شورت البيرمودا… منافس الجينز في صيف 2026

قطعة قسَّمت اليابان ووحَّدت عروض الأزياء وشوارع الموضة

في معرض «بيتي أومو» الذي يقام سنوياً في فلورنسا حضر التصميم بقوة (هوكرتي)
في معرض «بيتي أومو» الذي يقام سنوياً في فلورنسا حضر التصميم بقوة (هوكرتي)
TT

شورت البيرمودا… منافس الجينز في صيف 2026

في معرض «بيتي أومو» الذي يقام سنوياً في فلورنسا حضر التصميم بقوة (هوكرتي)
في معرض «بيتي أومو» الذي يقام سنوياً في فلورنسا حضر التصميم بقوة (هوكرتي)

نادراً ما تتحول قطعة ملابس إلى موضوع نقاش يتجاوز حدود الموضة إلا عندما تتقاطع الأزياء مع اعتبارات ثقافية أو اجتماعية. لكن هذا ما حدث مع شورت البيرمودا في اليابان هذا الصيف. بدأ الجدل بعد أن شجعت حكومة طوكيو موظفيها، على ارتداء ملابس أخف بما فيها شورت البيرمودا، ضمن حملة أطلقت عليها «طوكيو كول بيز» Tokyo Cool Biz. تستهدف الحملة مواجهة موجات الحر الشديدة المرتفعة وتقليل استهلاك أجهزة التكييف في ظل ارتفاع تكاليف الطاقة. في مجتمع يتميز بالأزياء المحافظة، كان من الطبيعي أن تنقسم ردود الفعل بين مؤيد ومعارض.

في آسيا أصبح ملاذاً من الحر يقبل عليه الكل سواء بهدف الأناقة أو فقط الانتعاش (د.ب.أ)

المؤيدون رأوا أن الشورت يقدم حلاً عملياً يساعد الموظفين على تحمل درجات الحرارة المرتفعة، بينما اعتبره المعارضون تعدياً على قواعد الأناقة الرسمية في أماكن العمل، ويمنح انطباعاً بعدم الاحترافية.

وبينما انشغلت اليابان بهذا الجدل ومدى ملاءمة هذه القطعة لبيئة العمل، كانت عواصم الموضة الأوربية قد حسمت موقفها عملياً.

«هوكرتي» تقترحه للرجل والمرأة على حد سواء مفصلاً على المقاس (هوكرتي)

في معرض «بيتي أومو» الذي تستضيفه إيطاليا سنوياً، والمعروف بأناقته الدانداية، ونزعته للاستعراض، فرض هذا الشورت نفسه واحداً من أبرز صيحات الموسم. عروض الأزياء، الرجالية والنسائية في كل من ميلانو وباريس، أيضاً أكدت حضوره كقطعة أساسية تتجاوز وقتها الصيفي التقليدي.

فقد خرج من خانة الرياضي أو خزانة عشاق الرحلات والسافاري والمخيمات الصيفية، إلى المدن، لأنه بتصاميمه الحالية لم يأتِ كمجرد نسخة أطول من «الشورت» القصير، بل كبديل أكثر نضجاً ورُقِيّاً، إلى درجة أنه بات ينافس بنطلون الجينز، بل ويحل محله كخيار آخر.

ما يدعو إلى المقارنة بين القطعتين أن كليهما لا يمكن اختزاله في تصميم أو لون واحد. كما هو الحال مع الجينز، يأتي البيرمودا، بتصاميم تمتد من الطابع الرياضي، أو السبور، إلى القصات الكلاسيكية المعاصرة. أيضاً يمكن تنسيقه بسهولة مع سترة مفصلة لإطلالة راقية، أو مع قميص من الكتان أو «تي-شيرت» قطني لإطلالة أكثر عفوية واسترخاء على يخت.

حتى الرجل الخمسيني وما فوق يمكن اعتماده بثقة (هوكرتي)

صحيح أن الرجل الخمسيني من العمر وما فوق، قد يحتاج إلى شيء من الجرأة والثقة لتبنِي هذه الصيحة، لكنه لن يبدو نشازاً إذا اختار قصَة مناسبة ونسقها مع إكسسوارات ملائمة. الأمر نفسه ينطبق على المرأة، فكلما تقدّمت في العمر، يُفضَل أن تختار بيرمودا يصل إلى الركبة أو يتجاوزها إلى نصف الساق. أما الشابات، فالاقتراحات متنوعة تتيح لهن مساحة أوسع للتجريب. الاستثناء الوحيد هو تجنّب أي طول قصير جدا.

ما هو شورت البيرمودا؟

ليست كل السراويل القصيرة تنتمي إلى هذه الفئة. فالبيرمودا يتميز بطول يصل عادة إلى حدود الركبة أو يقترب منها، مع قصة مريحة مفصلة عند الخصر بعناية. فغالباً ما يستعير تفاصيله من عالم الخياطة الكلاسيكية، مثل الثنيات الأمامية، والطيَّات الصغيرة وحلقات الحزام، وهي عناصر تمنحه مظهراً أقرب إلى البنطلون المفصل منه إلى الشورت التقليدي.

عندما يكون الجينز فهو عملي خاص بالإجازات أكثر (موقع زارا)

وهنا تكمن جاذبيته في تحقيقه التوازن بين الراحة والأناقة. ففي أيام الصيف الحارة، يمنح مساحة أكبر للحركة والتهوية إذا كان واسعاً بينما تضيف قصته المستقيمة لمسة من الخفة والانسيابية يمكن أن تُدخله مناسبة غداء مع الأصدقاء. طريقة تفصيله هي التي تُجنِّبه الطابع الرياضي وتدخله أجواء العمل والمناسبات الخاصة، علماً أن جاذبيته لا تقتصر على الصيف فحسب. حتى في الشتاء يمكن اعتماده بخامات دافئة وتنسيقه مع أحذية عالية الساق، بالنسبة للمرأة تحديداً.

تأثير التسعينيات

أما لماذا اكتسب «البيرمودا» قوته هذا الموسم، فيعود في المقام الأول إلى رغبة الشباب في التحرر من القيود، وثانياً إلى حنين الموضة في العامين الأخيرين إلى تسعينيات القرن الماضي.

المصمم توم براون يقترحه منذ سنوات بأشكال تتباين بين الجرأة والتفصيل (رويترز)

كان هناك شبه اتفاق بين المصممين على العودة إلى هذه الحقبة للاستلهام منها قصات بخطوط بسيطة وألوان هادئة تتماهى مع ألوان البحر والشمس والرمال، وأقمشة مترفة ترتقي به. عودتهم إلى التسعينيات تشمل هذه القطعة بكل بساطتها، كما تشمل فستان سهرة فخم أو فستان زفاف يستحضر كارولين بيسيت كينيدي، أيقونة هذه الحقبة.

فـ«البيرمودا» كان أحد التصاميم التي تألقت حينها، وارتدتها أسماء أصبحت مرجعاً في الأناقة غير المتكلفة، مثل الأميرة دايانا، وجوليا روبرتس، ولورا ديرن. هذه الأخيرة ظهرت به في فيلم «جوراسيك بارك»، ولم يكن مثيراً أو ملهماً من الناحية الجمالية، غير أنه كان حاضراً بشكل وظيفي مقبول.

يمكن أن يناسب رحلة على يخت أو أماكن العمل بفضل تفصيله (هوكرتي)

الملاحظ في التسعينيات، أن حضور شورت البيرمودا لم يكن لافتاً مثل حاله هذا الموسم. كان أكثر اتساعاً وطولاً يخاطب الجنسين، ولم يكن الإقبال عليه من باب مواكبة الموضة بالضرورة، بل فقط انجذاب نحو بساطته ومرونته، فهو يحمل من البنطلون الرسمي حضوره المنظم، ومن الشورت خفته وعمليته.

كما ظهر في عرض «ماكسمارا» لصيف 2026 (ماكسمارا)

ولا يختلف اثنان أن صورته في المواسم الماضية اكتسبت جمالاً وخفة، مما جعل تطوَره هذا الصيف أكثر ديناميكية بفضل قصاته وخاماته. فقد عوَض المرأة عن التنورة عندما يأتي واسعاً، والرجل عن بنطلون الجينز. وكان لظهور نجمات مثل زيندايا به في عدة مناسبات أثر كبير على ارتقاء صورته وإدخاله مناسبات المساء والسهرة أيضاً. ثم زادت جاذبيته، بعد أن أعادت دور الأزياء الكبيرة قراءته من جديد. قدمته دار «بوتيغا فينيتا» و«توتيم» و«ماكس مارا» و«هوكرتي» و«برونيلا كوتشينيلي» وغيرهم بصياغات معاصرة تعتمد على القصات «النظيفة» والأقمشة الصيفية والإطلالات الكلاسيكية.

إطلالة منطلقة لم تتنازل عن الأناقة (برونيلو كوتشينيلي)

علامة «برونيلو كوتشينيلي» التي يرتبط اسمها بالفخامة الهادئة، طرحته بالشامواه والكتان للنهار والحرير والبروكار الذهبي للمساء والسهرات. ومن حيث التصاميم، جاءت كلها بانسيابية مستلهمة من الماء، ونسب هندسية تُضفي على كل تصميم طابعاً لا يُقاوَم «حيث تتناسب الخطوط مع الأحجام، وتلتقي نفحات الـ«هوت كوتور» مع لمسات معاصرة» وفق ما قالته الدار.

من جهته، يُقدِمه المصمم توم براون منذ سنوات عديدة في عروضه، بأطوال متنوعة، وأشكال غريبة أحياناً. لكنها كانت دائماً تثير الإعجاب، إن لم يكن لجُرأته، فلقدرته على تطويعه للرجل رغم أن اتساعه، الذي كان يجعله يبدو على شكل تنورة أحياناً. عندما التقط الفكرة باقي المصممين، ترجموها بأساليب أكثر واقعية.

من الشامواه وبقميص بنفس اللون والخامة يتحول إلى قطعة راقية بكل المقاييس (برونيلو كوتشينيلي)

فالتحول الذي تشهده الموضة حالياً لا يعني دائماً البحث عن إحداث الصدمة أو ابتكار ما لم يتم ابتكاره من قبل، بقدر ما يعني إعادة صياغة قطع قديمة وتقديمها لجيل جديد بروح عصرية تلائم إيقاع حياته. وهذا ما ظهر بوضوح في الاتجاهات الأخيرة التي تركز على ما يُعرف بالخياطة الناعمة، حيث لم تعد الأزياء الرسمية جامدة بقصات صارمة تتقيد بتقاليد الماضي أو جريئة تخاطب جيلاً وتستفز آخر، بل اكتسبت مرونة تجعل أكثر القطع صرامة خفيفة ومنعشة. ومن هنا يجد الـ«بيرمودا» مكانه ضمن مجموعة من القطع التي كانت شريحة الشباب تنظر إليها بريبة لارتباطها بالأجداد. الآن هم يحتضنونها عن طيب خاطر، بل ووجدوا فيها ضالتهم في دمج الكلاسيكي بالمعاصر، لا سيما بعد أن ابتعد فيها المصممون عن المبالغة والاستعراض.

يسمح بمساحة كبيرة للعب به والحصول على إطلالات حسب المناسبات (برونيلو كوتيشينيلي)

هذا التنوع الوظيفي يجعلها أيضاً تتجاوز كونها مجرد صيحة مؤقتة، ويُفسِر الإقبال عليها بغض النظر عن التحولات الاجتماعية أو الثقافية أو المناخية. فتطوَرها من القرن الماضي إلى اليوم، يذكرنا بأن الموضة لا تقتصر على الأحلام وحدها، بل تحتاج إلى أزياء تخدم الإنسان وتُسعده أيضاً. من هذا المنظور، جاء البيرمودا لا ليُقدِم أسلوباً جديداً فحسب، بل ليستجيب لإيقاع الحياة الذي تغيَّر بأن أصبحت فيه الراحة والأناقة وجهَين لعملة واحدة.

كيف يمكن تنسيقه؟

ما هو التصميم المناسب لك؟ لا يتعلق الأمر بتصميم واحد بقدر ما يتعلق بحسن الاختيار واعتبار مقاييسك الشخصية. فجميع التصاميم يمكن أن تبدو أنيقة إذا اختيرت بخامة جيدة وقصة متقنة ومقاس يراعي شكل الجسم ونسبه.

عوَّض المرأة عن التنورة ومنحها إطلالات ديناميكية أكثر (موقع زارا)

فقوة البيرمودا تكمن في مرونته وأيضاً في الخيارات المتنوعة التي يوفرها حسب تنسيقه. يمكن مثلاً تنسيقه مع قميص أبيض واسع أو قميص من الكتان للحصول على إطلالة بسيطة، كما يمكن ارتداؤه مع سترة خفيفة أو «بليزر» غير مبطن لمنحه طابعاً أكثر رسمية. إذا كنت تفضل الإطلالات الكلاسيكية، فتصميم مستقيم بطول يلامس الركبة أو يغطيها قليلاً مع ثنيات أمامية وقماش من الكتان أو الصوف الصيفي.

إطلالة مفعمة بالأناقة لا تحتاج سوى إكسسوارات لتدخل مناسبة مسائية (موقع زارا)

أما إذا كنت تميل إلى الأسلوب العصري، فالتصاميم الأوسع والأقصر قليلاً تمنح الإطلالة طابعاً أكثر حيوية وعفوية. ومن أكثر التنسيقات أناقة هذا الموسم، الجمع بينه وبين الصديري المفصل. فهذا الثنائي يقدم نسخة صيفية بلمسة كلاسيكية تُحافظ على الخياطة الراقية وتُدخله أي مناسبة، لا سيما إذا تم تنسيقه مع حذاء «لوفر» أو صندل مفتوح من الجلد الفاخر. بالنسبة لبعض الشباب الأكثر جرأة، يمكن تنسيقه مع حذاء «أكسفورد» الكلاسيكي وجوارب توخيا للراحة.

أما إذا كانت النية الحصول على إطلالة منطلقة، فإن حذاء على شكل «شبشب» يبقى الخيار المفضل، خصوصاً مع تصميم ينتهي أسفل الركبة.


مقالات ذات صلة

تعاون طال انتظاره... إيلي صعب و«إتش آند إم»

لمسات الموضة تحقق هذه التشكيلة حلم المرأة العادية في أزياء غير عادية (موقع إتش آند إم)

تعاون طال انتظاره... إيلي صعب و«إتش آند إم»

التجربةُ بالنسبة إلى إيلي صعب اكتشافٌ لقدرته على أن يمنح اسمه مساحة أكبر في الحياة اليومية...

جميلة حلفيشي (لندن)
لمسات الموضة لقطة تجمع الراقصين سيزار كوراليس وفرانشيسكا هايوارد والأهرامات (تصوير: منار جاد)

كريستينا ليون... طموح نحو العُلا بعد المتحف المصري

جمع المواهب الشابة بأسماء عالمية هو جوهر تجربة كريستينا ليون الشخصية، والمهنية، بوصفها راقصة باليه سابقة، عرفت عن قرب معنى أن تصنع الموهبة طريقها إلى الضوء

جميلة حلفيشي (لندن)
لمسات الموضة ما يُحسب لغاليانو أنه انسحب بأناقة ولم يحاول الالتفاف على ماضيه أو انتقاد معارضيه (أ.ب)

لماذا أُلغي معرضه في متحف الميتروبوليتان؟

كان من المفترض أن معرض الميتروبوليتان السنوي لعام 2027 لحظة تتويج لجون غاليانو، تضيف فيها آنا وينتور، عرابة الموضة، فصلاً لواحدة من أكثر القصص نجاحاً في تاريخ…

«الشرق الأوسط» (لندن)
لمسات الموضة تمر عملية التصنيع بعدة مراحل قبل شحنها أو عرضها للبيع

«الإسكافي»... علامة مصرية ترد الاعتبار لحرفة تقليدية

إيماناً بالحرف اليدوية المصرية، أطلق التوأم المصري زياد ونادين فتح الله علامتهما المتخصصة في هذا النوع من الأحذية تحت اسم «الإسكافي»

نادية عبد الحليم (القاهرة)
لمسات الموضة لقطة من عرضه الأخير (سكياباريلي)

لخريف / شتاء 2026-2027… دانييل روزبيري يملأ الفراغ فناً

يقول دانييل روزبيري المدير الإبداعي لـ«سكياباريلي» إن مجموعة الموسم الماضي، والتي توجهت للربيع والصيف، شكّلت نقطة تحوّل له وللدار على حد سواء. وجد فيها…

«الشرق الأوسط» (لندن)

تعاون طال انتظاره... إيلي صعب و«إتش آند إم»

تحقق هذه التشكيلة حلم المرأة العادية في أزياء غير عادية (موقع إتش آند إم)
تحقق هذه التشكيلة حلم المرأة العادية في أزياء غير عادية (موقع إتش آند إم)
TT

تعاون طال انتظاره... إيلي صعب و«إتش آند إم»

تحقق هذه التشكيلة حلم المرأة العادية في أزياء غير عادية (موقع إتش آند إم)
تحقق هذه التشكيلة حلم المرأة العادية في أزياء غير عادية (موقع إتش آند إم)

هناك أسماء في الموضة لا تحتاج إلى شرح أو تعريف. يكفي أن يُذكر اسم إيلي صعب حتى تحضر صور فساتين صُممت للحظة لا تتكرر: أعراس، وحفلات فخمة، وحفلات توزيع جوائز، ومهرجانات سينمائية... فهي تصاميم حالمة تنسدل على الجسم وتليق بالقصور... غالباً ما تزينها تطريزات تلتقط الضوء من مسافة بعيدة وتجعل صاحبتها تتألق مثل نجمة.

إيلي صعب في لقطة تجمعه مع آن صوفي جوهانسون (إيلي صعب وإتش آند إم)

حتى يوم 22 أكتوبر (تشرين الأول) المقبل، تبقى تصاميمه بعيدة المنال، واسمه مرتبطاً بالأحلام أكثر مما يخاطب كل الطبقات الاجتماعية. كل هذا سيتغير بمجرد طرح المجموعة في الأسواق. الفضل يعود إلى متاجر «إتش آند إم»، التي يمكن القول إنها حققت الصعب حين أقنعته بالتعاون معها وطرح مجموعة يترقبها العالم أجمع الشهر المقبل بعنوان «إيلي صعب x إتش آند إم (Elie Saab x H&M).

تقول آن صوفي يوهانسون، المستشارة الإبداعية في «إتش آند إم» ورئيسة تصميم الأزياء النسائية، إن «الشركة شعرت بأن الوقت مناسب جداً لهذا التعاون. فالناس أكبر حاجة إلى الجمال وتلك الروح الرومانسية بعيداً عن الأخبار اليومية الثقيلة التي تحاصرهم من كل الجهات».

وتضيف يوهانسون أن اختيار المصمم الذي يجري التعاون معه، لا يقوم دائماً على خطة ثابتة؛ «فأحياناً تبدأ الفكرة من شعور بأن اسماً معيناً يناسب اللحظة». وتتابع قائلة: «في حالة صعب، كان هناك إحساس بأن أسلوبه في العمل اليدوي والتفاصيل يمكن أن يقدم شيئاً مختلفاً في وقت أصبحت فيه التكنولوجيا تطغى على كثير من جوانب الموضة».

إيلي صعب... الورقة الرابحة

رغم أنها لم تُشر إلى أهمية السوق العربية عموماً وزبائن منطقة الشرق الأوسط تحديداً، فإن توقيت هذا التعاون يقول الكثير. فاسم إيلي صعب يثير كثيراً من المشاعر الإيجابية في هذه السوق، الأمر الذي من شأنه أن يجعل لهذا التعاون أهمية تجارية تتجاوز الفني. فهو بالنسبة إلى المرأة عموماً، والمرأة العربية خصوصاً، لن يكون مجرد تعاون جديد بين مصمم ارتبط اسمه بالفخامة وعلامة جماهيرية جعلت من التعاونات مع كبار المصممين تقليداً سنوياً منذ 2004، بل تحقيق حلم طال انتظاره.

فستان أسود كل ما فيه يذكّر بلمسات إيلي صعب الرومانسية (إيلي صعب وإتش آند إم)

حجم التوقعات يطرح سؤالاً ملحاً عمّا إذا كان المصمم سينجح في نقل الإحساس الشاعري الذي صنعه طيلة عقود إلى أزياء تخاطب جمهورا واسعا من دون أن يفقد شيئا من خصوصيته وهويته؟

والجواب أن إيلي صعب، رغم أسلوبه الرومانسي وشاعريته الواضحة في تصاميمه، لم يحقق ما حققه من نجاحات من دون أن يحسب كل شيء بالعقل. فهو لا يتسرّع في القرارات الكبيرة، بدليل أنه عندما طُرحت عليه فكرة هذا التعاون منذ نحو عام، لم يستعجل. درس الفكرة من كل الجوانب قبل أن يوافق؛ فارضاً شروطه.

فستان أخضر بتدرجات باللون الأسود من أسفل (إيلي صعب وإتش آند إم)

لم يكن يريد تعاوناً بالمفهوم التقليدي، الذي يكتفي فيه المصمم بإضافة اسمه على القطعة، بل أراده أن يكون لقاءً فعلياً يجمع بين علامتين لخدمة المرأة. لم يبخل بلمساته الرومانسية في التصاميم، وفرض استعمال خامات وتقنيات لم تكن «إتش آند إم» تستخدمها بهذا المستوى أو بهذه الطريقة.

تقول يوهانسون إن بعض القطع المصنوعة من الفرو الصناعي، مثلاً، لم تكن ممكنة بالجودة نفسها قبل سنوات قليلة، مضيفة أن الشركة استفادت من الخبرة التي راكمتها من تعاونات سابقة مع بيوت الأزياء الكبيرة، إضافة إلى تطور المواد المعاد تدويرها.

الأسود والدانتيل من البصمات التي ترتبط بالمصمم ولم يتخلَّ عنها في هذه التشكيلة (موقع إتش آند إم)

تضم المجموعة 35 قطعة نسائية، و6 قطع رجالية، ونحو 10 إكسسوارات تشمل أحذية وحقائب يد ومجوهرات. أما الأسعار، فتبدأ من 29.99 يورو لتصل إلى 399 يورو. بالنسبة إلى المرأة، سيبدأ الاختيار من الفستان، لكن لن ينتهي عنده. ورغم ما يتردد من أن المرأة التي تنتظر طرح هذه المجموعة بفارغ الصبر، ليست بالضرورة زبونة إيلي صعب الدائمة ذات الإمكانات العالية، فإن هذا الافتراض مشكوك فيه، بالنظر إلى أن مفهوم الترف تغيّر في السنوات الأخيرة ولم يعد يرتبط بالسعر فقط.

بين المساء والنهار

قطع تناسب المساء والسهرة يمكن أن تدخل مناسبات النهار بسلاسة وأناقة (إيلي صعب وإتش آند إم)

من المعادلات التي كان على كل من إيلي صعب و«إتش آند إم» تحقيقها الجمعُ بين الليل والنهار. فالمصمم اسمه مرتبط بالأفراح الفخمة والحفلات الكبيرة، والمتاجر السويدية، وبأزياء عملية للنهار، وبالتالي كان من الضروري أن تجمع المجموعة بين الأناقة والعملية، وأن تخرج من المساء إلى النهار بأشكال يسهل تنسيقها معاً. هذا التنسيق يظهر واضحاً في الصور التي نُشرت على موقع «إتش آند إم». تقترح فيه يوهانسون، مثلاً، تنسيق سترة قصيرة من الفرو الصناعي وسترات هندسية مع الجينز، ومعطف مفصل بشكل راق مع قطع «كاجوال»، وقطع تلمع بالترتر مع بنطلون مستقيم أسود.

تجمع القطع ذات الخياطة الراقية بين الخطوط الحادة والانسيابية (إيلي صعب وإتش آند إم)

لكن إذا أُخذت كل قطعة على حدة، فإن لمسات إيلي صعب الفخمة حاضرة دائماً... مثلاً؛ فستانٌ أخضر بفتحة جانبية عالية، وتدرجات لونية داكنة أسفله، يُمثّل إحدى البصمات الرئيسية للمصمم عبر تاريخه. هناك أيضاً فستان أسود بقَصّة منحوتة يُزينه ذيل طويل وفيونكة بارزة عند الخصر، وآخر مفتوح عند الصدر من قماش الدوشيس المعاد تدويره، إلى جانب سترات مغطاة بالترتر بتدرجات من الذهبي إلى الأسود. الدانتيل هو الآخر حضر إلى جانب الملابس المحبوكة والمطرزة... وغيرها من التصاميم التي ستُغني خزانة أي امرأة.

كان التحدي أن يحافظ المصمم على هويته وفخامته (إيلي صعب)

هذا التنوع ليس تفصيلاً جانبياً... فصعب يقول إن المجموعة طُوِرت بالطريقة نفسها التي تُطوَّر بها مجموعاته في العادة. وربما هذا سبب حرصه على أن تنفَّذ في مشاغله الخاصة بباريس وليس في معامل «إتش آند إم» كما جرت العادة في تعاوناتها السابقة. حرص أيضاً على ألا ترتبط بموسم محدد، وهو ما يُفسر حضور اللون الاسود بقوة، والنابع من رغبته في أن تُستعمل القطعة أعواماً عدة قادمة وليس موسماً واحداً، وفي أن يعاد ارتداؤها مراراً وتكراراً من دون أن تصيب صاحبتها بالملل.

تتباين التصاميم بين فساتين السهرة وقطع منفصلة لكل المناسبات (إيلي صعب وإتش آند إم)

وهذا عز الطلب بالنظر إلى أن فرصة الحصول على تصميم بتوقيعه وبسعر مقدور عليه لن تتكرر في الوقت القريب.

سترة مطرزة بالترتر مثلاً يمكن أن تُكمل إطلالة مسائية، كما يمكن أن تنسَّق مع بنطلون جينز في النهار... وهكذا. فكل قطعة قادرة على اختراق كل المناسبات بأناقة واقعية. هذه المرونة جزء من محاولة إيلي صعب أن يجعل المجموعة أقرب إلى خزانة فعلية متكاملة. وهي فكرة لا تقوم على جعل ما يطرحه عادياً، بل هي اكتشاف لقدرته على أن يمنح اسمه مساحة أكبر في الحياة اليومية.

فستان بتصميم هندسي يزينه ذيل طويل يصرخ بالفخامة (إيلي صعب وإتش آند إم)

فأصعب ما في أي تعاون بين دار أزياء كبيرة وعلامة جماهيرية واسعة الانتشار هو الحفاظ على الهوية. بذكائه الفني وحسه التجاري، يُدرك المصمم خطورة هذا الأمر على تاريخه، لهذا جاءت معالجته هذه المجموعة في الاتجاه المعاكس: حافظ على رموزه البصرية، وبدل استنساخه صورة فستان من مجموعاته الخاصة يُقدر بمئات آلاف الدولارات، جعله جزءاً من الحياة اليومية.


كريستينا ليون... طموح نحو العُلا بعد المتحف المصري

لقطة تجمع الراقصين سيزار كوراليس وفرانشيسكا هايوارد والأهرامات (تصوير: منار جاد)
لقطة تجمع الراقصين سيزار كوراليس وفرانشيسكا هايوارد والأهرامات (تصوير: منار جاد)
TT

كريستينا ليون... طموح نحو العُلا بعد المتحف المصري

لقطة تجمع الراقصين سيزار كوراليس وفرانشيسكا هايوارد والأهرامات (تصوير: منار جاد)
لقطة تجمع الراقصين سيزار كوراليس وفرانشيسكا هايوارد والأهرامات (تصوير: منار جاد)

في شهر يونيو (حزيران) الماضي وصل فريق «غالا دو دانزا» Gala De Danza إلى القاهرة، في زيارة تُمهد لحفلها المرتقب في المتحف المصري الكبير، والمقرر إقامته في الخامس من نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل.

تقول كريستينا ليون، مؤسسة مشروع «غالا دو دانزا» لـ«الشرق الأوسط» إنها في «غاية السعادة، لأن المتحف المصري الكبير -بكل ما يحمله من ثقل ومكانة- سيتحول إلى مسرح لرقص الباليه في أول حضور للمشروع في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا».

لقطة تجمع مجموعة من الراقصين المشاركين في المتحف المصري الكبير (تصوير: ميلودي باتونتييه)

وسيُقدِم الحفل برنامجاً يمزج بين الباليه الكلاسيكي، والرقص المعاصر، والموسيقى، والفنون، في عرض يراهن على خصوصية المكان، وأهميته التاريخية. ويشارك في هذه الفعالية أكثر من 150 فناناً، من بينهم نجوم دوليون، ومؤدون مصريون شباب اختيروا من بين مئات المتقدمين. فمع وصول فريق «غالا دو دانزا» في شهر يونيو الماضي، فُتحت اختبارات أداء أمام المواهب المصرية من مختلف الأعمار، ومن أكاديميات، ومدارس باليه محلية. وتقول كريستينا إن أكثر من 500 موهبة تقدمت للاختبارات، بينما سيحظى 50 منهم فقط بمشاركة راقصين من فرق عالمية، مثل «رويال باليه»، و«داتش ناشيونال باليه»، وفرق ومؤسسات فنية أخرى.

سيلفي وين سيندلار وتدريبات تستبق الحفل الكبير (تصوير: ميلودي باتونتييه)

وبما أنه سيكون للموسيقى نصيب في هذا الحفل، فإن من بين المشاركين ستكون سوسن البهيتي، أول مغنية أوبرا سعودية.

لكن ما يبدو للوهلة الأولى حفلاً عالمياً ذا طابع ترفيهي، هو بالنسبة لكريستينا ليون أبعد من ذلك بكثير، لما يحمله من جانب إنساني يطمح لمنح فنان مغمور -لم تسعفه الجغرافيا والظروف للوصول إلى المنصات العالمة- فرصة التحول إلى نجم ساطع.

فإتاحة الفرص أمام المواهب الجديدة ليست تفصيلاً عابراً في مشروعها، بل إنها جوهر تجربتها الشخصية، والمهنية، بوصفها راقصة باليه سابقة، عرفت عن قرب معنى أن تصنع الموهبة طريقها إلى الضوء. ولفهم هذه الرؤية، لا بد أن نعود إلى البداية.

من هي كريستينا ليون؟

كريستينا ليون مؤسسة «غالا دو دانزا» (تصوير: فريدي كوه)

بدأت الرقص في الثانية عشرة من عمرها بعد أن كانت تمارس التزلج على المنحدرات. في الثالثة عشرة لفتت أنظار صوفيا غولوفكينا، مديرة أكاديمية البولشوي المعروفة، خلال ورشة أقيمت في الولايات المتحدة. سافرت بعدها إلى موسكو لتتدرَب، وتكون من أوائل الفتيات الأميركيات اللواتي تلقَين التدريب في الأكاديمية الروسية.

وفي السادسة عشرة من عمرها، انضمت إلى «مسرح الباليه الأميركي». هنا عاشت حلم كل راقصة باليه: عروض، وسفر حول العالم، واحتكاك بأسماء كبيرة، مثل الراحلة جاكلين كينيدي أوناسيس، التي كانت حينها رئيس مجلس إدارة المسرح.

تأثرها بجاكلين كينيدي

تروي ليون أنها تعرَفت عليها عن قُرب، وتعاملت معها بشكل مباشر. فمنها تعلَمت أصول إنتاج الحفلات، والتعامل مع الرعاة، والعمل الخيري. والأهم من ذلك كله، كيف يمكن أن تُحوِل أمسية فنية إلى حوار بين الفنان والجمهور. تعترف بأن هذه الدروس كانت مختلفة تماماً عما تعلَمته في مدارس الباليه. ففي حين ينصب تركيز الراقص على إتقان الحركة فوق الخشبة، يتسع تفكير منتج العروض ليشمل الخشبة، والجمهور، والتمويل، والمكان، وكل ما يحدث قبل العرض، وبعده.

لوقا عبد النور المصري المولد من فرقة «Dutch National Ballet» سيشارك في هذا المشروع الكبير (تصوير: ميلودي باتونتييه)

ومع الوقت، أصبحت هذه المعرفة الأداة التي ساهمت في ولادة «غالا دو دانزا». مشروع فني بنكهة إنسانية أطلقته في عام 2013 في المكسيك، بعد لقاء عابر بفتاة تُدعى ماريانا كاريلو في مدرسة محلية للرقص في لوس كابوس المسكيكية. كانت الفتاة موهوبة لحد أدهش ليون، لا سيما أنها لم تكن قد احتكت بشكل مباشر بعالم الفنون الأدائية الحية. من هنا بدأ سؤال كريستينا: كيف يمكن إحضار الفرصة إلى حيث توجد موهبة لا تملك طريقاً إلى المنصات العالمية؟

من هذه الفكرة ولد المشروع كما نعرفه اليوم: «لم يكن الهدف منه إنشاء فرقة باليه أخرى، أو مهرجان تقليدي له موسم ثابت، وبرنامج مألوف، وإنما جمع أسماء عالمية تمتلك خبرة طويلة مع مواهب شابة، حتى يتمكن جمهور جاء من أجل نجم معروف من اكتشاف اسم جديد»، وفق تعبيرها.

الراقص سيزار كوراليس يتدرب بين جدران المتحف المصري الكبير (تصوير: ميلودي باتونتييه)

تستشهد هنا بقصة الراقص أندريس زونيغا الذي حضر إحدى حفلاتها في المكسيك، وأصر على لقائها في الكواليس بعد الحفل ليُعبِر لها عن أمنيته أن يرقص يوماً ما في حفل مماثل. كان عمره لا يتعدى الثالثة عشرة، لكن إصراره أثار فضولها، فطلبت منه الحضور في اليوم التالي لاختباره. وهنا اكتشفت موهبة لافتة جعلتها لا تتردد في الاتصال بجهات لكي يحصل على منحة تساعده على تحقيق حلمه.

من مكسيكو إلى لندن

ظلت ليون تطور مشروعها في المكسيك منذ عام 2013، وفقط في 2025 قررت أن تخرج به إلى العالم.

كانت لندن أول اختبار حقيقي للمشروع خارج المكسيك. ولم تكن اختياراً اعتباطياً. كانت المحطة الأولى، فمنذ أن زارتها كراقصة وهي في الخامسة عشرة من عمرها وهي تتطلع للعيش فيها. وبعد عقد عادت إليها ليست كراقصة تبحث عن مستقبلها، وإنما كصاحبة مشروع له مكانة دولية، واستقطب راقصين من مؤسسات عالمية كان لديهم استعداد لدعم مواهب شابة. ففي عروضها اجتمعت أسماء من «رويال باليه» و«باريس أوبرا باليه» و«نيويورك سيتي باليه» مع موسيقيين، ومغنين، وراقصين معاصرين، جمعتهم أماكن ثقافية وفنية مهمة.

من لندن إلى القاهرة

سيلفي وين سيندلار وتدريبات تستبق الحفل الكبير (تصوير: ميلودي باتونتييه)

لكن رحلة «غالا دو دانزا» خارج المكسيك لم تتوقف عند لندن. ففي نوفمبر المقبل ستنتقل التجربة إلى القاهرة، حيث تضع ليون مشروعها للمرة الأولى في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا أمام أحد أكثر الأماكن رمزية في المنطقة: المتحف المصري الكبير.

لقطة تجمع الراقصين سيزار كوراليس وفرانشيسكا هايوارد والأهرامات (تصوير: منار جاد)

تقول ليون إنها لا ترى المتحف المصري الكبير بوصفه مجرد مبنى يمكن استئجاره لإقامة حفل عالمي، بل إنه مؤسسة تختزن آلاف السنين من التاريخ، ولذلك يخلق وضع راقصين معاصرين في هذا المعلمة نوعاً من الحوار بين زمنين: حضارة تركت آثاراً صامدة، وفن يعتمد على الحركة، ليتغير المفهوم التقليدي لأي عرض يتم تقديمه. فهو يتحوَل إلى جزء من التجربة التاريخية نفسها، وذلك بتماهيه مع المكان.

سيلفي وين سيندلار واحدة من الراقصات اللواتي سيشاركن في الحفل الكبير (تصوير: ميلودي باتونتييه)

هل ستكتفي كريستينا بالقاهرة بعد تجربة المتحف المصري الكبير؟ وهل العُلا السعودية يمكن أن تكون محطة أخرى؟ تردَ بحماس: «كأنك قرأت أفكاري، ففكرة التوسع حول العالم جزء من طبيعة المشروع، وإحضار (غالا دو دانزا) إلى العُلا حلم شخصي يراودني منذ فترة، لا سيما أن السعودية أصبحت تغلي بالحراك الثقافي، والفني». وتُضيف أن العُلا، إلى جانب كونها موقعاً استثنائياً لإقامة حفل من أي نوع، تتيح فرصة للوصول إلى جيل جديد، وتعريفه بمختلف أشكال الفنون، من خلال تجربة فنية مباشرة، وغامرة، «فأنا أعرف من خلال تجاربي كيف يمكن لفرصة واحدة، أو صُدفة، أن تُغير مسيرة فنان».

الراقص المصري لوقا عبد النور وتدريبات استباقية (تصوير ميلودي باتونتييه)

ثم تضحك، وتتابع: «في نوفمبر سنضع أقدامنا للمرة الأولى في المتحف المصري الكبير، وهذه خطوة عظيمة. أما العُلا فهي الآن حلم نأمل أن يتحقق قريباً».


لماذا أُلغي معرضه في متحف الميتروبوليتان؟

ما يُحسب لغاليانو أنه انسحب بأناقة ولم يحاول الالتفاف على ماضيه أو انتقاد معارضيه (أ.ب)
ما يُحسب لغاليانو أنه انسحب بأناقة ولم يحاول الالتفاف على ماضيه أو انتقاد معارضيه (أ.ب)
TT

لماذا أُلغي معرضه في متحف الميتروبوليتان؟

ما يُحسب لغاليانو أنه انسحب بأناقة ولم يحاول الالتفاف على ماضيه أو انتقاد معارضيه (أ.ب)
ما يُحسب لغاليانو أنه انسحب بأناقة ولم يحاول الالتفاف على ماضيه أو انتقاد معارضيه (أ.ب)

كان من المفترض أن معرض الميتروبوليتان السنوي لعام 2027 لحظة تتويج لجون غاليانو، تضيف فيها آنا وينتور، عرابة الموضة، فصلاً لواحدة من أكثر القصص نجاحاً في تاريخ الموضة المعاصرة. لكن فجأة انهار كل شيء. ما كان مقرراً أن يكون احتفاءً بأحد أهم مصممي جيله، تطوّر إلى أزمة تمس متحف الميتروبوليتان، ومعهد الأزياء وحفل الميت. والأهم صورة مصمم لا يرحمه ماضيه، ومكانة امرأة ارتبط اسمها بهذه المنظومة وكانت إلى الأمس القريب تُلقب بالمرأة الحديدية وأحياناً الجليدية: آنا وينتور.

جون غاليانو عام 1997 محاطاً بمجموعة من العارضات السوبر (غيتي)

في 31 يوليو (تموز) الماضي، أعلن متحف الميتروبوليتان أن غاليانو سيكون محور معرض بعنوان «John Galliano: Horizons» المرتقب في مايو (أيار) 2027. وفي 31 أغسطس (آب)، أعلن أن المعرض لن يمضي قُدماً.

اصطدام الموهبة بالذاكرة

فاجأ الخبر أوساط الموضة لأنه جاء بعد شهر فقط من الإعلان عن المشروع، وبعد أن اعتقد الجميع أن الاعتراضات الواسعة، التي شنّها البعض عليه خفّت نوعاً ما. لكن برهن منتقدوه أنهم أكثر قوة وتأثيراً من آنا وينتور، داعمته الأولى. هؤلاء لم ينسوا تصريحات المصمم المعادية للسامية في تلك الليلة المشؤومة من عام 2011، التي أدّت إلى إقالته من منصبه في دار «ديور» وإدانته قضائياً في فرنسا.

لم يشفع له اعتذاره لكل المجتمعات المعنية، ودخوله مصحة للتعافي من الإدمان. بقيت تلك الواقعة جزءاً لا يمكن فصله من إرثه.

وفي بيان أصدره المتحف، قال ماكس هولين، المدير التنفيذي للمتحف: «بعد نقاشات متأنية مع جون غاليانو، قررنا معاً عدم المضي قدماً في إقامة المعرض».

المصمم جون غاليانو في إحدى الفعاليات التي تثبت أنه لا يزال حاضراً في وجدان الموضة رغم حملات إلغائه (أ.ف.ب)

كما نشر المصمم بياناً، قال فيه: «بعد كثير من التفكير والنقاش مع متحف متروبوليتان وجميع الأطراف المعنية، قررت، بحزن شديد، أنه من الأفضل ألا يقام المعرض في الوقت الحالي. لا أزال أتحمل المسؤولية الكاملة عن الألم الذي سببته كلماتي في الماضي، ولا سيما الأذى الذي ألحقته بالمجتمعين اليهودي والآسيوي، وأنا أكرر أسفي العميق لذلك».

المتحف كان يدرك حساسية المسألة وحاول استيعاب تبعاتها، حيث أجرى، بحسب التقارير، مشاورات مع شخصيات وحاخامات من المجتمع اليهودي، لتمهيد الطريق للمعرض. بل تم الاتفاق أن تناول مسيرته وعبقريته الفنية لن يتجاهل ماضيه، أو بالأحرى تلك النقطة السوداء التي أثارت غضبهم عليه.

تصميم من إبداعه معروض في متحف اللوفر بباريس (رويترز)

لكن بموازاة جمعيات رأت أنه يستحق العودة بعد أن اعترف بأخطائه، انتقدت شخصيات سياسية ومجتمعية أخرى في نيويورك، مثل رئيسة مجلس المدينة جولي مينين، ومانحون وشخصيات من المجتمع اليهودي قرار تكريمه بهذا الحجم. ومما زاد من حساسية الأمر وجعل القرار أكثر إيلاماً واستفزازاً لهذه الفئة، توقيت المناسبة. فموعد الحفل المقرر في 3 مايو 2027 يتزامن مع بداية ذكرى المحرقة، وفي وقت تشهد فيه قضية معاداة السامية نقاشات كثيرة هذا العام. ومن هناك تحولت القضية من نقاش حول مصمم إلى اختبار لمؤسسة ثقافية تحتاج إلى ممولين ورعاة، وليست لديها الإمكانات الكافية لتجاهل تأثيرهم.

تأثير آنا وينتور تحت المجهر

ما يُحسب لغاليانو أنه لم يحاول الالتفاف على ماضيه أو انتقاد معارضيه. أقرّ في بيانه بمسؤوليته عن الألم الذي سبّبته كلماته، قائلاً إنه لا يريد للجدل المحيط به أن يضع المتحف في موقف صعب، أو أن يصرف الانتباه عن عمل معهد الأزياء والجهود التي يقوم بها.

أما آنا وينتور، فبقيت إلى النهاية في صفّه. وصفت انسحابه بأنه قرار شجاع، وأكدت دعمها له وللمتحف، مشيدة بموهبته الاستثنائية وحرفيته وتأثيره الممتد على أجيال من المصممين.

أحد تصاميمه في مجموعته لخريف 2024 (ميزون مارجيلا)

حتى الآن لم يتم الإعلان عن تفاصيل معرض الربيع المقبل، ومن سيحل محل جون غاليانو. لكن هناك إجماعاً أن ملء الفراغ سيكون معقداً وصعباً، لأن المعرض لم يكن مجرد حدث عادي، بل هو مشروع كبير لمعهد الأزياء، كما كان سيمنح حفل الميت قصة واضحة ومحوراً ثقافياً يلتف حوله عالم الموضة. الآن على المتحف أن يجد معرضاً بديلاً بفكرة قوية تُساعده على تجاوز الأزمة في وقت قصير نسبياً.

ويبقى سؤال مُلحّ، لكن لا يُعبر عنه بصوت عالٍ؛ هل ما زالت آنا وينتور قادرة على فرض القرارات الصعبة، أم أن العالم الذي بنته بدأ يتغيَر؟!