما زالت وستبقى جزءاً أصيلاً من تاريخ لبنان وحاضره ومستقبله»، وفقاً لوكالة الصحافة الفرنسية.

وشدد الحزب، الذي تمده طهران بالمال والسلاح منذ تأسيسه، على أنه «لا ينتظر شهادة على لبنانيته ووطنيته من أحد»، مؤكداً أن «علاقتنا الوثيقة والأخوية بالجمهورية الإسلامية الإيرانية هي علاقة نعتز ونفتخر بها، لأنها وقفت مع لبنان ودعمته وآزرته لتحرير أرضه واستعادت سيادته وحقوقه، وبقيت إلى جانبه في كل المحطات والأزمات».

وبحسب «الخزانة» الأميركية، يستخدم الحزب «سعاة يسافرون في رحلات تجارية بين لبنان وتركيا والإمارات وإيران» لنقل مئات ملايين الدولارات، ما يتيح لـ«حزب الله» «الالتفاف» على العقوبات المفروضة عليه أساساً.

وصنّفت الولايات المتحدة «حزب الله» «منظمة إرهابية أجنبية» عام 1997، ثم «منظمة إرهابية مصنفة بشكل خاص» عام 2001.

وقال مسؤول في وزارة الخارجية الأميركية، طلب عدم كشف هويته، الخميس، إن القرار «يستند إلى سنوات من قرارات التصنيف التي سلطت الضوء مراراً على التكامل العملياتي والمالي واللوجستي بين (حزب الله) و(فيلق القدس)»، مشيراً إلى أن الحزب «يعمل كامتداد لفيلق القدس»، و«ليس حركة مقاومة لبنانية».

واعتبر «حزب الله»، في بيانه، أن «ادعاء» الإدارة الأميركية أنه «خاضع لسيطرة (فيلق القدس)»، يأتي «لتبرر إعادة إدراجه على لائحة العقوبات» من أجل «استهداف المقاومة ومجتمعها وبيئتها ومناصريها ومحاصرتهم والضغط عليهم سياسياً ومالياً وأمنياً، بهدف حماية أمن العدو الإسرائيلي».

وجاء ذلك بينما ترعى واشنطن مفاوضات مباشرة بين إسرائيل ولبنان، يعارضها «حزب الله»، وتهدف لإنهاء الحرب التي بدأها الأخير في الثاني من مارس (آذار) ضد الدولة العبرية، مساندة لإيران. وردت إسرائيل بتكثيف القصف على لبنان وتوسيع انتشار قواتها في جنوب البلاد، فضلاً عن عمليات نسف وتدمير واسعة، ما أسفر عن مقتل أكثر من 4300 شخص وفق بيروت.

وتوصل البلدان اللذان ما زالا في حالة حرب رسمياً، إثر 5 جولات تفاوضية، إلى اتفاق إطار في يونيو (حزيران)، نصّ خصوصاً على نزع سلاح «حزب الله» وانسحاب الدولة العبرية تدريجياً من أراضٍ تحتلها في جنوب لبنان، وانتشار الجيش اللبناني بدءاً من مناطق «تجريبية».