مانويل بونس دي ليون يغوص في النفس البشرية على درب الذهب

المخرج الكولومبي قال لـ«الشرق الأوسط» إن الحنين يعيد تشكيل ذكرياتنا

عُرِض الفيلم في مهرجان «لوكارنو» (لايتس أون)
عُرِض الفيلم في مهرجان «لوكارنو» (لايتس أون)
TT

مانويل بونس دي ليون يغوص في النفس البشرية على درب الذهب

عُرِض الفيلم في مهرجان «لوكارنو» (لايتس أون)
عُرِض الفيلم في مهرجان «لوكارنو» (لايتس أون)

قال المخرج الكولومبي مانويل بونس دي ليون إن فيلمه «كل رحلاتي هي رحلات عودة» (In All My Journeys I Am Returning) لم يكن يوماً مشروعاً تاريخياً بالمعنى التقليدي، بل انطلق منذ البداية من رغبة في استكشاف العالم الداخلي للإنسان. وأكد أن الرحلة التي يخوضها أبطال الفيلم ليست رحلة إلى مكان بقدر ما هي رحلة إلى الذاكرة والحنين والهوية. ولم يكن هذا التصور وليد مراحل الكتابة، بل كان حاضراً منذ اللحظة الأولى؛ إذ ظل اهتمامه بالذاكرة يمثّل القاسم المشترك بين جميع أعماله السابقة.

وأضاف مانويل بونس دي ليون، في مقابلة مع «الشرق الأوسط» عبر البريد الإلكتروني، أن الحنين، بالنسبة إليه، ليس مجرد استرجاع للماضي، بل عملية إبداعية يعيد الإنسان من خلالها تشكيل ذكرياته كلما عاد إليها. ولفت إلى أن الذاكرة لا تعمل بوصفها أرشيفاً يحتفظ بالأحداث كما وقعت، وإنما تعيد إنتاجها وفقاً لمشاعر الإنسان وتجربته الراهنة؛ ما يجعل العودة إلى الماضي فعلاً من أفعال الخيال بقدر ما هي استدعاء لما حدث بالفعل.

مخرج الفيلم الكولومبي مانويل بونس دي ليون (تصوير: إليسا تريانا)

وأشار إلى أن «هذه الحالة تمنح الإنسان فرصة للتأمل العميق، وتجعله يعيش ما يشبه الحلم وهو في كامل وعيه؛ فالسفر إلى المجهول يظل من أكثر التجارب قدرة على استحضار هذا النوع من التأمل الداخلي».

وتدور أحداث فيلم «كل رحلاتي هي رحلات عودة» (In All My Journeys I Am Returning) في كولومبيا خلال القرن التاسع عشر؛ إذ يقرر الزوجان السويديان كارل وبيترونيلا الإبحار عبر نهر ماغدالينا بحثاً عن منجم ذهب يعتقدان أنه سيمنحهما مستقبلاً جديداً. غير أن الرحلة تتجاوز هدفها الأول شيئاً فشيئاً. وعُرِض الفيلم للمرة الأولى في الدورة الماضية من «مهرجان لوكارنو السينمائي» في سويسرا.

وأوضح المخرج الكولومبي أن «التحدي الحقيقي في أثناء تطوير المشروع لم يكن مرتبطاً ببناء التحولات النفسية للشخصيات؛ لأن هذه التحولات كانت واضحة في ذهني منذ المراحل الأولى، وإنما تمثّل في العثور على الرحلة الفعلية القادرة على تجسيد هذه التحولات بصرياً».

وأضاف أن «فريق العمل انشغل طويلاً بالبحث عن المسار الجغرافي الذي يمكن أن يقود الشخصيات إلى تلك المناطق الخفية في دواخلها، بحيث تصبح الحركة في المكان انعكاساً مباشراً لما يحدث في الداخل، لا مجرد انتقال من نقطة إلى أخرى؛ لأن الفيلم بُني منذ البداية على العلاقة بين الرحلتين الخارجية والداخلية، ولا يمكن لإحداهما أن تكتمل من دون الأخرى».

ورأى بونس دي ليون أن استلهام عنوان الفيلم من قصيدة للشاعر الكولومبي ليون دي غريف لم يكن يعني تحويل القصيدة نصاً سينمائياً أو محاولة شرحها للمشاهد، بل كان سعياً إلى ابتكار لغة بصرية تمتلك الحس الشعري نفسه. وأوضح أن فريق كتابة السيناريو اتفق منذ البداية على الابتعاد عن أي معالجة مباشرة للنص الأدبي؛ لأن الهدف لم يكن تفسير القصيدة، وإنما نقل الأثر العاطفي الذي تركته في نفوسهم إلى الشاشة.

صُوّر الفيلم في ظروف صعبة (لايتس أون)

وأضاف أن «هذه المهمة كانت من أصعب المراحل التي مرَّ بها المشروع؛ لأن شعر ليون دي غريف يتميَّز بكثافة رموزه واتساع تأويلاته؛ ما جعل التوصل إلى صيغة سينمائية تحافظ على روحه من دون أن تتحول إلى اقتباس أدبي مباشر، أمراً بالغ التعقيد».

وأشار إلى أن السيناريو مرَّ بمسودات كثيرة، وسبقته سنوات من السفر والبحث والحوار، إلى جانب تجارب متعددة جمعت بين السينما الوثائقية والروائية، حتى بدأ الفيلم يكشف تدريجياً عن شكله النهائي. ولفت إلى أن العمل على الفيلم تحوَّل، مع مرور الوقت، رحلةً شخصية بالنسبة إليه، لا تقل عمقاً عن الرحلة التي يخوضها أبطاله في الأحداث.

وأوضح المخرج الكولومبي أن البعد الشخصي للفيلم لا يقتصر على علاقته بقصيدة ليون دي غريف، بل يمتد أيضاً إلى علاقته بوالده، الذي كان شاعراً وصاحب التأثير الأكبر في تكوينه الإنساني والفني.

وقال إن الفيلم يمثّل، في جانب كبير منه، حواراً مستمراً مع والده، ليس عبر الكلمات وحدها، بل من خلال الطريقة التي تعلّم بها النظر إلى الطبيعة والتفاعل معها. وأشار إلى أن ذكريات طفولته كانت الشرارة الأولى التي أعادت إحياء هذا المشروع خلال سنوات إقامته في الخارج.

وأضاف أن والده لم يورثه حب الشعر فحسب، بل علّمه أيضاً تأمَّل تفاصيل العالم الطبيعي، بدءاً من حركة النهر، مروراً بالضباب الذي يغطِّي الجبال مع بزوغ الفجر، ووصولاً إلى الرياح والأشجار والشروق والغروب.

وأوضح أن هذه العناصر لم تدخل الفيلم بوصفها خلفيات جمالية، بل غدت جزءاً من اللغة التي تتواصل بها الشخصيات مع العالم من حولها. وأشار إلى أن الطبيعة، بالنسبة إليه، كيان حيّ يحمل ذاكرته الخاصة ويؤثر في مصائر الشخصيات بقدر ما تتأثر به؛ ما يفسّر الحضور الطاغي للمناظر الطبيعية في الفيلم.

ركَّز المخرج على الجوانب الإنسانية (لايتس أون)

وانتقل بونس دي ليون إلى الحديث عن فكرة الذهب، التي تبدو، في ظاهرها، المحرِّك الأساسي للأحداث، مؤكداً أنها «لا تمثّل، في الحقيقة، سوى رمز لكل الأوهام التي تدفع البشر إلى مغادرة أوطانهم والبحث عن حياة أخرى؛ فالإنسان يتحرَّك دائماً مدفوعاً بالاعتقاد بأن شيئاً ما ينقصه، وأن هذا الشيء موجود في مكان آخر، سواء أكان ثروة أم نجاحاً أم حياة أفضل أم شعوراً بالاكتمال».

وأوضح أن أكثر ما يثير اهتمامه هو المفارقة الناشئة بين التطلع إلى المستقبل والحنين إلى الماضي، عادَّاً أن كليهما يعتمد على الخيال؛ فالإنسان يتخيَّل المستقبل مثلما يتخيَّل الماضي، ويعيد تشكيلهما في ذهنه بالطريقة نفسها تقريباً. ولذلك؛ يرى أن السعي إلى المستقبل لا ينفصل عن الرغبة المستمرة في استعادة ما تركناه خلفنا.


مقالات ذات صلة

«أنغام وأفلام»... الماضي الذي لم يُغادرنا له موعدٌ في بيروت

يوميات الشرق «أنغام وأفلام»... حفل تجلس فيه الذاكرة بين مقاعد الجمهور (الجهة المنظّمة)

«أنغام وأفلام»... الماضي الذي لم يُغادرنا له موعدٌ في بيروت

اختار المايسترو هاروت فازليان الاقتراب من الأعمال في صيغتها الأصيلة، بعيداً عن التغيير لمجرّد إظهار الاختلاف...

فاطمة عبد الله (بيروت)
يوميات الشرق الاتحاد يجعل صناعة الأفلام والمسلسلات امتداداً جديداً لحضوره خارج الملعب (النادي)

الاتحاد يمدد حضوره خارج الـ90 دقيقة… ويدخل صناعة الأفلام والمسلسلات

صنع الاتحاد على مدى عقود جانباً كبيراً من ذاكرته في 90 دقيقة، قبل أن يبحث اليوم عن مساحة تعيش فيها هذه الذاكرة خارج زمن المباراة عبر صناعة الأفلام والمسلسلات.

أسماء الغابري (جدة)
يوميات الشرق طاقم العمل خلال تصوير أحد مشاهد الفيلم (حساب المخرج بفيسبوك)

حسام أبو دان: «غزة 13» يروي أحلامنا التي قتلتها «حرب الإبادة»

قال المخرج الفلسطيني حسام أبو دان إن فيلمه الروائي الطويل الأول «غزة 13» هو أول فيلم روائي يتم تصويره في غزة بعد الحرب.

انتصار دردير (القاهرة)
يوميات الشرق المخرج الألماني فرنر هرتزوغ في مهرجان فينيسيا (د.ب.أ)

فرنر هرتزوغ لـ«الشرق الأوسط»: بطلتا فيلمي شقيقتان ملتحمتان في شخصية واحدة

قال المخرج الألماني فرنر هرتزوغ إن الرجال في أفلامه أقل تعاطياً مع العواطف والوجدانيات؛ فهم متمرِّدون على أنفسهم وعلى الآخرين، وقساة أيضاً.

محمد رُضا (فينيسيا)
يوميات الشرق الممثلة الأميركية سوزان ساراندون لحضور العرض الأول لفيلم «غرفة الصدى» خلال فعاليات مهرجان البندقية السينمائي الدولي الثالث والثمانين في مدينة البندقية بإيطاليا (إ.ب.أ)

سوزان ساراندون لا تزال تخسر أدواراً بسبب مواقفها حيال الحرب في غزة

كشفت الممثلة الأميركية سوزان ساراندون، الأحد، أنها ما زالت تُحرَم من بعض الأدوار في هوليوود بسبب انتقاداتها العلنية لحرب إسرائيل في غزة.

«الشرق الأوسط» (البندقية)

«أنغام وأفلام»... الماضي الذي لم يُغادرنا له موعدٌ في بيروت

«أنغام وأفلام»... حفل تجلس فيه الذاكرة بين مقاعد الجمهور (الجهة المنظّمة)
«أنغام وأفلام»... حفل تجلس فيه الذاكرة بين مقاعد الجمهور (الجهة المنظّمة)
TT

«أنغام وأفلام»... الماضي الذي لم يُغادرنا له موعدٌ في بيروت

«أنغام وأفلام»... حفل تجلس فيه الذاكرة بين مقاعد الجمهور (الجهة المنظّمة)
«أنغام وأفلام»... حفل تجلس فيه الذاكرة بين مقاعد الجمهور (الجهة المنظّمة)

في ليلة واحدة، ستعود أغنيات خرجت من أفلام صنعت جانباً من الذاكرة العربية إلى خشبة بيروت، محمولةً هذه المرّة على أصوات شابّة وأوركسترا حيّة. «أنغام وأفلام»، الذي تستضيفه «ميوزيك هول بيروت ووترفرونت» في 24 سبتمبر (أيلول)، يستعيد أعمالاً ارتبطت بعبد الحليم حافظ وفريد الأطرش وأسمهان ووردة وغيرهم، ضمن رؤية وضعها المايسترو هاروت فازليان، ويقود فيها الأوركسترا الوطنية للموسيقى الشرق عربية بتشكيل يضمّ 24 موسيقياً.

هاروت فازليان أمام ألحان لا تبدأ من الصفر... تبدأ من الذاكرة (الجهة المنظّمة)

تبدو الفكرة قريبة من حفلات استعادة الأغنيات القديمة، وإنما فازليان يضع لها نقطة انطلاق مختلفة. في حديثه مع «الشرق الأوسط»، يعود إلى جوهر مهنة قائد الأوركسترا، فيرى أنّ مَهمّته تقوم على صَوْغ العمل الموسيقي ومَنْحه التماسُك والشكل والتجانس، وجَمْع العازفين في تعبير واحد، سواء كان العمل سيمفونياً أو أوبرالياً أو أغنية عربية. هذا المبدأ لا يتغيَّر في «أنغام وأفلام»، فيما تزداد حساسية المَهمّة لأنّ المادّة الموسيقية سبقت الحفل بعقود، وحُفرت في ذاكرة الجمهور مقترنةً بأصوات وصُوَر ومَشاهد رافقتها طويلاً.

اختار فازليان الاقتراب من الأعمال في صيغتها الأصيلة، بعيداً عن التغيير لمجرّد إظهار الاختلاف. بالنسبة إليه، لهذه الألحان حياة داخل الذاكرة الجماعية، وما يحتاج إليه المسرح هو أن يمنحها حضوراً حيّاً من خلال الأوركسترا ويترك قوّتها العاطفية تعمل من داخلها.

ثمة أغنيات نكبُر نحن وتبقى هي في العُمر نفسه (الجهة المنظّمة)

أما خروج الأغنية من فيلمها، فلا يعني عنده خسارة أثرها البصري. يقول المايسترو: «حين تغيب الصورة، تمنح الجمهور حرّية أن يصنع صورته الخاصة». أغنية الحبّ التي كانت مرتبطة بشخصية ومشهد، تستطيع أن تتحرّر من تلك الحكاية لتصبح أقرب إلى ذاكرة المُستمع وتجربته الشخصية. كثيرٌ من هذه الأغنيات عاش خارج أفلامه منذ زمن، وصار قادراً على رواية حكايته من دون الشاشة.

تدخل النوستالجيا إلى الحفل من مكانها الطبيعي. فالمايسترو يعلم أنّ الأغنية الجيّدة تستطيع مخاطبة مَن عرفها قبل نصف قرن كما تستطيع الوصول إلى شخص يسمعها اليوم للمرّة الأولى. «الأغنية العظيمة لا تنتهي صلاحيتها»، يؤكد. لذلك يصبح الحفل محاولة لصنع لحظة مختلفة حول موسيقى عَبَرَت الزمن، يُشارك في تكوينها العازفون والمغنّون والجمهور معاً.

الأغنيات القديمة لا تسأل المُستمع عن عُمره (الجهة المنظّمة)

سيستمع هذا الجمهور إلى 4 أصوات هي اللبنانية سيندي لاتي، وعليا ندا وبيتر جوزيف ومحمد علي من مصر. واختيارهم يحمل بدوره حكاية موازية، تختصرها المُنتجة الإبداعية رلى تلج بمسار «From Social Media To Stage».. تقول لـ«الشرق الأوسط» إنها استمعت إلى نحو 1000 صوت عبر مواقع التواصل، قبل أن تنتقي هذه المجموعة وتضع أصواتها أمام أذن فازليان الموسيقيّة الصارمة، فلامست لديه حسّاً موسيقياً لا يُجامِل. أرادت تلج أن تبحث عن الأصوات في مكان لم تعتد صناعة المواهب أن تبحث فيه، وتنقل حناجر ألِفَت الغناء للناس عبر المنصات، إلى فضاء فنّي مُغاير، حيث الأوركسترا والجمهور والمسرح. وهذه النقلة هي في صلب المشروع الذي تتصوَّره، إذ ترى في موعد حفل بيروت فاتحةً لمشروع مستقبلي، مع خطط لجولات عربية وأوروبية وعروض على مسارح كبرى.

أقصر الطُرق إلى زمن مضى قد تكون أغنية (الجهة المنظّمة)

هذا الانتقال يضع المغنّين أمام امتحان حسّاس. الجمهور لا يتلقّى أغنية لعبد الحليم أو أسمهان بذاكرة فارغة، وكلّ صوت شاب يدخل مساحة مأهولة سلفاً. سيندي لاتي تقول لـ«الشرق الأوسط» إنّ ما وجدته في هذه الأغنيات هو مشاعر لا يحدّها زمن، ووَقْعها عليها يتغيَّر مع كلّ مرحلة تعيشها. وحين تؤدّي عملاً يحفظه الناس بصوت صاحبه، لا يشغلها أن تمحو ذلك الصوت من الذاكرة. هدفها الدخول إلى الأغنية بإحساسها وهويتها، فيشعر المستمع بشخصيتها من دون أن يفقد العمل الذي أحبَّه.

كانت الأغنية أطول لأنّ الشعور لم يكن مستعجلاً (الجهة المنظّمة)

وبيتر جوزيف يجد نفسه قريباً من عالم هذه الأغنيات رغم المسافة الزمنية. يتحدَّث عن ثراء الكلمات والألحان، والرقي في اختيار المفردات، ويرى أنّ هذه الصفات أقرب إلى ذائقته ممّا يطغى على أغنيات جيله. وفي الأداء، يضع صدق الإحساس في المقدّمة، فـ«المستمع يلتقط أولاً حقيقة الشعور قبل أيّ استعراض صوتي».

عليا ندا تذهب إلى مكان آخر في علاقتها بهذا الإرث. تستعيد زمناً كان يُتيح للمتلقّي التعمُّق في تفاصيل اللحن والمقامات وتحولاتها بين المقاطع، وتربط ذلك بإيقاع حياة أبطأ وبهوية فنّية تُميّز كلّ مطرب. بالنسبة إليها، تمنح هذه الأغنيات فرصة للخروج من سرعة اليوم والدخول في عمق موسيقي وعاطفي أطول، مع إقرارها بأنّ الأغنية المعاصرة لا تزال تُقدّم أعمالاً جميلة.

أربعة شبّان أمام أغنيات سبقت أعمارهم بسنوات طويلة (الجهة المنظّمة)

ويربط محمد علي قوة الطرب بالمقامات الموسيقية وبقدرة الأغنية القديمة على التمهُّل في وصف الحالة الإنسانية. ويرى أنّ طُول الأغنية كان يُتيح للكلمات أن تتوغَّل في التفاصيل، بينما تميل أغنيات كثيرة اليوم إلى الاختصار. وعندما يؤدّي عملاً معروفاً، يُفضّل الاقتراب من روح الأداء الأصلي وإضافة لمساته بهدوء، لأنّ المبالغة في إثبات الذات قد تصنع مسافة بين المُغنّي والجمهور.

بذلك يلتقي مساران في «أنغام وأفلام». موسيقى خرجت من أفلام قديمة تعود إلى الحاضر بأوركسترا وصوت حيّ، وأصوات شقَّت طريقها عبر مواقع التواصل تجد نفسها أمام جمهور وخشبة وذاكرة فنّية أثقل بكثير من شاشة هاتف. في 24 سبتمبر، لن يكون الماضي بعيداً بما يكفي لنشتاق إليه. سيصبح اختباراً لِمَا يبقى من الأغنية حين تتغيَّر الأزمنة، ولِمَا يُمكن لصوت جديد أن يُوقظه فيها من دون أن يُطفئ ما أحببناه أول مرّة.


الاتحاد يمدد حضوره خارج الـ90 دقيقة… ويدخل صناعة الأفلام والمسلسلات

الاتحاد يجعل صناعة الأفلام والمسلسلات امتداداً جديداً لحضوره خارج الملعب (النادي)
الاتحاد يجعل صناعة الأفلام والمسلسلات امتداداً جديداً لحضوره خارج الملعب (النادي)
TT

الاتحاد يمدد حضوره خارج الـ90 دقيقة… ويدخل صناعة الأفلام والمسلسلات

الاتحاد يجعل صناعة الأفلام والمسلسلات امتداداً جديداً لحضوره خارج الملعب (النادي)
الاتحاد يجعل صناعة الأفلام والمسلسلات امتداداً جديداً لحضوره خارج الملعب (النادي)

على مدى عقود، صنع نادي الاتحاد السعودي جانباً كبيراً من ذاكرته في 90 دقيقة؛ أهداف وبطولات ونجوم ومدرجات تناقلت حكاياتها أجيال من المشجعين.

واليوم، يبحث النادي عن مساحة أخرى تعيش فيها هذه الذاكرة خارج زمن المباراة، بعدما قرر الدخول إلى صناعة الأفلام والمسلسلات، وجعل الشاشة امتداداً جديداً لحضوره خارج الملعب.

الخطوة بدأت بإعلان النادي وشركة «تلفاز 11»، المتخصصة في تطوير وإنتاج المحتوى، شراكة استراتيجية طويلة الأمد، يتعاونا بموجبها على إنتاج أفلام ومسلسلات وأعمال ترفيهية موجهة إلى الجمهور في السعودية والمنطقة وخارجها، تجمع إرث «الاتحاد» وقاعدته الجماهيرية بخبرة الشركة في صناعة المحتوى وسرد القصص.

يقول رئيس الإعلام المؤسسي في النادي، رياض المزهر، لـ«الشرق الأوسط»، إن الفكرة انطلقت من إدارة الإعلام لديهم، ولم تُقتبس من تجربة نادٍ آخر، موضحاً أنه لا يعرف نادياً عربياً سبق الاتحاد إلى نموذج مماثل بهذه الصورة.

وكشف المزهر أن التوجه يقوم على إنتاج أعمال درامية وتجارية مشتركة ربما ترتبط بالرياضة أو تبتعد عنها تماماً؛ مضيفاً أن الاتحاد قد يظهر خلفيةً للأحداث، أو تكون إحدى شخصيات مسلسل من مشجعيه، أو يحضر اسم النادي بصورة طبيعية داخل القصة، فيما يظل العمل في جوهره درامياً.

وهنا تكمن الفكرة الأبعد للمشروع: ألا تكون الشاشة مكاناً يروي قصة «الاتحاد» فقط؛ بل فضاء يصبح النادي نفسه جزءاً من حكاياته. ولهذا استحدث استوديو خاصاً به بوصفه بيت إنتاج متخصصاً لتطوير وكتابة وإنتاج الأعمال، في خطوة تنقله من إتاحة اسمه ولاعبيه ومنشآته لصناع المحتوى إلى المشاركة في صناعة ما سيظهر على الشاشة.

والمشروع تجاوز بالفعل مرحلة الفكرة؛ إذ أفاد المزهر بأن العمل بدأ على أول مشروعين ضمن هذا التوجه، لكنه تحفظ على الكشف عن تفاصيلهما في الوقت الراهن.

الشراكة تجمع إرث «الاتحاد» وقاعدته الجماهيرية بخبرة «تلفاز 11» في صناعة المحتوى وسرد القصص (النادي)

ذاكرة تعبر الأجيال

لا يضع الاتحاد العائد المالي المباشر في مقدمة رهانه الجديد، بل تستهدف التجربة، بحسب المزهر، تعزيز حضور النادي وتقديمه من خلال الدراما «بطريقة ناعمة وليست موجهة بشكل مباشر»، فيما ستكون أي عوائد تحققها الأعمال مشتركة بين طرفي الشراكة.

فبينما اللاعب يعتزل، والبطولة تتحول مع مرور السنوات إلى تاريخ، ويأتي جيل لم يشاهد اللحظات التي صنعت ذاكرة من سبقه، يمنح الفيلم والمسلسل النادي طريقاً آخر لعبور الزمن؛ من خلال شخصية أو قصة أو تفصيل يستطيع أن يُبقي اسم الاتحاد وهويته ولاعبيه حاضرين لدى أجيال جديدة، وحتى لدى مشاهد ربما لا يتابع كرة القدم.

وبذلك تصبح الدراما بالنسبة إلى الاتحاد أداة من أدوات القوة الناعمة، من خلال حضور يتجاوز تعريف المشاهد بـ«النادي»، وإنما يجعله يلتقيه داخل قصة يريد معرفتها.

نمو السينما السعودية

لا يأتي اختيار نادي الاتحاد للشاشة في فراغ؛ بل في لحظة اكتسبت فيها صناعة السينما السعودية وزناً مختلفاً خلال سنوات قليلة؛ ففي 2025، بلغت إيرادات شباك التذاكر 920.8 مليون ريال (245 مليون دولار)، بنمو 8.9 في المائة عن العام السابق، مع بيع 18.8 مليون تذكرة وعرض 538 فيلماً.

لكن الرقم الأكثر دلالة على التحول يتعلق بالمحتوى المحلي نفسه؛ إذ حققت 11 فيلماً سعودياً خلال العام 122.6 مليون ريال (32.7 مليون دولار) من الإيرادات، بعد بيع 2.8 مليون تذكرة، مقارنة بنحو 56.8 مليون ريال (15 مليون دولار) للأفلام السعودية في 2024، بما يعني أن إيرادات الإنتاج المحلي تجاوزت الضعف خلال عام واحد.

وفي سوق أصبح فيها الفيلم السعودي قادراً على المنافسة على المشاهد وشباك التذاكر، يبدو دخول مؤسسة رياضية بحجم نادي الاتحاد إلى صناعة المحتوى امتداداً لتحول أكبر؛ فالسينما لم تعد مجرد مساحة عرض، بل أصبحت سوقاً للحكايات والهويات والملكية الفكرية.

أما «تلفاز 11»، فتأتي للشراكة بخبرة ممتدة من المحتوى الرقمي إلى إنتاج الأفلام والمسلسلات، ومن أعمالها «سطار» و«ناقة» و«مندوب الليل»، مع تجربة سابقة في الاقتراب من عالم الأندية الرياضية عبر الفيلم الوثائقي «الروح الزرقاء» عن نادي الهلال عام 2022.

دخول الاتحاد إلى صناعة المحتوى امتداد لتحول أكبر في سوق السينما (النادي)

حكاية ترسخ الهوية

يرى رئيس تحرير منصة «فاصلة» السينمائية، أحمد العياد، أن هذه الشراكة تمثل «خطوة مهمة وواعدة»، لأنها تجمع نادياً يمتلك تاريخاً طويلاً وقاعدة جماهيرية كبيرة بشركة لديها خبرة في صناعة المحتوى السينمائي والتلفزيوني.

ويضيف العياد أن الاتحاد يمتلك «مخزوناً ضخماً من الحكايات»، لا يتوقف عند بطولاته ونجومه، وإنما يمتد إلى علاقته بمدينة جدة وجماهيره في مختلف مناطق السعودية، بما يمنح الأعمال فرصة للوصول إلى جمهور يتجاوز مشجعي النادي نفسه.

لكن هذا المخزون وحده لا يضمن نجاح التجربة؛ فالعياد يضع شرطاً أساسياً أمام المشروع: أن تستطيع الأعمال تجاوز المحتوى الدعائي المباشر؛ لأن الجمهور يريد قصة حقيقية وممتعة، فيها النجاح والإخفاق والتحديات، لا مجرد عمل احتفائي بالنادي.

وهنا يكمن ربما أصعب اختبارات رهان الاتحاد على القوة الناعمة، ويتمثل في أن يكون النادي حاضراً بما يكفي لترسيخ هويته، وخفيفاً بما يكفي كي تبقى الحكاية هي البطل.

وبعد عقود صنع خلالها حضوراً في الملعب، يدخل الاتحاد اليوم تجربة مختلفة يسعى منها لأن يصبح شريكاً في صناعة ما يشاهده الجمهور، ويمنح ذاكرته طريقاً جديداً للعبور من جيل إلى آخر، أبعد من حدود الـ90 دقيقة.


محبو المقناص يتأهبون لموسم الصيد شمال السعودية بتجهيز أدوات الطاروح

تتعامل أدوات الطاروح مع الصقر المهاجر وفق أساليب وخبرات توارثها أهل المقناص (واس)
تتعامل أدوات الطاروح مع الصقر المهاجر وفق أساليب وخبرات توارثها أهل المقناص (واس)
TT

محبو المقناص يتأهبون لموسم الصيد شمال السعودية بتجهيز أدوات الطاروح

تتعامل أدوات الطاروح مع الصقر المهاجر وفق أساليب وخبرات توارثها أهل المقناص (واس)
تتعامل أدوات الطاروح مع الصقر المهاجر وفق أساليب وخبرات توارثها أهل المقناص (واس)

تستعد صحراء منطقة الحدود الشمالية السعودية لاستقبال موسم جديد لصيد الصقور في شهر أكتوبر (تشرين الأول) المقبل، وسط حضور متزايد للهواة، ومحبي المقناص من مختلف أنحاء المملكة، ودول الخليج.

وتبرز صحراء الحماد في منطقة الحدود الشمالية بوصفها إحدى أبرز الوجهات التي يقصدها محبو المقناص، لما تتميز به من امتداد صحراوي مفتوح، وموقع يرتبط بمسارات هجرة الصقور.

ومع قرب الموسم، تبدأ الاستعدادات والتجهيزات التي تسبق لحظة طرح الصقر عند ظهوره في السماء، حيث تشمل إعداد عدة الطاروح، وتجهيز أدواته، بوصفها جزءاً أصيلاً من تفاصيل الصيد بالصقور في المنطقة، بدءاً بالمناشبية، والملواح، إلى الشبك، والحمام المساعد، وغيرها، حيث لكل منها وظيفتها، ووقت لاستخدامها.

استعدادات مع قرب موسم الصيد تشمل إعداد عدة الطاروح وتجهيز أدوات الطرح (واس)

وتلتقي الأدوات التي تتباين في أشكالها وطرق استخدامها عند غاية واحدة، تتمثل في التعامل مع الصقر المهاجر وفق أساليب وخبرات توارثها أهل المقناص جيلاً بعد آخر، فيما تطورت بعض تفاصيلها مع مرور الزمن، لتجمع اليوم بين الخبرة المتوارثة ووسائل المساعدة الحديثة.

وتأتي «المناشبية» ضمن الأدوات المستخدمة في طرح الصقور، وتعتمد على مهارة الطاروح في إعدادها، وتجهيزها، واستخدامها في الوقت والمكان المناسبين، فيما يمثل «الملواح» أداة مرتبطة بتدريب الصقر، واستدعائه، ومحاكاة المطاردة، ويستخدمه الصقار لإثارة انتباه الطير، وتحفيزه على الانقضاض.

أدوات الطاروح تطورت بعض تفاصيلها مع مرور الزمن (واس)

ويعد «الشبك» من أبرز أدوات الطرح، وتتعدد طرق استخدامه بحسب الأسلوب المتبع، ونوع الطير المستهدف، فيما يدخل «الحمام المساعد» في بعض الطرق بوصفه وسيلة لاستدراج الصقر، وتوجيهه إلى المسار المعد للطرح.

وترافق الصقار مجموعة أدوات أصبحت جزءاً من عدته، ومفردات المقناص، منها خاصة بحمل الصقر، والعناية به، والتعامل معه، كـ«البرقع» الذي يحجب الرؤية عن الطير، ويستخدم في التعامل معه، ونقله، والسبوق الذي يربط به، فضلاً عن الوكر، والدس، وغيرهما.