التفاحات التي ألقاها كريستوفر نولان في «الأوديسة»

غياب التمثيل اليوناني في الفيلم لم يحدث سهواً

كريستوفر نولان
كريستوفر نولان
TT

التفاحات التي ألقاها كريستوفر نولان في «الأوديسة»

كريستوفر نولان
كريستوفر نولان

لم يعد فيلم كريستوفر نولان «الأوديسة» بْلَكْبسْتر (blockbuster ) فحسب، بل تحول وبسرعة خاطفة إلى «سوشيال ميديا بلكبستر/social - media blockbuster» باجتياحه الفضاء السيبراني، بهيمنته على وسائط التواصل الاجتماعي. أعداد لا تحصى يتزاحمون ويتدافعون بالأصوات والكتابات ومقاطع الفيديو، كلّ يسعى ليجد مساحة لرأيه أو نقده.

كمٌ كبير من الآراء والتعليقات، عبارات الإعجاب أو الاستياء، أجادل بأن نولان حمّل فيلمه بعض ما يثيرها، ويحفز على طرحها، أو طرح بعضها، وذلك برميه مجازياً، بقصد أو دون، ما أسميها «تفاحات جدل» في فيلمه؛ فكرة اِستللتها من الأسطورة الإغريقية، من حكاية إيريس إلهة الخلاف والنزاع وتفاحتها الذهبية، «تفاحة الخلاف/apple of discord»، التي كانت، وفقاً للأسطورة، السبب الجذري في اشتعال فتيل حرب طروادة.

مشهد من الفيلم

إيريس تقتحم العرس وتلقي التفاحة

لم تُدْعَ إيريس إلى عرس بليوس وثيتِس، فجاءت غاضبةً وألقت في وسط الحفل تفاحة ذهبية كتب عليها «للأجمل». فتدافعت الآلهات حولها، كل واحدة تروم خطفها لاعتقادها أنها الأجمل، وانتهى النزاع بتصفية شملت ثلاث آلهات: هيرا، وأثينا، وأفروديت. ولمّا لم يتطوع أحد من الآلهة لفض النزاع بينهن، أرسل زيوس هرمز إلى الأمير الطروادي باريس ليقنعه بأن يكون حكماً بين المتنازعات. جاء باريس فانحاز إلى أفروديت، وحكم بأنها الأجمل لأنها وعدته بحب أجمل امرأة في العالم: هيلين زوجة مينلاوس ملك إسبرطة. ومن إسبرطة كان الهروب العظيم إلى طروادة.

تفاحة الغياب اليوناني

تحول خلو قائمة الممثلين (الكاست) في «الأوديسة» من أي ممثل يوناني إلى «تفاحة جدل» أثارت الانتقاد لفيلم هو ترجمة سينمائية لملحمة شعرية يونانية، لا وجود فيه ليوناني أو ليونانية بين ممثلين متعددي الأعراق والهويات. هل تعمد نولان أن يكون ذلك مثار جدل؟ أمر يصعب نفيه أو تأكيده. لكن الأكيد أن غياب التمثيل اليوناني في الفيلم لم يحدث سهواً. وما لا يحتاج إلى تأكيد أنه كان لنولان الحرية في إضافة أو عدم إضافة ممثل يوناني. وليس في عدم مشاركة يوناني في «الأوديسة» إساءة أو إهانة لليونان واليونانيين. فمشاركته قد لا تشكل إضافة مهمة إلى الفيلم، وقد لا يلفت وجوده انتباه المشاهد، ناهيك عن تذكره، كما حدث في حال بعض من ساهم وجودهم في تشكيل التعددية العرقية والهوياتية في الفيلم. انتقاد «الأوديسة» بسبب هذا الغياب قد لا يعدو كونه نقداً من أجل النقد لإحداث خدش في صورة الفيلم أو في صورة مخرجه.

وليس ضرورياً أن يشارك ممثل يوناني في «الأوديسة» ؛ مثلما أنه ليس مطلوباً من مخرج أميركي، مثلاً، الاستعانة بممثلين وممثلات من السعودية عندما يكيف/يترجم رواية سعودية للشاشة، أو يستعين بممثلين أجانب عندما يعيد إنتاج «remake» فيلم أجنبي أنتج في بلدهم.

مشهد من الفيلم

تفاحة التحول المثيرة والممتعة

إِليوت بيج، المتحول جنسياً، تفاحة الجدل الثانية التي ألقاها نولان في «الأدويسة»، أو لم يلقها قاصداً الإثارة. لكن إعلام اليمين المحافظ حوّل مشاركته إلى تفاحة جدل أثارت زوبعة قبل إطلاق الفيلم بسبب شائعات بأنه سيلعب دور أخيل البطل الأسطوري. جاء النقد عنيفاً عبر وسائط التواصل الاجتماعي. واستمرت الانتقادات حتى بعد إطلاق الفيلم، بعدما تبين أنه يلعب دور الجندي سينون، بحجة هويته الجندرية «transgender» وصغر جسمه.

في كلتا الحالتين، بيج تفاحة جدل تثير الشهية للكتابة عن علاقة التحول والتحويل بـ«الأوديسة»، وبالمخرج وبآلاف المشاهدين. فدُون التحول/التحويل لم يصبح «الأوديسة» فيلماً يملأ مشاهدوه صالات السينما، ولم يتدفق هذا الفيض من التعليقات. فصنعه قام فكرةً وتنفيذاً على تحويل «transformation» الملحمة الشعرية «الأوديسة» إلى ملحمة سينمائية.

تحولات المخرج والمشاهدين

التحويل، أو التحول، لم يطل نص الملحمة فحسب، بل تعرض له المخرج نولان نفسه. فخلال اشتغاله، تكييفاً أو تحويلاً أو ترجمةً، تحول نولان إلى إغريقي، أو لأقُل، إلى شبيه بالمسرحيين الإغريق القدماء مثل سوفوكليس وأسخيلوس، ويوربيديس، الرواد بتحويلهم حكايات من الموروث الأسطوري الإغريقي، إلى مآسٍ «تراجيديات». فالمأساة «أوديب ملكاً»، مثلاً، لم تنبت من خيال سوفوكليس. كانت أسطورة عالجها سوفوكليس درامياً ليحولها إلى عرض مسرحي. وكذلك فعل أسخيلوس في مسرحية «أغاممنون»، وفعل نولان مثل فعلهم في «أوديسة» هوميروس، التي هي نتيجة تحويل وتكييف أيضاً.

ولم يكن نولان لوحده في تحوله إلى إغريقي أو شبيه بالإغريقي، كان مثله كثيرون ممن شاهدوا الفيلم، الذين قرأوا «الأوديسة» قبل تفكيره في صنع فيلم مبني عليها، أو الذين درّسوها أو دَرَسوها، أو الذين تقاطروا إلى المكتبات لشرائها وقراءتها قبل إطلاق الفيلم. فتحولوا إلى إغريق مجازياً. فقد كان الإغريقيون القدماء يذهبون لمشاهدة تراجيديات سوفوكليس وأسخيلوس ويوربيديس حافظي قصصها عن ظهر قلب؛ لأنها مستلهمة من موروثهم الأسطوري. فكان ذهابهم للمسرح ليس لمشاهدة ما يحدث، بل لمشاهدة كيف يحدث؛ كيف يُؤول ويمسرح كل واحد من أولئك المسرحيين «المحتوى» الذي اقتطعه من كتلة الأساطير، وكيف يضيف أو يغير بعض التفاصيل أو الشخصيات وترتيب الأحداث.

هذا الكم الهائل من التعليقات التي تزدحم بها وسائط التواصل الاجتماعي دليل على أن الكثيرين من مشاهدي «الأوديسة» كانوا كالمشاهدين اليونانيين القدماء، استمتعوا بملاحظة «كيف» المعالجة السرد سينمائية قدر استمتاعهم أو ربما أكثر بمتابعة الأحداث.

بيج في الفيلم المناسب

عجيبٌ انتقاد نولان لاختياره ممثلاً متحولاً. في رأيي، بيج اختيار مناسب للظهور في فيلم التحول/التحويل ثيمة مهمة فيه، فضلاً عن كون التحول ثيمة تتكرر في الأساطير الإغريقية مخزن التحولات، الدائمة والمؤقتة. في الفيلم تتجسد ثيمة التحويل/التحول في مشهد سيرسي وتحويلها رفاق أوديسيوس إلى خنازير. أما في الأوديسة الملحمة فيظهر إله التحولات، بروتيوس (Proteus)، إله البحر الصغير الأقل شأناً من بوسايدون وتحت سلطته. منحه بوسايدون القدرة على قول الحقيقة وتغيير شكله. يظهر في الكتاب الرابع «من «الأدويسة» - كتاب مينلاوس وهيلين. اُشْتُقَّتْ من اسمه الصفة الإنجليزية «بروتيان/ Protean» وتعني متعدد المهارات والبراعات، المتحول والمتقلب، القادر على اتخاذ أشكال متعددة ومختلفة، والمتمتع بالمرونة والقدرة على التكيف. استهللت بالكتابة عنه مقالتي غازي القصيبي/ الغزاة القصيبيون: الذات البروتيانية وإشكالية كتابة السيرة الكاملة (الراوي، ع 21، سبتمبر 2009).

أخيل عذراء تتهرب من الحرب

الطريف أن انتقاد الفيلم بناءً على إشاعة قيام بيج بدور أخيل، يشكل مفارقة؛ إذ يبدو أن المنتقدين لم يقرأوا أو يسمعوا كيف حاول أخيل، في الأسطورة، التهرب من الانضمام لائتلاف الجيوش اليونانية قبل إبحارها إلى طروادة بتحوله إلى «transvestite» متشبه بالنساء، واختفاؤه في قصر الملك لايكوميديس. وعاش بين العذارى إلى أن فضح أمره أوديسيوس عندما جاء إلى مخبئه متنكراً كبائع متجول يبيع زينة نساء وسيوفاً وخناجر. فبينما أقبلت العذارى على تقليب الزينة، راح أخيل يتفحص السيوف والخناجر، رموز الفحولة والذكورية «Phallic Symbols»، ويمرر أصابعه على أنصالها. ففضح نفسه بنفسه (إديث هاملتون، ميثولوجيا، 181 - 2). التحول ثيمة متكررة في الميثولوجيا الإغريقية، فعندما يمثل شخص متحول في فيلم كـ«الأوديسة»، فإنه في المكان المناسب، لن يكون شاذاً في سياق الميثولوجيا العام، بغض النظر عن دوره.

كان الإغريقيون القدماء يذهبون للمسرح ليس لمشاهدة ما يحدث، بل لمشاهدة كيف يحدث

التفاحة التي علّقت تعليق عدم التصديق

هيلين ثمرة اغتصاب الإله زيوس لليدا - نيميسس في رواية أخرى - بعد تحوله إلى بجعة كي يصل إليها ويطفئ جمرة رغبته. حقيقة تخييلية «fictional truth» في حكاية تخييلية يتطلب الاستمتاع بها والتفاعل معها تعليق عدم التصديق «suspension of disbelief». هذا ما يحدث عندما يقرأ الناس الحكايات والروايات والأساطير، أو يشاهدون المسرحيات والأفلام، حتى عندما تكون القصص في منتهى الفانتازية والغرائبية. ممارسة مستمرة منذ ظهرت عند الإنسان ملكة الخلق التخييلي. وعلى مدى تاريخ الأسطورة الإغريقية، صدَّق الناس قصة هيلين التي فقست من بيضة، وتقبلوها، وصدقوا أنها أجمل امرأة في العالم. لكن سواد هيلين/لوبيتا نيونغو في «الأوديسة» عطَّل «تعليق عدم الصديق» عند من بهم مس من العنصرية. وراحوا يطالبون بالدقة التاريخية، في فيلم مبني على ملحمة هي تخييل في تخييل.

هيلين السوداء تفاحة جدل تعمَّد نولان إلقاءها في فيلمه، ممارساً حريته في تأويل الحكاية وسردها وترتيب أحداثها والحذف والإضافة إليها وفقَ رؤيته الإبداعية. لكن يبدو أنه لم يتوقع أن تتشكل في أذهان بعض المشاهدين صورة، لهيلين وأختها، لا تنجو من الخدش بالعنصرية. إيحاءات بالصورة النمطية القديمة للمرأة السوداء في الثقافة الغربية تتولد من سياق تقابل ومجاورة «juxtaposition» صورة هيلين السوداء، الخائنة المعتذرة ندماً، الفاتنة القاتلة (la femme fatale)، التي تسببت بموت الآلاف، وأختها الخائنة والقاتلة مع صورة بينيلوبي، البيضاء، رمز الوفاء ومثال «الملاك في البيت».

* كاتب وناقد سعودي


مقالات ذات صلة

التحوُّلات الاجتماعية في روايات صنع الله إبراهيم

كتب التحوُّلات الاجتماعية في روايات صنع الله إبراهيم

التحوُّلات الاجتماعية في روايات صنع الله إبراهيم

صدر حديثاً، عن بيت الحكمة للثقافة في القاهرة، كتاب «صنع الله إبراهيم: سردية التحوُّلات الاجتماعية في مصر» للناقد المصري الدكتور محمد ماهر بسيوني

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
كتب «الشارقة الثقافية»: الأدب العربي وتشكيل الوعي الجمالي

«الشارقة الثقافية»: الأدب العربي وتشكيل الوعي الجمالي

صدر حديثاً العدد 118 (أغسطس/ آب 2026) من مجلة «الشارقة الثقافية»، وقد تضمَّن مجموعة من الموضوعات والمقالات والحوارات، في الأدب والفن والفكر والسينما والتشكيل

«الشرق الأوسط» (الشارقة)
ثقافة وفنون جبران خليل جبران

هل كان جبران يعاني من عقدة «الأنوثة»؟

لعل أحداً من الذين أطلقت عليهم تسمية «أدباء المهجر»، لم يكن موضع سجال دائم بين النقاد، منذ رحيله قبل نيف وتسعين عاماً حتى يومنا هذا، كما كان جبران خليل جبران.

شوقي بزيع
ثقافة وفنون ألواح فسيفسائية من قصر الحلابات

ألواح فسيفسائية من قصر الحلابات

تحوي الأراضي الأردنية مجموعة هائلة من المواقع الأثرية تتميّز بحللها الفسيفسائية المتعددة الأشكال، وتعود إلى الحقبة البيزنطية، وتشهد لتقليد فني ازدهر وراج بشكل..

محمود الزيباوي
ثقافة وفنون مبارك العامري

مبارك العامري... صوت الحب في القصيدة العُمانية

«أشعر أن القطار السريع شارف على الوصول إلى محطته الأخيرة / وأن رحلة الآلام المريرة حان لها أن تنتهي / دون إخلال بسيرها المتعرج / وما دام الأمر كذلك

رشا أحمد (القاهرة)

هل كان جبران يعاني من عقدة «الأنوثة»؟

جبران خليل جبران
جبران خليل جبران
TT

هل كان جبران يعاني من عقدة «الأنوثة»؟

جبران خليل جبران
جبران خليل جبران

لعل أحداً من الذين أطلقت عليهم تسمية «أدباء المهجر» أو «رواد النهضة العربية»، لم يكن موضع سجال دائم بين النقاد والدارسين، منذ رحيله قبل نيف وتسعين عاماً حتى يومنا هذا، كما كان جبران خليل جبران. واللافت في الأمر أن السجالات التي اتخذت أشكالاً حادة في كثير من الأحيان، لم تقتصر ساحتها حول الريادة الأدبية والفكرية لصاحب «العواصف»؛ بل إنها طالت كل نأمة في حياته وسلوكياته وسيرته الشخصية، وبخاصة تلك المتصلة بالشأن العاطفي وعلاقته بالمرأة.

ومع أن مسألة التطابق بين نتاج الكاتب الإبداعي وبين سلوكه، كانت على الدوام مثاراً للجدل وتباين وجهات النظر، فإن شيئاً من الحياة الحقيقية لا بد من أن يتسرب إلى الأدب والفن، وينعكس في مراياهما التعبيرية.

ففي «الأجنحة المتكسرة» تظهر لنا صورة جبران اليافع والحالم الرومانسي، الذي روى قصة حبه الفاشلة لسلمى كرامة، مستخدماً لغة عاطفية تفطر قلوب القراء، وتستدرُّ دموعهم على نحو ميلودرامي.

وفي «الأرواح المتمردة»، تتحول مريم التي لجأ إلى بيت أمها راحيل، والتي شعر «بتموجات روحها حول روحه»، إلى نسخة معدلة من المجدلية. وفي «عرائس المروج» تقع الفتاة اليتيمة مرتا البانية ضحية شاب ثري يغرر بها ويعدها بالزواج، حتى إذا حملت منه اضطرت لممارسة البغاء لإطعام ولدها وثمرة حملها الآثم، لتموت في نهاية الأمر مُهانة ومرذولة. وفي هذه القصة وغيرها يعري جبران الأسس الفاسدة لنظام القيم، ويكشف عن الجوهر الروحي للكائنات، الذي لا تملك خطايا الجسد أن تنال من براءته.

أما في كتاب «النبي» فنقف على النسخة الأكثر نضجاً من شخصية جبران ومواقفه الإنسانية. فهو حين يُسأل عن الحب، يجيب بلسان بطله المصطفى، بأن على البشر أن يتبعوا صوت الحب ونداءاته، حتى لو كانت الطريق إليه وعرة وشائكة. ومع أنه لا يُظهر موقفاً سلبياً من الزواج، فإنه يرفض تحويل العلاقة إلى قيد، مؤكداً على فكرة المسافة التي ينبغي أن تفصل بين الطرفين، إضافة إلى أنه يرفض فكرة التوحد، والحلول في الآخر، كما في قوله: «غنوا وارقصوا معاً وافرحوا، ولكن ليبق كلٌّ منكم وحيداً». وحين يُسأل عن اللذة، فهو لا يرفض نشدانها ولا يدين طالبيها، شرط ألا يفقدوا قلوبهم في غنائها، وألا يهملوا الروح ويسيئوا إليها.

على أن المواقف النظرية الواضحة التي أطلقها جبران بشأن المرأة والحب والزواج والجسد والروح، لم يكن لها أن تحجب البلبلة المتأتية عن الطبيعة الفعلية لعلاقته بنساء حياته الكثيرات. فميخائيل نعيمة في كتابه عن جبران، لم يكتفِ بإنزال صديقه من مكانه السماوي إلى أرض الواقع؛ بل راح ينزع عنه صفتَي الروحانية والزهد الجسدي اللتين طالما ادَّعاهما، مؤكداً على الجانب الشهواني من شخصيته، وبخاصة في علاقته بميشلين، التي عرَّفته بها ماري هاسكل، ليخلص إلى القول بأن صديقه كان موزَّعاً بين عقل هاسكل وجسد ميشلين.

أما توفيق صايغ الذي يتهم نعيمة بالإساءة إلى صديقه، راداً الأمر إلى غيرته منه، فلا ينفي في كتابه «أضواء جديدة على جبران» أن تكون لجبران علاقات متعددة مع النساء، وبينها علاقة انجذاب شهواني مع ميشلين، إلا أنه -وهو المنذور للكتابة والخلق الإبداعي- كان يعرف كيف يضع في الوقت المناسب حدوداً لها. ويشير صايغ إلى أن علاقة هاسكل بجبران لم تكن روحانية خالصة ولا جسدية خالصة؛ بل ظلت تتأرجح بين النزعتين؛ حيث كانا يكتفيان بتبادل القبلات، رغم ما كان يتسبب فيه الأمر من أذى نفسي وجسدي للطرفين.

ولعل من يتتبع سيرة جبران العاطفية لا يلحظ عنده إقبالاً على الجنس يصل إلى حدود التهالك، ولا نفوراً منه يلامس حدود التبتل؛ بل هو يُظهر قدراً من الاعتدال يجعله أقرب إلى الإنسان الطبيعي، منه إلى الانحراف واللاسوية. أما عزوفه عن الزواج فقد كان عائداً إلى رغبته في التفرغ لكتابته وفنه. ولم تكن أناه النرجسية المبدعة لتقبل التنازل عن نفسها لأي شأن عابر، وهو الذي تنقل عنه هاسكل قوله لها عام 1922: «إن حضور عقل آخر مهما كان هذا الحضور طفيفاً، يدمر الأشياء بالنسبة لي. إني أفعل أفضل ما أستطيع فعله وأنا وحيد، والمرء يكون قريباً إلى كل إنسان عندما لا يكون قريباً إلى أي إنسان».

والواقع أن جبران قد حرص أشد الحرص على ألا يُفرغ طاقاته الحيوية العالية في مجال الجنس والرغبات الشهوانية البحتة؛ بل أراد أن يدَّخر جانبها الأكبر لشحن أعماله الفنية والإبداعية بأسباب القوة والتفجر. ولعل أكثر ما يؤكد ذلك قوله لهاسكل، في معرض تبرير اقتصار علاقتهما الجسدية على بعض القبلات والعناقات المتقشفة: «إن فيَّ رغم ضعفي الجسماني دفئاً وفيراً من الناحية الجنسية، وأعتقد أن فيَّ دون شك شيئاً حيوياً أيضاً؛ لأني أعتقد أن جزءاً كبيراً من الناحية الجنسية يتحول وينصبُّ في نتاجي».

ولعلنا نستطيع -في ضوء ما تقدم- أن نفهم السبب الحقيقي الذي أبقى علاقته بمي زيادة في إطارٍ لغوي وجداني، تكفلت بحمله عشرات الرسائل المحمولة عبر المحيطات. فالواضح أن جبران كان يبحث عبر مي عن وقود إضافي لمنع جذوة الإبداع في داخله من الضمور، وهو ما لم يكن ليتوفر إلا عبر رفع مي إلى خانة المتخيل الطيفي الذي يؤلفه من عندياته. وجبران الذي يقول في كتابه «رمل وزبد» ما حرفيته: «كل رجل يحب امرأتين: واحدة يخلقها خياله، والثانية لم تولَد بعد»، كان يدرك في قرارته أن هذه الجذوة الإبداعية التي ولدتها علاقته الأفلاطونية بامرأة التخيل، كانت مرشحة للانطفاء السريع لو التقى بامرأة اللحم والدم.

المواقف النظرية التي أطلقها جبران بشأن المرأة والحب والزواج والجسد والروح لم تحجب البلبلة المتأتية عن الطبيعة الفعلية لعلاقته بالنساء

أما الذين رأوا في رسوم جبران العارية، والخالية من أي دلالة شهوانية، ما يدل على نقص في ذكورته، أو على تبرمه من النوازع الجسدية، فهم يخلطون عن عمد -أو عن غير عمد- بين الفن والحياة؛ لأن تلك الرسوم كانت تعكس توق صاحبها إلى التسامي الروحي والتجرد من حاجات الجسد الترابي، دون أن يعني أنه كان يعاني من الوهن الجنسي، أو من ارتفاع في منسوب الأنوثة، كما ذهب بعض الدارسين.

وقد لا يكون الباحث اللبناني خريستو نجم بعيداً عن الحقيقة حين أشار في كتابه «المرأة في حياة جبران»، إلى أن علاقة الحدب والحنو المفرط التي ربطت الأخير بأمه كاملة رحمة، قد جعلته يبحث عن صورها في ملامح نسائه الكثيرات، بما يفسر أن معظم اللواتي ارتبط بهن كنَّ يكبرنه سناً. فحلا الضاهر كانت تكبره بعامين، وماري هاسكل تكبره بعشر سنوات، وسلطانة ثابت تكبره بخمس سنوات، وجوزيفين بيبودي تكبره بست سنوات، وحتى ميشلين عشيقته الأثيرة، كانت تكبره ببضعة أشهر.

إلا أن ما توصل إليه نجم من خلاصات حاسمة حول «أنثوية» جبران ونفوره من الجنس، وصولاً إلى رميه بالعجز الجنسي، ليس في مكانه أبداً؛ إذ ليس يكفي أن يستشهد نجم بكتابَي «دمعة وابتسامة» و«الأجنحة المتكسرة» المفرطين في لغتهما الوجدانية وانكسارهما الحزين، لكي يرى فيهما «نمط جبران الأنثوي الذي يخلو من كل أثر للاقتحام الرجولي»؛ لأنه في هذه الحالة سيضع في دائرة الأنوثة عشرات من الكتاب والفنانين والشعراء الرومانسيين. ثم لماذا لم يدر في خلد نجم أن يستشهد بأعمال مغايرة تظهر فيها «ذكورية» جبران وفحولته الغاضبة على نحو واضح، كما هي الحال في «الأرواح المتمردة» و«العواصف» وغيرها؟

صحيح أن جبران قد قال لماري هاسكل: «إن المرأة في نفس الفنان هي مصدر قوته»، وأنه شبَّه نفسه بالمرأة الحامل، مضيفاً ما حرفيته: «أشعر أني كنت أُمًّا غير مرة»، إلا أنه لم يكن يقصد بالتأكيد المعنى الفيسيولوجي للكلمة؛ بل المعنى الرمزي الذي يُكسب الكاتب صفات الرقة والصبر، والإصغاء المرهف إلى الأشياء والكائنات، ويجعل من الكتابة بحد ذاتها حالة من أحوال الأنوثة.

 


ألواح فسيفسائية من قصر الحلابات

فسيفساء فناء قصر الحلبات الداخلي تقابلها فسيفساء الرواق المجاور له
فسيفساء فناء قصر الحلبات الداخلي تقابلها فسيفساء الرواق المجاور له
TT

ألواح فسيفسائية من قصر الحلابات

فسيفساء فناء قصر الحلبات الداخلي تقابلها فسيفساء الرواق المجاور له
فسيفساء فناء قصر الحلبات الداخلي تقابلها فسيفساء الرواق المجاور له

تحوي الأراضي الأردنية مجموعة هائلة من المواقع الأثرية تتميّز بحللها الفسيفسائية المتعددة الأشكال، وتعود إلى الحقبة البيزنطية، وتشهد لتقليد فني ازدهر وراج بشكل واسع في هذه البقاع. ظلّ هذا التقليد كما يبدو حياً في الحقبة الأموية؛ حيث اعتمد في تزيين العمائر المدنية التي شُيّدت في نواح عديدة من البادية الأردنية. يحضر هذا الفن بشكل محدود في قصير عمرة، في شمال هذه البادية، ويحضر بشكل واسع في قصر الحلابات، في الناحية الشمالية من الطريق المعبدة التي تربط مدينة الزرقاء بواحة الأزرق.

تعود أسس قصر الحلابات إلى حصن دفاعي محلّي، شيّده الغساسنة خلال الحقبة البيزنطية. تحوّل هذا الحصن إلى منتجع ملكي في الحقبة الأموية؛ إذ أعيد تشييده مع تعديلات كبيرة في تكوينه، إلا أن أسسه الهندسية الأولى بقيت ثابتة، وتمثّلت في مسقط مربع الشكل، تحد زواياه أربعة أبراج. يبلغ طول كل ضلع من أضلاع هذا المسقط الأربعة 44 متراً، ويبلغ عرض واجهة كل برج من أبراجه نحو 6 أمتار. يقع مدخل القصر الرئيسي وسط الواجهة الخارجية الشرقية، وينفتح على ردهة كبيرة مستطيلة تؤدي مباشرة إلى الفناء الرئيسي الذي يحتل وسط البناء.

يتألف القصر من مجموعة غرف وقاعات مستطيلة، تتوزع على جهات البناء الأربع. من جهة الشرق، وعلى يمين ردهة المدخل ويسارها، قاعتان واسعتان. ومن جهة الجنوب، ست قاعات وغرف مختلفة المساحات. في الزاوية الشمالية الغربية للقصر، جناح سكني كبير منفصل عن باقي أجزاء القصر، ندخل إليه عبر باب في واجهته الجنوبية المطلة على الفناء الرئيسي الواسع. يحوي هذا الجناح المستقل ثلاثة أجنحة تحيط بفناء صغير. يحوي كل من الجناحين الغربي والشمالي قاعتين واسعتين، ويحوي الجناح الشرقي ثلاث غرف. في الطرف المقابل، في موازاة الضلع الشمالية للفناء الرئيسي للقصر، ثلاث قاعات، أكبرها الوسطى، وتنقسم عبر عقدين نصف دائريَّين إلى ثلاثة أجزاء. في أسفل أرض الفناء الرئيسي، بُني خزان كبير كان يتلقّى مياه الأمطار عبر قنوات متصلة بقسطل القاعات التي تحتل ضلع القصر الشرقية. وفي فناء الجناح الشرقي الذي يحتل زاوية القصر الشمالية الغربية، بُنيَ خزان مشابه.

تطلّ معظم قاعات القصر على الفناء الرئيسي الكبير من خلال أبواب تعلوها سواكف حجرية مستقيمة، ونوافذ تحدها أطر مزينة بشبكات من النقوش المصنوعة بتقنية الجص، ضاع القسم الأكبر منها للأسف. على الصعيد الفني، يتميّز قصر الحلابات في المقام الأول بمجموعة الألواح الفسيفسائية التي تزين قاعاته، غير أن القسم الأكبر من هذه الألواح تصدّع واندثر، وما بقي منها يتمثّل في أجزاء سمحت للمختصين بإعادة تخطيط شبكاتها الهندسية الأصلية. نُقل بعض هذه البقايا إلى متحف خاص بهذا الموقع افتتح في عام 2008، وبقيت في الموقع الأجزاء الأكثر اكتمالاً، ومنها فسيفساء الفناء الداخلي الصغير، وفسيفساء الرواق المجاور له.

تُعتبر فسيفساء الفناء الداخلي أكبر هذه الأرضيات، وهي على شكل لوحة هندسية مستطيلة، رُصفت بخطوط محورية مزدوجة، تتقاطع وتكوّن شبكة تعتمد عنصراً هندسياً واحداً يُعرف بالمُعين، وهو على شكل مربع مائل، أضلاعه متساوية الطول، وقطراه متعامدان ومتناصفان. تتألف هذه الشبكة من 375 معيناً، رُصفت بشكل متواز، مع سلسلة من 17 معيناً عرضاً، تقابلها سلسلة من 21 معيناً طولاً. تتساوى هذه التقاسيم في الحجم، وهي بيضاء، وتحدّها خطوط تجمع بين الرمادي والعسلي والزهري، ويبلغ عرض ضلع كلّ منها 20 سنتيمتراً. وسط كل معين، معين منمنم صيغ بهذه الألوان. وحول هذه الشبكة المستطيلة، يمتد إطار على شكل شريط بسيط، تزينه سلسلة زخرفية، تعتمد كذلك هذا المعين المنمنم.

في المقابل، تجمع أرضية الرواق المجاورة بين التأليف الهندسي المحكم والعناصر التصويرية المحوّرة. يتألف هذا الرواق من ردهتين متلاصقتين، يغطي كلاً منهما لوح فسيفسائي مستقل. يزين الردهة العليا لوح زخرفي يتكون من أربع خانات متماثلة، تشكّل معا شبكة زخرفية مربعة، يغلب عليها الطابع التجريدي. تأتي كل خانة على شكل أربع دوائر، تتقاطع فيما بينها، مشكّلة إطاراً يحتضن في وسطه زهرة محوّرة هندسياً، تحدها أربع بتلات متساوية صيغت على شكل نجم. اعتُمد اللون الأحمر الخمري بشكل أساسي في صوغ الحلّة التشكيلية الخاصة بهذه الخانات، إلى جانب مساحات حلّ فيها الأبيض الناصع والأزرق السماوي. أُحيط هذا اللوح بإطار مزخرف، قوامه سلسلة من مثلثات مسنّنة، رُصفت كأسنان المشط، واعتُمدت الصياغة اللونية الخاصة بهذا الإطار على الأحمر الخمري والأبيض الناصع.

تتميّز لوحة الردهة السفلى بعناصرها التصويرية، وتتكوّن من ثماني دوائر كبيرة الحجم، وثمانية مربعات أصغر حجماً، تترابط بشرائط مجدولة، وتشكّل معاً شبكة متناسقة متقنة. في القسم الأعلى، تحضر إوزتان متواجهتان في وضعية جانبية، تستقرّ كل منهما في دائرة مستقلّة. وفي القسم الأدنى، تحضر إوزة ثالثة في وضعية مماثلة، وتستقرّ كذلك في دائرة خاصة بها. يتكرّر هذا التأليف في وسط اللوح، وتحلّ سلّتان متواجهتان، منهما سلة تعلوها عروة عريضة. في المقابل، تحلّ سمكة وسط إناء كبير يستقرّ في وسط الدائرة الثالثة. في القسم الأسفل من اللوح، يحلّ طائران متواجهان في تأليف مماثل، وهما من عائلات الدجاجيات، والأرجح أنهما من صنف الحجل الذي يحضر بقوة في الميراث الفني الأموي.

يتبنّى هذا اللوح طرازاً راج في الكنائس المحلية، ويعكس هذا الأثر حضور السمكة التي تعلو الإناء، وتستقرّ وسط سلّتين كبيرتين، في تأليف يعيد إلى الذهن صورة من أشهر الصور الفسيفسائية الفلسطينية. تعود هذه اللوحة إلى كنيسة تقع في قرية الطابغة، على الشاطئ الشمالي الغربي لبحيرة طبريا، وتختزل بحسب التقليد معجزة تكثير الخبز والسمك التي ورد ذكرها في الأناجيل الأربعة بشكل متقارب. ونقع على لوح آخر مشابه، كشفت عنه أعمال التنقيب في كنيسة تقع في مدينة هيبوس الأثرية في الجولان، وتُعرف باسم «الكنيسة المحروقة».


رواية فلسطينية في دائرة الحب والخطر

رواية فلسطينية في دائرة الحب والخطر
TT

رواية فلسطينية في دائرة الحب والخطر

رواية فلسطينية في دائرة الحب والخطر

تنطلق رواية «الفراديس الملغومة» -الصادرة في 400 صفحة عن دار «طباق» برام الله، للكاتبة نسب أديب حسين- من مفارقة العنوان الذي يُبرز التناقض بين الجمال الفطري الأبدي في أرض فلسطين كملاذ للحب والمشاعر من ناحية، وبين الخطر والخوف من ناحية أخرى، عبر بنية فنية تضع الشخصيات في مواجهة أسئلة المكان والهوية والذاكرة والحب والخوف.

تدور الأحداث في عام 2017؛ حيث تتسع خريطة السرد لتشمل مدناً وقرى فلسطينية متعددة داخل الضفة الغربية وغزة؛ لا سيما طولكرم ونابلس، بحيث لا يبدو المكان مجرد خلفية للأحداث، وإنما يتحول إلى عنصر فاعل في تشكيل الشخصيات ومصائرها.

تجمع الرواية 14 شخصية فلسطينية في إطار مشروع بحثي ميداني، إلى جانب صحافي من غزة، ودليل سياحي مقدسي، في تركيبة تحمل تناقضات نفسية وإنسانية؛ فالمقدسي يعيش مأزقاً مختلفاً عن الغزِّي، وابن الداخل يواجه أسئلة غير تلك التي يواجهها ابن الخليل أو رفح.

ومن هنا يتحول سؤال الهوية إلى سؤال يومي: من أنا؟ وإلى أي مكان أنتمي؟ وما الذي يبقى من هوية الإنسان حين يتغير المكان من حوله أو يُنتزع منه؟ كما تتحول العلاقات الإنسانية البسيطة إلى مدخل مختلف لفهم الواقع الفلسطيني المعقد، فالحب -على سبيل المثال- لا يظهر بوصفه مساحة منفصلة عن السياسة والجغرافيا؛ إذ يمكن للحاجز أو التصنيف القانوني أو الانتماء الجغرافي أن يتدخل في علاقة عاطفية ويغير مصيرها.

ومن القضايا اللافتة كذلك حضور الأسرى بعد التحرر، وآثار الحرب والاستشهاد، والصدمة النفسية، إضافة إلى تجربة غزة والحواجز والجدار؛ حيث يتعامل النص مع هذه التفاصيل من زاوية الإنسان الذي يعيش نتائجها في حياته اليومية، ما يجعل العمل يخرج من الحدود الضيقة المباشرة للرواية السياسية، ليصبح نصاً إنسانياً مفتوحاً على أفق بيئة اجتماعية شديدة التعقيد.

فنياً، لا تنتمي «الفراديس الملغومة» إلى البناء الروائي التقليدي الصارم ذي البطل المركزي والحبكة الواحدة، وإنما تقوم على تعدد الأصوات والشخصيات وتداخل الأزمنة والأمكنة، بينما تستخدم المؤلفة ضمائر سرد متعددة، فتنتقل بين المتكلم والغائب، وتستدعي الماضي داخل الحاضر، ما يمنح العمل طبيعة متشعبة تتناسب مع تعدد التجارب داخل الحبكة الدرامية. كما حرصت على منح كل شخصية مساحة خاصة بها في التعبير والسرد.

من أجواء الرواية:

«كلما شرد ذهني وجدتني أنظر إلى النقش المحفور في الجدار المقابل وأجده على حاله. لا أعلم هل يثير هذا الألم في نفسي أم يبعث الطمأنينة؟

منذ كنت في الخامسة عشرة من عمري وأنا أساعد أبي في هذه المكتبة، وها قد مر من عمري مثلها، وكلما غاب رواد المكتبة والزبائن وسئمتُ القراءة، أنتبه أني في الجلسة هنا وأمام ذات النقش. صحيح أني درست خلال هذه الفترة في الجامعة، وتزوجت وصرت أباً، ولكن كأن الزمن لم يمر، لا على النقش في الخارج ولا على هذه المكتبة.

أغمض عيني وأصغي إلى حديث الجيران في السوق، هديل الحمام في النافذة، ومرور شاب بعربته فجأة صارخاً (أوعا أوعا). أرفع نظري إلى الرف فوق الباب، الكتب التي ترقد عليه هي نفسها منذ وضعها أبي فوقه، كي يضمن عدم بيعها».