التفاحات التي ألقاها كريستوفر نولان في «الأوديسة»

غياب التمثيل اليوناني في الفيلم لم يحدث سهواً

كريستوفر نولان
كريستوفر نولان
TT

التفاحات التي ألقاها كريستوفر نولان في «الأوديسة»

كريستوفر نولان
كريستوفر نولان

لم يعد فيلم كريستوفر نولان «الأوديسة» بْلَكْبسْتر (blockbuster ) فحسب، بل تحول وبسرعة خاطفة إلى «سوشيال ميديا بلكبستر/social - media blockbuster» باجتياحه الفضاء السيبراني، بهيمنته على وسائط التواصل الاجتماعي. أعداد لا تحصى يتزاحمون ويتدافعون بالأصوات والكتابات ومقاطع الفيديو، كلّ يسعى ليجد مساحة لرأيه أو نقده.

كمٌ كبير من الآراء والتعليقات، عبارات الإعجاب أو الاستياء، أجادل بأن نولان حمّل فيلمه بعض ما يثيرها، ويحفز على طرحها، أو طرح بعضها، وذلك برميه مجازياً، بقصد أو دون، ما أسميها «تفاحات جدل» في فيلمه؛ فكرة اِستللتها من الأسطورة الإغريقية، من حكاية إيريس إلهة الخلاف والنزاع وتفاحتها الذهبية، «تفاحة الخلاف/apple of discord»، التي كانت، وفقاً للأسطورة، السبب الجذري في اشتعال فتيل حرب طروادة.

مشهد من الفيلم

إيريس تقتحم العرس وتلقي التفاحة

لم تُدْعَ إيريس إلى عرس بليوس وثيتِس، فجاءت غاضبةً وألقت في وسط الحفل تفاحة ذهبية كتب عليها «للأجمل». فتدافعت الآلهات حولها، كل واحدة تروم خطفها لاعتقادها أنها الأجمل، وانتهى النزاع بتصفية شملت ثلاث آلهات: هيرا، وأثينا، وأفروديت. ولمّا لم يتطوع أحد من الآلهة لفض النزاع بينهن، أرسل زيوس هرمز إلى الأمير الطروادي باريس ليقنعه بأن يكون حكماً بين المتنازعات. جاء باريس فانحاز إلى أفروديت، وحكم بأنها الأجمل لأنها وعدته بحب أجمل امرأة في العالم: هيلين زوجة مينلاوس ملك إسبرطة. ومن إسبرطة كان الهروب العظيم إلى طروادة.

تفاحة الغياب اليوناني

تحول خلو قائمة الممثلين (الكاست) في «الأوديسة» من أي ممثل يوناني إلى «تفاحة جدل» أثارت الانتقاد لفيلم هو ترجمة سينمائية لملحمة شعرية يونانية، لا وجود فيه ليوناني أو ليونانية بين ممثلين متعددي الأعراق والهويات. هل تعمد نولان أن يكون ذلك مثار جدل؟ أمر يصعب نفيه أو تأكيده. لكن الأكيد أن غياب التمثيل اليوناني في الفيلم لم يحدث سهواً. وما لا يحتاج إلى تأكيد أنه كان لنولان الحرية في إضافة أو عدم إضافة ممثل يوناني. وليس في عدم مشاركة يوناني في «الأوديسة» إساءة أو إهانة لليونان واليونانيين. فمشاركته قد لا تشكل إضافة مهمة إلى الفيلم، وقد لا يلفت وجوده انتباه المشاهد، ناهيك عن تذكره، كما حدث في حال بعض من ساهم وجودهم في تشكيل التعددية العرقية والهوياتية في الفيلم. انتقاد «الأوديسة» بسبب هذا الغياب قد لا يعدو كونه نقداً من أجل النقد لإحداث خدش في صورة الفيلم أو في صورة مخرجه.

وليس ضرورياً أن يشارك ممثل يوناني في «الأوديسة» ؛ مثلما أنه ليس مطلوباً من مخرج أميركي، مثلاً، الاستعانة بممثلين وممثلات من السعودية عندما يكيف/يترجم رواية سعودية للشاشة، أو يستعين بممثلين أجانب عندما يعيد إنتاج «remake» فيلم أجنبي أنتج في بلدهم.

مشهد من الفيلم

تفاحة التحول المثيرة والممتعة

إِليوت بيج، المتحول جنسياً، تفاحة الجدل الثانية التي ألقاها نولان في «الأدويسة»، أو لم يلقها قاصداً الإثارة. لكن إعلام اليمين المحافظ حوّل مشاركته إلى تفاحة جدل أثارت زوبعة قبل إطلاق الفيلم بسبب شائعات بأنه سيلعب دور أخيل البطل الأسطوري. جاء النقد عنيفاً عبر وسائط التواصل الاجتماعي. واستمرت الانتقادات حتى بعد إطلاق الفيلم، بعدما تبين أنه يلعب دور الجندي سينون، بحجة هويته الجندرية «transgender» وصغر جسمه.

في كلتا الحالتين، بيج تفاحة جدل تثير الشهية للكتابة عن علاقة التحول والتحويل بـ«الأوديسة»، وبالمخرج وبآلاف المشاهدين. فدُون التحول/التحويل لم يصبح «الأوديسة» فيلماً يملأ مشاهدوه صالات السينما، ولم يتدفق هذا الفيض من التعليقات. فصنعه قام فكرةً وتنفيذاً على تحويل «transformation» الملحمة الشعرية «الأوديسة» إلى ملحمة سينمائية.

تحولات المخرج والمشاهدين

التحويل، أو التحول، لم يطل نص الملحمة فحسب، بل تعرض له المخرج نولان نفسه. فخلال اشتغاله، تكييفاً أو تحويلاً أو ترجمةً، تحول نولان إلى إغريقي، أو لأقُل، إلى شبيه بالمسرحيين الإغريق القدماء مثل سوفوكليس وأسخيلوس، ويوربيديس، الرواد بتحويلهم حكايات من الموروث الأسطوري الإغريقي، إلى مآسٍ «تراجيديات». فالمأساة «أوديب ملكاً»، مثلاً، لم تنبت من خيال سوفوكليس. كانت أسطورة عالجها سوفوكليس درامياً ليحولها إلى عرض مسرحي. وكذلك فعل أسخيلوس في مسرحية «أغاممنون»، وفعل نولان مثل فعلهم في «أوديسة» هوميروس، التي هي نتيجة تحويل وتكييف أيضاً.

ولم يكن نولان لوحده في تحوله إلى إغريقي أو شبيه بالإغريقي، كان مثله كثيرون ممن شاهدوا الفيلم، الذين قرأوا «الأوديسة» قبل تفكيره في صنع فيلم مبني عليها، أو الذين درّسوها أو دَرَسوها، أو الذين تقاطروا إلى المكتبات لشرائها وقراءتها قبل إطلاق الفيلم. فتحولوا إلى إغريق مجازياً. فقد كان الإغريقيون القدماء يذهبون لمشاهدة تراجيديات سوفوكليس وأسخيلوس ويوربيديس حافظي قصصها عن ظهر قلب؛ لأنها مستلهمة من موروثهم الأسطوري. فكان ذهابهم للمسرح ليس لمشاهدة ما يحدث، بل لمشاهدة كيف يحدث؛ كيف يُؤول ويمسرح كل واحد من أولئك المسرحيين «المحتوى» الذي اقتطعه من كتلة الأساطير، وكيف يضيف أو يغير بعض التفاصيل أو الشخصيات وترتيب الأحداث.

هذا الكم الهائل من التعليقات التي تزدحم بها وسائط التواصل الاجتماعي دليل على أن الكثيرين من مشاهدي «الأوديسة» كانوا كالمشاهدين اليونانيين القدماء، استمتعوا بملاحظة «كيف» المعالجة السرد سينمائية قدر استمتاعهم أو ربما أكثر بمتابعة الأحداث.

بيج في الفيلم المناسب

عجيبٌ انتقاد نولان لاختياره ممثلاً متحولاً. في رأيي، بيج اختيار مناسب للظهور في فيلم التحول/التحويل ثيمة مهمة فيه، فضلاً عن كون التحول ثيمة تتكرر في الأساطير الإغريقية مخزن التحولات، الدائمة والمؤقتة. في الفيلم تتجسد ثيمة التحويل/التحول في مشهد سيرسي وتحويلها رفاق أوديسيوس إلى خنازير. أما في الأوديسة الملحمة فيظهر إله التحولات، بروتيوس (Proteus)، إله البحر الصغير الأقل شأناً من بوسايدون وتحت سلطته. منحه بوسايدون القدرة على قول الحقيقة وتغيير شكله. يظهر في الكتاب الرابع «من «الأدويسة» - كتاب مينلاوس وهيلين. اُشْتُقَّتْ من اسمه الصفة الإنجليزية «بروتيان/ Protean» وتعني متعدد المهارات والبراعات، المتحول والمتقلب، القادر على اتخاذ أشكال متعددة ومختلفة، والمتمتع بالمرونة والقدرة على التكيف. استهللت بالكتابة عنه مقالتي غازي القصيبي/ الغزاة القصيبيون: الذات البروتيانية وإشكالية كتابة السيرة الكاملة (الراوي، ع 21، سبتمبر 2009).

أخيل عذراء تتهرب من الحرب

الطريف أن انتقاد الفيلم بناءً على إشاعة قيام بيج بدور أخيل، يشكل مفارقة؛ إذ يبدو أن المنتقدين لم يقرأوا أو يسمعوا كيف حاول أخيل، في الأسطورة، التهرب من الانضمام لائتلاف الجيوش اليونانية قبل إبحارها إلى طروادة بتحوله إلى «transvestite» متشبه بالنساء، واختفاؤه في قصر الملك لايكوميديس. وعاش بين العذارى إلى أن فضح أمره أوديسيوس عندما جاء إلى مخبئه متنكراً كبائع متجول يبيع زينة نساء وسيوفاً وخناجر. فبينما أقبلت العذارى على تقليب الزينة، راح أخيل يتفحص السيوف والخناجر، رموز الفحولة والذكورية «Phallic Symbols»، ويمرر أصابعه على أنصالها. ففضح نفسه بنفسه (إديث هاملتون، ميثولوجيا، 181 - 2). التحول ثيمة متكررة في الميثولوجيا الإغريقية، فعندما يمثل شخص متحول في فيلم كـ«الأوديسة»، فإنه في المكان المناسب، لن يكون شاذاً في سياق الميثولوجيا العام، بغض النظر عن دوره.

كان الإغريقيون القدماء يذهبون للمسرح ليس لمشاهدة ما يحدث، بل لمشاهدة كيف يحدث

التفاحة التي علّقت تعليق عدم التصديق

هيلين ثمرة اغتصاب الإله زيوس لليدا - نيميسس في رواية أخرى - بعد تحوله إلى بجعة كي يصل إليها ويطفئ جمرة رغبته. حقيقة تخييلية «fictional truth» في حكاية تخييلية يتطلب الاستمتاع بها والتفاعل معها تعليق عدم التصديق «suspension of disbelief». هذا ما يحدث عندما يقرأ الناس الحكايات والروايات والأساطير، أو يشاهدون المسرحيات والأفلام، حتى عندما تكون القصص في منتهى الفانتازية والغرائبية. ممارسة مستمرة منذ ظهرت عند الإنسان ملكة الخلق التخييلي. وعلى مدى تاريخ الأسطورة الإغريقية، صدَّق الناس قصة هيلين التي فقست من بيضة، وتقبلوها، وصدقوا أنها أجمل امرأة في العالم. لكن سواد هيلين/لوبيتا نيونغو في «الأوديسة» عطَّل «تعليق عدم الصديق» عند من بهم مس من العنصرية. وراحوا يطالبون بالدقة التاريخية، في فيلم مبني على ملحمة هي تخييل في تخييل.

هيلين السوداء تفاحة جدل تعمَّد نولان إلقاءها في فيلمه، ممارساً حريته في تأويل الحكاية وسردها وترتيب أحداثها والحذف والإضافة إليها وفقَ رؤيته الإبداعية. لكن يبدو أنه لم يتوقع أن تتشكل في أذهان بعض المشاهدين صورة، لهيلين وأختها، لا تنجو من الخدش بالعنصرية. إيحاءات بالصورة النمطية القديمة للمرأة السوداء في الثقافة الغربية تتولد من سياق تقابل ومجاورة «juxtaposition» صورة هيلين السوداء، الخائنة المعتذرة ندماً، الفاتنة القاتلة (la femme fatale)، التي تسببت بموت الآلاف، وأختها الخائنة والقاتلة مع صورة بينيلوبي، البيضاء، رمز الوفاء ومثال «الملاك في البيت».

* كاتب وناقد سعودي


مقالات ذات صلة

70 عاماً وجيلان صنعا مجد «دار الآداب» وتاريخها

ثقافة وفنون 70 عاماً وجيلان صنعا مجد «دار الآداب» وتاريخها

70 عاماً وجيلان صنعا مجد «دار الآداب» وتاريخها

بعد جيلين صنعا مجد «دار الآداب»، وبمناسبة الاحتفال بمرور 70 سنة على انطلاقتها، تتحدث مديرة الدار رنا إدريس لـ«الشرق الأوسط» عن تاريخ وكواليس واحدة من أعرق...

سوسن الأبطح (بيروت)
ثقافة وفنون «مناظير الثقافة... مقالات في الأدب والحياة» لنادية هناوي

«مناظير الثقافة... مقالات في الأدب والحياة» لنادية هناوي

«مناظير الثقافة... مقالات في الأدب والحياة» كتاب جديد يضاف إلى سلسلة المؤلفات للباحثة والناقدة الدكتورة نادية هناوي.

«الشرق الأوسط» (بغداد)
ثقافة وفنون «ألف باء الفن» لإريك غريزيمكوفسكي بالعربية

«ألف باء الفن» لإريك غريزيمكوفسكي بالعربية

صدر حديثاً عن «منشورات رامينا» في لندن كتاب «ألف باء الفن» للكاتب الأميركي إريك غريزيمكوفسكي، بترجمة محمد السعدي

«الشرق الأوسط» (لندن)
كتب «معرض بيروت للكتاب» يعود موحداً وبلغات عدة

«معرض بيروت للكتاب» يعود موحداً وبلغات عدة

عشرة أيام ثقافية جامعة، يعيشها اللبنانيون بفضل «معرض بيروت العربي الدولي للكتاب» في دورته السابعة والستين، الذي ينظمه هذه السنة، «النادي الثقافي العربي».

سوسن الأبطح (بيروت)
كتب الكتاب السياسي في قلب المعركة الثقافية

الكتاب السياسي في قلب المعركة الثقافية

حقّق كتاب «نهب القرن» للبرلمانية الأوروبية سارة كنّافو، المنتمية إلى حزب «ريكونكيت» اليميني المتطرف، نجاحاً استثنائياً في السوق الفرنسية

أنيسة مخالدي (باريس)

70 عاماً وجيلان صنعا مجد «دار الآداب» وتاريخها

رنا إدريس
رنا إدريس
TT

70 عاماً وجيلان صنعا مجد «دار الآداب» وتاريخها

رنا إدريس
رنا إدريس

بعد جيلين صنعا مجد «دار الآداب»، وبمناسبة الاحتفال بمرور 70 سنة على انطلاقتها، تتحدث مديرة الدار رنا إدريس لـ«الشرق الأوسط» عن تاريخ وكواليس واحدة من أعرق دور النشر العربية وأقدمها. وهنا نص الحوار...

وضع سهيل إدريس وشريكة حياته عايدة مطرجي النواة الأولى لـ«دار الآداب»، ثم لعب الأولاد رنا وسماح ورائدة، كل منهم دوره في تطوير العمل وتحديثه. أما الحفيدة تالا فهي جاهزة لأداء المهمة، حين يطلب منها ذلك. 7 عقود من النشر والأدب سيحتفى بها في «معرض بيروت العربي الدولي للكتاب» بدءاً من التاسع من الشهر الحالي، بالموسيقى والندوات والتواقيع. ويعقد حوار يوم الأحد المقبل، بين د. بلال الأرفه لي ورنا إدريس تتحدث فيه عن تجربتها.

تقول رنا لـ«الشرق الأوسط»: «الدار لم تستمر بالصدفة، كان ثمة تحضير مبكر لي ولإخوتي على العمل». وتكمل: «عشنا في الدار وكبرنا. شربنا الكتب مع الحليب. ولا أذكر أننا جلسنا على غداء، إلا وكان حديث عن كتاب أو ترجمة».

خلال حياته قسّم سهيل إدريس المسؤوليات. ابنته رنا تتسلم دار النشر، ابنه سماح يدير مجلة «الآداب»، زوجته الدكتورة عايدة لها الطباعة والمستودعات. وسهيل إدريس تفرغ بعد الأدب والترجمة، للقواميس حتى أنجز «المنهل» الفرنسي - العربي، بالتعاون مع جبور عبد النور.

سهيل إدريس

المجلة أولاً

«دار الآداب» ولدت من رحم مجلة «الآداب». عام 1953 أوكلت «دار العلم للملايين» إصدار المجلة إلى سهيل إدريس، وهو في أواخر عشريناته. بعد 3 سنوات تزوج ممن ستصبح شريكة حياته عايدة مطرجي. شعر أن طموحاته وجرأته تذهبان أبعد من الممولين، فشجّعته والدته وزوجته عايدة على شراء المجلة، ثم باعتا مصاغهما، واشتراها. هكذا صارت «الآداب تساوي ثقلها ذهباً». في السنة نفسها، أي 1956، ولدت «دار الآداب» للنشر. شعر سهيل إدريس أن المرحلة تحتاج نشر نصوص كبيرة، والرواية يجب أن تكون لها مكانتها، خاصة أنه أصدر روايته الأولى «الحي اللاتيني».

كان مركز الدار بناية درويش في «الخندق الغميق». في تلك المنطقة توجد غالبية دور النشر. انتقلت بعدها «الآداب» قرب الجامعة العربية حيث كان سهيل إدريس يدرّس الترجمة، ومن ثم إلى «طريق الجديدة»، منطقة منظمة التحرير الفلسطينية. تتذكر رنا كيف كان محمود درويش يسكن قريباً من هناك وليانة بدر ومثقفون فلسطينيون كثر يترددون على الدار.

سماح إدريس

الكتب وقود الحروب

الحروب لم تكن رحيمة بـ«دار الآداب». قصف الطيران الإسرائيلي عام 1978 منزل العائلة وقضى على مكتبة سهيل إدريس. احترقت كتب حملت إهداءات سيمون دوبوفوار، جان بول سارتر، ريجيس دوبريه، نجيب محفوظ، يوسف السباعي. وكان قبلها جزء كبير من أرشيف «دار الآداب» قد فقد خلال ثورة 1958.

«حزن والدي كثيراً على ضياع مكتبته. وانتقلت الدار إلى ساقية الجنزير». عاشت العائلة في دار النشر، أو العكس: «في فترة ما كان المنزل ودار النشر متقابلان، ووالدتي تترجم في الدار وتذهب لترضع سماح في الشقة المقابلة. الشيء نفسه بالنسبة للطبخ. كم من مرة احترقت الطبخة، وهي مشغولة في الدار». رنا عاشت الظروف نفسها: «جاء ذات مرة نزار قباني، وحين طلب منه أن ينتظر انتهائي من إرضاع ابنتي، قال ممازحاً: وهل أنا في حضانة!».

تتذكر رنا: «لم نجلس مرة إلى الغداء إلا وأسمع أمي وأبي يتحدثان عن ترجماتهما. تناقشا ذات جلسة، كيف يترجمان عنوان (الغريب) لألبير كامو ويميزانه عن عنوان كتاب كولن ولسون. وقررا بعد أخذ وردّ أن يسميا مؤلف الأخير (اللامنتمي)».

في البداية، انكبت الدار على ترجمة كتب الوجوديين، من سارتر إلى كامو وكولن ولسون. عنيت بالفكر اليساري، وكتب ماركيز، وماركس، وماو تسي تونغ، ومذكرات بن بلة: «اهتموا بسارتر بسبب موقفه المؤيد لتحرير الجزائر، وبيانه (عارنا في الجزائر)». تقول رنا: «كان أبي مصرّاً على ترجمته وتسويقه، لا لفكرة الحرية فقط، بل لأنها عنده مقرونة بالمسؤولية وليست مطلقة».

هذا انعكس على طبيعة منشورات المجلة التي شجّعت القوالب الجديدة في شعر نازك الملائكة والسياب وأحمد عبد المعطي حجازي.

كان سهيل إدريس جريئاً، حماسياً، نهضوياً في عروبته، من هنا خلافه مع رواد مجلة «شعر»: «كان حريصاً على اللغة العربية. ولا يرى النجاة إلا عبر الوحدة. رأى أنه إذا تم الاستفراد بنا واحداً وراء آخر فسنؤكل، وإذا لم نقف مع الجزائر وفلسطين فسيأتي دورنا جميعاً»، تقول رنا. واللغة العربية هي القادرة على جمعنا. «لهذا لم يكن ينظر بارتياح إلى مجلة (شعر)، وانفتاحها على العامية. شعر أن ثمة أيادي غريبة وراءها. ليست ريبة اتجاه كل كتّابها، وإنما لم يرتح لتوجهها السياسي».

بعد ثورة شمعون

بعد عام 1958، اهتمت الدار بطباعة الرواية العربية. نشرت لأصوات جديدة، أبرزها نجيب محفوظ، وروايات لحنان الشيخ وغادة السمان التي بقيت مع «دار الآداب» حتى زواجها من صاحب «دار الطليعة» بشير الداعوق. «ثم جاءت موجة حنا مينة، الذي كنا نطبع له من الكتاب 5 آلاف نسخة، ومن ثم تتوالى الطبعات. كولن ولسون كنا نطبع له 10 آلاف. لقد كان من بين الأكثر مبيعاً».

كما نشرت الدار كتب جبرا إبراهيم جبرا، ولكتّاب آخرين، واستمرت الترجمات. قرّر سهيل إدريس التوقف عن طباعة كتب سارتر بسبب موقفه السلبي من فلسطين. وبقي كذلك حتى عودة رنا من أميركا، حيث تمت مراجعة كتبه وإصدارها.

الحروب لم تكن رحيمة بـ«دار الآداب»... فقد قصف الطيران الإسرائيلي عام 1978 منزل العائلة وقضى

فلسطين أولاً

فلسطين بالنسبة للدار والمجلة قضية محورية. ومع اندلاع الحرب الأهلية اللبنانية عام 1975 وضياع المكتبة الشخصية، بدأ القلق يكبر والإنتاج يتراجع. صار الهمّ الأكبر لسهيل إدريس أن تبقى المجلة في بيروت. «نظراً لعنف الأحداث، وبطلب من أصدقائه، اقتنع بأن يصدر المجلة من بغداد. لكنه كان العدد الأول والأخير الذي يصدر خارج لبنان، بسبب ضغوطات الرقابة الكثيرة التي تعرضت لها».

وهي تتبع مسار «الآداب»، تتذكر رنا إدريس ظاهرة أحلام مستغانمي: «لا يوجد كاتب حقق مبيعات في العالم العربي كما أحلام. كانت ظاهرة كما نزار قباني. (ذاكرة الجسد) أحدث دوياً آخر الثمانينات. من وقتها لم نعد نرى اسماً واحداً يحلّق في المبيعات. يمكننا الحديث عن ظاهرة إليف شافاك، مؤخراً، خاصة كتابها (قواعد العشق الأربعون)، ولكن ليس عن كاتب عربي».

رنا إدريس: الدم الجديد

عادت رنا إدريس عام 1986 من أميركا، بطلب من والدها، بعد أن مضت 5 سنوات وهي تحضر للدكتوراه. قال لها إن الدار بحاجة إلى دم جديد، ويمكنها إكمال الدكتوراه من لبنان، خاصة أن شقيقها سماح يتحضّر للذهاب إلى جامعة كولومبيا، وشقيقتها رائدة تزوجت وسافرت إلى أميركا.

عادت رنا متحمسة للتجديد. كانت موضة اليابان قد بدأت في نيويورك: «قلت لوالدي: كل شيء هناك ياباني. ويجب أن نفهم كيف زاوجوا بين التقليد والحداثة». كانت قد قرأت كتباً يابانية، واقترحت إصدار سلسلة من الأدب الياباني في 15 رواية. وهكذا كان. ترجم سهيل إدريس رواية كواباتا «حزن وجمال»، وترجمت عايدة رواية يوكيو ميشيما «البحار الذي لفظه البحر»، ومن بعدها صدر بالعربية كثير من الأدب المترجم عن اليابانية.


«مناظير الثقافة... مقالات في الأدب والحياة» لنادية هناوي

«مناظير الثقافة... مقالات في الأدب والحياة» لنادية هناوي
TT

«مناظير الثقافة... مقالات في الأدب والحياة» لنادية هناوي

«مناظير الثقافة... مقالات في الأدب والحياة» لنادية هناوي

«مناظير الثقافة... مقالات في الأدب والحياة» كتاب جديد يضاف إلى سلسلة المؤلفات للباحثة والناقدة الدكتورة نادية هناوي.

ويضم الكتاب الصادر مؤخراً عن منشورات الاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق مقالات غير موزعة بحسب تواريخ نشرها في الصحف والمجلات، ولكنها مرتبة بحسب ما تحويه من أفكار وآراء.

وهي تتوزع ما بين النقد الأدبي والبحث العلمي ومسائل النسوية والثقافة العربية والفكر والجمال. والغالب على المقالات أنها مخصوصة بالشأن العربي، كشفاً ومعالجة لظواهره الأدبية من شعر وسرد ونقد ونظرية أدبية وإبستمولوجيا، وما يتصل بذلك من موضوعات مجاورة للنقد الأدبي كالتاريخ والفلسفة والاجتماع والأنثروبولوجيا والفلسفة وعلم الجمال وتاريخ الأفكار. هذا فضلاً عن رصد الظواهر الثقافية المحلية خاصة، وظواهر الوضعين السياسي والحياتي في البلاد العربية بصفة عامة.

تقول المؤلفة في المقدمة: «درجتُ في كتبي السابقة على جعل كل واحد منها بوحدة موضوعية، تلتم فيها الأطراف، وتدار حولها الطروحات والأفكار. ولم ألجأ إلى جمع مقالاتي المتناثرة هنا وهناك ونشرها في كتاب مستقل كما يفعل بعض الزملاء النقاد.


«ألف باء الفن» لإريك غريزيمكوفسكي بالعربية

«ألف باء الفن» لإريك غريزيمكوفسكي بالعربية
TT

«ألف باء الفن» لإريك غريزيمكوفسكي بالعربية

«ألف باء الفن» لإريك غريزيمكوفسكي بالعربية

صدر حديثاً عن «منشورات رامينا» في لندن كتاب «ألف باء الفن» للكاتب الأميركي إريك غريزيمكوفسكي، بترجمة محمد السعدي، في إصدار عربي يقدّم للقارئ مدخلاً واسعاً وميسّراً إلى عالم الفن وتاريخه ومدارسه وأبرز فنانيه، ويتنقل بين النظريات والحركات الفنية والمتاحف والأعمال التي أسهمت في تشكيل تاريخ الفن وتحوّلاته عبر العصور.

ينطلق غريزيمكوفسكي في كتابه من فكرة أساسية تتمثل في تحرير الحديث عن الفن من الشعور بالرهبة الذي قد تثيره الكتب الفنية المتخصصة لدى القارئ الذي لا يمتلك تكويناً أكاديمياً في هذا المجال. ويشير في مقدمته إلى أن كثيراً من الكتب تفترض مسبقاً معرفة القارئ بمفاهيم مثل المنظور ونظرية اللون والخطوط والأشكال، في حين يسعى «ألف باء الفن» إلى البدء من هذه الأسس نفسها، وتقديم الأساليب والحركات والوسائط الفنية بطريقة يسهل فهمها، بالتوازي مع سرد حكايات عدد من أبرز الفنانين والتعريف بالمصطلحات الضرورية لفهم الأعمال الفنية ومناقشتها.

ويمنح هذا التصور الكتاب طابعاً موسوعياً مبسطاً، إذ لا يتعامل مع تاريخ الفن كسرد زمني متصل بقدر ما يفتحه أمام القارئ على هيئة موضوعات مستقلة ومترابطة في الوقت نفسه، بحيث يستطيع الانتقال بين الفنانين والمدارس والمفاهيم والمتاحف وفق اهتمامه الخاص. ويشبّه المؤلف الكتاب، في مقدمته، بمتحف يضم «قاعات» مختلفة لموضوعات تنتمي إلى أمكنة وأزمنة متباينة، بما يسمح للقارئ بالدخول إلى الفن من أبواب متعددة، من دون اشتراط معرفة مسبقة أو مسار قراءة صارم.

ويتوزع الكتاب على عشرات الموضوعات التي ترسم خريطة واسعة للفنون البصرية، بدءاً من نظرية اللون، وباوهاوس، والعلاج بالفن، والفن الجديد، والدادائية، والانطباعية، مروراً بالتكعيبية، والسريالية، والفن الحديث، والفن التجريدي، وفن عصر النهضة والمستقبلية، والباروك، والفن الشعبي، وصولاً إلى موضوعات مثل المنظور، ونظرية الجشطالت، وعناصر الفن ومبادئه، والنحت، والتصوير الضوئي، والألوان المائية، ورسومات الكهوف، وفن الجسد، والنسبة الذهبية وتحطيم الأيقونات.

ومن بين الموضوعات التي يتوقف عندها الكتاب «نظرية اللون»، إذ يشرح موقع اللون بين العناصر الأساسية للعمل الفني، وعلاقته بالخط والخامة والشكل، وكيف يستخدمه الفنان في توجيه عين المشاهد وبناء المزاج البصري للعمل، ثم ينتقل إلى مزج الألوان والألوان المتكاملة والجمعية والطرحية ودرجات اللون وتأثيراتها. كما يتناول مدرسة باوهاوس، التي أسسها والتر غروبيوس في ألمانيا عام 1919، ويشرح فلسفتها القائمة على الجمع بين الفنون الجميلة والحرف والتصميم، وعلاقتها بالصناعة والإنتاج الحديث، وصولاً إلى أثرها اللاحق في التصميم والعمارة.

ولا يتوقف «ألف باء الفن» عند الأعمال التي استقرت مكانتها في تاريخ الفن، إذ يفتح النقاش أيضاً على الأسئلة والخلافات التي رافقت بعض التجارب الفنية. ويخصص، على سبيل المثال، فصلاً لبانكسي تحت عنوان «بانكسي: فنان أم تهديد؟»، بما يضع القارئ أمام النقاش حول فن الشارع وحدود المؤسسة الفنية، كما يتناول إعادة التوظيف الفني وفن الجسد والفن العام، وهي موضوعات تكشف عن اتساع مفهوم الفن وتحولاته المستمرة.

ويستفيد الكتاب من الصور والرسوم في تقريب موضوعاته، إذ تحضر نماذج من أعمال فنانين ومدارس مختلفة إلى جانب الشروح، من «ليلة النجوم» لفنسنت فان غوخ وأعمال بول سيزان ومان راي وجورجيا أوكيف إلى أعمال دييغو ريفيرا وإدوارد هوبر وصور أنسل آدمز، بما يمنح القارئ فرصة للربط بين المفهوم النظري والمثال البصري.