تايوان تراهن على صناعة المسيّرات لمواجهة تهديد صيني محتمل

تُطور أساطيل من القوارب غير المأهولة مستلهمة من دروس حرب أوكرانيا

مسؤولون في حكومة تايوان يتابعون تدريبات عسكرية يوم 8 أغسطس (أ.ف.ب)
مسؤولون في حكومة تايوان يتابعون تدريبات عسكرية يوم 8 أغسطس (أ.ف.ب)
TT

تايوان تراهن على صناعة المسيّرات لمواجهة تهديد صيني محتمل

مسؤولون في حكومة تايوان يتابعون تدريبات عسكرية يوم 8 أغسطس (أ.ف.ب)
مسؤولون في حكومة تايوان يتابعون تدريبات عسكرية يوم 8 أغسطس (أ.ف.ب)

في إطار استعداداتها لصدّ أي غزو صيني محتمل، تعمل تايوان على بناء أساطيل من الطائرات المسيّرة، والقوارب الهجومية غير المأهولة.

وتهدف الخطة إلى استخدام هذه الوسائل لرصد القوات الصينية التي تقترب من الجزيرة واستهدافها، بالاعتماد على جنود تايوانيين مدرّبين على التحرك بسرعة، قبل أن تتمكن الصين من ضرب مواقعهم.

ويطلق القادة العسكريون الأميركيون الذين طوروا هذه الاستراتيجية عليها اسم «مشهد الجحيم (Hellscape)»، وتقوم على إغراق القوة المهاجمة بموجات من المسيّرات والصواريخ ونيران المدفعية، وجعل أي عملية إنزال برمائي محفوفة بالمخاطر إلى درجة تردع القيادة الصينية عن الإقدام عليها.

وبالاستفادة من الدروس المستخلصة من الحرب في أوكرانيا وساحات قتال أخرى حديثة، تعمل تايوان حالياً على تسريع جهودها لوضع هذه الاستراتيجية موضع التنفيذ.

وقال اللفتنانت جنرال هوانغ ون تشي، المدير العام للتخطيط الاستراتيجي في وزارة الدفاع التايوانية، أمام لجنة برلمانية، الأربعاء: «بدأت جهودنا المتعلقة بالطائرات المسيّرة ومكافحتها في وقت متأخر نسبياً. وفي البداية، كنا نجرب الأمور بينما نمضي قدماً». وأضاف أن هذا الوضع بدأ يتغير خلال العامين الماضيين.

وسمح الجيش التايواني للصحافيين، الخميس، بمشاهدة تدريبات لقوات في وسط الجزيرة على استخدام المسيّرات لأغراض الاستطلاع، في إطار مناورات «هان كوانغ» العسكرية السنوية التي بدأت الأربعاء، وتستمر عشرة أيام.

وقال الميجور جنرال لو ون يوان، الذي شارك في التخطيط للمناورات، إن القوات ستتدرب أيضاً على إسقاط الطائرات المسيّرة المعادية.

تهديد متزايد

وتتبنى جيوش كثيرة حول العالم ثورة الطائرات المسيّرة، لكن تايوان تواجه تهديداً أكثر إلحاحاً؛ إذ تقع الصين على مسافة نحو 110 أميال منها، وتُعدّ الجزيرة التي تتمتع بحكم ذاتي جزءاً من أراضيها.

مسيرة انتحارية تايوانية خلال تدريبات عسكرية يوم 8 أغسطس (إ.ب.أ)

وتقول القيادة الصينية إنها تريد ضم تايوان سلمياً، لكنها لا تستبعد استخدام القوة، وتدعم هذا التهديد بتوسيع أساطيلها من السفن الحربية والطائرات والصواريخ والمسيّرات، إلى جانب تكثيف دوريات خفر السواحل وتدريبات الإنزال.

وأشار مسؤولون تايوانيون إلى المكاسب التي حققتها أوكرانيا في ميدان القتال باستخدام المسيّرات، ويسعون إلى محاكاة نهج استخدام طائرات مسيّرة منخفضة التكلفة، وسريعة الحركة لتقليص الفارق أمام خصم أكبر بكثير.

وقال ماكس لو، رئيس جمعية صناعة الطائرات المسيّرة الوطنية في تايوان: «المسيّرات تدخل فصلاً جديداً. وتايوان، من أجل بقائها ودفاعها الوطني، في حاجة ملحّة إليها. لكن الأمر نفسه يحدث في كل أنحاء العالم حالياً، وهذه فرصة لتايوان».

وتسعى الحكومة إلى تحويل الجزيرة إلى قوة كبرى في صناعة المسيّرات، وتقول إنها تريد أن تنتج تايوان 100 ألف طائرة مسيّرة شهرياً بحلول عام 2030، على أن يُصدّر نحو نصفها.

كما تسعى إلى أن يقتني الجيش أكثر من 210 آلاف طائرة وقارب مسيّر.

المسؤول التايواني الأبرز لاي تشينغ تي يتابع تدريباً باستخدام مسيرات يوم 8 أغسطس (رويترز)

وقال ميك رايان، وهو ميجور جنرال أسترالي متقاعد درس الحرب في أوكرانيا والوضع في تايوان، إن الجزيرة «أدركت أن المسيّرات ستكون مهمة في جميع المجالات وفي مختلف مراحل» أي حرب محتملة مع الصين.

وأضاف رايان، وهو حالياً زميل بارز في معهد «لوي» بسيدني، أن النجاح الأخير لأوكرانيا في تنفيذ ضربات بعيدة المدى بالطائرات المسيّرة يشير إلى إمكانية استخدام تايوان التكتيك نفسه لضرب السفن أثناء مغادرتها الموانئ الصينية، إذا أطلقت بكين هجوماً برمائياً.

ويرى كثير من الخبراء أن الجيش الصيني لا يزال غير قادر على غزو تايوان بسهولة، كما أن حملات التطهير الأخيرة داخل القيادة العليا لجيش التحرير الشعبي أثَّرت في جاهزيته.

لكن الصين، مثل تايوان، تعمل على بناء أساطيل من الطائرات والقوارب غير المأهولة، وتستثمر بكثافة في تقنيات اكتشاف المسيّرات والتشويش عليها. وقال رايان: «تذكروا أن الصينيين أيضاً يراقبون كل ما يفعله الأوكرانيون».

طريق طويل

قد يكون اقتناء المسيّرات الجزء الأسهل بالنسبة إلى تايوان. أما إتقان الحرب باستخدامها، فيتطلب أيضاً إعادة هيكلة التنظيم العسكري والتدريب والعقيدة القتالية.

ويتعين على الجيش التايواني تعلّم تشغيل أسراب من المسيّرات، وتحليل المعلومات التي تجمعها وتبادُلها بسرعة، ومنع العدو من تعطيلها، وفق خبراء، وهي متطلبات تستوجب قوات أكثر قدرة على الحركة والعمل باستقلالية.

قوات البحرية التايوانية تشارك في تدريبات عسكرية يوم 8 أغسطس (إ.ب.أ)

وقال شو هسياو هوانغ، الباحث المشارك بمعهد أبحاث الدفاع والأمن الوطني في تايبيه، المدعوم من وزارة الدفاع: «يجب أن تشهد العمليات العسكرية للجيش على الخطوط الأمامية تحولاً كاملاً مقارنة بالماضي». وأضاف: «في الحرب الروسية - الأوكرانية، إذا أطلقتَ قذيفة واحدة وبقيتَ في موقعك مصطفّاً كما أنت، فلن تتاح لك فرصة إطلاق الثانية قبل استهدافك».

لكن تايوان، خلافاً لأوكرانيا، لا تواجه ضغط غزو قائم فعلياً يدفعها إلى تعبئة الموارد، وفرض التغيير بوتيرة أسرع. وقال شو: «الأمر صعب جداً، لأنهم لم يمروا بمحنة الحرب الفعلية».

ومع ذلك، تعمل وحدات عسكرية على تعلّم تكتيكات الطائرات المسيّرة، التي تشكل محوراً أساسياً في مناورات «هان كوانغ» الجارية.

وكان الجيش التايواني قد نشر، الشهر الماضي، صوراً لتدريب تحركت خلاله إحدى الوحدات سريعاً للدفاع عن جزر قبالة الساحل الشرقي لتايوان، مستخدمة المسيّرات للبحث عن قوات معادية.

كما تابع الرئيس التايواني لاي تشينغ تي، السبت، تدريباً في جنوب الجزيرة اختبرت خلاله القوات نوعين من نماذج أولية لطائرات مسيّرة مصممة لاستهداف قوات غازية.

وأنشأت تايوان أخيراً «قيادة القتال الساحلي»، التي تدمج المسيّرات والصواريخ المتحركة والمدفعية ضمن درع ساحلية لمواجهة أي غزو صيني محتمل. لكن خبراء يقولون إن تايوان لا تزال بعيدة عن تلبية المتطلبات المعقدة لحروب القرن الحادي والعشرين.

وقالت ستايسي بيتيجون، الباحثة البارزة في «مركز الأمن الأميركي الجديد» ومؤلفة دراسة حديثة عن استراتيجية تايوان في حرب المسيّرات، إن الجزيرة تخاطر بأن تصبح «مركِّزة على التكنولوجيا أكثر من التغييرات التنظيمية والعقائدية الضرورية بالقدر نفسه لتطبيق مفهوم (مشهد الجحيم)».

صناعة لا غنى عنها

وفي حال وقوع غزو، من المرجح أن تحاول الصين عزل تايوان عن أي دعم خارجي. ولكي تتمكن الجزيرة من الصمود في وجه حصار، يتعين عليها بناء مخزونات وتوسيع إنتاجها المحلي من المسيّرات، لا سيما «الطائرات الهجومية أحادية الاتجاه الأرخص والأقصر مدى»، وفق بيتيجون.

مسيرات تحلق في سماء تايوان خلال التدريبات العسكرية يوم 8 أغسطس (إ.ب.أ)

ويتفق طرفا المشهد السياسي المنقسم في تايوان على ضرورة إنتاج مزيد من المسيّرات، رغم اختلافهما بشأن التفاصيل.

واقترحت الحكومة إنفاق 6.5 مليار دولار على مدى 5 سنوات لشراء المسيّرات، لكن حزبين معارضين يملكان غالبية البرلمان رفضا الخطة، معتبرين أنها قد تفتح الباب أمام الفساد والهدر.

واقترح حزب «الكومينتانغ» القومي، أكبر أحزاب المعارضة، إنفاق 7.4 مليار دولار على مدى ست سنوات، مع فرض متطلبات لزيادة نسب الإنتاج المحلي تدريجياً.

وفي وقت يناقش فيه المشرعون حجم الإنفاق، تتنافس شركات تايوانية وأميركية مصنّعة للمسيّرات على العقود المحتملة.

وأجرت شركة «ثاندر تايغر» التايوانية وشركة «شيلد إيه آي» الأميركية المتخصصة في تكنولوجيا الدفاع، الشهر الماضي، اختباراً لنموذجين من المسيّرات البحرية يمكن استخدامهما لاستطلاع سفن العدو وتدميرها.

لكن رئيس «ثاندر تايغر»، تشين كوان جو، قال إن الشركة تسعى إلى الحصول على وضوح أكبر في السياسات قبل توسيع شراكاتها الإنتاجية.

وفي الوقت نفسه، تزيد تايوان صادراتها من المسيّرات بوتيرة سريعة، وتسعى إلى التحول إلى مورد لا غنى عنه لمكونات الطائرات المسيّرة للدول الديمقراطية التي ترغب في الحد من اعتمادها على قطع صينية، في ظل مخاوف من تعطل سلاسل الإمداد أو التجسس.

وخلال الأشهر الثلاثة الأولى من عام 2026، صدّرت تايوان طائرات مسيّرة بقيمة 115 مليون دولار، متجاوزةً قيمة إجمالي صادراتها من المسيّرات طوال عام 2025، وفق وزارة الشؤون الاقتصادية في الجزيرة.

وكانت جمهورية التشيك الوجهة الأولى لهذه الصادرات، رغم أن دراسات تشير إلى أن كثيراً منها يصل في نهاية المطاف إلى أوكرانيا المجاورة.

مسيرات انتحارية في تايوان خلال تدريبات عسكرية يوم 8 أغسطس (إ.ب.أ)

ويرجح أن تكون صادرات تايوان من مكونات المسيّرات أعلى من ذلك بكثير، فيما يُتوقع أن يرتفع الطلب على قطع مثل المحركات والمعدّات البصرية، وفق ممثلين لشركات أميركية مصنّعة للمسيّرات.

وقال مايكل روبنز، رئيس «الرابطة الدولية لأنظمة المركبات غير المأهولة»، إن «تايوان تقع في قلب واحدة من أهم المنافسات الصناعية والاستراتيجية في عصرنا»، مضيفاً أنها «واحدة من الأماكن القليلة القادرة على إنتاج مكونات موثوقة للطائرات المسيّرة على نطاق واسع».

* خدمة صحيفة «نيويورك تايمز»


مقالات ذات صلة

نواب يابانيون يزورون الصين في مسعى لفتح قنوات حوار

آسيا رئيسة وزراء اليابان ساناي تاكايشي (أ.ف.ب)

نواب يابانيون يزورون الصين في مسعى لفتح قنوات حوار

توجه وفد من البرلمانيين اليابانيين إلى الصين في مسعى لفتح قنوات للحوار بعد تصريحات أدلت بها رئيسة الوزراء ساناي تاكايتشي، بشأن تايوان وأثارت غضب بكين.

«الشرق الأوسط» (طوكيو)
آسيا قائد قيادة العمليات الخاصة الأميركية الأدميرال فرانك برادلي خلال وجوده في مانيلا بالفلبين يوم 13 أغسطس (أ.ب)

واشنطن تعزّز الردع في آسيا بمناورات للقوات الخاصة

تستعد قيادة العمليات الخاصة الأميركية لتكثيف تدريبات الجاهزية القتالية مع نظيراتها في الفلبين ودول آسيوية أخرى؛ للمساهمة في ردع أي نزاع في المنطقة.

علي بردى (واشنطن)
العالم رئيس الوزراء الأسترالي أنتوني ألبانيزي يستقبل الأمين العام والرئيس الفيتنامي تو لام (يسار) قبل اجتماع في مبنى البرلمان بكانبرا (د.ب.أ)

أستراليا وفيتنام تعززان تعاونهما العسكري لمواجهة التوسع الصيني

أعلنت أستراليا وفيتنام، الثلاثاء، أنهما ستعززان التعاون بين قواتهما المسلحة، في وقت تواجهان فيه توسعاً صينياً في المحيط الهادئ وبحر الصين الجنوبي.

«الشرق الأوسط» (سيدني)
آسيا سفن في بحر الصين الجنوبي (رويترز)

البحث عن 23 مفقوداً في بحر الصين الجنوبي عقب غرق سفينة فيتنامية

فرق إنقاذ بدأت، اليوم (الأحد)، البحث عن 23 شخصاً مفقوداً إثر غرق سفينة فيتنامية في بحر الصين الجنوبي، في حين تسنَّى انتشال 39 شخصاً من المياه.

«الشرق الأوسط» (بكين)
الولايات المتحدة​ وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو خلال اجتماعه مع نظيره الروسي سيرغي لافروف على هامش اجتماع وزراء خارجية رابطة دول جنوب شرقي آسيا (آسيان) في مانيلا (أ.ب)

روبيو ينشد «أفكاراً جديدة» لإنهاء «الحرب العبثية» في أوكرانيا

دعا وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، بعد لقاء نظيره الروسي سيرغي لافروف في مانيلا، إلى «أفكار جديدة» لإنهاء «الحرب العبثية» التي تخوضها روسيا في أوكرانيا.

علي بردى (واشنطن)

من وجهة للتنزه إلى مقبرة مؤقتة... غابة تتحول إلى مأوى لضحايا فيضان نيبال

امرأة تتفاعل لدى وصولها إلى مشرحة للتعرف على جثث ضحايا الفيضانات المفاجئة والانهيارات الطينية في نيبال (رويترز)
امرأة تتفاعل لدى وصولها إلى مشرحة للتعرف على جثث ضحايا الفيضانات المفاجئة والانهيارات الطينية في نيبال (رويترز)
TT

من وجهة للتنزه إلى مقبرة مؤقتة... غابة تتحول إلى مأوى لضحايا فيضان نيبال

امرأة تتفاعل لدى وصولها إلى مشرحة للتعرف على جثث ضحايا الفيضانات المفاجئة والانهيارات الطينية في نيبال (رويترز)
امرأة تتفاعل لدى وصولها إلى مشرحة للتعرف على جثث ضحايا الفيضانات المفاجئة والانهيارات الطينية في نيبال (رويترز)

أصبحت منطقة تشيتوان ذات المناظر الخلابة في نيبال، المعروفة بغاباتها وأنهارها، موقعاً لمقابر جماعية لمئات الجثث مجهولة الهوية التي جرفتها الفيضانات التي دمرت المنطقة الواقعة بجبال الهيمالايا قبل أيام.

وفي السهول الواقعة على بُعد نحو 200 كيلومتر من وديان راسوا التي اجتاحتها الفيضانات، وحيث وقعت الكارثة يوم الأربعاء، حفرت السلطات مئات القبور في غابة ديفجات التابعة لمنطقة تشيتوان.

وحتى وقت قريب، كانت مسارات الغابة وجهة شهيرة للتنزُّه في الصباح. أما الآن، فقد تحولت إلى مقبرة مؤقتة للجثث التي تحلَّلت بشكل لا يسمح بالتعرف على هويتها.

ضباط من قوات الشرطة المسلحة، مرتدين معدات واقية، يستعدون لنقل الجثث إلى حفرة في موقع دفن جماعي في ديفغات، مخصص لضحايا الفيضانات المفاجئة والانهيارات الطينية المدمرة في تشيتوان (رويترز)

وقال جانيش أريال كبير المسؤولين الإداريين في بهاراتبور بمنطقة تشيتوان: «لم يتبقَّ لنا خيار آخر، واضطررنا لاتخاذ هذه الخطوة. كان قلقنا يتمثل في الخطر الذي يشكله التحلل السريع للجثث على الصحة العامة»، وفق ما أفادت به «وكالة رويترز للأنباء».

أحد أفراد الأمن يقوم بتدوين معلومات على كيس يحتوي على مساعدات إغاثية قبل إرسالها إلى منطقة راسوا المتضررة من الفيضانات في نيبال (رويترز)

ودفنت السلطات 96 جثة مجهولة الهوية في الغابة أمس (السبت)، وتخطط لدفن أكثر من 100 جثة أخرى، اليوم (الأحد)، في الوقت الذي تواصل فيه فرق الإنقاذ انتشال الجثث من الأنهار وأكوام الأنقاض.

ولقي نحو 750 شخصاً حتفهم، ووردت أنباء عن فقدان 3000 آخرين بعد أن اجتاح فيضان مفاجئ ناجم عن انهيار جليدي الوديان الواقعة على طول الحدود بين نيبال والصين، مما تسبب في دمار كارثي.

وكان نحو 100 فرد من فرق الإنقاذ وضباط الشرطة ومسؤولين آخرين يساعدون في توثيق هوية القتلى وتصوير رفاتهم ومساعدة الأقارب في التعرف على هوياتهم وتجهيز الجثث للدفن.

بطاقات تعريفية للجثث في موقع دفن جماعي في ديفغات لضحايا الفيضانات المفاجئة والانهيارات الطينية المدمرة، في تشيتوان (رويترز)

وقالت السلطات إن كل موقع دفن جرى تسجيله بعناية، مع وضع علامات تعريفية فوق الأرض وتحتها وتسجيل بيانات الموقع بدقة.

يسير ضباط من قوات الشرطة المسلحة حاملين نقالة أثناء نقلهم الجثث إلى حفرة الدفن الجماعي في ديفغات، المخصصة لضحايا الفيضانات المفاجئة والانهيارات الطينية المدمرة في تشيتوان (رويترز)

وجمعت السلطات النيبالية عينات من الحمض النووي للجثث مجهولة الهوية، بما يتيح لها تحديد مواقع الرفات واستخراجها لاحقاً، إذا جرى التعرف على أصحابها من خلال مطالبات العائلات أو السجلّات الرسمية أو الفحوص الجينية.

وأرسلت الهند بالفعل فريقاً للطب الشرعي للعمل مع نظرائه النيباليين، دعماً لتحليل عينات الحمض النووي، فيما تتواصل نيبال أيضاً مع فريق من الصين.


روسيا تجهّز لـ«ضربات مكثفة» على مصادر الطاقة في أوكرانيا

رجال الإنقاذ الأوكرانيون يعملون على إخماد حريق اندلع في مركز تجاري متضرر عقب غارة جوية على زابوروجيا أول من أمس (أ.ف.ب)
رجال الإنقاذ الأوكرانيون يعملون على إخماد حريق اندلع في مركز تجاري متضرر عقب غارة جوية على زابوروجيا أول من أمس (أ.ف.ب)
TT

روسيا تجهّز لـ«ضربات مكثفة» على مصادر الطاقة في أوكرانيا

رجال الإنقاذ الأوكرانيون يعملون على إخماد حريق اندلع في مركز تجاري متضرر عقب غارة جوية على زابوروجيا أول من أمس (أ.ف.ب)
رجال الإنقاذ الأوكرانيون يعملون على إخماد حريق اندلع في مركز تجاري متضرر عقب غارة جوية على زابوروجيا أول من أمس (أ.ف.ب)

أعلنت روسيا، اليوم الأحد، أنها تعدّ لـ«ضربات مكثفة» على «منشآت في قطاع الطاقة» في أوكرانيا، في ظل تصعيد البلدين ضرباتهما المتبادلة منذ أشهر.

وأفادت وزارة الدفاع الروسية عبر «تلغرام» بأن «القوات المسلحة الروسية باشرت الإعداد لضربات مكثفة على منشآت قطاع الطاقة في أوكرانيا رداً على الهجمات المتواصلة لنظام كييف على البنى التحتية المدنية وقطاع النفط والطاقة الروسي».

وصعدت موسكو خلال الشتاء الماضي ضرباتها على محطات الطاقة الأوكرانية، ما الحق أضرارا فادحة بهذا القطاع وتسبب بانقطاع الكهرباء والتدفئة عن ملايين الأشخاص.

وتصعد أوكرانيا وروسيا منذ عدة أشهر الضربات المتبادلة البعيدة المدى مستهدفة عدداً متزايد من البنى التحتية المدنية كالمستودعات والمحلات التجارية والمواقع النفطية والموانئ والسفن. وتتسبب هذه الضربات بوقوع ضحايا مدنيين.

وأعلن الجيش الروسي الأحد أنه ضرب خلال الليل مجمعا في كييف لإنتاج الأسبستوس والإسمنت، كانت مستودعاته تستخدم بحسب موسكو لتخزين متفجرات، ومصنعا للمسيرات والذخائر.

وتسببت ضربة روسية ليل الجمعة على مستودع للذخائر والمسيرات والمتفجرات في ميلا بضاحية كييف بانفجار كبير وحريق هائل، موقعة ما لا يقل عن 38 قتيلا من المدنيين، وفق حصلة أعلنها الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي الأحد مشيرا إلى "تلوث كبير" في المنطقة.

في المقابل، شنت أوكرانيا خلال الليل هجوما بمسيرات على مصفاة نفط في شمال غرب روسيا، ما تسبب باندلاع حريق، بحسب ما افادت السلطات المحلية.


بعد كارثة نيبال... هل يستطيع العلماء التنبؤ بموعد الفيضانات؟

صورة جوية تظهر آثار الفيضانات الهائلة التي اجتاحت نهر بوتيكوشي والتي أثَّرت على المناطق المنخفضة والمستوطنات القريبة من ضفاف النهر في نيبال (د.ب.أ)
صورة جوية تظهر آثار الفيضانات الهائلة التي اجتاحت نهر بوتيكوشي والتي أثَّرت على المناطق المنخفضة والمستوطنات القريبة من ضفاف النهر في نيبال (د.ب.أ)
TT

بعد كارثة نيبال... هل يستطيع العلماء التنبؤ بموعد الفيضانات؟

صورة جوية تظهر آثار الفيضانات الهائلة التي اجتاحت نهر بوتيكوشي والتي أثَّرت على المناطق المنخفضة والمستوطنات القريبة من ضفاف النهر في نيبال (د.ب.أ)
صورة جوية تظهر آثار الفيضانات الهائلة التي اجتاحت نهر بوتيكوشي والتي أثَّرت على المناطق المنخفضة والمستوطنات القريبة من ضفاف النهر في نيبال (د.ب.أ)

في نحو الساعة 8:37 صباحاً بالتوقيت المحلي يوم الأربعاء، وقع حادث زلزالي أُبلِغ عنه في البداية على أنه زلزال بقوة 4.4 درجة، بالقرب من راسووا غادي في شمال نيبال. وبعد ذلك بوقت قصير، اندفعت كميات هائلة من المياه والحطام والطين عبر المعبر الحدودي في راسووا غادي، بعدما تحركت على طول نهر ليندي خولا، الذي يشكل الحدود بين الصين ونيبال.

واجتاحت السيول كل ما كان في طريقها، مما أسفر عن مئات الوفيات وأحدثت دماراً هائلاً. كما دمرت أو ألحقت أضراراً بمشروعات للطاقة الكهرومائية والطاقة الشمسية كانت تنتج ما يكفي من الكهرباء لتزويد مئات الآلاف من المنازل بالطاقة.

وأشارت التقييمات الأولية إلى حدوث انهيار مفاجئ لبحيرة جليدية، وهو الانهيار المفاجئ للصخور والجليد داخل بحيرة مرتفعة في الجبال، مما أدَّى إلى تجاوز المياه ضفافها. وكان ذلك مشابهاً لأحداث سابقة وقعت في يوليو (تموز) عامي 2023 و2025 على نهر جليدي قريب يُعرف باسم بيوريبو. وتسببت كارثة العام الماضي في مقتل 18 شخصاً عند المعبر الحدودي نفسه. لكن حجم الفيضان الذي وقع يوم الأربعاء كان أكبر بكثير من ذلك الذي شهدته المنطقة في الصيف السابق، ويُعتقد أنه كان الأكبر من نوعه، حسبما أفادت صحيفة «ذا تايمز» البريطانية.

كان هذا حدثاً نادراً، لكنه يمكن أن يشير إلى دروس مهمة بشأن مراقبة الأنهار الجليدية، خصوصاً في ظل ارتفاع حرارة المناخ، وكيف يمكننا حماية المجتمعات التي تعيش حولها.

كيف حدث فيضان نيبال؟

وكشف تحليل صور الأقمار الاصطناعية التي التُقطت قبل الحادث مباشرة وبعده بفترة وجيزة، أن الكارثة بدأت بانهيار أرضي هائل شمل كتلة من الصخور يبلغ عرضها نحو 1.5 كيلومتر، ويمتد لمسافة 450 متراً، ويبلغ سمكها عدة مئات من الأمتار، تعلوها «واجهة» جليدية بعرض 650 متراً، وهي نهاية نهر جليدي.

وانفصلت هذه الكتلة، التي تحتوي على أكثر من 150 مليون متر مكعب من الصخور والجليد، بينما تقدرها بعض التقديرات بما يصل إلى 400 مليون متر مكعب، من منطقة قريبة من المنحدر الشمالي لجبل تسانغبو ري، القمة الشاهقة فوق المنطقة. وسقطت الكتلة مسافة نحو 1200 متر إلى الوادي، وتفتتت عند ارتطامها بالأرض. وأدى ذلك إلى تشكل حفرة ضخمة امتلأت لاحقاً بالمياه، كما ولّد إشارة زلزالية تعادل زلزالاً بقوة 5.2 درجة.

واجتاحت كتلة الصخور المتفتتة والجليد الذائب الوادي، وانحدرت إلى النهر، حيث جرى دفعها عبر الوادي شديد الانحدار كما لو كانت إعصاراً محملاً بالحطام.

منازل مغطاة بطبقة سميكة من الطين في أعقاب الفيضانات المفاجئة التي اجتاحت ديفيغات في مقاطعة نُواكوت النيبالية (أ.ف.ب)

وكان الانهيار، الذي يسميه الجيولوجيون «فشل الكتلة الإسفينية»، ناتجاً على الأرجح عن انقطاعات بنيوية؛ أي تغيرات وصدوع وتشققات في الصخور، شبيهة بتلك التي شهدناها في كارثة تشامولي عام 2021 في أوتاراخند بالهند. وهناك، ألحقت السيول المفاجئة وتدفقات الطين اللاحقة أضراراً بمنشآت الطاقة الكهرومائية والطرق والجسور، وأدت إلى مقتل نحو 200 شخص في المناطق الواقعة أسفل مجرى النهر. وكانت الأحداث في نيبال أكبر بكثير من حيث الحجم، لكنها تشترك في أسباب جيولوجية مماثلة.

مخاوف من كوارث مماثلة

وتتزايد المخاوف من أن يؤدي ارتفاع حرارة المناخ إلى تراجع التربة الصقيعية والأنهار الجليدية إلى ارتفاعات أعلى، مما يكشف منحدرات صخرية كانت مستقرة في السابق أمام دورات التجمد والذوبان، وهو ما يزيد من احتمالية حدوث الانهيارات الجليدية والانهيارات الأرضية.

ويتضح هذا الاتجاه في جبال الألب، حيث أصبحت تساقطات الصخور أكثر تواتراً. ففي مايو (أيار) 2025، تسبب انهيار صخري هائل على نهر بيرتش الجليدي في سويسرا في انهيار جزء من النهر الجليدي، وأدَّى الانهيار الأرضي الناتج إلى دفن وتدمير أجزاء من قرية بلاتن. ولحسن الحظ، كانت القرية الرئيسية قد أُخليت قبل تسعة أيام، ولم تُسجل أي وفيات هناك. وتخشى السلطات السويسرية من أن تكون قرى أخرى معرضة لخطر مماثل في المستقبل.

وفي عام 2010، بالقرب من هوالكان في سلسلة كورديليرا بلانكا في بيرو، سقط انهيار أرضي ضخم من الصخور والجليد داخل بحيرة جليدية، مما أدَّى إلى تشكل موجة بلغ ارتفاعها 28 متراً. وكان منسوب مياه البحيرة قد خُفض بشكل مصطنع بمقدار 20 متراً في عام 1993، ولذلك لم تتجاوز المياه الحاجز الطبيعي للبحيرة إلا بمقدار ثمانية أمتار، مشكلةً فيضاناً في اتجاه مجرى النهر لم يسفر عن وقوع ضحايا.

وقدّر عمدة المنطقة أنه لولا أعمال المعالجة التي نُفذت في وقت سابق، لكان نحو 6 آلاف شخص قد لقوا حتفهم. ويؤكد ذلك أهمية اتخاذ تدابير استباقية للحد من المخاطر.

تغير المناخ يهدد استقرار الأنهار الجليدية

ومن الواضح أن تغير المناخ يؤثر بشكل خطير في الأنهار الجليدية حول العالم؛ فمع انكماشها، يزول الدعم الذي توفره لجوانب الجبال المحاذية لها، مما يؤدِّي إلى زعزعة استقرار المنحدرات. ومع تراجع الأنهار الجليدية، تتشكل أيضاً بحيرات أكبر حجماً على نحو متزايد. ويمكن أن تؤدي الانهيارات الأرضية التي تسقط داخل هذه البحيرات إلى فيضانات ناجمة عن انهيار البحيرات الجليدية.

وتتحسن الأساليب المستخدمة لتقييم المخاطر التي تشكلها البحيرات الجليدية، كما أصبحت نماذج محاكاة الفيضانات أكثر تطوراً. ومع ذلك، فإن حالات الانهيار الكبيرة والنادرة للصخور والجليد، مثل تلك التي شهدناها في نيبال، تثير أسئلة مهمة بشأن ما إذا كان من الممكن تحديد مثل هذه الحالات، وكيفية تحديدها، وتنفيذ أعمال المعالجة اللازمة لحماية المجتمعات المعرضة للخطر الواقعة في اتجاه مجرى النهر.

وهذا هو محور كثير من الأبحاث. ومن الأفضل عموماً تقييم البيئات الجبلية بأكملها وأحواض الأنهار، بدلاً من التركيز على مكونات فردية فقط، مثل البحيرات الجليدية أو منحدرات صخرية بعينها.

وتتبنى منظمات مثل البنك الدولي وحكومات مثل حكومة بوتان، تقييمات متكاملة لأحواض الأنهار بأكملها، بحيث تقيّم المخاطر الجيولوجية والجليدية للمساعدة في حماية المجتمعات والبنية التحتية المعرضة للخطر، وتعزيز قدرتها على الصمود أمام آثار تغير المناخ، وتوجيه الاستثمارات في إدارة المخاطر. غير أن مطوري مشروعات الطاقة الكهرومائية غالباً ما يتجاهلون جزءاً كبيراً مما يقع في المناطق الواقعة أعلى مجرى النهر، ويركزون فقط على نطاق مشروعاتهم الخاصة.

ومن الضروري إجراء هذه التقييمات بصورة شاملة ودقيقة. وينبغي أن تكون إلزامية بالنسبة إلى الحكومات في الدول التي قد تتأثر بهذه المخاطر، مثل بوتان. وعندها فقط سيتمكن قطاع الطاقة الكهرومائية والمجتمعات المحلية من بناء قدرة أفضل على الصمود أمام قوى الطبيعة المؤثرة في هذه البيئات الجبلية المرتفعة شديدة الديناميكية.