الرسوم على المسيَّرات تفتح جبهة توتر تجاري جديدة بين أميركا والصين

بكين ترفض قيود واشنطن وتحذّر من اضطراب سلاسل الإمداد

أعلام أميركا والصين (رويترز)
أعلام أميركا والصين (رويترز)
TT

الرسوم على المسيَّرات تفتح جبهة توتر تجاري جديدة بين أميركا والصين

أعلام أميركا والصين (رويترز)
أعلام أميركا والصين (رويترز)

فتحت الولايات المتحدة جبهة جديدة في التوتر التجاري والتكنولوجي مع الصين، بعدما قررت فرض رسوم جمركية تصل إلى 100 في المائة على واردات الطائرات المسيَّرة ومكوناتها، في خطوة بررتها واشنطن باعتبارات الأمن القومي وتقليص الاعتماد على الواردات في سوق تتمتع فيها الشركات الصينية بهيمنة عالمية واضحة.

وردت بكين، الخميس، بموقف حاد، مطالبة الإدارة الأميركية بسحب الرسوم فوراً، ومحذّرة من أنها ستضر بالشركات الصينية وتعطل سلاسل توريد الطائرات المسيَّرة عالمياً، في أحدث مؤشر على اتساع نطاق الخلاف الاقتصادي بين أكبر اقتصادين في العالم إلى صناعات التكنولوجيا المتقدمة.

ومن المقرر أن تدخل معظم الرسوم الجديدة حيز التنفيذ في 3 سبتمبر (أيلول) المقبل، بعدما أعلنها الرئيس الأميركي دونالد ترمب الأسبوع الماضي. وتستند الإجراءات إلى المادة 232 التي تتيح فرض قيود تجارية عندما ترى السلطات الأميركية أن بعض الواردات تشكل تهديداً للأمن القومي.

وقال المتحدث باسم وزارة التجارة الصينية، هي يادونغ، إن الإجراءات الأميركية «توسع مفهوم الأمن القومي» وتعامل المنتجات الصينية ذات الصلة بصورة تمييزية، مؤكداً أن بكين «تعارض ذلك بشدة».

وأضاف أن الرسوم ستؤدي إلى اضطراب سلسلة التوريد العالمية للطائرات المسيّرة، وستلحق مزيداً من الضرر ببيئة السوق العادلة والتنافسية، فضلاً عن إلحاق أضرار كبيرة بمصالح الشركات الصينية.

وتكتسب الخطوة الأميركية أهمية تتجاوز حجم تجارة الطائرات المسيّرة نفسها؛ إذ تمثل هذه الصناعة نقطة تقاطع بين التكنولوجيا المدنية والتطبيقات الأمنية والعسكرية. كما تستخدم الطائرات المسيّرة على نطاق واسع في التصوير والزراعة والمسح الهندسي والبنية التحتية وخدمات الطوارئ؛ ما يجعل أي اضطراب في إمداداتها أو مكوناتها ذات تداعيات على قطاعات متعددة.

وتأتي شركة «دي جيه آي» في قلب هذه المنافسة. فالشركة الصينية، التي تأسست عام 2006، استحوذت خلال السنوات الأخيرة على أكثر من ثلثي السوق العالمية للطائرات المسيّرة، وفق دراسات عدة؛ ما جعلها نموذجاً واضحاً للتفوق الصناعي الصيني في قطاع تكنولوجي سريع النمو.

لكن هذا النجاح وضع الشركة أيضاً تحت تدقيق متزايد في الولايات المتحدة. فمنذ عام 2022، أدرجت واشنطن «دي جيه آي» على قائمة لشركات صينية تقول إنها مرتبطة بالجيش الصيني؛ وهو ما ترتبت عليه قيود على وصولها إلى التكنولوجيا الأميركية. واعترضت الشركة على هذا التصنيف، مؤكدة أنها ليست مملوكة للجيش الصيني ولا خاضعة لسيطرته.

وبالنسبة إلى واشنطن، تندرج الرسوم الجديدة ضمن استراتيجية أوسع لتقليص الاعتماد على الصين في الصناعات التي تعدّها حساسة للأمن القومي، وتحفيز بناء قدرات إنتاجية محلية أو الاعتماد على موردين من دول حليفة. وقد شهدت السنوات الأخيرة توجهاً أميركياً مماثلاً في أشباه الموصلات والبطاريات والسيارات الكهربائية ومعدات التكنولوجيا المتقدمة.

لكن ارتفاع الرسوم إلى مستويات تصل إلى 100 في المائة يمكن أن يعيد تشكيل اقتصاديات سوق المسيّرات داخل الولايات المتحدة. فمن شأنها رفع تكلفة بعض المنتجات الصينية بصورة كبيرة، بما يمنح المصنعين الأميركيين وغير الصينيين مساحة أكبر للمنافسة، لكنها قد تؤدي أيضاً إلى زيادة التكاليف على الشركات والمستخدمين الذين يعتمدون على منتجات صينية منخفضة التكلفة نسبياً.

وتزامن الخلاف بشأن المسيّرات مع مواجهة أخرى بين بكين وواشنطن تتعلق بالرسوم الجمركية. فقد رفضت وزارة التجارة الصينية تقريراً أميركياً بشأن عمليات الشحن العابر، والذي قدر أن الولايات المتحدة تخسر سنوياً ما بين 19 و26 مليار دولار من إيرادات الرسوم على سلع، معظمها صينية، يتم شحنها عبر دول ثالثة لتجنب رسوم الاستيراد الأميركية.

ووصف هي يادونغ التقرير بأنه «يتجاهل الحقائق ويشوّه الصواب والخطأ»، عادَّاً أنه يستهدف قمع المنتجات الصينية ومنع وصولها إلى الأسواق، ودعا واشنطن إلى وقف ما وصفه بـ«الاتهامات غير المسؤولة».

ويشير تزامن الملفين إلى أن النزاع التجاري يتجه إلى مرحلة أكثر تعقيداً، فلم تعد القضية مقتصرة على حجم الرسوم المباشرة المفروضة على المنتجات الصينية، بل باتت تشمل أيضاً منشأ السلع، ومسارات انتقالها عبر الدول الأخرى، وسلاسل التوريد المستخدمة للوصول إلى السوق الأميركية.

وبالنسبة إلى الشركات والمستثمرين، فإن التطورات ترفع مستوى المخاطر في قطاع الطائرات المسيّرة وسلاسل توريد التكنولوجيا المرتبطة بها. وقد تستفيد شركات أميركية أو آسيوية غير صينية من محاولة واشنطن تنويع مصادر الإمداد، في حين تواجه الشركات الصينية ضغوطاً متزايدة لإيجاد أسواق بديلة وتعزيز الإنتاج المحلي للمكونات التي قد تخضع مستقبلاً لمزيد من القيود.وتكشف المواجهة الجديدة أن الطائرات المسيّرة أصبحت أحدث الصناعات التي تنتقل من ساحة المنافسة التجارية إلى حسابات الأمن القومي. ومع اقتراب تطبيق الرسوم في سبتمبر، ستتركز الأنظار على رد بكين المحتمل، ومدى قدرة الشركات الصينية على امتصاص أثر القيود، وما إذا كانت الإجراءات ستنجح في تقليص اعتماد السوق الأميركية على الصين أم ستؤدي في المقابل إلى ارتفاع التكاليف وإعادة رسم سلاسل الإمداد العالمية.


مقالات ذات صلة

«هواوي» أمام القضاء الأميركي بتهم السرقة والاحتيال

الاقتصاد متجر تابع لشركة «هواوي» في العاصمة الصينية بكين (رويترز)

«هواوي» أمام القضاء الأميركي بتهم السرقة والاحتيال

بدأت في الولايات المتحدة واحدة من أبرز المحاكمات التي تطول شركة تكنولوجيا صينية، بعدما وصف الادعاء الأميركي شركة «هواوي» بأنها «كيان إجرامي»

«الشرق الأوسط» (نيويورك-بكين)
الاقتصاد مدخل البورصة في جزيرة هونغ كونغ الصينية (أ.ف.ب)

النفط يضغط على أسهم الصين... واليوان يحافظ على قوته

تراجعت الأسهم في البر الرئيسي للصين وهونغ كونغ يوم الخميس تحت ضغط ارتفاع أسعار النفط وتجدد المخاوف من التضخم.

«الشرق الأوسط» (بكين)
الاقتصاد سيدة تمر أمام شاشة تعرض حركة الأسهم في العاصمة اليابانية طوكيو (أ.ب)

عوائد السندات اليابانية تعيد رسم خريطة الاستثمار

ارتفع عائد السندات الحكومية اليابانية لأجل عشر سنوات بمقدار 5 نقاط أساس إلى 2.93 في المائة يوم الخميس.

«الشرق الأوسط» (طوكيو)
الاقتصاد شعار «سابك للمغذيات الزراعية» (موقع الشركة الإلكتروني)

«سابك للمغذيات» تُرسي عقد إنشاء مجمع صناعي بـ3.47 مليار دولار على «سامسونغ إي آند إيه»

أرست شركة «سابك للمغذيات الزراعية» عقد أعمال الهندسة والتوريد والإنشاء لمصنعها السابع على «سامسونغ إي آند إيه» بقيمة إجمالية تبلغ نحو 3.46 مليار دولار.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد لوحة مفاتيح ويد آلية في رسم توضيحي (رويترز)

«بنك التسويات الدولية»: طفرة الذكاء الاصطناعي تشكل مخاطر جديدة على الاستقرار المالي

قال بابلو هيرنانديز دي كوس، رئيس بنك التسويات الدولية، إن الصعود السريع للذكاء الاصطناعي يشكل مخاطر جديدة على الاستقرار المالي.

«الشرق الأوسط» (لندن)

أزمة وقود السفن تتراجع في مراكز الشحن الرئيسية رغم توترات «هرمز»

يتجول زوار بجوار لافتات مؤتمر «أبيك» للنفط في سنغافورة (رويترز)
يتجول زوار بجوار لافتات مؤتمر «أبيك» للنفط في سنغافورة (رويترز)
TT

أزمة وقود السفن تتراجع في مراكز الشحن الرئيسية رغم توترات «هرمز»

يتجول زوار بجوار لافتات مؤتمر «أبيك» للنفط في سنغافورة (رويترز)
يتجول زوار بجوار لافتات مؤتمر «أبيك» للنفط في سنغافورة (رويترز)

تراجعت أزمة إمدادات وقود السفن في مراكز الشحن الرئيسية رغم أثر الحرب الإيرانية التي أدت إلى تقليص الصادرات عبر مضيق هرمز، حيث تمكنت السوق من التكيف مع صدمات الإمداد السابقة، وفق ما أفادت به مصادر في القطاع مشاركةً في مؤتمر آسيا والمحيط الهادي للنفط والطاقة (أبيك) يوم الخميس.

وقال ريشي نياني، المدير الإداري لشركة «إمارات ماريتيم» للشحن، خلال جلسة نقاش في المؤتمر: «لا نرى أي مشكلات في الحصول على الوقود وتزويد السفن به حتى اليوم»، وفق «رويترز».

وأضاف نياني أنه لا يوجد حالياً نقص في وقود السفن، المعروف باسم الوقود البحري، في مراكز الشحن الرئيسية، على عكس الوضع الذي ساد في مارس (آذار) وأبريل (نيسان)، مشيراً إلى أن تكاليف التزود بالوقود ارتفعت بالفعل.

واعتباراً من هذا الأسبوع، ارتفعت أسعار زيت الوقود منخفض الكبريت جداً (VLSFO)، وهو الوقود الرئيسي المستخدم في سنغافورة، أكبر مركز لتزويد السفن بالوقود في العالم، بأكثر من 60 في المائة مقارنة بمستويات ما قبل الحرب، وفقاً لبيانات من مصادر السوق.

وشهدت الأسعار ارتفاعاً حاداً بعد الهجوم الأميركي الإسرائيلي على إيران في أواخر فبراير (شباط)، وظلت متقلبة خلال الأشهر الستة الماضية، غير أنها انخفضت حالياً قليلاً عن مستوياتها القياسية المسجلة في مارس.

وقال ماكس تاي، رئيس قسم المنتجات الثقيلة في آسيا لدى شركة «ريبسول» للتكرير: «لا يوجد نقص في زيت الوقود حالياً، لكن هناك حالة من عدم اليقين بشأن احتمال حدوث اضطرابات طفيفة في الإمدادات».

وأضاف تاي خلال جلسة نقاش مماثلة: «هناك اضطرابات في الإمدادات من مضيق هرمز، لكن لدينا بدائل متاحة».

وأوضح تاي أن التحدي يكمن في حالة عدم اليقين المحيطة بتأمين مخزونات المزج المستخدمة في إنتاج وقود السفن، بما يتوافق مع مواصفات بعض المشترين والأسواق.

أما في ميناء الفجيرة بالإمارات العربية المتحدة، وهو مركز رئيسي آخر لتزويد السفن بالوقود، فقدّر تاي أن نشاط التزويد بالوقود عاد إلى نحو 40 في المائة من مستويات ما قبل الحرب، بينما ظل نشاط التزويد بالوقود في سنغافورة مستقراً منذ بداية الحرب.

وأبلغ نياني، ممثل شركة «إمارات ماريتيم»، اللجنة بأن بعض النفط لا يزال يعبر مضيق هرمز رغم استمرار التوترات.

وقال نياني: «مضيق هرمز ليس مغلقاً. هناك ما يقارب 10 إلى 15 عملية عبور في كلا الاتجاهين»، مشيراً إلى عمليات العبور اليومية لسفن الشحن عبر الممر العُماني على الجانب الجنوبي من المضيق، وأضاف: «هناك نفط يُنقل».

ومع ذلك، أدت أسعار الوقود المرتفعة إلى ترشيد عمليات الشراء.

وقال شين ماو تشونغ، الرئيس التنفيذي للعمليات في شركة «إكواتوريال مارين» لإدارة الوقود، وهي شركة لتوريد وقود السفن، خلال جلسة نقاش منفصلة في معرض «أبيك» يوم الخميس: «بإمكاننا توفير براميل بديلة، ولكن إذا لم يكن السعر مناسباً لنا أو لعملائنا، فلن تُطرح في السوق... وبالتالي ستبدأ الكميات في الانخفاض قليلاً».

وأضاف تشونغ: «نظرياً، هل يوجد عرض؟ نعم. ولكن هل سيُطرح في السوق بهذه الأسعار؟ ربما لا».


«هواوي» أمام القضاء الأميركي بتهم السرقة والاحتيال

متجر تابع لشركة «هواوي» في العاصمة الصينية بكين (رويترز)
متجر تابع لشركة «هواوي» في العاصمة الصينية بكين (رويترز)
TT

«هواوي» أمام القضاء الأميركي بتهم السرقة والاحتيال

متجر تابع لشركة «هواوي» في العاصمة الصينية بكين (رويترز)
متجر تابع لشركة «هواوي» في العاصمة الصينية بكين (رويترز)

بدأت في الولايات المتحدة واحدة من أبرز المحاكمات التي تطول شركة تكنولوجيا صينية، بعدما وصف الادعاء الأميركي شركة «هواوي» بأنها «كيان إجرامي» بنى جانباً من إمبراطوريته العالمية عبر سرقة أسرار تجارية من شركات أميركية، وإساءة استخدام النظام المالي، فيما رفضت بكين الاتهامات، مؤكدة دعمها للشركات الصينية في حماية حقوقها.

وقال تايلور ستاوت، المحامي في وزارة العدل الأميركية، أمام هيئة المحلفين في المحكمة الفيدرالية ببروكلين، إن القضية تقوم على «السرقة، والأكاذيب، والتستر»، متهماً «هواوي» باتباع هذه الممارسات على مدى 20 عاماً بهدف تحقيق الهيمنة على صناعة الاتصالات العالمية.

ويقول الادعاء إن الشركة «تآمرت لسرقة أسرار تجارية من خمس شركات أميركية للحصول على ميزة تنافسية، من بينها الشفرة المصدرية لنظام تشغيل أجهزة توجيه الإنترنت التابعة لـ«سيسكو سيستمز»، وذراع آلية تستخدمها «تي موبايل» في اختبار الهواتف. وقال ستاوت إن المحاكمة ستتضمن شهادات لأشخاص ضبطوا موظفين في «هواوي» أثناء محاولتهم الحصول على التكنولوجيا الأميركية، مشيراً إلى وجود تسجيل مصور لأحد الموظفين في واقعة تتعلق بالذراع الآلية.

لكن فريق الدفاع قدم رواية معاكسة تماماً، معتبراً أن الحكومة الأميركية تحاول تحويل المنافسة التجارية العادية إلى قضية جنائية. وقال برايان هيبرليغ، أحد محامي «هواوي»، إن القضية تتعلق «بالمنافسة لا بالمؤامرة، والابتكار لا بالسرقة»، مؤكداً أن الشركة حققت نجاحها بجهودها، وأنه لم تكن هناك خطة مؤسسية لارتكاب جرائم. وأضاف أن الادعاء ينتقي حوادث منفصلة، ويقدمها باعتبارها دليلاً على مؤامرة واسعة. ووصف الوقائع المتعلقة بـ«سيسكو» و«تي موبايل» بأنها تصرفات فردية لموظفين تعاملت الإدارة معها بعد اكتشافها. كما أشار إلى واقعة التقاط موظف صوراً غير مصرح بها لجهاز تابع لـ«فوجيتسو»، قائلاً إن الموظف فُصل سريعاً.

وردت بكين على الاتهامات، إذ قالت وزارة الخارجية الصينية إن الحكومة «تعارض بشدة قمع الجانب الأميركي للشركات الصينية، ومحاولات احتوائها»، مؤكدة أنها تدعم الشركات الصينية في الدفاع عن حقوقها، ومصالحها المشروعة.

وتتجاوز القضية اتهامات سرقة التكنولوجيا إلى تعاملات «هواوي» مع إيران. فقد بدأت الملاحقة في 2018 باتهام الشركة ومديرتها المالية منغ وانزهو بالاحتيال المصرفي، وانتهاك العقوبات، قبل أن تتوسع لاحقاً لتشمل اتهامات بممارسة نشاط إجرامي منظم. ويقول الادعاء إن «هواوي» أخفت طبيعة أعمالها في إيران لتمرير دولارات عبر النظام المالي الأميركي، كما اتهمها بالمساعدة في توفير قدرات يمكن أن تستخدمها السلطات الإيرانية لمراقبة مواطنيها.

في المقابل، يقول الدفاع إنه لا يوجد دليل على أن «هواوي» كانت تعلم أن عمليات المقاصة بالدولار ستنتهك العقوبات الأميركية، مشيراً إلى أن البنوك المعنية كانت على دراية بأعمال الشركة في إيران، ومع ذلك استمرت في المنافسة للحصول على تعاملاتها.

وتعيد المحاكمة إلى الواجهة قضية منغ، التي احتُجزت في فانكوفر عام 2018 بموجب مذكرة أميركية، وخاضت معركة قضائية ضد تسليمها استمرت نحو ثلاث سنوات، قبل عودتها إلى الصين في إطار تسوية شملت الولايات المتحدة، والصين، وكندا. ورغم إسقاط الاتهامات ضدها في 2022 بموجب اتفاق لتأجيل الملاحقة القضائية، من المتوقع استخدام إقرارات أدلت بها ضمن الأدلة خلال المحاكمة التي قد تستمر ثلاثة أشهر.

وتستند القضية جزئياً إلى تقارير نشرتها «رويترز» في 2012 و2013 بشأن العلاقات بين «هواوي» و«سكايكوم»، التي كانت تعمل في إيران. وأفادت الوكالة بأن «سكايكوم» عرضت في 2010 بيع معدات حاسوبية من «هيوليت باكارد» خاضعة للقيود، بقيمة لا تقل عن 1.3 مليون يورو، لمشغل اتصالات إيراني. وتكتسب المحاكمة أهمية تتجاوز المسؤولية القانونية لـ«هواوي»، إذ تأتي في قلب المنافسة التكنولوجية المتصاعدة بين واشنطن وبكين. فالشركة، المعروفة بمعدات الاتصالات، والهواتف، أصبحت أيضاً لاعباً متنامياً في رقائق الذكاء الاصطناعي، في وقت تخضع فيه معدات شبكاتها لقيود أميركية، ويحتاج الموردون إلى موافقة واشنطن لتصدير التكنولوجيا الأميركية إليها.

وبذلك تتحول قاعة المحكمة إلى ساحة جديدة في النزاع التكنولوجي الأميركي - الصيني، حيث يسعى الادعاء إلى إثبات أن صعود «هواوي» ارتبط بنمط مؤسسي من المخالفات، بينما سيحاول الدفاع إثبات أن واشنطن تعيد تفسير عقود من المنافسة التجارية باعتبارها مؤامرة جنائية. وسيكون الحكم مهماً ليس فقط لمستقبل الشركة القانوني، بل أيضاً لمسار المواجهة بين القوتين حول التكنولوجيا، والتجارة، والأمن القومي.


النفط يضغط على أسهم الصين... واليوان يحافظ على قوته

مدخل البورصة في جزيرة هونغ كونغ الصينية (أ.ف.ب)
مدخل البورصة في جزيرة هونغ كونغ الصينية (أ.ف.ب)
TT

النفط يضغط على أسهم الصين... واليوان يحافظ على قوته

مدخل البورصة في جزيرة هونغ كونغ الصينية (أ.ف.ب)
مدخل البورصة في جزيرة هونغ كونغ الصينية (أ.ف.ب)

تحرّكت الأسواق الصينية بحذر، يوم الخميس، إذ تراجعت الأسهم في البر الرئيسي وهونغ كونغ تحت ضغط ارتفاع أسعار النفط وتجدد المخاوف من التضخم، في حين حافظ اليوان على مستويات قريبة من أعلى مستوياته في ثلاث سنوات ونصف السنة، مستفيداً من قوة الصادرات وضعف الدولار نسبياً.

وانخفض مؤشر شنغهاي المركب 0.4 في المائة، كما تراجع مؤشر «سي إس آي 300» للأسهم القيادية بالنسبة نفسها، بينما هبط مؤشر شنتشن 0.7 في المائة. وفي هونغ كونغ، تراجع مؤشر «هانغ سنغ» 1.3 في المائة، وانخفض مؤشر التكنولوجيا 2.1 في المائة.

وجاءت الخسائر ضمن موجة أوسع في الأسواق الآسيوية، بعدما بقي خام برنت فوق 100 دولار للبرميل نتيجة تصاعد الهجمات على حركة الشحن البحري في الحرب مع إيران. وأعاد ارتفاع النفط إلى الواجهة المخاوف من موجة تضخم جديدة قد تدفع البنوك المركزية إلى إبقاء سياساتها النقدية أكثر تشدداً.

وبالنسبة إلى المستثمرين في الصين، فإن الأثر لا يقتصر على ارتفاع تكلفة الطاقة، بل يمتد أيضاً إلى الأسواق العالمية. فقد اتَّسع فارق العائد بين سندات الخزانة الأميركية لأجل عشر سنوات ونظيرتها الصينية إلى أعلى مستوى له على الإطلاق، بعد قفزة في العوائد الأميركية وسط مخاوف من أن يغذي ارتفاع النفط الضغوط التضخمية.

وتتجه الأنظار الآن إلى بيانات أسعار المستهلكين الأميركية، التي ستلعب دوراً محورياً في تحديد ما إذا كان مجلس الاحتياطي الفيدرالي سيقدم على رفع أسعار الفائدة في اجتماعه المقبل.

وقال محللون في بنك «أو سي بي سي» إن قرار اللجنة الفيدرالية للسوق المفتوحة في سبتمبر (أيلول) «لا يزال غير محسوم»، في ظل انتظار المستثمرين أرقام التضخم للحصول على إشارة أوضح بشأن مسار السياسة النقدية.

وفي مقابل ضعف الأسهم، ظل اليوان متماسكاً قرب أعلى مستوياته منذ فبراير (شباط) 2023، وكان قد ارتفع في الجلسات الأخيرة مدعوماً بتحسن بيانات الصادرات والتضخم، إضافة إلى ضعف الدولار الناتج جزئياً عن قوة الين الياباني.

ويعكس هذا التماسك قدرة العملة الصينية على الاستفادة من قوة القطاع الخارجي، حتى في الوقت الذي لا يزال فيه الطلب المحلي يمثل نقطة ضعف رئيسية في الاقتصاد. وكانت الصادرات الصينية قد أظهرت نمواً قوياً خلال أغسطس (آب)، بقيادة المنتجات عالية التقنية والقطاعات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي.

لكن ارتفاع اليوان يضع بنك الشعب الصيني أمام معادلة دقيقة. فمن ناحية، تساعد قوة العملة على تخفيف كلفة الواردات والطاقة، وهو أمر مهم في ظل ارتفاع النفط. ومن ناحية أخرى، قد يؤدي صعودها بسرعة إلى الضغط على المصدرين، الذين يمثلون حالياً أحد أبرز مصادر الدعم للنمو.

ولهذا واصل البنك المركزي إدارة سعر الصرف بحذر عبر تحديد أسعار مرجعية تشير إلى تفضيل ارتفاع تدريجي وليس سريعاً للعملة.

وفي السوق المحلية، لم تكن الصورة سلبية بالكامل. فقد أظهر مسح حديث أن الشركات الأميركية العاملة في الصين أصبحت أكثر تفاؤلاً بشأن آفاق أعمالها بعد أن كانت الثقة قد تراجعت إلى مستويات قياسية منخفضة في العام الماضي، وسط التوترات السياسية وتباطؤ النمو والمنافسة المحلية.

كما بقي قطاع التكنولوجيا في دائرة الاهتمام بعد تقارير عن استعداد شركة «ديب سيك» للذكاء الاصطناعي للتحضير لطرح عام أولي في سوق «ستار» ببورصة شنغهاي، في خطوة تعكس استمرار شهية التمويل للقطاعات التكنولوجية المتقدمة.

ومع ذلك، فإن الاتجاه العام للسوق سيظل مرتبطاً إلى حد كبير بالعوامل الخارجية في الأجل القصير. فاستمرار النفط فوق 100 دولار، وارتفاع عوائد السندات الأميركية، واحتمال تشديد السياسة النقدية في الولايات المتحدة، كلها عوامل تزيد الضغط على شهية المخاطرة.

وفي المقابل، تمنح قوة الصادرات وتماسك اليوان الصين قدراً من الحماية أمام هذه الضغوط، لكنها لا تلغي المشكلة الأساسية المتمثلة في ضعف الطلب الداخلي.

ولهذا تبدو الأسواق الصينية حالياً محكومة بمعادلة مزدوجة؛ بين دعم نسبي من العملة والقطاع الخارجي، في مواجهة ضغوط عالمية من النفط والفائدة والتضخم. وسيحدد مسار بيانات الأسعار الأميركية خلال الأيام المقبلة أياً من هذين الاتجاهين ستكون له اليد العليا في حركة الأسهم واليوان.