السودان: الأسر البديلة... حلّ فرضته الحرب لأزمة الأطفال فاقدي السند

وزير: إعادة إنشاء مؤسسات الإيواء حالياً «انتحار وفشل»

آثار الدمار والحريق داخل دار الأطفال فاقدي الرعاية (الشرق الأوسط)
آثار الدمار والحريق داخل دار الأطفال فاقدي الرعاية (الشرق الأوسط)
TT

السودان: الأسر البديلة... حلّ فرضته الحرب لأزمة الأطفال فاقدي السند

آثار الدمار والحريق داخل دار الأطفال فاقدي الرعاية (الشرق الأوسط)
آثار الدمار والحريق داخل دار الأطفال فاقدي الرعاية (الشرق الأوسط)

مع انهيار الخدمات الأساسية بفعل الحرب في السودان، أصبحت المؤسسات التي كانت تؤوي مئات الأطفال فاقدي السند عاجزة عن أداء دورها، فيما أخذت الوفيات تزداد بين هذه الفئة الأشد هشاشة.

وأمام هذا الواقع القاتم، اضطرت حكومة ولاية الخرطوم إلى التخلي عن نموذج الرعاية المؤسسية الذي ظل معمولاً به لسنوات، والتوجه نحو الكفالة الأسرية، بوصفها الخيار الأكثر أماناً واستدامة.

وفرض إغلاق دور الرعاية اختباراً عملياً لنظام الأسر البديلة، وأعاد إلى الواجهة سؤالاً جوهرياً: هل يستطيع السودان بناء منظومة حماية اجتماعية تجعل الأسرة، لا المؤسسة، الملاذ الأول للأطفال فاقدي الرعاية، مع ضمان الرقابة وصون حقوقهم؟

«أوضاع مأساوية»

وتحدّث وزير التنمية الاجتماعية بولاية الخرطوم، صديق فريني، عن تفاقم معاناة الأطفال فاقدي السند والرعاية الوالدية جرّاء الحرب، وما أفرزته من أوضاع مأساوية داخل دور الرعاية، في ظل توقّف المستشفيات، وانقطاع الكهرباء، وشحّ الوقود، وتراجع التمويل، وانتشار التهاب السحايا.

وقال لـ«الشرق الأوسط»: «كانت الولاية تفقد في بعض الفترات نحو 14 طفلاً يومياً، قبل أن يبلغ إجمالي الوفيات 69 طفلاً، ما دفع السلطات إلى إجلاء 301 طفل إلى ود مدني عاصمة ولاية الجزيرة، وتوفي أحدهم أثناء الرحلة، ثم جرى دمج عدد منهم في أسر كافلة بولايتي الجزيرة وسنار، ونُقل نحو 253 طفلاً إلى ولاية كسلا. ولم يتبقَّ حالياً سوى 26 طفلاً بعد نجاح برنامج الكفالة الأسرية».

وزير التنمية الاجتماعية بولاية الخرطوم صديق فريني (الشرق الأوسط)

واستطرد: «تراجع الرقابة، وتدهور الأوضاع الاقتصادية، وضعف قدرة الأسر على الرعاية، وانتشار المخدرات، كلها أسهمت في زيادة أعداد الأطفال فاقدي الرعاية»، لافتاً إلى أن دور الإيواء التي كانت تستقبل أطفالاً من مختلف الولايات دُمّرت، ما دفع الحكومة، بالتنسيق مع المنظمات الدولية، إلى اعتماد الكفالة الأسرية بديلاً للرعاية المؤسسية.

وأضاف أن الحكومة كانت تُخصص نحو 80 في المائة من ميزانية الولاية لرعاية هؤلاء الأطفال، مشيراً إلى أن كثيراً منهم كان يُعثر عليهم في مكبات النفايات، أو أماكن مهجورة، وبعضهم تعرّض لهجمات من الحيوانات، ما استدعى رعاية طبية ونفسية مكثفة.

وأكد أن إعادة إنشاء مؤسسات الإيواء في الظروف الحالية تُمثل «انتحاراً وفشلاً جماعياً»، منوِّها بأن تجربة الكفالة الأسرية في الجزيرة وكسلا «أثبتت نجاحها في توفير بيئة أسرية مستقرة تضمن للأطفال التعليم والصحة والتنشئة السليمة».

آثار الحرب واضحة على إحدى دور الأطفال فاقدي الرعاية (الشرق الأوسط)

وكشف عن خطة لتخصيص عنابر بالمستشفيات لاستقبال الأطفال الذين يُعثر عليهم، قبل إلحاقهم بأسر كافلة، بمشاركة أمهات بديلات وباحثين اجتماعيين لمتابعة أوضاعهم.

وأشار إلى استمرار تسجيل ما بين 6 و7 حالات تخلٍّ عن أطفال أسبوعياً، مؤكداً مواصلة التنسيق مع الشركاء الدوليين، والاستفادة من توصيات «اليونيسف» لتطوير سياسات الحماية، وقال: «التحدي الأكبر يتمثل في محدودية الإمكانات، لا غياب الإرادة».

مبادرة «طيور الجنة»

ويقول علي جباي، المتطوع بوزارة الرعاية الاجتماعية ومستشفى النو، وصاحب مبادرة «طيور الجنة» لرعاية الأطفال فاقدي الرعاية الأبوية، إن الدولة بدأت منذ عام 2004 في التحول من نظام الإيواء المؤقت داخل دور الرعاية إلى نظام الأسر البديلة، موضحاً أن دور الرعاية كانت تستقبل الأطفال لفترة محدودة قبل نقلهم إلى أسر بديلة بعد استكمال الإجراءات اللازمة.

وأضاف في حديثه لـ«الشرق الأوسط» أن الحرب أدت إلى توقف عمل دار رعاية الأطفال فاقدي الرعاية الأبوية، الأمر الذي سرّع إجراءات إلحاق الأطفال بالأسر البديلة.

جثمان طفل حديث الولاية عثر عليه في حي الثورة بأم درمان بعد وفاته في الحضَّانة (مبادرة «طيور الجنة»)

وقال: «في السابق كان الطفل يمكث في الدار نحو شهرين، أما الآن فينتقل إلى أسرة دائمة خلال أسبوع تقريباً، بعد استكمال الدراسات الاجتماعية والتحقق من أهلية الأسرة»؛ مؤكداً أن الهدف الأساسي هو دمج الطفل في بيئة أسرية مستقرة بأسرع وقت ممكن، حتى ينشأ في ظروف أقرب إلى الطبيعية.

وأوضح أن مبادرة «طيور الجنة» تعمل على توفير الاحتياجات الأساسية للأطفال، بما في ذلك الحليب والملابس والحفاضات والعلاج، إلى جانب ترشيح الأسر الراغبة في الكفالة، وتوفير أمهات متطوعات لرعاية الأطفال ومرافقتهم إلى حين اكتمال إجراءات التسليم للأسر البديلة.

اختبار للمجتمع والدولة

وتسرد الباحثة الاجتماعية رندا حسن المزايا وكذلك الشروط الواجب توافرها في نظام الأسر البديلة، فتقول إنه يمكن أن يوفر بيئة أكثر استقراراً للأطفال فاقدي الرعاية الأبوية، مشيرة إلى أن بعض الأسر تتقدم للكفالة بدافع الحرمان من الإنجاب، ورغبتها في احتضان طفل.

وأكدت أن نجاح التجربة يعتمد على إخضاع الأسر الراغبة في الكفالة لتقييم دقيق يضمن قدرتها على تربية الطفل في بيئة آمنة وسليمة، وتوفير حقوقه الأساسية، وفي مقدمتها الرعاية والتعليم والاستقرار النفسي.

وشددت على أن دور الجهات المختصة ينبغي ألا ينتهي بمجرد تسليم الطفل للأسرة، بل يجب أن يستمر عبر الزيارات الدورية والمفاجئة للتأكد من أن الطفل يعيش في بيئة مناسبة، وأن حقوقه مصونة.

طفل عُثر عليه في حي الشهداء بمدينة أم درمان (مبادرة «طيور الجنة»)

وأضافت أن من المهم أيضاً إجراء مقابلات مع الطفل بعيداً عن الأسرة الكافلة، لإتاحة الفرصة له للتعبير بحرية عن شعوره ومدى ارتياحه، موضحة أن الباحثين الاجتماعيين يستطيعون من خلال هذه اللقاءات رصد أي مؤشرات تدل على تعرض الطفل لسوء المعاملة أو الإهمال.

ولفتت إلى أن بعض الأسر قد تبدو مستوفية الشروط خلال مرحلة التقييم، لكنها قد تستغل الأطفال أو لا توفر لهم الرعاية المطلوبة، وهو ما يجعل المتابعة الميدانية المستمرة أداة أساسية للتحقق من مصداقية الأسرة، واتخاذ قرار بنقل الطفل إلى أسرة بديلة أخرى إذا ثبت أن مصلحته تقتضي ذلك.

ورغم نجاح التجربة فإن الأزمة لم تنتهِ؛ فلا تزال الحرب تُفرز أسبوعاً بعد آخر أطفالاً يُعثر عليهم في مكبات النفايات والأماكن المهجورة، في مشهد يعكس الانهيار العميق الذي أصاب مؤسسات الحماية الاجتماعية.

وبين محدودية الموارد واتساع الاحتياجات، يبقى التحدي الحقيقي أمام الحكومة وشركائها هو الانتقال من الاستجابة الطارئة إلى بناء منظومة مستدامة تكفل لكل طفل حقه في الحماية والانتماء والحياة الكريمة؛ فمصير هؤلاء الأطفال لن يُحدد مستقبلهم وحدهم، بل سيكون اختباراً حقيقياً لمدى قدرة المجتمع والدولة على حماية الفئات الأكثر ضعفاً، وسط واحدة من أعقد الأزمات الإنسانية في تاريخ السودان الحديث.


مقالات ذات صلة

مصر وأميركا لمزيد من التنسيق لخفض التصعيد بالمنطقة

العالم العربي الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يستقبل مدير وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية (الرئاسة المصرية)

مصر وأميركا لمزيد من التنسيق لخفض التصعيد بالمنطقة

لقاء مصري أميركي على مستوى رئاسي استخباراتي عالي المستوى، احتضنته القاهرة وسط تصعيد بمنطقة الشرق الأوسط، وأزمات متواصلة بالسودان وقطاع غزة.

محمد محمود (القاهرة)
شمال افريقيا القائد العام للجيش السوداني عبد الفتاح البرهان في فعالية بالخرطوم يوم 15 أغسطس الماضي بمناسبة ذكرى تأسيس الجيش (أ.ف.ب)

تصاعد «حرب المُسيَّرات» في السودان تزامناً مع تقدم الجيش بمحور كردفان

أعلن الجيش السوداني إسقاط «مسيرة معادية» في ولاية شمال كردفان، فيما قالت منصات «الدعم السريع» إن مسيراتها هاجمت مدينتي الأبيض وعطبرة.

أحمد يونس (كمبالا)
خاص استمرار هبوط سعر صرف الجنيه السوداني إلى مستوى قياسي مقابل الدولار (رويترز)

خاص اقتصاد الحرب يدفع الجنيه السوداني إلى الهاوية

دخل السودان منعطفاً جديداً مع التراجع الحاد في سعر صرف عملته الجنيه أمام العملات الأجنبية، وتجاوز سعر الدولار 9 آلاف جنيه، في بعض تعاملات السوق الموازية.

أحمد يونس (كمبالا)
شمال افريقيا من توزيع مساعدات غذائية بمخيم للاجئين السودانيين في أدري بتشاد (برنامج الأغذية العالمي)

الحرب والجفاف والأسعار تفاقم خطر المجاعة

يواجه الموسم الزراعي الحالي في السودان أخطاراً متزايدة، بسبب تأخر هطول الأمطار وشحها في مناطق واسعة، بجانب نقص مياه الري وانقطاع الكهرباء وارتفاع الأسعار

وجدان طلحة (الخرطوم)
شمال افريقيا 
العناية المكثفة بمستشفى بحري التعليمي (الشرق الأوسط)

قطاع الصحة في السودان للنهوض من تحت الأنقاض

بدأت مستشفيات كبرى في الخرطوم تستعيد نشاطها تدريجياً مع عودة السكان وانحسار المعارك عن أجزاء واسعة من العاصمة السودانية، فيما لا تزال الصورة أكثر قتامة.

بهرام عبد المنعم (الخرطوم)

الرئيس الموريتاني يدعو إلى مراجعة النظام والمؤسسات السياسية في البلاد 

الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني (الرئاسة)
الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني (الرئاسة)
TT

الرئيس الموريتاني يدعو إلى مراجعة النظام والمؤسسات السياسية في البلاد 

الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني (الرئاسة)
الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني (الرئاسة)

دعا الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني، الأحد، إلى إعادة النظر في النظام والمؤسسات السياسية في بلاده لمواءمتها مع متطلبات الحقبة الراهنة.

وقال في خطاب ألقاه في مدينة إطار، في مستهل زيارة لولاية آدرار، إن الحوار الوطني الشامل المرتقب يجب أن يفضي إلى «إجماع واسع» حول القضايا الوطنية الكبرى، وأن يسهم في تعزيز المواطنة والعدل والإنصاف وتقوية مؤسسات الدولة.

وأوضح أنه يأمل في أن «يوفق الحوار الوطني الشامل، الذي ينعقد قريبًا، في الخروج بإجماع واسع حول كبريات قضايانا الوطنية».

وجاءت دعوة الغزواني قبيل إنطلاق الحوار الذي يجري الإعداد له منذ أشهر، بعد اعتماد «الدليل العملي للحوار» الذي حدد أربعة محاور رئيسية للنقاش، تتعلق بالوحدة الوطنية والانسجام الاجتماعي، والنموذج الديمقراطي، والحوكمة، وإدماج الفئات الهشة والوقاية من المخاطر والتهديدات.

وقال ولد الغزواني إن الهدف من الحوار هو تعزيز «العقد الوطني» بما يجعله أكثر قدرة على استيعاب التحولات التي يشهدها المجتمع وأكثر تعبيرًا عن تطلعات الأجيال الجديدة، مؤكدًا أن ذلك «لا يعني إعادة تعريف الوطن» أو المساس بأسسه ومبادئه الجمهورية وهويته الثقافية والحضارية.

وأضاف أن المطلوب هو أن تخرج المشاركات والنقاشات بما «يقوي لمة المجتمع، ويعزز رباط المواطنة، ويرسخ العدل والإنصاف، ويجعل مؤسساتنا أكثر قوة وانسجامًا وفعالية».

وشدد الرئيس على أن الحوار يجب أن يكون «شاملًا وجادًا»، وألا يخضع لمحظورات أو «توجيهات إملائية» من أي جهة، وأن تأتي مخرجاته حصراً من مداولاته.

وكانت المعارضة قد هددت بمقاطعة التحضيرات الجارية للحوار إذا تضمن النقاش المساس بمواد الدستور المحصنة التي تحظر على رئيس الجمهورية ممارسة أو البقاء في السلطة لأكثر من فترتين رئاسيتين متتاليتين مدة كل واحدة منهما خمس سنوات وهو ما تسعى أحزاب الموالاة إلى تعديله للسماح للغزواني بالترشح لولاية ثالثة.


تساؤلات حول تشكيل السلطة التنفيذية الجديدة في ليبيا بعد اتفاق «4+4»

المبعوثة الأممية لدى ليبيا هانا تيتيه خلال اجتماعها مع أعضاء من المجلس الأعلى للدولة - 19 سبتمبر (البعثة الأممية)
المبعوثة الأممية لدى ليبيا هانا تيتيه خلال اجتماعها مع أعضاء من المجلس الأعلى للدولة - 19 سبتمبر (البعثة الأممية)
TT

تساؤلات حول تشكيل السلطة التنفيذية الجديدة في ليبيا بعد اتفاق «4+4»

المبعوثة الأممية لدى ليبيا هانا تيتيه خلال اجتماعها مع أعضاء من المجلس الأعلى للدولة - 19 سبتمبر (البعثة الأممية)
المبعوثة الأممية لدى ليبيا هانا تيتيه خلال اجتماعها مع أعضاء من المجلس الأعلى للدولة - 19 سبتمبر (البعثة الأممية)

تترقب الأوساط السياسية في ليبيا الخطوات المقبلة لتطبيق اتفاق «4+4» الذي وافق عليه مجلس النواب الأسبوع الماضي، وسط تساؤلات عن موعد وآلية تدشين السلطة التنفيذية الموحدة التي تقود البلاد نحو الانتخابات العامة، وإنهاء الانقسام السياسي والحكومي.

ووفق مسودة اتفاق «4+4»، الموقعة نهاية أغسطس (آب) الماضي، برعاية البعثة الأممية وممثلين عن شرق ليبيا وغربها، فإنه يتعين إجراء انتخابات تشريعية ورئاسية خلال فترة لا تتجاوز 24 شهراً في ظل سلطة تنفيذية واحدة ومؤسسات وطنية موحدة، لكن الاتفاق لم يكشف تفاصيل آلية بناء هذه السلطة، وهل ستكون حكومة تكنوقراط، أم توافقية تضم شخصيات مقربة من القوى الفاعلة.

آلية لحسم الملف

يرى رئيس حزب «صوت الشعب»، فتحي الشبلي، أن البعثة لا تزال تحتاج إلى وقت للكشف عن تفاصيل خطتها لنقل الاتفاق من مرحلة التوقيع إلى التطبيق على الأرض، وإنهاء الانقسام الراهن، منوهاً بأن كيفية تشكيل السلطة التنفيذية وموعد انطلاقها أمر يحظى باهتمام من النخب السياسية التي سألت البعثة بدورها عن الأمر دون تلقِّي إجابة واضحة حتى الآن.

ويعتقد الشبلي بوجود «تضارب» بين حديث نائبة المبعوثة الأممية، ستيفاني خوري، عن تشكيل حكومة جديدة، وما يتحدث عنه المقربون من حكومة «الوحدة» و«الجيش الوطني» بشأن سلطة تنفيذية تضم مجلساً رئاسياً وحكومة، وتقاسم مقاعد الأخيرة بشكل توافقي بين الطرفين، معبراً عن قناعته «بوجود مؤشرات قوية تدعم الطرح الأخير».

وتعيش ليبيا انقساماً بين حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة في طرابلس برئاسة عبد الحميد الدبيبة، وأخرى برئاسة أسامة حماد تدير شرق البلاد وبعض مناطق الجنوب بتكليف من البرلمان ودعم من «الجيش الوطني» بقيادة المشير خليفة حفتر.

نائبة المبعوثة الأممية ستيفاني خوري خلال لقاء مع مجموعة من فريق «الحوار السياسي والمصالحة» في ليبيا الأسبوع الماضي (البعثة الأممية)

بدوره، توقع المحلل السياسي الليبي حسام الدين العبدلي، أن تسعى البعثة الأممية إلى تشكيل لجنة حوار سياسي جديدة تضم نحو 47 عضواً، بوصف ذلك آلية لحسم ملف السلطة التنفيذية، في تكرار لسيناريو اتفاقَي «الصخيرات» و«جنيف» اللذين رعتهما البعثة.

وأشار في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن لقاءات البعثة الأخيرة مع قوى سياسية واجتماعية وممثلي مكونات ثقافية عززت توجهها نحو تشكيل تلك اللجنة، لكنه يعتقد أن الصياغة النهائية لشكل هذه اللجنة ومعايير اختيارها لم تحدد بعد.

وقال: «إدراك البعثة تخوفات مجلسي (النواب) و(الأعلى للدولة) من تجاوز دورهما في المرحلة المقبلة قد يجعلهما، كعادتهما، يعرقلان أي توافق؛ وبالتالي خططت من البداية لعدم رهن تطبيق الاتفاق بمواقفهما».

واستبعد العبدلي وجود خلاف بين القوى الفاعلة في شرق ليبيا وغربها على مقاعد الحكومة المقبلة، معرباً عن قناعته بـ«تدخل دولي، تحديداً من أميركا، لحسم الحقائب السيادية، كالدفاع والداخلية والخارجية والمالية، في ظل تراجع الوضع الاقتصادي للبلاد».

واعتبر أن أي خلافات أخرى «لن تكون ذات جدوى، خصوصاً مع وجود تفاهمات ترضي الطرفين»، وسط توقعات بمنح القيادة العامة لـ«الجيش الوطني» رئاسة المجلس الرئاسي، ووجود الدبيبة على رأس الحكومة الموحدة.

إلا أنه لفت إلى أن الخلاف قد ينشب إذا اقتصر الاتفاق على حكومة موحدة دون مجلس رئاسي جديد، ويرى أن ممثلي «الجيش الوطني» لن يرضوا بذلك.

لجنة للحوار السياسي

كانت الممثلة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة، هانا تيتيه، قد بحثت مع أعضاء من المجلس الأعلى للدولة مستجدات الوضع السياسي والاقتصادي وسبل تنفيذ «خريطة الطريق» الأممية عقب اتفاق «4+4»، مؤكدة التزام البعثة بالعمل مع جميع الأطراف الليبية، وفق توصيات «الحوار المهيكل» لتهيئة الظروف الملائمة لإجراء الانتخابات الوطنية.

ورغم توافقه مع الآراء السابقة بشأن احتمالية توجه البعثة إلى تشكيل «لجنة حوار سياسي لإخراج السلطة التنفيذية الجديدة ومنحها غطاءً سياسياً»، توقع المحلل السياسي الليبي محمد محفوظ أن يواجه ذلك عقبات.

ولفت محفوظ في حديث لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن البعثة قد تجري قريباً اجتماعات منفصلة مع الوفدين الممثلين لحكومة «الوحدة» و«الجيش الوطني» بشأن السلطة التنفيذية.

ولفت مراقبون إلى أن اجتماعات البعثة المقبلة قد تمتد إلى قوى إقليمية ودولية مؤثرة، كالقاهرة وأنقرة وموسكو، في ضوء مراقبتها الدقيقة لأي تحرك يمس مصالحها السياسية والاقتصادية.

وكان كبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون الأفريقية، مسعد بولس، قد قال إن المبادرة التي طرحها بشأن ليبيا والمبادرة الأممية «مكملتان بعضهما لبعض»، ولفت إلى أن المبادرة الأميركية «ستركز على كيفية إدارة مرحلة العامين التحضيرية للانتخابات، تحديداً توحيد المؤسسات».


معلمو ليبيا يلوّحون بالإضراب العام

وزير التعليم بحكومة «الوحدة» محمد عبد السلام القريو مجتمعاً مع عدد من مراقبي التربية والتعليم بالمنطقة الغربية والوسطى يوم الأحد (الوزارة)
وزير التعليم بحكومة «الوحدة» محمد عبد السلام القريو مجتمعاً مع عدد من مراقبي التربية والتعليم بالمنطقة الغربية والوسطى يوم الأحد (الوزارة)
TT

معلمو ليبيا يلوّحون بالإضراب العام

وزير التعليم بحكومة «الوحدة» محمد عبد السلام القريو مجتمعاً مع عدد من مراقبي التربية والتعليم بالمنطقة الغربية والوسطى يوم الأحد (الوزارة)
وزير التعليم بحكومة «الوحدة» محمد عبد السلام القريو مجتمعاً مع عدد من مراقبي التربية والتعليم بالمنطقة الغربية والوسطى يوم الأحد (الوزارة)

تواجه حكومة «الوحدة الوطنية» الليبية المؤقتة اعتصاماً جديداً يُضاف إلى سلسلة من الأزمات والاحتجاجات المتصاعدة في البلاد، مع تمسك المعلمين بمطالبهم ورفضهم ما وصفوه بـ«تحويل حقوقهم إلى وعود مؤجلة». ويأتي التحرك في وقت تواجه فيه السلطات ضغوطاً متزايدة على ملفات خدمية وأمنية ومعيشية عديدة.

جانب من اعتصام معلمي مدرسة شهداء الانتصار للتعليم الأساسي في «أبو سليم» بطرابلس يوم الأحد (من مقطع فيديو بثته النقابة العامة للمعلمين)

وأعلن رئيس «حراك المعلمين» في ليبيا، أشرف الهادي، استمرار الاعتصام السلمي المنظم الذي ينفذه المعلمون حتى انتهاء المهلة المحددة للحوار مع الجهات الرسمية، مؤكداً أن الهدف هو الوصول إلى حلول حقيقية وتنفيذ مطالب المعلمين، وليس تعطيل العملية التعليمية.

وقال الهادي في تصريحات نقلتها وسائل إعلام محلية إن الإضراب العام «يظل أحد الخيارات المطروحة إذا انتهت المهلة دون استجابة جدية ونتائج ملموسة». وأضاف: «الحراك يُفضّل الحوار، لكنه يشترط أن يتحول إلى قرارات واضحة وجدول زمني وآليات محددة للتنفيذ».

وتشمل مطالب المعلمين معالجة المرتبات، وتسوية الفروقات والمستحقات المالية، وتوفير التأمين الصحي، وتحسين الوضع الوظيفي والمعيشي، وإصدار قانون لحماية المعلم.وفي السابع من سبتمبر (أيلول) الجاري، أعلن الحراك عن مهلة 15 يوماً لتنفيذ مطالب المعلمين.

وأوضح الهادي أن باب التفاوض مفتوح بشأن آليات التنفيذ، وليس حول أصل الحقوق، وأكد أن الحراك لم يتلقّ تواصلاً رسمياً مباشراً بالقدر المطلوب حتى الآن، داعياً الجهات صاحبة القرار إلى «فتح حوار جاد ومسؤول»، كما ناشد المعلمين الحفاظ على وحدتهم والالتزام بالسلمية والتنظيم خلال المرحلة المقبلة.

يأتي هذا في خضم موجة احتجاجات واعتصامات واسعة النطاق بدأت مع انطلاق العام الدراسي الجديد في منتصف الشهر الجاري، وامتدت من العاصمة طرابلس ومدن المنطقة الغربية مثل مصراتة وبني وليد وأبو سليم إلى بنغازي ومناطق أخرى في الشرق والجنوب.

وأعلنت نقابات معلمين في بلديات الغرب اعتصاماً مفتوحاً وإضراباً عن العودة إلى الدراسة، قائلة إنه جاء نتيجة «استمرار تجاهل حقوق المعلمين، وليس بهدف عرقلة التعليم».

وأدت هذه التحركات إلى إرباك انطلاق الدراسة في كثير من المدارس، حيث ظلت أبوابها مغلقة أو شبه فارغة في الأيام الأولى من العام الدراسي، فيما يشكو المعلمون من أن مرتباتهم، التي لا تتجاوز في كثير من الحالات 2000 دينار شهرياً، لم تعد تتناسب مع ارتفاع تكاليف المعيشة، إضافة إلى تأخر صرف المستحقات وغياب التأمين الصحي الفعال. والدولار يساوي 6.33 دينار في السوق الرسمية، و9.56 دينار في السوق الموازية.

في مقابل ذلك عقد وزير التربية والتعليم بحكومة «الوحدة»، محمد عبد السلام القريو، اجتماعاً موسعاً مع عدد من مراقبي التربية والتعليم بالمنطقتين الغربية والوسطى، الأحد، لمتابعة انطلاقة العام الدراسي الجديد الذي بدأ في 13 من الشهر الجاري، والوقوف على جاهزية المؤسسات التعليمية.

وقالت الوزارة في بيان، الأحد، إن القريو أكد أن المعلم «يمثل الركيزة الأساسية للعملية التعليمية»، مشدداً على «التزام الوزارة الكامل بحماية حقوقه، وتحسين أوضاعه المهنية والمعيشية، وتمكينه من أداء رسالته بكفاءة».

كما أشار إلى أن «ضمان حق الطلاب في تعليم جيد وعادل وشامل، داخل بيئة آمنة ومحفزة، يُعد أولوية وطنية لا تنازل عنها»، منوهاً إلى أن استقرار المؤسسات التعليمية وانتظام الدراسة مسؤولية مشتركة تستوجب تكثيف المتابعة الميدانية، وترسيخ الانضباط والمساءلة، إلى جانب تفعيل منظومة الحوافز للقيادات والمدارس المتميزة.

ويحذر مراقبون من أن استمرار الاحتقان داخل صفوف المعلمين دون حلول ملموسة قد يؤدي إلى تصعيد أوسع يشمل إضراباً عاماً، مما يفاقم الضغط على العملية التعليمية في البلاد.