لم يعد السؤال المطروح اليوم هو ما إذا كان الذكاء الاصطناعي قادراً على تشخيص الأمراض بدقة تضاهي دقة الطبيب. فقد أثبتت مئات الدراسات خلال الأعوام الأخيرة أن كثيراً من الأنظمة الذكية أصبحت تنافس الخبراء؛ بل تتفوق عليهم أحياناً في مهام محددة، مثل تفسير الصور الطبية، واكتشاف بعض الأمراض في مراحلها المبكرة.
لكن مع اقتراب هذه التقنيات من غرف العيادات والمستشفيات، برز سؤال أكثر أهمية: إذا كانت الخوارزمية صحيحة، فهل يثق بها الطبيب؟
قد تبدو الإجابة بديهية، إلا أن الواقع أكثر تعقيداً. فنجاح الذكاء الاصطناعي في الرعاية الصحية لا يعتمد على دقة الخوارزمية وحدها؛ بل على ثقة الطبيب في توصياتها، واطمئنان المريض إلى استخدامها، ووجود منظومة واضحة للحوكمة والشفافية والمساءلة. ومن دون هذه العناصر، قد تبقى أكثر الأنظمة تقدماً خارج الممارسة السريرية، مهما بلغت كفاءتها.
3 دراسات عربية
وتكشف 3 دراسات حديثة من المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة، أن التحدي الأكبر أمام تبنِّي الذكاء الاصطناعي في الطب العربي لم يعد تقنياً؛ بل يتعلق ببناء الثقة. فالعقبات الحقيقية تتمثل في التدريب، وشفافية الأنظمة، وحوكمة استخدامها، وتحديد المسؤولية عند وقوع الخطأ. وتقدم كل دراسة من هذه الدراسات جزءاً مختلفاً من الصورة؛ يبدأ بالطبيب، ويمر بالمريض، وينتهي بالمنظومة الصحية كلها.
الدراسة الأولى: الطبيب لا يبحث عن الدقة وحدها

في أبريل (نيسان) 2026، نشرت مجلة «JMIR AI» دراسة قادتها الباحثة الإماراتية غفران الصالوم، شملت 182 من الأطباء وأطباء الأسنان والممرضين، لاستكشاف العوامل المؤثرة في تبنِّي تطبيقات الذكاء الاصطناعي في الممارسة الصحية.
وأظهرت النتائج أن الثقة كانت العامل الأكثر تأثيراً في قرار الاستخدام، متقدمة حتى على سهولة الاستخدام والأداء التقني للنظام. فحتى عندما يقتنع الطبيب بدقة النتائج، فإنه قد يتردد في الاعتماد عليها، إذا لم يستطع فهم كيفية وصول الخوارزمية إلى توصياتها، أو إذا بقيت المسؤولية القانونية والأخلاقية غير واضحة عند وقوع خطأ.
وخلص الباحثون إلى أن نجاح الذكاء الاصطناعي في الرعاية الصحية لا يعتمد على تطوير خوارزميات أكثر قوة فحسب؛ بل على بناء منظومة متكاملة تقوم على قابلية التفسير، والشفافية، والحوكمة الواضحة التي تعزز ثقة الممارسين الصحيين.
الدراسة الثانية: المجتمع السعودي يرحب... ولكن بحذر

وفي المملكة العربية السعودية، انتقل السؤال من الأطباء إلى المرضى. ففي 25 مارس 2026، نشرت «المجلة الدولية للطب العام» (International Journal of General Medicine) دراسة قادتها الدكتورة يسرى الهندي من جامعة أم القرى، بعنوان: «معرفة المجتمع السعودي وتقبله للأطباء المدعومين بالذكاء الاصطناعي»، وشملت 303 مشاركين من مختلف مناطق المملكة.
وأظهرت الدراسة أن المجتمع السعودي ينظر بإيجابية إلى دور الذكاء الاصطناعي في تحسين التشخيص وتسريع الوصول إلى الرعاية الصحية، ولكنه لا يمنح هذه التقنيات ثقته دون شروط. فقد ارتبط قبول المشاركين بتوفر 3 عناصر أساسية: الشفافية في عمل الأنظمة، وحماية خصوصية البيانات الصحية، ووضوح المسؤولية عند وقوع الخطأ.
وتنسجم هذه النتائج مع ما توصلت إليه الدراسة الإماراتية؛ فالقضية لم تعد تتعلق بقدرة الذكاء الاصطناعي على تقديم إجابة صحيحة؛ بل بقدرته على كسب ثقة الإنسان الذي سيعتمد عليها.
الدراسة الثالثة: المشكلة تبدأ قبل المستشفى
لكن بناء الثقة لا يبدأ عند الطبيب ولا المريض؛ بل قبل ذلك بكثير؛ إذ يبدأ من جاهزية المنظومة الصحية نفسها. ففي يونيو (حزيران) 2025، نشرت مجلة «تفضيلات المرضى والالتزام بالعلاج» (Patient Preference and Adherence) دراسة قادتها الدكتورة صفاء السنوسي من جامعة أم القرى، تناولت دور الذكاء الاصطناعي في دعم التزام مرضى الأمراض المزمنة بالعلاج.
ورغم أن الدراسة ركزت على المرضى، فإن نتائجها حملت رسالة تتجاوز هذا المجال. فقد أظهرت أن العقبات الرئيسة أمام الاستفادة من الذكاء الاصطناعي لا تتمثل في ضعف التقنية؛ بل في محدودية الثقافة الرقمية، ونقص التدريب، والقلق بشأن خصوصية البيانات، وغياب الدعم المؤسسي.
ولذلك دعا الباحثون إلى دمج مفاهيم الذكاء الاصطناعي في التعليم الصحي، ووضع استراتيجيات وطنية لتعزيز الثقافة الرقمية، بوصفها ركيزة أساسية لنجاح التحول الرقمي في الرعاية الصحية.
المشكلة ليست في الذكاء الاصطناعي... بل في الثقة به

عند جمع نتائج الدراسات الثلاث، تتشكل صورة مختلفة تماماً عما يعتقده كثيرون. فالقضية ليست أن الطبيب الإماراتي أو السعودي يرفض الذكاء الاصطناعي لأنه يخشى منافسته، ولا أن المرضى يفضلون الإنسان على الآلة بصورة مطلقة؛ بل إن السؤال الحقيقي هو: هل يمكن الوثوق بمنظومة الذكاء الاصطناعي عندما تصبح جزءاً من القرار الطبي؟
وتشير الدراسات إلى أن العقبة الكبرى أمام تبنِّي الذكاء الاصطناعي في الرعاية الصحية العربية لم تعد تقنية؛ بل مؤسسية وإنسانية. فالثقة لا تُبنَى بمجرد ارتفاع دقة الخوارزمية، وإنما بمنظومة متكاملة تشمل الشفافية، وقابلية تفسير النتائج، وحماية خصوصية المرضى، والتدريب الجيد، والحوكمة، وتحديد المسؤولية القانونية والأخلاقية عند وقوع الخطأ.
وربما لهذا السبب لم يعد السؤال الذي ينبغي أن يشغلنا هو: هل يستطيع الذكاء الاصطناعي تشخيص المرض؟ فهذا السؤال تكاد العلوم الحديثة تكون قد أجابت عنه. أما السؤال الذي سيحدد مستقبل الرعاية الصحية في عالمنا العربي فهو: هل استطعنا أن نبني منظومة تجعل الطبيب والمريض والمؤسسة الصحية يثقون بالذكاء الاصطناعي بالقدر نفسه الذي يثقون فيه بالعلم والطب؟
في النهاية، لن يغيِّر الذكاء الاصطناعي الطب لأنه أكثر ذكاءً؛ بل لأنه أكثر جدارة بالثقة.
فرصة للمملكة
تأتي هذه النتائج في وقت تقود فيه المملكة العربية السعودية تحولاً رقمياً واسعاً في القطاع الصحي، وتستثمر بصورة كبيرة في تطبيقات الذكاء الاصطناعي. وهذا يمنح المملكة فرصة لأن تصبح نموذجاً إقليمياً في بناء منظومة صحية لا تعتمد على الذكاء الاصطناعي فحسب؛ بل على الثقة في استخدامه أيضاً.
ولذلك، فإن نجاح هذه الاستثمارات لن يقاس بعدد الأنظمة الذكية التي تدخل المستشفيات، وإنما بقدرة المنظومة الصحية على بناء الثقة من خلال التعليم، والحوكمة، والشفافية، والتحقق المحلي من أداء الأنظمة قبل تعميم استخدامها. ولتحقيق ذلك، ينبغي أن تسير عملية التحول الرقمي جنباً إلى جنب مع تأهيل الكوادر الصحية، ورفع الثقافة الرقمية لدى المرضى، ووضع أطر تنظيمية واضحة تحدد مسؤوليات كل طرف عند استخدام الذكاء الاصطناعي في الممارسة الطبية.
وعندها لن ينظر الطبيب العربي إلى الذكاء الاصطناعي بوصفه منافساً لخبرته، ولن يخشاه المريض بوصفه بديلاً عن الطبيب؛ بل سيصبح أداة موثوقة تدعم القرار الطبي، وتعزز جودة الرعاية الصحية، وتضع الإنسان في قلب الابتكار.
الخلاصة
تكشف الدراسات الثلاث -رغم اختلاف أهدافها وبيئاتها- رسالة واحدة واضحة: أن العقبة الحقيقية أمام الذكاء الاصطناعي في الطب العربي لم تعد دقة الخوارزميات؛ بل ثقة الإنسان بها.
وربما لم يعد السؤال الذي ينبغي أن نطرحه هو: هل يستطيع الذكاء الاصطناعي أن يساعد الطبيب؟ بل أصبح السؤال الأهم: هل استطعنا أن نبني منظومة صحية تجعل الطبيب والمريض يثقان بالذكاء الاصطناعي بالقدر نفسه الذي يثقان فيه بالعلم، من خلال الشفافية، والحوكمة، والمساءلة؟
فمستقبل الطب لن تحدده الخوارزميات وحدها؛ بل سيحدده أيضاً مقدار الثقة التي نبنيها حولها. وعندما تلتقي التكنولوجيا بالثقة، والعلم بالحوكمة، والابتكار بالمسؤولية، يتحول الذكاء الاصطناعي من مجرد خوارزمية إلى شريك موثوق في رعاية الإنسان.



