شباب العالم في 2026... أحلام واحدة رغم اختلاف البيئات والظروف

البطالة والذكاء الاصطناعي أبرز التحديات

تحديات كثيرة تنتظر الشباب في يومهم (الأمم المتحدة)
تحديات كثيرة تنتظر الشباب في يومهم (الأمم المتحدة)
TT

شباب العالم في 2026... أحلام واحدة رغم اختلاف البيئات والظروف

تحديات كثيرة تنتظر الشباب في يومهم (الأمم المتحدة)
تحديات كثيرة تنتظر الشباب في يومهم (الأمم المتحدة)

في وقت يستعد فيه العالم للاحتفال باليوم الدولي للشباب، غداً 12 أغسطس (آب)، تبدو تطلعات أكثر من 1.3 مليار شاب وشابة متشابهة، رغم اختلاف البيئات والظروف التي يعيشون فيها. فالبحث عن فرصة عمل، وتعليم أفضل، وحياة أكثر أمناً واستدامة، يجمع هذا الجيل في عالم تتسارع فيه التحولات الاقتصادية والجيوسياسية والمناخية والتكنولوجية.

«ظروف مختلفة، تطلعات مشتركة»

ومع الاحتفاء باليوم الدولي للشباب لعام 2026، الذي اختارت له الأمم المتحدة شعار «ظروف مختلفة، تطلعات مشتركة»، تتصدر قضايا الشباب جدول الاهتمام العالمي، في ظل تحديات متزايدة تجعل هذا الجيل يقف في الصف الأول لمواجهة آثار البطالة، والتغير المناخي، والتحول الرقمي، والصحة النفسية.

ولعل القول المأثور «ولذة الدنيا وإن كانت تسر/ فإن الشباب منها أطيب الطيب»، يكتسب اليوم دلالة جديدة، في عالم يمتلك أكبر كتلة شبابية في تاريخه، لكنه لا يزال عاجزاً عن استثمار هذه الثروة البشرية على النحو الأمثل.

ويبلغ عدد الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و24 عاماً نحو 1.3 مليار شاب وشابة، أي ما يقارب 16 في المائة من سكان العالم، إلا أن هذا الجيل لا يعيش واقعاً واحداً. ففي حين يحظى الشباب في الدول المتقدمة بفرص واسعة في الابتكار والتكنولوجيا والتواصل، يواجه أقرانهم في أقل البلدان نمواً، والدول النامية غير الساحلية، والدول الجزرية الصغيرة النامية، تحديات هيكلية تعيق فرصهم في التعليم والعمل والتنمية.

وتكشف أحدث بيانات منظمة العمل الدولية لعام 2026 عن صورة مقلقة لسوق العمل العالمي. فعلى الرغم من استقرار معدل البطالة العالمي عند 4.9 في المائة، تصل بطالة الشباب إلى 12.4 في المائة، أي أكثر من ضعف المعدل العام. كما تشير البيانات إلى أن 27.9 في المائة من الشباب في الدول منخفضة الدخل لا يعملون ولا يدرسون ولا يتلقون أي تدريب مهني، وهو مؤشر يعكس اتساع فجوة الفرص أمام هذه الفئة.

المنطقة العربية

وفي المنطقة العربية، تبدو الأزمة أكثر حدة؛ إذ ما تزال معدلات بطالة الشباب من بين الأعلى عالمياً، بمتوسط يبلغ نحو 28 في المائة، وهو ما يضع قضية التشغيل في مقدمة التحديات التنموية التي تواجه الحكومات العربية.

ولا تقف الفجوة عند حدود سوق العمل، بل تمتد إلى التعليم؛ إذ لا تتجاوز نسبة الالتحاق بالتعليم العالي في أقل البلدان نمواً 11 في المائة، وهو مستوى يحد من قدرة الشباب على الاندماج في اقتصاد المعرفة والاستفادة من التحولات الرقمية المتسارعة.

وفي موازاة الضغوط الاقتصادية، تبرز الصحة النفسية باعتبارها أحد أكبر تحديات جيل 2026. فقد أظهر تقرير الأمم المتحدة حول «الشباب والصحة النفسية والرفاهية» وجود ارتباط وثيق بين البطالة، وانعدام الأمن المعيشي، والقلق المرتبط بتغير المناخ، وبين تدهور الصحة النفسية لدى الشباب.

شباب العالم... طاقة المستقبل وصوت التغيير في مواجهة تحديات الحاضر (الأمم المتحدة)

ويؤكد التقرير أن الرفاه النفسي لم يعد قضية فردية فحسب، بل أصبح انعكاساً مباشراً للظروف الاقتصادية والاجتماعية التي يعيشها الشباب. فعدم اليقين بشأن المستقبل المهني، أو العيش في مناطق مهددة بالتغير المناخي، يفرض ضغوطاً نفسية متزايدة تستدعي تبني سياسات اجتماعية وقائية وشاملة.

ويكتسب اليوم الدولي للشباب هذا العام أهمية إضافية مع دخول أسواق العمل مرحلة جديدة تقودها الأتمتة وتقنيات الذكاء الاصطناعي. ووفق تقرير مشترك صادر عن لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لغربي آسيا (الإسكوا) ومنظمة العمل الدولية، فإن الذكاء الاصطناعي مرشح لإحداث تحولات جذرية في سوق العمل بالمنطقة العربية، وقد يؤدي إلى زيادة بطالة الشباب بنحو 10 في المائة خلال الفترة بين عامي 2025 و2030 إذا لم تُعالج فجوة المهارات الرقمية.

اقتصاد ما بعد الذكاء الاصطناعي

ويحذر التقرير من أن هذا التحول مرشح لتوسيع الفجوة بين الشباب المؤهلين رقمياً وبين أولئك الذين لم يحصلوا على التدريب والتأهيل المناسبين، ما يفرض على الحكومات الاستثمار بصورة عاجلة في التعليم التقني، وإعادة تأهيل القوى العاملة الشابة بما يتناسب مع اقتصاد ما بعد الذكاء الاصطناعي.

ورغم هذه التحديات، يبرز الشباب بوصفهم قوة فاعلة في صناعة الحلول، لا مجرد متلقين للأزمات. ففي الدول الجزرية الصغيرة النامية، التي يهددها تغير المناخ بشكل مباشر، يقود الشباب مبادرات للتكيف المناخي، ويطورون حلولاً مبتكرة تشمل الزراعة المستدامة، وحماية السواحل، وريادة الأعمال الخضراء، في نموذج يعكس قدرتهم على تحويل التحديات إلى فرص.

ويحمل شعار اليوم الدولي للشباب لعام 2026، «ظروف مختلفة، تطلعات مشتركة»، رسالة تتجاوز الاحتفاء الرمزي؛ إذ يدعو الحكومات والمجتمع الدولي إلى إعادة النظر في السياسات الموجهة للشباب، بعيداً عن القوالب النمطية.

فالاختلاف في الظروف لا يقتصر على الفوارق بين الدول، بل يمتد داخل الإقليم الواحد. فالشاب الذي يعيش في منطقة تعاني النزاعات يتطلع، كما نظيره في دولة تشهد مشاريع تنموية كبرى مثل «رؤية السعودية 2030»، إلى فرصة عادلة، وتعليم نوعي، وصوت مسموع، ومستقبل أكثر استقراراً.

ضرورة عالمية

وتشير التقديرات إلى أنه بحلول عام 2050 سيعيش نحو 69 في المائة من شباب العالم في البلدان منخفضة ومتوسطة الدخل، وهو ما يجعل الاستثمار في هذه الفئة ضرورة اقتصادية وأمنية عالمية، وليس مجرد خيار تنموي. فإهمال هذه الكتلة الديمغرافية الضخمة قد ينعكس على استقرار العالم بأسره، بينما يمثل الاستثمار فيها فرصة لبناء مرحلة جديدة من النمو والازدهار المشترك.

ورغم اختلاف البيئات والظروف التي يولد فيها الشباب، تبقى تطلعاتهم نحو العدالة والكرامة والاستدامة العامل الجامع بينهم، والقوة القادرة على توحيدهم في مواجهة تحديات المستقبل.

التضامن التعليمي الرقمي... استثمار في المستقبل

وفي ضوء التفاوت الكبير في فرص الحصول على التعليم المتقدم بين الدول الغنية والفقيرة، تبرز دعوات متزايدة إلى تبني نموذج جديد يقوم على التضامن التعليمي الرقمي، باعتباره أحد أكثر الحلول واقعية لمواجهة فجوة التعليم والمهارات.

نطاق الاستفادة

وتستند هذه الرؤية إلى حقيقة أن التعليم الجامعي والمهني، ولا سيما في تخصصات العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات (STEM)، أصبح متاحاً عبر المنصات الرقمية بتكاليف أقل كثيراً من التعليم التقليدي، ما يتيح للدول المتقدمة ومؤسساتها الأكاديمية توسيع نطاق الاستفادة منه عالمياً.

ويقترح هذا التوجه العمل عبر مسارين رئيسيين، أولهما إطلاق منح دراسية رقمية تتيح للطلاب المتفوقين في الدول النامية الالتحاق ببرامج أكاديمية ومهنية عن بُعد مجاناً أو بدعم كامل، وثانيهما إقامة شراكات لنقل المعرفة تتيح للجامعات في الدول النامية استخدام المناهج والتراخيص الأكاديمية للجامعات العالمية، إلى جانب تدريب أعضاء هيئة التدريس.

استقطاب الكفاءات

ويرى مختصون أن لهذه المقاربة فوائد تتجاوز الجانب التعليمي؛ إذ تسهم في بناء اقتصادات أكثر قوة داخل الدول النامية، والحد من الهجرة غير النظامية والصراعات المرتبطة بالفقر، كما تمنح الدول المتقدمة فرصة لاستقطاب الكفاءات المؤهلة لسد النقص في أسواق العمل التي تعاني الشيخوخة السكانية، فضلاً عن تعزيز القوة الناعمة وبناء علاقات طويلة الأمد مع الأجيال الجديدة.

وتستند هذه الرؤية إلى تجارب دولية قائمة، من بينها برنامج منح الكومنولث للتعليم عن بُعد في المملكة المتحدة، الذي أتاح لطلاب من الدول النامية الحصول على درجات الماجستير من جامعات بريطانية دون مغادرة بلدانهم، إضافة إلى مبادرات أطلقتها مؤسسة ماستركارد بالشراكة مع جامعات عالمية لتوسيع فرص التعليم الإلكتروني أمام الطلاب في أفريقيا.

كما تدرس الأمم المتحدة إطلاق منصة جامعية إلكترونية مخصصة لتوفير التعليم في مجالات العلوم والتكنولوجيا لأقل البلدان نمواً، في محاولة لمعالجة تدني معدلات الالتحاق بالتعليم العالي التي لا تزال تقف عند حدود 11 في المائة في تلك الدول.

الطاقات الشبابية

وفي ظل التحولات العالمية المتسارعة، لم يعد توفير التعليم المتقدم عبر الحدود يُنظر إليه باعتباره مبادرة خيرية، بل أصبح استثماراً استراتيجياً في مستقبل الاقتصاد العالمي، وخطوة قادرة على تحويل الطاقات الشبابية في الدول النامية من تحدٍّ ديمغرافي إلى محرك رئيسي للنمو والابتكار.

وكما احتفى الأقدمون بالشباب قبل قرون بوصفه «أطيب الطيب»، فإن التحدي اليوم لا يكمن في الإقرار بقيمة الشباب فحسب، بل في ترجمة هذه القناعة إلى سياسات وفرص حقيقية تضمن أن تتحول طاقات هذا الجيل إلى محرك للنمو والابتكار، لا إلى أزمة عالمية جديدة.


مقالات ذات صلة

الفيلم القصير عملٌ شاقّ... ومهرجان طرابلس يساعد على اختصار الطريق الطويل

يوميات الشرق المخرجون الشباب المتقدّمون إلى منصة مهرجان طرابلس لتمويل الأفلام القصيرة (الشرق الأوسط)

الفيلم القصير عملٌ شاقّ... ومهرجان طرابلس يساعد على اختصار الطريق الطويل

مهرجان طرابلس للأفلام يساعد المخرجين الشباب على الانتقال بأفلامهم القصيرة من الورق إلى الشاشة الكبيرة.

كريستين حبيب (طرابلس (شمال لبنان))
الرياضة كأس العالم 2026... مسرح ولادة «الأوراق الرابحة» للكرة العربية

شبان برتبة نجوم... أصغر الوجوه العربية في مونديال 2026

شباب عرب يقتحمون المسرح العالمي بمونديال 2026. «الشرق الأوسط» ترصد الترتيب العمري، والأدوار التكتيكية لأصغر 9 مواهب واعدة بقيادة المصري حمزة عبد الكريم.

كوثر وكيل (لندن)
يوميات الشرق تحويل مسيرة الكابتن عماد المالكي لقصة تحمل اسم السعودية وتصل إلى الأجيال الجديدة (مانجا العربية)

«مانجا العربية» تطلق القصة المصورة «أشبال الكاراتيه»

أطلقت «مانجا العربية»، قصةً جديدةً بأسلوب فن المانجا الشهير عالمياً، وبالشراكة مع أحد أبطال العالم في الكاراتيه، الكابتن السعودي عماد المالكي.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
يوميات الشرق الفائزون بجوائز دعم الأفلام المقدّمة من مهرجان عمّان السينمائي (إدارة المهرجان)

من المخاض إلى الولادة... كيف يتحمّل المخرجون الشباب مشاقّ صناعة فيلم؟

«أيام عمّان لصنّاع الأفلام» ملتقى شبابيّ ينبض بالمواهب السينمائية العربية الشابة ويحتضنها من خلال منصاته لتسويق ودعم مشروعات الأفلام.

كريستين حبيب (عمّان)
يوميات الشرق مرايا تتجاوز مفهومها التقليدي لتُحلّق خارج الصندوق (ذا ميرور بروجيكت)

مرايا تتعدَّى دورَها الوظيفي نحو الجمال الفنّي في غاليري بيروتيّ

من الضياع وجد الخطوة الأولى. صقل عبد الله بركة رغبته في النحت وطوَّر مهارته. أنجز الشكل وصبَّ ضمنه المرآة.

فاطمة عبد الله (بيروت)

«دنيا»... رحلة في عالم الأمهات المثقل بالتضحيات

ندى أبو فرحات وزياد نجار في تحية الختام لجمهور مسرحية «دنيا» (مسرح دوار الشمس)
ندى أبو فرحات وزياد نجار في تحية الختام لجمهور مسرحية «دنيا» (مسرح دوار الشمس)
TT

«دنيا»... رحلة في عالم الأمهات المثقل بالتضحيات

ندى أبو فرحات وزياد نجار في تحية الختام لجمهور مسرحية «دنيا» (مسرح دوار الشمس)
ندى أبو فرحات وزياد نجار في تحية الختام لجمهور مسرحية «دنيا» (مسرح دوار الشمس)

تغوص مسرحية «دنيا» على خشبة «دوار الشمس» ببيروت، لكاتبها ومخرجها زياد نجَّار، داخل أعماق الأمومة والتضحيات التي ترافقها، فتُشرِّح مشاعر مكبوتة لدى نساء نسين أنفسهن من أجل سعادة أبنائهن. وتؤدي ندى أبو فرحات دور «المايسترو» الذي يجمع حكايات نساء كثيرات في مقطوعة إنسانية واحدة، تلامس كل مُشاهد وفق تجربته الخاصة.

عالم «دنيا»؛ المرأة التي ضاعت بين تناقضات تجربتها والخيبات التي واجهتها، يطرحه نجّار في قالب حديث، متنقلاً بين الافتراضي والواقعي، ومستعيناً بالموسيقى بوصفها عنصراً درامياً، وصولاً إلى رقصة المذبوح من الألم، التي توقظها كلمة «موم (أمي)» بالإنجليزية، وفق قاموس الجيل الجديد. وانطلاقاً من هذا التعبير البسيط، الذي حلّ مكان كلمة «ماما» التقليدية، يدرك المشاهد أن الحكاية تطوله هو أيضاً.

ويُبقي العمل على قيم الحب والتضحية التي لم تتغيّر لدى الأمهات، من جيل الجدات حتى اليوم، ويبرزها في قالب مسرحي تتحكّم أبو فرحات في مساره، فيما ترافقها نغمات البيانو التي يعزفها نجّار مباشرة على الخشبة. وتواكب الموسيقى تقلّبات الشخصية وثورتها على ذاتها؛ فيرتفع صوت الأم ليتحوّل ضجيجاً مضنياً في مَشاهد القلق، وينساب بهدوء في لحظات أخرى.

تحكي «دنيا» قصص نساء كرّسن حياتهن لتربية أبنائهن، وحلمن بمستقبلهم على حساب أحلامهن الخاصة. نساء تأثرن بتربية أمهاتهن وانتقدنها، معتقِدات أنهن يؤدّين أدوارهن على طريقتهن المنفتحة، فركّزن على تزويد أبنائهن بالقوة والاستقلالية لمواجهة مشكلات الحياة ومصاعبها.

في «دنيا» قدمت ندى أبو فرحات أحد أهم أدوارها المسرحية (مسرح دوار الشمس)

وفجأة؛ يجدن أن ذلك المسار الطويل انتهى إلى مغادرة الأبناء البيت. هنا تبدأ رحلتهن مع الذات، فيستعدن شريط حياة لم يعشنها، بل قدّمنها هدية لأبنائهن. فالبيت الذي كان يشهد نقاشات وجدالاً بين الأم وابنتها أصابه الصمت، وتحول سماعُ كلمة «موم» شوقاً ضاغطاً وحاجة ملحّة، بعدما كانت تشكّل مصدر انزعاج لكثرة تردادها على ألسنة أولاد متطلِّبين.

«أولادكم ليسوا لكم»... مقولة جبران خليل جبران؛ تصبح قاسية عندما تتحوّل حقيقةً تعيشها الأمهات. ويعكس عنوانُ العمل دنيا الأمِّ وعالَمَها، بما ينطوي عليه من تقلّبات وتناقضات يصعب اختصارها في عرض مدته 60 دقيقة. ولذلك جاء النص مركّزاً وتفاعلياً؛ إذ حاول نجّار، بالتعاون مع أبو فرحات، الإحاطة بالقصة من خلال تفاصيل تجعلها أقرب إلى الواقع.

وتتناول المسرحية تجربة الأمومة شكلاً ومضموناً، كما تتطرّق إلى وسائل التواصل الاجتماعي ومتابعة جيل المؤثرين الجديد. فالأبناء يصدّقون المؤثرة «فلالوبا» على «تيك توك» أكثر مما يصدّقون أمّاً رافقتهم في أحلامهم وتحدياتهم. كذلك يظهر قلق الأمهات من «سباع» جائعة قد يصادفها أبناؤهن في علاقاتهم العاطفية، وكيف يعيد التاريخ نفسه من خلال حجج يتسلّح بها الأبناء للقاء الآخر، سبق أن استخدمتها الأم في زمن الصبا.

ويتأثر الأهل أيضاً بأبنائهم، ولكن على طريقتهم الخاصة. وعندما يفقدون وسيلة التواصل معهم بسبب انشغال الأبناء بالمحادثات الإلكترونية، يصبح «تشيت شات» مع الذات، كما يسمّيه العمل، خياراً بديلاً لهم.

وتنجح ندى أبو فرحات، خلال أكثر من مشهد، في الانتقال من حالة إنسانية إلى أخرى. فتتحوّل من أم تتذمّر من علاقتها بابنتها، إلى أخرى حنون وعاطفية، تسأل عن أحوالها بلهفة وهي تناديها: «يا حياة قلبي وينك تقبريني». وتكشف هذه الانتقالات عن تنوّع أدائها وقدرتها على تجسيد حالات أمومة مختلفة.

دنيا تحتفي بالحياة على طريقتها (مسرح دوار الشمس)

وتقدّم المسرحية صوراً بلاغية عدّة في إطار عمل إنساني يحمل رسالة مباشرة ويتناول الموضوع بجرأة. وتتجدّد شخصية «دنيا» وهي ترتدي عباءة الحرية حيناً، وعباءة البحث عن الذات والتفاني حيناً آخر.

وتبرز قدرات أبو فرحات الأدائية عندما ترقص الفلامنغو والفالس، فتترك لنفسها العنان، كأنها تستعيد أياماً أضاعتها في رعاية الآخرين. لكنها تعود إلى الواقع حين تصغي إلى ابنتها المنكسرة، التي لجأت إليها لمواجهة مشكلة عاطفية كبيرة.

ويعزّز أسلوبُ زياد نجّار الإخراجي الأثرَ البصري والسمعي للعمل، عبر لغة مسرحية تجمع بين الأداء والحركة والموسيقى والصورة، فيما صمّمت تمارا حاوي اللوحات الكوريغرافية.

وفي نهاية العمل، الذي تستمر عروضه حتى 27 سبتمبر (أيلول) الحالي، تحتفي «دنيا» بنفسها وبكل امرأة سارت في طريقها... فقد واجهت التحديات انطلاقاً من حدسها وخبرتها وحبها أبناءها، وإن كان ذلك على حساب نفسها وأحلامها، لتصبح نموذجاً لأمهات كثيرات في بلادنا.


جدل «الأعلى أجراً» والأكثر مشاهدةً بالدراما الرمضانية للواجهة مبكراً

الفنان المصري محمد رمضان (حسابه على «فيسبوك»)
الفنان المصري محمد رمضان (حسابه على «فيسبوك»)
TT

جدل «الأعلى أجراً» والأكثر مشاهدةً بالدراما الرمضانية للواجهة مبكراً

الفنان المصري محمد رمضان (حسابه على «فيسبوك»)
الفنان المصري محمد رمضان (حسابه على «فيسبوك»)

أعادت تصريحات للفنانين أحمد العوضي، ومحمد رمضان، جدل «الأعلى أجراً»، والأكثر مشاهدة، للواجهة، وذلك بالتزامن مع إعلان وجودهما ومنافستهما لأول مرة في الماراثون الرمضاني القادم معاً، وكل منهما في صدارة البطولة لمسلسلات تصنف ضمن «الدرامية الشعبية».

وكتب محمد رمضان عبر حساباته على مواقع التواصل الاجتماعي أنه «نمبر وان» في الأجر، و«أنه ليس طماعاً... بل عشماوي»، بينما كرر العوضي تصريحاته بأنه الأعلى أجراً، والأكثر مشاهدة، في عدد من الفعاليات، أبرزها ظهوره في بودكاست «قصتي»، وخلال ندوته في «ملتقى الإعلام العربي» بدبي.

ويشكل «عشماوي» عودة لمحمد رمضان للدراما التلفزيونية بعد غياب لسنوات، انشغل خلالها بالإصدارات الغنائية والأفلام السينمائية، وتحديداً منذ تقديمه مسلسل «جعفر العمدة»، بينما اعتاد أحمد العوضي تصدر البطولة الدرامية الرمضانية بانتظام منذ سنوات، أحدثها سيكون مسلسل «سلطان الديب»، الذي ينافس به في الموسم المقبل.

ويشهد مسلسل «عشماوي»، الذي يجمع بين محمد رمضان، والمخرج بيتر ميمي، لأول مرة، مفاجآت لافتة، أبرزها مشاركة مي عمر، وأيضاً زوجها المخرج محمد سامي، بالتمثيل، بينما يتعاون العوضي مع صناع مسلسلات سابقة له، مثل «على كلاي»، وهما المخرج محمد عبد السلام، والسيناريست محمود حمدان.

بدوره أكد الكاتب والناقد الفني المصري أحمد النجار، أن «المتاجرة من قبل البعض بكونهم الأعلى أجراً أمر غير صحي بالوسط الفني»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط»: «صدارة أي عمل ونجاحه ليس بالضرورة أن ينسب للبطل الأوحد، فهناك أدوار مساعدة وثانية وثانوية، وفريق كامل بالصفوف الخلفية هم العمود الفقري للأحداث وبإمكانهم جذب المشاهد ببساطة بعيداً عن النجم».

وأشار النجار إلى أن هذه التصريحات تزداد انتشاراً في الآونة الأخيرة ويجب الحد منها، مضيفاً: «البطل لا بد وأن يتحدث بفنه وإبداعه وتجسيده ببراعة وإتقان، وعليه أن يترك أمر التصدر للمنصات المتخصصة، وإلا فليظهر الدليل والعقد الذي يثبت أنه الأعلى أجراً، طالما أنه يتحدث بثقة مطلقة».

الفنان المصري أحمد العوضي (حسابه على «فيسبوك»)

وفي سياق معركة الصدارة، التي ظهرت مؤشراتها أخيراً، خاض العوضي بطل فيلم «شمشون ودليلة»، التجربة نفسها مع محمد إمام بطل «صقر وكناريا»، خلال موسم الصيف السينمائي، فبينما أكد إمام تصدره «شباك التذاكر» وتحقيقه لإيرادات مليونية، أعلن العوضي عن إيرادات ضخمة حصدها فيلمه خلال أسبوع واحد فقط.

واشتعلت المعركة بين العوضي وإمام عبر منشورات «سوشيالية»، شهدت على تدخل نقيب الممثلين أشرف زكي حينها لفض الاشتباك، وطالبهما بحذف كل المنشورات، وقبل ذلك شهد موسم دراما رمضان الماضي منشورات متبادلة بين الفنانتين مي عمر بطلة «الست موناليزا»، وياسمين عبد العزيز بطلة «وننسى اللي كان»، عن التصدر والأكثر مشاهدة، ودخل على خط الأزمة حينها الفنان عمرو سعد الذي نافس بمسلسل «إفراج».

ووصف الكاتب والناقد الفني المصري سمير الجمل «الصراع الدائر على الإيرادات والترند والأعلى أجراً بأنه نوع من (الإفلاس الفني) والاستفزاز للمشاهد»، مؤكداً أن «غالبية المسلسلات أصبحت عجينة واحدة، لذلك فالمخرج الوحيد لإثبات الوجود هو الحديث عن ذاتهم وتصدرهم، وبات ملاذهم هو مقولة الأكثر نجاحاً وأجراً بدون دليل مادي يثبت الأمر».

وعن رأيه في ثيمة «البطل الشعبي» في الدراما المصرية حالياً، أكد سمير لـ«الشرق الأوسط»، أن «ما يعرض لا يعبر عن الحارة الشعبية التي تمثل السواد الأعظم من الناس، فالحارة الأصيلة لا تؤوي البلطجي والنصاب والسارق، وما يقدم ويصدر للناس هو صورة وهمية لا تمثل الفن المصري، بل عشوائيات درامية لن تعيش في الذاكرة».

وختاماً طالب الناقد الفني بالتوازن والتنوع في الدراما لعدم إفساد القيم الشعبية من خلال مفاهيم مغلوطة تعرض من أجل «الترند»، لافتاً إلى أن «الفن يقود المجتمع وليس العكس، لأنه الأقوى بإبداعه وفكره»، على حد تعبيره.

Your Premium trial has ended


قرارات صارمة لمنع تصوير المُعلمين و«ضبط» ملابس طلاب الجامعات

وزير التربية والتعليم المصري بين طلاب ومعلمي مدرسة في محافظة المنيا (صفحة وزارة التربية والتعليم على «فيسبوك»)
وزير التربية والتعليم المصري بين طلاب ومعلمي مدرسة في محافظة المنيا (صفحة وزارة التربية والتعليم على «فيسبوك»)
TT

قرارات صارمة لمنع تصوير المُعلمين و«ضبط» ملابس طلاب الجامعات

وزير التربية والتعليم المصري بين طلاب ومعلمي مدرسة في محافظة المنيا (صفحة وزارة التربية والتعليم على «فيسبوك»)
وزير التربية والتعليم المصري بين طلاب ومعلمي مدرسة في محافظة المنيا (صفحة وزارة التربية والتعليم على «فيسبوك»)

مع انطلاق العام الدراسي الجديد في المدارس والجامعات المصرية، برزت توجهات رسمية مُشددّة لفرض الانضباط داخل المؤسسات التعليمية، سواء من خلال قرارات تستهدف حماية المعلمين والحفاظ على هيبة المنظومة التعليمية داخل المدارس، أو عبر تطبيق ضوابط خاصة بالمظهر العام للطلاب داخل الجامعات.

وبدأ نحو 4 ملايين طالب وطالبة العام الجامعي الجديد 2026 - 2027، بداية هذا الأسبوع، بالجامعات والمعاهد المصرية، فيما استقبل أكثر من 60 ألف مدرسة بدايةً من الأسبوع الماضي نحو 25 مليون طالب وطالبة بمختلف المراحل.

وفي سياق فرض الانضباط، أصدر وزير التربية والتعليم والتعليم الفني، محمد عبد اللطيف، الاثنين، توجيهات مشددة لجميع المدارس على مستوى الجمهورية بتطبيق عقوبة الفصل لمدة عام دراسي كامل لأي طالب يستخدم أي أداة من أدوات التصوير لتصوير المُعلّم داخل المدرسة، بهدف الإساءة أو التنمر أو النشر على مواقع التواصل الاجتماعي.

وأكدت الوزارة، في بيان، أن «الحفاظ على هيبة وكرامة المعلم واحترامه، وتوفير بيئة تعليمية منضبطة داخل المؤسسة التعليمية، يمثلان ثوابت أساسية للعملية التعليمية».

كانت واقعة قد انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي لتلميذ في إحدى المدارس تتم معاقبته في الطابور ويقدم اعتذاراً لمدرّسته بعد أن صوّرها وهي تشرح في الفصل ونشر المقطع عبر وسائل التواصل مع تعليقات ساخرة.

قيادات جامعة القاهرة في جولات ميدانية بالكليات مع انطلاق العام الجامعي الجديد (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)

وامتدت محاولات ضبط الإيقاع التعليمي إلى الجامعات، التي شددت على تطبيق ضوابط المظهر العام داخل الحرم الجامعي، حيث أعلنت عن «مدونة سلوك» أو أصدرت تعليمات تحظر ارتداء الملابس الممزقة أو الشفافة أو القصيرة، إلى جانب الشورتات والأحذية المفتوحة وبعض أشكال الإكسسوارات التي لا تتناسب مع البيئة الأكاديمية.

وشهد أول أيام العام الجامعي الجديد عدة وقائع أثارت تفاعلاً، منها منع طالب وطالبة من دخول جامعة بنها بسبب ارتدائهما «بناطيل ممزقة»، كما شهدت الجامعة منع أحد الطلاب من الدخول بسبب انتعاله حذاءً مفتوحاً (شبشب)، ورغم أن الطالب أوضح لأفراد الأمن أنه خضع مؤخراً لعملية جراحية بالقدم، وأن انتعاله هذا الحذاء جاء بناءً على توصية طبية، إلا أن الأمن اشترط تقديم تقرير طبي رسمي يُثبت حالته الصحية، حسبما أفادت به تقارير صحافية محلية.

وجددت هذه الوقائع نقاشاً قديماً ومكرراً بشأن ضوابط «الزي اللائق» وآليات تطبيقها، وسط انقسام بين تأييد موقف الجامعات في وضع قواعد للانضباط والمظهر العام داخلها، وبين معارضين رأوا أن ملابس الطالب لا ينبغي أن تكون سبباً لمنعه من حق تلقي التعليم، كما أثار البعض تساؤلات حول وجود أكواد موحدة (dress code) داخل الجامعات تلزم الطلاب بملابس ذات مواصفات محددة.

كانت مصادر بوزارة التعليم العالي والبحث العلمي المصرية قد أكدت في تصريحات صحافية سابقة عدم وجود قانون محدد ينظم ملابس الطلاب داخل الجامعة، من خلال وضع مواصفات محددة للملابس داخل الحرم الجامعى سواء للطلاب أو الطالبات، موضحةً أن الجامعات تتمتع بشخصية مستقلة، وبالتالي يكون لرئيس كل جامعة الحق في تنظيم شؤون الجامعة والحرم الجامعي في جميع الأمور بما فيها الملابس.

ويوضح الخبير التربوي، عاصم حجازي، أستاذ علم النفس التربوي بكلية الدراسات العليا للتربية جامعة القاهرة، أن الجامعات المصرية لا تستند إلى قانون موحد يحدد بصورة تفصيلية شكل الزي المسموح به داخلها، وإنما تعتمد في الغالب على اللوائح الداخلية أو قرارات تنظيمية، مؤكداً أن «غياب كود موحد ومحدد للزي داخل الجامعات، يجعل بعض القرارات خاضعة للتقديرات والاجتهادات الشخصية عند التطبيق».

طلاب بجامعة بنها داخل إحدى القاعات الدراسية في أول أيام العام الدراسي (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)

ويضيف لـ«الشرق الأوسط» أن «الجدل المتكرر حول هذه الوقائع يعكس الحاجة إلى وجود إطار أكثر وضوحاً تصدره الجهات المسؤولة عن التعليم العالي»، لكنه يلفت في الوقت نفسه إلى أن أي «دريس كود» لن يكون قادراً على تغطية جميع التفاصيل المرتبطة بالأزياء، فالموضة تتطور بصورة متسارعة، الأمر الذي يجعل من الصعب صياغة قواعد تستوعب كل جديد.

ويفسر حجازي تكرار هذه الأزمات مع بداية كل عام دراسي لكونها «تقع في منطقة حساسة بين رؤيتين متباينتين داخل المجتمع، فهناك تيار مُحافظ يرى أن للجامعة الحق في فرض معايير للمظهر، يقابله تيار آخر ينظر إلى مسألة اللباس بوصفها حرية شخصية، وبالتالي يتحول الأمر إلى صراع قيمي يأخذ أبعاداً فلسفية وجدلية كبيرة».

بدورها، تؤكد الخبيرة التربوية داليا الحزاوي، المنسق العام للبرنامج الوطني لتعزيز الحق في التعليم بمجلس الشباب المصري، أن بناء شخصية الطالب لا يقتصر على التحصيل الدراسي، وإنما يشمل أيضاً غرس قيم والسلوكيات الإيجابية، موضحةً أن «للأسرة دوراً أساسياً في ذلك، سواء بتعليم الأبناء الاستخدام المسؤول لمواقع التواصل الاجتماعي واحترام خصوصية الآخرين، وكذلك التدخل والتوجيه فيما يرتدونه داخل الجامعة».

وأكدت لـ«الشرق الأوسط» أن «توجيهات معاقبة تصوير المعلم داخل المدرسة تأتي في توقيت مهم، في ظل انتشار بعض الممارسات التي تستهدف السخرية من المعلمين وتصويرهم ونشر المقاطع عبر مواقع التواصل الاجتماعي»، مشددةً على أن «احترام المعلم والحفاظ على كرامته من أساسيات الانضباط داخل المدرسة».

كما تبيّن أن «الحفاظ على هيبة المؤسسة التعليمية لا يتعارض مع احترام حق الطالب في اختيار ملابسه»، لافتةً في الوقت نفسه إلى أن مخالفة ضوابط المظهر يجب أن يكون لها عقوبات متدرجة وفق لائحة واضحة ومعلنة.