تحذير أممي من تعميق الأزمة الإنسانية جراء هجمات الحوثيين

الحكومة اليمنية استنفرت لتعزيز قطاعَي النقل والإمدادات

طفلة يمنية تتلقى العلاج في مستشفى بالمخا إثر إصابتها جراء هجمات الحوثيين (أ.ب)
طفلة يمنية تتلقى العلاج في مستشفى بالمخا إثر إصابتها جراء هجمات الحوثيين (أ.ب)
TT

تحذير أممي من تعميق الأزمة الإنسانية جراء هجمات الحوثيين

طفلة يمنية تتلقى العلاج في مستشفى بالمخا إثر إصابتها جراء هجمات الحوثيين (أ.ب)
طفلة يمنية تتلقى العلاج في مستشفى بالمخا إثر إصابتها جراء هجمات الحوثيين (أ.ب)

حذرت الأمم المتحدة من أن التصعيد العسكري الحوثي في اليمن، وما يرافقه من استهداف للمدنيين والمنشآت والموانئ والسفن التجارية، ينذر بتعميق الأزمة الإنسانية والاقتصادية في بلد يواجه أصلاً واحدة من أكثر الأزمات الإنسانية تعقيداً في العالم، بينما تتحرك الحكومة اليمنية لرفع جاهزية قطاعات النقل والتجارة وتأمين سلاسل الإمداد والمخزون الغذائي في مناطق سيطرتها.

ودق مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان فولكر تورك ناقوس الخطر من التداعيات المتزايدة للهجمات الحوثية على البنية التحتية المدنية، محذراً من أن استمرارها يضاعف معاناة السكان، في وقت يعاني فيه ما لا يقل عن 18 مليون يمني من انعدام الأمن الغذائي.

وقال تورك، في تصريح نشره موقع الأمم المتحدة، إن على جميع الأطراف الالتزام بالقانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان، والامتناع عن توجيه الهجمات ضد المدنيين والأعيان المدنية، واتخاذ جميع الاحتياطات الممكنة لتجنب سقوط قتلى وجرحى في صفوف المدنيين أو إلحاق أضرار بالمنشآت المدنية.

مسؤولون يمنيون يجهزون جثماني بحارين باكستانيين قُتلا في هجوم حوثي على سفينة شحن (أ.ب)

وأشار المفوض السامي إلى سقوط 17 ضحية مدنية جراء هجمات حوثية استهدفت مناطق خاضعة لسيطرة الحكومة اليمنية منذ السادس من أغسطس (آب) الحالي، في مؤشر على اتساع نطاق المخاطر التي تهدد السكان والمنشآت المدنية بالتزامن مع التصعيد العسكري المتواصل.

وأكد تورك أن الشعب اليمني عانى «بشكل كبير جداً» جراء التركة المدمرة لسنوات الصراع والنزوح والأزمة الإنسانية، داعياً إلى خفض التصعيد وتجنيب اليمنيين المزيد من المعاناة، والوقف الفوري لأي أعمال قد تدفع البلاد مجدداً نحو صراع شامل.

هجمات في عدة جبهات

تأتي التحذيرات الأممية في أعقاب سلسلة هجمات حوثية طالت مواقع مدنية ومرافق حيوية، من بينها مخيم جو النسيم للنازحين في محافظة مأرب، حيث أصيب ستة مدنيين، بينهم طفل، وفق ما أوردته الأمم المتحدة.

كما طالت الهجمات ميناء المخا في محافظة تعز، ومضيق باب المندب، في تطور يربط بين مسارين متوازيين من التصعيد؛ أولهما يضغط على السكان والمنشآت داخل اليمن، والآخر يهدد حركة الملاحة والتجارة الدولية في أحد أكثر الممرات البحرية حساسية في المنطقة.

لحظة انفجار صواريخ حوثية أطلقت على ميناء المخا اليمني (أ.ف.ب)

ويحمل استهداف الموانئ والسفن التجارية تداعيات تتجاوز الأضرار المباشرة؛ إذ يمكن أن ينعكس على كلفة النقل والشحن والتأمين، ويزيد صعوبة وصول السلع إلى الأسواق اليمنية، في وقت يعتمد فيه ملايين السكان على الواردات لتلبية احتياجاتهم الأساسية.

وتزداد حساسية هذه التطورات في ظل هشاشة الاقتصاد اليمني وتراجع قدرة الأسر على تحمل أي ارتفاعات جديدة في أسعار الغذاء والسلع الأساسية، ما يجعل أي اضطراب في حركة الموانئ أو خطوط الإمداد عاملاً إضافياً في تعميق الضغوط المعيشية.

وفي هذا السياق، لا تنظر الحكومة اليمنية إلى التصعيد باعتباره ملفاً عسكرياً وأمنياً فقط، بل باعتباره تهديداً مباشراً لسلاسل الإمداد والأسواق والاستقرار التمويني، وهو ما دفع وزاراتها المعنية إلى التحرك على مسارات متوازية.

استنفار في قطاع النقل

في سياق هذه التداعيات، أجرى رئيس الوزراء اليمني شائع الزنداني زيارة تفقدية إلى وزارة النقل في عدن، للاطلاع على سير العمل في قطاعات النقل البري والبحري والجوي، ومستوى الجاهزية للتعامل مع التطورات الراهنة.

وعقد الزنداني اجتماعاً بقيادة الوزارة والهيئات والمؤسسات والشركات التابعة لها، جرى خلاله استعراض أوضاع قطاعات النقل وأولويات المرحلة المقبلة، إلى جانب خطط التعامل مع التصعيد الحوثي واستهداف الموانئ والمنشآت المدنية والسفن التجارية.

وبحسب الإعلام الرسمي، تناول الاجتماع أوضاع المنافذ البرية والبحرية والجوية ومستوى الاستعداد للتعامل مع مختلف الاحتمالات، بما يضمن استمرار حركة النقل والتجارة، وتأمين انسيابية حركة المسافرين والبضائع، والحفاظ على سلامة المنشآت الحيوية واستدامة الخدمات المرتبطة بها.

من آثار القصف الصاروخي الحوثي على ميناء المخا اليمني (أ.ف.ب)

وأكد الزنداني أن استهداف الموانئ والمنشآت المدنية، وفي مقدمتها ميناء المخا، والاعتداءات على السفن التجارية وتهديد الملاحة، تمثل تصعيداً خطيراً يستهدف الاقتصاد الوطني ومصالح المواطنين، وتتجاوز تداعياته حدود اليمن لتطال أمن الملاحة والتجارة الدولية في المنطقة.

وشدد على أن حماية المنشآت الحيوية واستمرارية عمل الموانئ والمنافذ وقطاعات النقل تمثل أولوية في المرحلة الحالية، موجهاً وزارة النقل برفع مستوى الجاهزية وتعزيز التنسيق مع أجهزة الدولة واتخاذ التدابير اللازمة للتعامل مع أي طارئ، وفق خطط واضحة تقلل آثار أي استهداف أو تعطيل محتمل.

وفي الوقت نفسه، ربط الزنداني بين مواجهة مخاطر التصعيد وإصلاح قطاع النقل، مشيراً إلى أن هذا القطاع يواجه اختلالات تراكمت خلال سنوات الحرب، وأن المرحلة المقبلة تتطلب الانتقال من المعالجات المؤقتة إلى إصلاحات مؤسسية شاملة تعيد بناء قدراته وتفعّل دوره في الاقتصاد والخدمات.

وأكد أهمية استعادة ميناء عدن لمكانته بوصفه ميناء محورياً في المنطقة، وتعزيز قدراته التشغيلية والإدارية والفنية، معتبراً أن تطوير قطاع النقل يحتاج أيضاً إلى شراكة حقيقية مع القطاع الخاص وتوفير بيئة مؤسسية وتشريعية تسمح له بالمساهمة في تطوير البنية التحتية والخدمات.

حماية الغذاء والأسواق

في ظل هذه التطورات، شدد وزير الصناعة والتجارة محمد الأشول على رفع مستوى الجاهزية واليقظة وتعزيز العمل الاستباقي؛ لمواجهة أي تداعيات محتملة على الأسواق وسلاسل الإمداد والمخزون الغذائي.

وقال الأشول، خلال ترؤسه اجتماعاً موسعاً لمديري عموم مكاتب الوزارة في المحافظات الخاضعة للحكومة، إن التصعيد الحوثي واستهداف السفن التجارية والموانئ والمنشآت الحيوية، وفي مقدمتها ميناء المخا، يفرضان مضاعفة الجهود للحد من انعكاساته على حركة التجارة وكلفة الشحن والتأمين وتدفق السلع والأسعار.

ودعا إلى الانتقال من التعامل مع الأزمات بعد وقوعها إلى استباقها، من خلال رصد المؤشرات والتعامل معها في وقت مبكر، بما يحافظ على استقرار الأسواق ويحمي معيشة المواطنين.

صاروخ أطلقه الحوثيون على ميناء المخا اليمني في جنوب البحر الأحمر (رويترز)

ووجه مكاتب الوزارة بإعطاء المخزون الاستراتيجي من السلع الغذائية الأساسية أولوية قصوى، وإعداد قواعد بيانات محدثة بشأن الكميات المتوافرة ومدد التغطية التموينية والشحنات المقبلة والمخاطر المحتملة، إلى جانب تكثيف التواصل مع الغرف التجارية وكبار التجار والمستوردين لتذليل الصعوبات أمام النشاط التجاري.

وفي المقابل، شدد الوزير على عدم التهاون مع الاحتكار أو إخفاء السلع أو تخزينها بقصد افتعال الأزمات واستغلال احتياجات المواطنين، مطالباً بتكثيف الحملات الرقابية ومتابعة الأسعار والتحرك ضمن الصلاحيات قبل تحول أي اضطراب في الإمدادات إلى أزمة أوسع.

كما طالب مكاتب الوزارة برفع تقارير دورية تستند إلى الأرقام والمؤشرات والتحليل والتوصيات، بدلاً من التقارير الإنشائية، بحيث تتمكن الوزارة من اتخاذ قرارات سريعة في مواجهة أي اختلالات محتملة.


مقالات ذات صلة

البيضاء... «المفتاح المنسي» في خريطة الحرب اليمنية

تحليل إخباري تبرز محافظة البيضاء بوصفها واحدة من أهم العُقد الجغرافية في الصراع (مركز عناوين للدراسات)

البيضاء... «المفتاح المنسي» في خريطة الحرب اليمنية

تبرز محافظة البيضاء بوصفها واحدة من أهم العقد الجغرافية في الصراع، ونقطة قد يكون لتحرك خطوط القتال فيها تأثير يتجاوز حدودها إلى 8 محافظات يمنية.

عبد الهادي حبتور (الرياض)
العالم العربي آلاف الأسر اليمنية في ريف تعز الغربي هربت من مناطقها جرَّاء تصعيد الحوثيين (أ.ف.ب)

الحوثيون ينكِّلون بسكان ريف تعز ويحتجزونهم دروعاً بشرية

الحوثيون يحاصرون سكان قرى غرب تعز، ويمنعونهم من النزوح، وسط اعتقالات ومداهمات واستخدام المدنيين دروعاً بشرية، ونزوح مئات الأسر إلى مناطق أكثر أمناً.

محمد ناصر (عدن)
العالم العربي قوات الجيش اليمني تخوض معارك ضارية ضد الحوثيين في محاور غرب تعز (إعلام عسكري)

الجيش اليمني يوسِّع المعارك... من الجوف شرقاً إلى الساحل غرباً

وسَّع الجيش اليمني عملياته ضد الحوثيين من الجوف إلى الساحل الغربي، مع تقدم في تعز، وغارات جوية استهدفت مواقع للجماعة في البيضاء والضالع ومأرب.

«الشرق الأوسط» (عدن)
خاص الدكتور الحسن طاهر محافظ الحديدة (تسجيل مرئي متداول)

خاص محافظ الحديدة لـ«الشرق الأوسط»: قواتنا تتقدم وعازمون على تحرير كامل الساحل الغربي

كشف الدكتور الحسن طاهر، محافظ الحديدة، عن تقدم القوات الحكومية اليمنية في جميع المحاور العسكرية، خصوصاً محوري الساحل الغربي وتعز.

عبد الهادي حبتور (الرياض)
العالم العربي جنود من القوات الحكومية اليمنية على متن عربة عسكرية في مدينة حيس جنوب شرقي الحديدة (أ.ف.ب)

الجيش اليمني يطارد الحوثيين جنوب شرقي الحديدة

دخل التصعيد البري الذي بدأته الجماعة الحوثية في الساحل الغربي اليمني وتعز يومه الرابع، أمس، مع انتقال القوات الحكومية من احتواء الهجوم إلى ملاحقة عناصر الجماعة.

«الشرق الأوسط» (عدن)

معارك اليمن... فتح محاور جديدة يربك التحصينات الحوثية

وقفة احتفالية لمقاتلي الجيش اليمني بعد تحقيق تقدم على حساب الحوثيين في الجوف (إكس)
وقفة احتفالية لمقاتلي الجيش اليمني بعد تحقيق تقدم على حساب الحوثيين في الجوف (إكس)
TT

معارك اليمن... فتح محاور جديدة يربك التحصينات الحوثية

وقفة احتفالية لمقاتلي الجيش اليمني بعد تحقيق تقدم على حساب الحوثيين في الجوف (إكس)
وقفة احتفالية لمقاتلي الجيش اليمني بعد تحقيق تقدم على حساب الحوثيين في الجوف (إكس)

حقق الجيش اليمني والمقاومة الوطنية، اليوم الاثنين، تقدماً نوعياً في جبهات محافظات تعز والبيضاء والجوف، وسط انكسارات متتالية وتقهقر في صفوف الجماعة الحوثية، في حين تشهد محافظة الجوف تحركاً قبلياً مسانداً للقوات الحكومية بعد تحقيقها تقدماً ميدانياً.

وأعلن المركز الإعلامي للقوات المسلحة اليمنية أن القوات الحكومية حققت اختراقاً ميدانياً في جبهة البيضاء (وسط البلاد)؛ إذ تمكنت من «تحرير مواقع حيد الخزان ومواقع الفليحان وصولاً إلى عزلة الناصفة وأول قراها قرية ذي امخشب»، في خطوة تمنح القوات تفوقاً جغرافياً لقطع إمدادات الحوثيين بين المحافظات الوسطى والجنوبية.

ويأتي هذا التقدم بالتزامن مع فرض السيطرة على كافة التلال والهضاب المطلة على مديرية الزاهر.

وأكد مدير إعلام محافظة البيضاء، عارف العمري، أن القوات المسلحة أحكمت سيطرتها على المرتفعات الاستراتيجية المطلة على مديرية الزاهر، وتباشر حالياً تمشيط عزلة الناصفة تمهيداً للتقدم نحو منطقة «ذي ناعم»، في تطور يعزز موقف القوات الحكومية بالمحافظة.

غارة لطيران الجيش اليمني في مديرية الزاهر بمحافظة البيضاء (إكس)

من جانبه، أشار المتحدث باسم القوات اليمنية، العقيد الركن ماجد النزيلي، إلى أن القوات المسلحة تحقق تقدماً وانتصارات متزامنة في جبهتي الجوف والبيضاء، «في إطار العمليات الرامية إلى استعادة مؤسسات الدولة وإنهاء الانقلاب الحوثي»، داعياً عناصر الجماعة إلى مغادرة محاور التقدم وترك مواقعهم مع أسلحتهم الخفيفة حفاظاً على أرواحهم.

وفي المحور الغربي، تمكنت القوات المشتركة من تأمين شريان حيوي يربط مدينة تعز بالساحل الغربي، عقب دحر الجيوب الحوثية المتمركزة في المرتفعات الحاكمة؛ حيث أكد المركز الإعلامي «إحكام السيطرة على نقيل وجبل الكورة بجبهة الكدحة غرب تعز».

كما استهدفت القوات الحكومية تعزيزات عسكرية حوثية ضخمة قرب مدرسة الروض بمفرق شرعب ومنطقة الربيعي غرب المدينة، تضم أكثر من 21 عربة عسكرية كانت متجهة لدعم جبهات البرح ومقبنة ومهاجمة «جبل هان»، مما أسفر عن خسائر فادحة في الأفراد والعتاد.

وبدأت في محافظة الجوف تحركات لمساندة القوات المسلحة اليمنية في عملياتها العسكرية ضد الجماعة الحوثية بالتزامن مع التقدم الميداني المتواصل للقوات في عدد من جبهات المحافظة، في تطور ميداني موازٍ للعمليات العسكرية الحكومية.

طبقاً لمصادر محلية، فإن القبائل باشرت التحرك باتجاه مديرية اليتمة شمال المحافظة لمساندة القوات الحكومية عقب سيطرتها على عدة مناطق ومواقع ومعسكرات استراتيجية خلال العملية العسكرية الجارية هناك، لزيادة الضغط على مواقع الجماعة التي بدأت بالانكسار.

وتقدمت القوات المسلحة اليمنية في المحافظة، الاثنين، باتجاه مدينة الحزم، وسيطرت على مواقع استراتيجية في محيطها، إلى جانب التقدم في معسكر اللبنات ومواصلة العمليات لتأمين المناطق المحررة.

وتأتي جميع هذه التطورات غداة إعلان القوات اليمنية تحرير مديرية حيس بمحافظة الحديدة بالكامل، وبدء التحرك شمالاً نحو مديرية الجراحي، لتضع الملف اليمني أمام منعطف ميداني يعيد رسم خريطة النفوذ، بعد نجاح القوات الحكومية والمشتركة في تحويل مسار الهجوم الحوثي بالساحل الغربي إلى هجوم مضاد استعاد زمام المبادرة.

Your Premium trial has ended


العراق يطّلع على التجربة المصرية في معالجة المياه وإعادة استخدامها

وزير الري المصري هاني سويلم يستقبل وفداً فنياً رفيع المستوى من وزارة الموارد المائية العراقية لتعزيز التعاون وتبادل الخبرات (الري المصرية)
وزير الري المصري هاني سويلم يستقبل وفداً فنياً رفيع المستوى من وزارة الموارد المائية العراقية لتعزيز التعاون وتبادل الخبرات (الري المصرية)
TT

العراق يطّلع على التجربة المصرية في معالجة المياه وإعادة استخدامها

وزير الري المصري هاني سويلم يستقبل وفداً فنياً رفيع المستوى من وزارة الموارد المائية العراقية لتعزيز التعاون وتبادل الخبرات (الري المصرية)
وزير الري المصري هاني سويلم يستقبل وفداً فنياً رفيع المستوى من وزارة الموارد المائية العراقية لتعزيز التعاون وتبادل الخبرات (الري المصرية)

يستهدف العراق الاستفادة من التجربة المصرية في مجال معالجة وإعادة استخدامات المياه؛ إذ بحث وفد فني عراقي نظم وتطبيقات الري الحديث المطبقة في مصر.

وأكد وزير الري المصري هاني سويلم، الاثنين، حرص بلاده على «إتاحة خبراتها وتجاربها للأشقاء في العراق، في ظل التحديات المتزايدة التي تواجه قطاع المياه العراقي»، مضيفاً حسب إفادة لوزارة الري المصرية، أن «تبادل الخبرات يمثل أحد محاور التعاون المهمة مع بغداد».

وزار وفد فني رفيع المستوى من وزارة الموارد المائية العراقية مصر، وضم ثمانية من كبار الخبراء والمهندسين العراقيين. ووفق بيان «الري المصرية»، تأتي الزيارة لـ«تعزيز التعاون الفني وتبادل الخبرات بين القاهرة وبغداد، والتعرف على التجربة المصرية في إدارة الموارد المائية والاعتماد على التكنولوجيا الحديثة في هذا المجال».

الوفد العراقي يضم ثمانية من كبار الخبراء والمهندسين (وزارة الري المصرية)

وتمتلك مصر خبرات عديدة في نظم الري الحديث، وإعادة استخدامات المياه، وفق خبراء مياه مصريين، أشاروا أيضاً إلى أن «العراق يواجه تحديات عديدة في مجال المياه خلال السنوات الأخيرة، تتعلق بعجز مائي وإشكاليات تتعلق بصعوبات في خدمات الصرف الزراعي».

وخلال الزيارة عرض مسؤولون في وزارة الري المصرية للوفد العراقي نظم وتطبيقات الري الحديث، ومشروعات معالجة مياه الصرف الزراعي وإعادة استخدامها.

وحسب البيان المصري، زار الوفد العراقي متحف الري بالعاصمة الجديدة، والمركز القومي لبحوث المياه في القناطر الخيرية، ومحطة الدلتا الجديدة لمعالجة مياه الصرف الزراعي، ومنظومة المراقبة المركزية للتعرف على أحدث النظم المستخدمة في متابعة وتشغيل منظومات المياه.

وشدد وزير الري المصري على أن «تبادل الخبرات أحد المحاور المهمة لتعزيز التعاون» بين بلاده والعراق، وأشار إلى حرص بلاده على «إتاحة خبراتها وتجاربها الناجحة للأشقاء العرب والأفارقة، خاصة في ظل التحديات المتزايدة التي تواجه قطاع المياه»، وأكد أهمية «الاستفادة من التجارب والحلول الناجحة في تطوير منظومات إدارة الموارد المائية».

وفد فني عراقي يتفقد نظم الري المصرية (وزارة الري المصرية)

ونقل البيان عن الجانب العراقي «إشادته بما حققته الدولة المصرية من نجاح كبير في مجال معالجة وإعادة استخدام مياه الصرف الزراعي، وخاصة من خلال محطات المعالجة الكبرى (الدلتا الجديدة وبحر البقر والمحسمة)»، وأكد «الرغبة في الاستفادة من هذه التجربة المصرية الناجحة ونقل الخبرات والتطبيقات المناسبة منها إلى العراق».

ويرى خبير المياه المصري ضياء القوصي أن «الخبرات المصرية يمكنها أن تساعد في مواجهة تحديات المياه التي يواجهها العراق خلال السنوات الأخيرة»، وأشار إلى أن «الجانب العراقي يبحث عن حلول لتحلية المياه وإعادة استخدامها، واستصلاح الأراضي الصحراوية في ظل إشكاليات العجز المائي».

وأوضح القوصي، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن «مصر لديها خبرات في إدارة الموارد المائية، والصرف الزراعي، وإعادة استخدامات المياه»، إلى جانب «تجربة تحلية المياه واستخدامها في الزراعة»، وقال إن «الجانب العراقي في حاجة إلى أنظمة ومعدات الري الحديث إلى جانب الدعم الفني في مجال المياه، وكلها جوانب يمكن أن توفرها الخبرات المصرية».

وزار الوفد العراقي إحدى المزارع النموذجية التي تعتمد على الري الحديث، حسب «الري المصرية».

وتتشابه التحديات المائية لدى العراق مع مصر، من حيث العجز في الموارد المائية، مع وجود خلافات على منابع نهرَي دجلة والفرات، بسبب مشروعات تركية على النهرين، وفق أستاذ الموارد المائية بجامعة القاهرة عباس شراقي، الذي قال إن «الحكومة العراقية تريد التعرف على التجربة المصرية في التعامل مع هذه التحديات».

وأوضح شراقي أن «هناك تعاوناً قائماً بين القاهرة وبغداد في مجال المياه»، وأشار إلى أن «مصر حققت نقلات في جوانب الإدارة الذكية للمياه، ومعالجة مياه الصرف الزراعي، وتحلية مياه البحر، واستخدامها في الزراعة»، وقال إن «هذه التجارب يمكن تصديرها للجانب العراقي».


البيضاء... «المفتاح المنسي» في خريطة الحرب اليمنية

تبرز محافظة البيضاء بوصفها واحدة من أهم العُقد الجغرافية في الصراع (مركز عناوين للدراسات)
تبرز محافظة البيضاء بوصفها واحدة من أهم العُقد الجغرافية في الصراع (مركز عناوين للدراسات)
TT

البيضاء... «المفتاح المنسي» في خريطة الحرب اليمنية

تبرز محافظة البيضاء بوصفها واحدة من أهم العُقد الجغرافية في الصراع (مركز عناوين للدراسات)
تبرز محافظة البيضاء بوصفها واحدة من أهم العُقد الجغرافية في الصراع (مركز عناوين للدراسات)

​في قلب الخريطة اليمنية، وبعيداً عن جبهات مأرب وتعز والساحل الغربي التي استحوذت طوال سنوات على الاهتمام العسكري والسياسي، تبرز محافظة البيضاء بوصفها واحدة من أهم العقد الجغرافية في الصراع، ونقطة قد يكون لتحرك خطوط القتال فيها تأثير يتجاوز حدودها إلى 8 محافظات يمنية.

تبرز محافظة البيضاء بوصفها واحدة من أهم العُقد الجغرافية في الصراع (مركز عناوين للدراسات)

وتشير دراسة استراتيجية أعدَّها «مركز عناوين للبحوث ودراسة التحولات» إلى أن أهمية البيضاء لا تنبع من ثقل اقتصادي ولا سكاني استثنائي، وإنما من موقعها الذي يجعلها «عقدة وصل عملياتية واجتماعية» بين مناطق شمال اليمن وشرقه وجنوبه.

العميد الركن ياسر صالح، المحلل العسكري والاستراتيجي، يرى أن الأهمية الكبرى لمحافظة البيضاء تكمن في أنها تحولت إلى منصة لاستهداف الملاحة الدولية في خليج عدن والبحر العربي.

وقال صالح في حديث لـ«الشرق الأوسط»، إن «نحو 90 في المائة من الهجمات الحوثية باتجاه البحر العربي كانت من البيضاء، مستغلة الطبيعة الجغرافية، وبالتالي استماتة (الحرس الثوري) الإيراني على تحصين هذه المحافظة لاستمرار تهديد الملاحة الدولية في البحر العربي وخليج عدن».

وتجاور البيضاء محافظات مأرب وشبوة وأبين ولحج والضالع وإب وذمار وصنعاء، وهو وضع جغرافي نادر يجعل السيطرة عليها قادرة على التأثير في شبكة واسعة من الجبهات وخطوط الإمداد والمناورة.

ومع ارتفاع منسوب التوتر العسكري أخيراً، وعودة الحديث عن جاهزية الجبهات الحكومية لأي تصعيد محتمل، تطرح الدراسة سؤالاً يتجاوز حدود المحافظة: هل يمكن أن تصبح البيضاء إحدى ساحات الاختبار الرئيسية لأي انتقال من حالة الاستنزاف الراهنة إلى مواجهة أوسع مع الحوثيين؟

«عقدة وصل» بين 8 محافظات

حسب دراسة «مركز عناوين»، لا ينبغي النظر إلى البيضاء بوصفها مساحة جغرافية واحدة مركزها مدينة البيضاء، وإنما شبكة من المرتفعات والأودية والعقبات والطرق التي تتجه نحو محاور مختلفة.

فشمال المحافظة وشمالها الغربي يرتبطان برداع وقيفة وصولاً إلى ذمار وصنعاء، بينما يتصل شمالها الشرقي بردمان وناطع ونعمان، وصولاً إلى جنوب مأرب وبيحان في شبوة.

ومن الجنوب، يمتد محور مكيراس وعقبة ثرة باتجاه لودر في أبين، بينما يتصل جنوبها الغربي بالزاهر ويافع ولحج والضالع.

هذه الجغرافيا -وفق الدراسة- تمنح البيضاء قيمة تفوق وزنها الاقتصادي؛ إذ تستطيع القوة المسيطرة عليها تحريك الضغط العسكري بين جبهات عدة، أو منع خصومها من استخدام تلك المسارات.

ماذا تعني خسارتها للحوثيين؟

من منظور الحوثيين، توفر البيضاء عمقاً دفاعياً يحمي المداخل الجنوبية باتجاه ذمار وصنعاء، كما تسمح بنقل القوات والمعدات، والمناورة بين جبهات مأرب وشبوة والضالع وإب.

ويشير «مركز عناوين» إلى أن السيطرة على المرتفعات في ناطع ونعمان والزاهر ومكيراس تمنح الحوثيين أيضاً قدرة على الضغط على الوديان والمناطق المنخفضة المجاورة.

قائد المنطقة العسكرية الرابعة اللواء حمدي شكري خلال زيارة حديثة لمحور تعز العسكري (القوات المسلحة)

ولذلك ترجح الدراسة ألا يتعامل الحوثيون مع أي تهديد جدي للبيضاء بوصفه معركة محلية؛ بل قد يلجأون إلى دفاع متعدد الطبقات، مع إمكانية فتح جبهات أخرى لتشتيت خصومهم ومنعهم من تركيز قوتهم في محور واحد.

بدوره، يعتقد العميد ياسر صالح أن أي عمليات عسكرية في البيضاء من شأنها «ليس فقط تشتيت الضغط على جبهات الجماعة الحوثية؛ بل تستطيع أن تعزل المحافظات الوسطى في البلاد بالسيطرة عليها والتقدم إلى محافظة ذمار، وقد تُسقط كل ما تبقى من أيدي الجماعة في محافظة الضالع، ومحافظتي تعز وإب، دون الحاجة لعمليات عسكرية واسعة؛ لأن ذلك يقطع خطوط الإمداد تماماً»، على حد تعبيره.

وأضاف: «كذلك تؤمن المحافظات الشرقية والجنوبية والجنوبية الشرقية لمحافظة البيضاء ومأرب، إلى جانب فتح الطرق وخطوط الإمداد باتجاه شبوة وحضرموت».

ويمكن لاستعادة البيضاء -حسب الدراسة- أن تمنح القوات الحكومية مجموعة من المكاسب المتزامنة، من بينها تأمين بيحان وشمال أبين وأجزاء من الضالع، وإبعاد جزء من الضغط عن جنوب مأرب، وتهديد خطوط الحوثيين باتجاه ذمار وإب.

والأهم أن فتح جبهة فاعلة في البيضاء قد يجبر الحوثيين على توزيع قواتهم على نطاق أوسع، بدلاً من حشدها في جبهة رئيسية واحدة.

لكن الدراسة تحذِّر من أن وجود قوات متعددة بقيادات متوازية، أو ضعف التنسيق والإمداد والاستخبارات المحلية، يمكن أن يعيد إنتاج إخفاقات مراحل سابقة، عندما حققت القوات المناهضة للحوثيين تقدماً في أطراف المحافظة، من دون القدرة على تحويله إلى مكسب استراتيجي دائم.

نجاح أي عملية في البيضاء

وتخلص الدراسة إلى أن نجاح أي عملية محتملة في البيضاء لن يقاس بعدد المديريات التي يمكن السيطرة عليها، وإنما بالقدرة على الاحتفاظ بالأرض، وتأمين خطوط الإمداد، وإيجاد قيادة عمليات موحدة، وبناء تفاهمات مع القوى المحلية، ثم إدارة المناطق وتوفير الخدمات بعد انتهاء المعارك.

تؤكد الدراسة أن نجاح أي عملية في البيضاء تقاس بالقدرة على الاحتفاظ بالأرض وتأمين خطوط الإمداد وإيجاد قيادة عمليات موحدة (القوات المسلحة اليمنية)

وبذلك، قد لا تكون البيضاء «المفتاح السحري» لإنهاء الحرب، ولكنها تبقى إحدى أكثر قطع الخريطة اليمنية قدرة على تغيير اتجاهها.

وتصفها الدراسة بأنها «عقدة وصل وميزان»؛ السيطرة عليها لا تحسم الحرب وحدها، ولكنها يمكن أن تعيد توزيع الضغط على 8 محافظات، وتفرض على أطراف الصراع حسابات عسكرية مختلفة تماماً.