جدل في مصر حول إنفاق أموال التبرعات على اللاجئين

جمعيات خيرية تقول إن دعم الوافدين يجري وفق حسابات خاصة

مستشفى «بهية» في مصر يؤكد أن علاج غير المصريات يخضع لنظم خاصة بعيداً عن التبرعات الموجهة للمصريات (مستشفى بهية)
مستشفى «بهية» في مصر يؤكد أن علاج غير المصريات يخضع لنظم خاصة بعيداً عن التبرعات الموجهة للمصريات (مستشفى بهية)
TT

جدل في مصر حول إنفاق أموال التبرعات على اللاجئين

مستشفى «بهية» في مصر يؤكد أن علاج غير المصريات يخضع لنظم خاصة بعيداً عن التبرعات الموجهة للمصريات (مستشفى بهية)
مستشفى «بهية» في مصر يؤكد أن علاج غير المصريات يخضع لنظم خاصة بعيداً عن التبرعات الموجهة للمصريات (مستشفى بهية)

تجدد الجدل في مصر حول أحقية مؤسسات المجتمع المدني في إنفاق وارداتها من التبرعات لدعم المحتاجين وعلاج المرضى من اللاجئين والوافدين، وانقسمت الآراء بين داعم لحق هذه الفئة في العلاج الصحي المجاني، وبين منكر لذلك على أساس أنه يحرم منه بعض المصريين في أمسّ الحاجة إليه.

وثار الجدل بعدما نفى مستشفى «بهية» لعلاج سرطان الثدي بالمجان «علاج غير المصريات من أموال التبرعات»، إثر هجوم عليه من بعض النشطاء على وسائل التواصل الاجتماعي. وأكد المستشفى أن علاج الوافدين يجري وفق بروتوكولات خاصة بعيدة عن التبرعات.

وإثر تداول صور ومقاطع مصورة لسيدات قيل إنهن سودانيات مشاركات في عدد من فعاليات المستشفى لدعم المريضات فيه، انقسم المدونون على مواقع التواصل. فبينما دعا البعض إلى وقف التبرعات لمستشفى«بهية» بصفته يوجه دعماً للاجئات بدلاً من التركيز على المصريات غير المقتدرات، انتقد فريق آخر بيان المستشفى وعدُّوه «خضوعاً لابتزاز من حملات موجهة»، مؤكدين حقوق اللاجئين في العلاج داخل مصر، وأن هذا هو ما تتبعه الجهات الرسمية في حملاتها.

وقال المستشفى في بيانه المثير للجدل، مساء الأحد، إن هدفه الأساسي منذ تأسيسه «هو علاج السيدات المصريات غير القادرات على تحمل تكاليف العلاج... والتبرعات المقدمة من الأفراد والمؤسسات المصرية يتم توجيهها لعلاج السيدات المصريات، وفقاً للأغراض المخصصة لها، والضوابط المنظمة لعمل المؤسسة».

وبخصوص غير المصريات أوضح المستشفى أنهن يخضعن للعلاج بالقسم الاقتصادي (المدفوع)، وأن «خدمات العلاج الاقتصادي يتم تقديمها من خلال بروتوكولات تعاون مع عدد من الجهات والسفارات التي تتحمل تكاليف علاج تلك الحالات»، مشدداً على وجود فصل كامل بين هذا القسم والخدمات التي تقدمها المؤسسة الخيرية، وكذلك التبرعات الموجهة لعلاج المصريات غير القادرات.

حملة لوزارة الصحة المصرية لمواجهة الالتهاب السحائي تستهدف مدرسة لوافدين في أغسطس 2026 (وزارة الصحة)

وتستضيف مصر أكثر من 10 ملايين وافد أجنبي، ما بين مهاجرين ولاجئين وطالبي لجوء، تطلق السلطات عليهم لقب «ضيوف». وتكلّف تلك الاستضافة الدولة أكثر من 10 مليارات دولار سنوياً، حسب تقديرات رسمية.

وانتقد عضو المجلس القومي لحقوق الإنسان، أحمد بدوي، الحملات التي ترفض تلقي الوافدين للعلاج في مصر، مثلهم مثل المصريين، مؤكداً أن العلاج «حق أصيل مكفول للجميع دون تمييز بحكم الاتفاقات الدولية، وعدّ «الحملات السوشيالية لا تعبّر دائماً عن الواقع، فبعضها قد يكون موجهاً، وأخرى قد تكون نتيجة الأعباء الاقتصادية، وعدّ البعض أن اللاجئين ينافسونهم على الخدمات والموارد».

وسبق أن أصدرت مؤسسة «حياة كريمة» بياناً شبيهاً قبل عدة شهور توضح فيه أن مصادر تمويلها لبرامج موجهة للاجئين تكون بالاعتماد على منح وليست من التبرعات، بعد هجوم تعرضت له آنذاك. وقالت المؤسسة في مايو (أيار) الماضي إن «أموال تبرعات المصريين بالكامل موجهة حصراً لدعم الأسر المصرية».

ويعكس الجدل أزمة تواجهها مؤسسات المجتمع المدني مع وجود أعداد غفيرة من الوافدين، وحاجة الكثير منهم للإعانات، وسط تشديد من بعض المتبرعين على قصر تبرعاتهم على المصريين. ولتفادي ذلك تعمُد غالبية المؤسسات إلى توضيح طرق الإنفاق، وإعلام المتبرع بها.

إحدى تلك الجمعيات مؤسسة «أبواب الخير» التي ذكرت في بيان لها، الاثنين، أنها تساعد الجميع «دون تمييز»، لكنها في الوقت نفسه تُعلِم المتبرعين بأوجه الإنفاق ليختاروا من بينها.

ويرى بدوي أن الأصل في التبرع ألا يكون مشروطاً، وأن المهم توجيهه لمستحقيه، وأضاف: «مبادرات الرئيس للصحة لا تفرق بين مصري ووافد، وكذلك الحملات التطعيمية لوزارة الصحة».

واستطرد قائلاً: «رغم ذلك أدعو المؤسسات أن تتفادى الجدل والحملات بتوضيح مصادر الإيرادات والإنفاق، تجنباً لإثارة حملات موجهة أو حساسيات لدى من تثقلهم الأعباء الاقتصادية من المصريين». وشدّد في الوقت ذاته على ضرورة زيادة الدعم الموجه للاجئين بمصر من المجتمع الدولي تحت مبدأ «مشاركة الأعباء».


مقالات ذات صلة

سوريا تتحرك لحل أزمات طلابها في مصر

العالم العربي رئيس البعثة السورية في القاهرة يلتقي عدداً من الطلاب السوريين الدارسين في الجامعات المصرية (السفارة السورية في القاهرة)

سوريا تتحرك لحل أزمات طلابها في مصر

تحركات سورية رسمية في مصر مع أزمة طلاب دمشق بالقاهرة، وسط إجراءات مشددة تتخذها الحكومة المصرية لتقنين أوضاع المقيمين على أراضيها وترحيل المخالفين.

محمد محمود (القاهرة)
شمال افريقيا عدد من القاصرين غير المرفوقين في عهدة القوات الإسبانية في سبتة (أ.ف.ب)

المغرب مستعد للتعاون في إعادة القصر من إسبانيا

تقول السلطات المحلية إن ما لا يقل عن 1100 قاصر غير مصحوب بذويه لا يزالون في سبتة، ووصل بعضهم خلال موجة التدفق الأسبوع الماضي.

«الشرق الأوسط» (الرباط)
المشرق العربي جنود إسرائيليون خلال عملية عسكرية بمخيم قلنديا بالضفة الغربية يوم الأربعاء (أ.ب)

الهجوم على قلنديا... «حل وسط» على طريق تفكيك 16 مخيماً للاجئين بالضفة

الجيش الإسرائيلي يقتحم مخيم قلنديا بالضفة الغربية، ومصادر تقول إن هذه خطوة في مخطط لتدمير 16 مخيماً.

نظير مجلي (تل أبيب)
أوروبا مهاجرون على متن قارب ينتظرون المساعدة من قارب إنقاذ في المياه الدولية جنوب لامبيدوزا في البحر المتوسط 24 يوليو 2025 (رويترز)

مقتل 17 مهاجراً خلال محاولة الوصول إلى جزر البليار الإسبانية

قالت السلطات الإسبانية، الثلاثاء، إن 17 مهاجراً لقوا حتفهم أثناء محاولتهم الوصول إلى شواطئ جزر البليار الإسبانية بعد رحلة استمرت 15 يوماً.

«الشرق الأوسط» (مدريد)
أوروبا المفوض الأوروبي للشؤون الداخلية والهجرة ماغنوس برونر يتحدّث خلال مؤتمر صحافي عقب اجتماع عبر الإنترنت لوزراء الداخلية في الاتحاد الأوروبي في المفوضية الأوروبية في بروكسل ببلجيكا 4 أغسطس 2026 (إ.ب.أ)

الاتحاد الأوروبي لرأب الصدع بعد سبتة: الأزمة باتت وراءنا

سعى الأوروبيون إلى تهدئة الأجواء وطيّ صفحة الخلافات التي أثارتها أزمة الهجرة في سبتة، بعدما تسببت بتوترات دبلوماسية حادة بين مدريد ودول أعضاء في التكتل.

«الشرق الأوسط» (بروكسل)

كيف تتغير أوجه إنفاق الأسر المصرية مع ارتفاع التضخم؟

سيدة تتسوّق داخل أحد المراكز التجارية في مصر (الشرق الأوسط)
سيدة تتسوّق داخل أحد المراكز التجارية في مصر (الشرق الأوسط)
TT

كيف تتغير أوجه إنفاق الأسر المصرية مع ارتفاع التضخم؟

سيدة تتسوّق داخل أحد المراكز التجارية في مصر (الشرق الأوسط)
سيدة تتسوّق داخل أحد المراكز التجارية في مصر (الشرق الأوسط)

مع ما تشهده الأسواق المصرية من ضغوط اقتصادية متزايدة، جاءت بيانات التضخم التي أعلنها الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، الاثنين، لتؤكد تصاعد وتيرة هذه الضغوط.

فقد أعلن الجهاز المركزي ارتفاع معدل التضخم السنوي لأسعار المستهلكين في المدن إلى 14.9 في المائة خلال يوليو (تموز)، مقابل 14.3 في المائة خلال يونيو (حزيران). وسجل المعدل على مستوى البلاد 13 في المائة مقارنة بشهر يوليو من العام الماضي 2025.

هذه الأرقام الرسمية لم تعد مجرد مؤشرات صماء، وإنما تحولت إلى واقع يومي يُعيد رسم الخريطة الاستهلاكية والمالية للأسر التي تجد نفسها مجبرة على التكيف مع تكلفة معيشية تتصاعد باستمرار.

ويقول سعيد، الذي يقطن في محافظة المنوفية بدلتا النيل، لـ«الشرق الأوسط»: «المطالب المنزلية لا تنتهي، فأوجه الإنفاق لا تقتصر على السلع الغذائية فقط، وإنما امتدت لتشمل خدمات النقل، والدروس الخصوصية، والدواء، وغيرها، مما جعلني وزوجتي دائماً في حساب مستمر للأولويات، وتقديم احتياج على آخر».

وعبَّر اختصاصي البصريات أحمد سعيد عن واقعه المعيشي بقوله: «لم يعد الأمر مجرد الاستغناء عن الكماليات، بل أصبح معركة يومية لتوفير الأساسيات؛ فما كنا نشتريه بالأمس ونراه متاحاً، بات اليوم يتطلّب إعادة حسابات دقيقة في ميزانية البيت».

تغيُّر السلوكيات الاستهلاكية

تشهد السلوكيات الاستهلاكية للمواطنين تحولات جذرية فرضها الأمر الواقع، حيث اضطرت الغالبية العظمى من الأسر إلى التخلي التدريجي عن النمط الاستهلاكي التقليدي، وتقليص الكماليات، وتأجيل خطط شراء سلع بعينها.

ولجأت ربات البيوت إلى البحث عن بدائل أرخص ثمناً للمنتجات الغذائية الأساسية، والاستغناء عن العلامات التجارية الكبرى لصالح السلع المحلية أو الأقل سعراً.

ويقول الخبير الاقتصادي، أشرف غراب، إن ارتفاع معدل التضخم وفق النسب الأخيرة يعكس استمرار الضغوط السعرية العالمية والمحلية على سلة قائمة السلع والخدمات الخاصة بالمستهلك. ويوضح أن هذه الزيادة تستدعي من الأسر المصرية إعادة تقييم أولويات الإنفاق الشهري، مع التركيز بشكل أكبر على السلع والخدمات الأساسية مثل الغذاء والصحة والتعليم والنقل، مقابل ترشيد الإنفاق على البنود غير الضرورية والكمالية إلى حين حدوث استقرار في مستويات الأسعار.

مصريون يشترون طعام الإفطار من أحد المطاعم في القاهرة (رويترز)

ويضيف لـ«الشرق الأوسط» أن ارتفاع التضخم يدفع الأسر إلى البحث عن بدائل أكثر كفاءةً واقتصاداً لتلبية احتياجاتها اليومية، ويتمثّل ذلك في التحول نحو المنتجات المحلية ذات القيمة مقابل السعر، والمقارنة بين العروض قبل الشراء، والاعتماد على الشراء بالجملة للسلع المعمرة، وتقليل الهدر الغذائي داخل المنازل، وزيادة الإقبال على الأسواق الشعبية والمنافذ الثابتة والمتغيرة التي تقدم أسعاراً تنافسية، إلى جانب الاستفادة من المبادرات التي تهدف إلى توفير السلع بأسعار مناسبة، وهو ما يُسهم في تخفيف أثر الارتفاع على الدخل المتاح للأسر.

كما يشير إلى وجود تحولات واضحة في سلوكيات المستهلكين، فهناك ميل متزايد نحو التخطيط المسبق للمشتريات وإعداد قوائم محددة بدلاً من الشراء العشوائي، وزيادة الوعي بأهمية الادخار الوقائي بوصفه وسيلة للتعامل مع تقلبات الأسعار.

إعادة ترتيب الأولويات

ولم تقتصر موجات التقشف وإعادة ترتيب الأولويات على سلة الغذاء والسلع الأساسية فحسب، وإنما امتدت لتلتهم طقوساً ترفيهية سنوية راسخة. فعلى سبيل المثال، يروي أحمد رأفت، وهو مُعلم وأب لثلاثة أطفال يعيش في محافظة الجيزة، كيف اضطر هذا العام إلى تغيير خططه الصيفية بالكامل متخلّياً عن عادة التوجه إلى الشواطئ كما كان يحدث كل صيف.

ويقول لـ«الشرق الأوسط»: «زيادة تكاليف المصايف من إيجارات ومواصلات جعلتنا نلغي فكرة السفر تماماً هذا العام، فالمال الذي كنت أدخره لأسبوع المصيف بات مطلوباً لتغطية أعباء المعيشة الأساسية، وفواتير الخدمات المتصاعدة خاصة الكهرباء، لذا فالسفر أصبح مؤجلاً إلى أجل غير مسمى».

بينما يقول الخبير الاقتصادي، مصباح قطب، إن الواقع المعيشي في مصر يشهد تحولات قاسية في ظل موجات الغلاء المتعاقبة منذ عام 2022، التي أدت إلى تآكل حاد في القدرة الشرائية لجميع الشرائح، ولا سيما الطبقة المتوسطة والفقيرة.

ويضيف: «أفرزت هذه الأزمات الاقتصادية استراتيجيات بقاء يومية تعتمد على الاختصار والبدائل، حيث لجأت الأسر إلى تقليص الكميات المشتراة من السلع الأساسية، وتغيير الأنماط الاستهلاكية بالانتقال إلى منتجات أقل سعراً، وصولاً إلى إجراءات أكثر قسوة تشمل سحب النقود من المدخرات السابقة لتغطية النفقات الجارية».

ويشير إلى اضطرار بعض العائلات لاتخاذ قرارات بالغة الصعوبة، مثل إخراج الأبناء من التعليم لدمجهم في سوق العمل، أو التراجع عن تلقي الرعاية الصحية المنتظمة والاكتفاء بالبدائل المتاحة، بوصفها محاولة للحفاظ على استقرارها المالي في وجه التحديات والظروف المعيشية.


إصلاح التعليم يقسم الشارع السياسي بالجزائر

ترقب تدخل الرئيس تبون لحسم الخلافات حول إصلاح التعليم بالجزائر (الرئاسة)
ترقب تدخل الرئيس تبون لحسم الخلافات حول إصلاح التعليم بالجزائر (الرئاسة)
TT

إصلاح التعليم يقسم الشارع السياسي بالجزائر

ترقب تدخل الرئيس تبون لحسم الخلافات حول إصلاح التعليم بالجزائر (الرئاسة)
ترقب تدخل الرئيس تبون لحسم الخلافات حول إصلاح التعليم بالجزائر (الرئاسة)

تصاعدت حدة الاستقطاب في الجزائر منذ الإعلان عن إصلاحات في قطاع التعليم بداية الشهر الحالي، خصوصاً بعد نشر «تسريبات» في الصحافة أوحت بأن الرئيس عبد المجيد تبون قد يتجه إلى سحبها بذريعة أن وزير التربية لم يعرضها على مجلس الوزراء.

وأعادت هذه القضية إلى الواجهة صراعاً قديماً بين أنصار التيار العروبي المحافظ، والتيار الفرنكفوني الذي يملك نفوذاً قوياً في أهم مؤسسات الدولة.

فبعد أن كشف وزير التربية الوطنية، محمد صغير سعداوي، عما يُسمى «تعديلات بيداغوجية» في اجتماع عقده مع مفتشي التعليم في الأسبوع الأول من أغسطس (آب) الحالي، يتصاعد الجدل يومياً متخذاً شكل كرة ثلج جرَت معها خصومات آيديولوجية قديمة تداخلت فيها اللغة والدين والثقافة والهوية وأثر الوجود الاستعماري الفرنسي (1830 - 1962) على هذه العناصر.

بين الدعم ومطالب الحوار

شمل الإصلاح إدراج اللغة الإنجليزية بدءاً من السنة الثالثة الابتدائية، وتأجيل تدريس اللغة الفرنسية إلى السنة الرابعة، إلى جانب إعادة تنظيم بعض المواد في مرحلة التعليم الثانوي، ولا سيما مادة الفلسفة لمترشحي البكالوريا في الشعب العلمية.

وزير التربية الجزائري محمد صغير سعداوي (الوزارة)

وبمجرد أن باتت هذه التغييرات رسمية حتى انطلقت سجالات وملاسنات على منصات الإعلام الاجتماعي والبرامج التلفزيونية.

وتفجر الجدل بشكل خاص عقب مقابلة أجراها أحمد تيسا، خبير مناهج التعليم والمستشار السابق لوزيرة التربية الوطنية نورية بن غبريت (2015 - 2019)، مع قناة تلفزيونية خاصة، تساءل فيها عن جدوى بعض خيارات الوزارة، وتحديداً ما يتعلق بمكانة الفلسفة والتربية الإسلامية واللغة الفرنسية.

ومنذ ذلك الحين، توالت ردود الفعل بوتيرة متسارعة حتى داخل الأوساط السياسية، وسط اتساع الفجوة بين أنصار الإصلاح، والدعاة إلى تنظيم مؤتمر وطني يسبق التنفيذ، والمتحفظين على بعض خيارات الوزارة.

وأبدت الأحزاب الإسلامية والمحافظة تأييداً واسعاً للتوجهات المعلنة من قبل الوزارة؛ حيث عبَّر الأمين العام لـ«حركة النهضة» محمد ذويبي في تصريحات للصحافة عن دعم «لا مشروط» لمسعى وزارة التربية، مُرحباً بالإصلاحات التي تهدف، حسبه، إلى «رفع العائق اللغوي» الذي يكبل الكفاءات الجزائرية ويعزز انفتاحها على البحث العلمي والتواصل الدولي، وهو ما يقصد به اللغة الفرنسية.

الأمين العام لحركة النهضة محمد ذويبي (إعلام حزبي)

وأكد رئيس «جبهة الجزائر الجديدة» جمال بن عبد السلام في مؤتمر صحافي أمس الأحد، أن الإبقاء على اللغة الفرنسية في المناهج التعليمية «يخدم فرنسا بالدرجة الأولى، وأن هذه اللغة أضحت متجاوزة في مجالات العلوم والمعرفة والتكنولوجيا».

في المقابل، طالبت زعيمة «حزب العمال» المعارض، لويزة حنون، خلال اجتماع مع كوادر الحزب، بتأجيل مشروع الإصلاح و«فك الخناق عنه» بفتح نقاش وطني تحت إشراف رئيس الجمهورية.

وتعد حنون مادة الفلسفة محوراً أساسياً يرفض حزبها تقليص حجمه الزمني أو اختزاله في كيفية التوزيع بين الشعب.

أما بشأن اللغات، فتدعو إلى مقاربة تقوم على التكامل بين العربية والتنظيم اللغوي للأمازيغية والفرنسية والإنجليزية، مشددة على أن «الاستبدال المتسرع للغة بأخرى لا يمكن أن يتم دون توفير الشروط البيداغوجية اللازمة».

اجتماع لوزير التربية مع أطر الوزارة (الوزارة)

من جهته، حذر رئيس حزب «جيل جديد»، الأخضر أمقران، في مقال نشره موقع «كل شيء عن الجزائر»، من اختزال النقاش القائم حول قرارات وزارة التربية الوطنية، سواء ما يتعلق بمكانة اللغات الأجنبية كالفرنسية والإنجليزية أو مراجعة بعض المواد، في مجرد «جدل عابر على شبكات التواصل الاجتماعي».

تبادل رشقات سياسية

وتدخل القيادي الإسلامي المعروف الرئيس السابق لـ«حركة مجتمع السلم»، عبد الرزاق مقري، في الجدل عبر منشور بحسابه بالإعلام الاجتماعي، الاثنين، مهاجماً بحدة «التيار العلماني وخدّام فرنسا». وتساءل: «ما الذي حرّك هؤلاء فجأة هذه الأيام؟ هل وقع شيء على المستوى الرسمي حفّزهم؟ أم أن فرنسا وعدتهم بشيء ما؟»؛ في إشارة إلى رافضي تقليص دور اللغة الفرنسية في الطور التعليمي الابتدائي.

كما تساءل: «لماذا يكره هذا التيار اللغة العربية؟ ما الذي يحمله على الدفاع عن لغة أجنبية، أهلها يتركونها في مجالات العلم والازدهار والتطور، حدود انتشارها في العالم محدود وتتقهقر يوماً بعد يوم؟»، مضيفاً: «هذا التيار لا وجود شعبي له، فهو لم يستطع المنافسة في أي استحقاق انتخابي، ومع ذلك يؤثر في قرارات مهمة... لماذا؟!».

القيادي الإسلامي عبد الرزاق مقري (حسابه الخاص بالإعلام الاجتماعي)

وفتح المنشور نقاشاً بين مؤيد ومعارض.

وقال نسيم براهيمي، العضو في حزب «التجمع الوطني الديمقراطي» الداعم لسياسات الرئيس، مخاطباً القيادي الإسلامي: «بما أنك تتهم الذين يختلفون معك وترميهم بالخيانة والعمالة لدولة أخرى، لا ينبغي أن تلوم من يتهمك بالولاء لتركيا»؛ في إشارة إلى انتماء مقري لتيار الإخوان.

وفي حين يترقب المتخاصمون «تحكيم» الرئيس تبون لحسم القضية، نشرت صحيفتا «الخبر» و«لوسوار دالجيري»، الأحد، مقالين بمضمون واحد، يؤكدان على أن أي تعديل أو إصلاح هيكلي يمس أي قطاع في الدولة سواء التربية، أو الاقتصاد، أو غيرهما، لا يُصبح نافذاً أو معتمداً رسمياً إلا بعد مناقشته، وتمحيصه، وإقراره في اجتماع مجلس الوزراء الذي يترأسه رئيس الجمهورية شخصياً.

وفُهم من ذلك أن الإصلاح المثير للجدل لا يعدو عن كونه مبادرة من وزير التربية، لم تثبت من طرف السلطات العليا للبلاد.


تحالف «صمود» السوداني: لم نتلقَّ اتصالاً للمشاركة في الحوار السياسي

حمدوك رئيس تحالف «صمود» خلال أحد الاجتماعات في لندن (متداولة)
حمدوك رئيس تحالف «صمود» خلال أحد الاجتماعات في لندن (متداولة)
TT

تحالف «صمود» السوداني: لم نتلقَّ اتصالاً للمشاركة في الحوار السياسي

حمدوك رئيس تحالف «صمود» خلال أحد الاجتماعات في لندن (متداولة)
حمدوك رئيس تحالف «صمود» خلال أحد الاجتماعات في لندن (متداولة)

أكد التحالف المدني الديمقراطي السوداني «صمود»، بقيادة رئيس الوزراء السابق عبد الله حمدوك، أنه لم يتلقَّ أي اتصال رسمي أو غير رسمي بشأن ما يتداول عن مبادرة لترتيبات حوار سياسي داخل البلاد، بينما توالت ردود الفعل الناقدة والمؤيدة على تسربيات إعلامية بهذا الخصوص.

وكانت تقارير تحدثت عن أن رئيس مجلس السيادة الانتقالي القائد العام للجيش السوداني عبد الفتاح البرهان، بصدد إجراء مشاورات مع تحالف «صمود»، بشأن الترتيب لحوار سوداني - سوداني. وأشارت إلى أن البرهان أكد خلال اجتماعات مشاركة كل القوى السياسية، عدا حزب «المؤتمر الوطني» الذي كان يتزعمه الرئيس السابق عمر البشير، وتحالف «تأسيس» الذي تتزعمه «قوات الدعم السريع».

وقال تحالف «صمود» في بيان، يوم الاثنين، نشر على صفحته الرسمية على موقع «فيسبوك» إن «تصاعد وتيرة الحديث عن الحل السياسي في هذه الأيام يؤكد صحة موقفه منذ اندلاع الحرب، بأنه لا حل عسكرياً للصراع في البلاد». وأكد أن «التحالف لن يكون طرفاً في أي حلول زائفة تعيد إنتاج الأزمة أو تمنح الحرب ونتائجها شرعية سياسية»، مجدداً الدعوة لإيجاد حلول فورية لوقف الحرب، وإنهاء معاناة السودانيين.

وذكر البيان، أنه لا معنى لمسار سياسي منفصل عن المسارين الأمني والإنساني، ولا مصداقية لحوار يجري تحت دوي المدافع، مشدداً على أن أي عملية سياسية يجب أن تكون مستقلة عن هيمنة أي من أطراف الحرب.

وقال تحالف «صمود»، إن الحديث عن حوار داخل مناطق سيطرة الجيش، يتجاهل حقائق الأمر الواقع، إذ تشهد البلاد انقساماً غير معلن، تتوزع فيه السيطرة على أراضيها بين قوى مسلحة كثيرة، مضيفاً أن هذا المنحى سيؤدي إلى تكريس تقسيم البلاد، «وهي جريمة لن نشارك في اقترافها أبداً».

أرشيفية لقائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان يُحيّي مؤيديه في العاصمة الخرطوم (أ.ب)

وجدّد التحالف رفضه بشدة أن يكون حزب «المؤتمر الوطني» والحركة الإسلامية وواجهاتها جزءاً من أي حوار. وقال في البيان إن «الموقف من هذه الجماعة المصنفة إرهابية يجب أن يكون واضحاً لا لبس فيه»، مضيفاً: «لا مكان لهم في أي عملية سياسية، ولا يجب مكافأتهم على ما ارتكبوه في حق البلاد من إجرام».

وبشأن المبادرات التي تدعو إلى العفو عن قادة القوى المدنية، أوضح البيان أن «هذه الإجراءات سياسية في يد جهات لا مشروعية لها»، مشدداً على محاسبة من أشعلوا الحرب، وارتكبوا الجرائم في حق الأبرياء، فضلاً عن تسليم المطلوبين للمحكمة الجنائية الدولية. وأكد التحالف أنه لن يكون جزءاً من «أي ترتيبات شكلية تكرّس واقع الحرب أو تعيد إنتاج أسبابها».

وفي السياق نفسه، قال رئيس حزب «الأمة - الإصلاح والتجديد»، مبارك المهدي، إن تهيئة المناخ لأي حوار داخل البلاد، يجب أن يبدأ بقبول البرهان بالمصالحة الوطنية الشاملة، ووقف الحرب، وفقاً للمقترح الأميركي، والدخول في مفاوضات الترتيبات الأمنية من أجل الوصول إلى جيش مهني واحد يكون بعيداً عن السياسة.

وذكر في تغريدة على منصة «إكس»، يجب على قيادة الجيش تسليم الحكم للمدنيين وفق اتفاق شامل يصدر عن مؤتمر للحوار يضم كل أهل السودان، على أن يعقد الحوار بحياد تام في مقر دولي أو إقليمي خارج السودان، ويحضره وفد يمثل الجيش بصفة مراقب.

وأشار إلى أن حصر إجراءات تهيئة المناخ في إلغاء بلاغات ومذكرات قبض دولية على قادة سياسيين، بسبب موقفهم الرافض للحرب والمطالب بالسلام والتحول الديمقراطي، مع بقاء النظام الشمولي الذي أصدرها دون تغيير، لا يحقق المناخ الحقيقي المطلوب للحوار.

وأوضح المهدي أن البلاغات ومذكرات القبض، غير دستورية، وتتعارض مع الأعراف الدولية، ولم يكن لها أي تأثير على حركة ومواقف هؤلاء السياسيين.

وكان البرهان أكد في وقت سابق عدم ممانعته مشاركة القوى السياسية الموجودة خارج السودان في الحوار المرتقب، معلناً التزامه بعدم التدخل في مسار الحوار السياسي. كما تعهد باتخاذ جميع التدابير اللازمة لتوفير الحماية لكل من يرغب في الانخراط في العملية السياسية داخل البلاد، وضمان حرية التنقل وعدم اعتراض أي شخص يرغب في السفر إلى الخارج.