نهر القذافي «الصناعي» مهدد بالاعتداءات وانقطاع الكهرباء

عمّاله يستذكرون حقبة العقيد بحسرة بعد تراجع مداخيلهم

جانب من أعمال الصيانة بمسار «النهر الصناعي» (أرشيفية من إدارة النهر الصناعي)
جانب من أعمال الصيانة بمسار «النهر الصناعي» (أرشيفية من إدارة النهر الصناعي)
TT

نهر القذافي «الصناعي» مهدد بالاعتداءات وانقطاع الكهرباء

جانب من أعمال الصيانة بمسار «النهر الصناعي» (أرشيفية من إدارة النهر الصناعي)
جانب من أعمال الصيانة بمسار «النهر الصناعي» (أرشيفية من إدارة النهر الصناعي)

بات «النهر الصناعي العظيم» الذي شيده الزعيم الليبي الراحل معمر القذافي قبل أكثر من 4 عقود، مهدداً بأخطار جمّة، على الرغم من أنه يعد شرياناً ضرورياً وحيوياً لليبيين كافة.

وكان الحديث عن تدشين هذا النهر في ليبيا يُثير بعض التندر لدى قطاعات متحفظة على فكرته، وتقلل من أهميتها، لكن الآن، وبعد مرور أكثر من 4 عقود، أثبتت التجربة راهناً أن تعطّل بعض مساراته في نقل المياه الجوفية من الجنوب إلى الشمال يهدد الليبيين بالعطش.

فنيون بجهاز تنفيذ وإدارة مشروع النهر الصناعي (إدارة النهر الصناعي)

* عمال النهر يشتكون

خلال الأيام الماضية اختبر الليبيون أهمية هذا الشريان، لا سيما مع تعطّل العديد من آباره عن العمل، بعد أزمة انقطاع الكهرباء التي يعاني منها جُل المدن هذا الصيف، فضلاً عن شكاوى عماله وموظفيه من تراجع دخولهم مقارنة بحقبة القذافي، متمنين الموت لأنهم لا يستطيعون إطعام أطفالهم.

وعبّر ليبيون عديدون عن انزعاجهم وصدمتهم من شكاوى عمال النهر، التي نقلها نقيب موظفيه، أمين جعودة، وتحدث خلالها عن تدني مستوى معيشتهم، منتقداً السلطات الحاكمة في ليبيا.

وقال جعودة في حوار مع «تلفزيون المسار» المحلي، الخميس، إن «هناك عاملين في منظومة النهر يبيعون الخبز حتى يستطيعوا الإنفاق على أسرهم. نريد من السلطات أن تهتم بنا، فقد هرمنا ولا أحد يهتم بنا. نتمنى الموت حالياً، فنحن لا نستطيع أن نطعم أولادنا».

تعود فكرة النهر الصناعي التي دعمها معمر القذافي عندما اكتشفت شركات عالمية مخزوناً كبيراً من المياه الجوفية (رويترز)

وأبدى جعودة حسرته على حقبة القذافي، قائلاً: «حال الموظفين في منظومة النهر كان أفضل في حقبة القذافي؛ لكنهم اليوم يتمنون الموت لأنهم لا يستطيعون إطعام أطفالهم».

ودخل محمد عمر بعيو، رئيس المؤسسة الليبية للإعلام التابعة للحكومة المكلفة من مجلس النواب، على خط الأزمة، وقال: «حين تصل معاناة موظفي النهر الصناعي لتمنّي الموت، فذلك يعني أن الليبيين قد يموتون عطشاً إذا استمر تخريب مصدر الحياة». وتابع متسائلاً في إدراج له عبر حسابه على «فيسبوك»: «إلى متى تساقون إلى الموت وأنتم تنظرون؟».

وقبل 44 عاماً من الآن، هتفت الجماهير الليبية التي أحاطت بالقذافي: «شق الصحراء، (الفاتح)... ثورة صناعية (الفاتح)»، وذلك عندما كان يعلن وسط حضور جماهيري عن تدشين «النهر الصناعي العظيم» عام 1984.

فنيون خلال عملية صيانة بمسار النهر الصناعي (إدارة النهر الصناعي)

وتعود فكرة النهر عندما اكتشفت شركات عالمية للتنقيب عن النفط عام 1953، مخزوناً كبيراً من المياه الجوفية، وبعد سنوات من مجيء القذافي للحكم تبلورت الفكرة ليعلن في عام 1984 عن بدء تنفيذ المشروع لنقل المياه عبر أنابيب ضخمة تحت الأرض من عمق الصحراء.

ومنذ سقوط نظام القذافي عام 2011، لم تتوقف الاعتداءات على «النهر الصناعي» من التشكيلات المسلحة، وأصحاب «المصالح الفئوية»، فضلاً عن حدوث تعديات على مساره بإنشاء وصلات غير مشروعة للشرب أو لري الأراضي، ثم تعطل بعض مساراته مؤخراً بسبب انقطاع الكهرباء.

* مصدر رئيسي للمياه

يُعدّ النهر المصدر الرئيسي للمياه النقية بالنسبة لغالبية سكان ليبيا، كما يوصف بأنه «أضخم مشروع لنقل المياه الجوفية في العالم كله»، بتكلفة بلغت حينها 35 مليار دولار، حيث وفر منذ عام 1991 المياه لمناطق ليبيا، التي كانت في السابق تعتمد على محطات تحلية المياه، وعلى طبقات المياه الجوفية القريبة من الساحل.

وقال «جهاز تنفيذ وإدارة مشروع النهر الصناعي» إنه «رغم تكرار انقطاع الكهرباء، فإن موقعي (السرير) و(تازربو) في الجنوب الشرقي حافظا على إنتاج مليون متر مكعب يومياً من المياه»، وأوضح في تصريح صحافي، مساء الخميس، أن فرق التشغيل والصيانة تمكنت من المحافظة على معدل إنتاج المياه عند حدود مليون متر مكعب يومياً، رغم تعرض الحقلين لأكثر من 7 حالات انقطاع للتيار الكهربائي خلال شهر واحد.

فنيون خلال إجراء إصلاحات على أحد مسارات النهر الصناعي (جهاز تنفيذ وإدارة مشروع النهر الصناعي)

وتعرضت ليبيا للإطفاء التام مرتين خلال الأيام الماضية، بسبب ضعف في شبكة الكهرباء، ونقص في إمدادات الغاز. وتتنازع إدارة النهر إدارتان: الأولى في طرابلس غرباً، والثانية في بنغازي شرقاً. وسبق أن اشتكت إدارة النهر من «نقص التمويل»، وتتعدد مصادر تمويله، من بينها مساهمة شركة «البريقة» لتسويق النفط بقيمة 240 مليون دينار ليبي سنوياً، والتي تغطي 25 في المائة من ميزانية التشغيل والصيانة.

ودافع الجهاز عن الجهود الفنية لموظفيه، وقال إنها «أسهمت في ضمان استمرار تدفق المياه إلى المدن والقرى، من خلال إدارة وتوجيه الإمدادات، بما يلبي مختلف الاستخدامات دون تسجيل أي نقص، مع المحافظة على سلامة منظومة نقل المياه، وعودة الكميات الطبيعية إلى جميع المدن والمناطق والخزانات».

ويتكون النهر من 1300 بئر يبلغ عمق أغلبها 500 متر، وتمتد الأنابيب في عمق الصحراء من الجنوب الشرقي والغربي إلى الشمال لنقل 6.5 مليون متر مكعب من المياه يومياً إلى المدن الرئيسية الكبرى، مثل الزاوية وطرابلس وبنغازي وطبرق وسرت وأجدابيا.

فنيون داخل أنبوب النهر الصناعي أثناء عملية صيانة سابقة (إدارة النهر الصناعي)

وتعمل منظومة النهر الصناعي الممتدة في عمق الصحراء الليبية على استدامة مد المدن بالمياه، رغم الصعوبات الحياتية التي عبر عنها نقيب موظفي النهر بقوله: «هناك عمال مصابون بالسرطان لا يملكون نفقة علاجهم، وقد باعوا ممتلكاتهم من أجل البحث عن دواء».

وفي ظل المخاوف على المنظومة، حذر ليبيون عديدون، من بينهم محمود شمام، رئيس مجلس إدارة مؤسسة الوسط الإعلامية، الذي نقلت عنه صفحات محسوبة على النظام السابق، على «فيسبوك»، أن النهر الصناعي «أحد أهم إنجازات جماهيرية القذافي؛ واليوم هذه المنظومة قد تنهار تحت وطأة الفساد».

وتضرر النهر من الانقسام الحكومي والسياسي في ليبيا، بحسب مسؤوليه، لكنهم شددوا على عدم تأثير ذلك على استدامة العمل، وضخ المياه لجميع الأنحاء.


مقالات ذات صلة

ما حقيقة إنشاء تركيا قاعدة جوية ليبية في «الجغبوب» قرب حدود مصر؟

شمال افريقيا جانب من عرض عسكري أجراه «الجيش الوطني» الليبي في مايو 2025 (القيادة العامة)

ما حقيقة إنشاء تركيا قاعدة جوية ليبية في «الجغبوب» قرب حدود مصر؟

تجاهل «الجيش الوطني» التعليق على تقارير تفيد بإنشاء قاعدة جوية تركية قرب الحدود المصرية، فيما اعتبرها محللون «خلطاً للأوراق» ومحاولة لإثارة الخلاف مع القاهرة.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا «الخطوط الجوية الجزائرية» تقرر استئناف رحلاتها إلى طرابلس (الخطوط الجوية الجزائرية)

«الخطوط الجوية الجزائرية» تستأنف رحلاتها إلى العاصمة الليبية

أعلن المكتب الإعلامي لرئيس حكومة الوحدة الوطنية، المعترف بها دولياً في ليبيا، أن الخطوط الجوية الجزائرية استأنفت، اليوم الأربعاء، رحلاتها المباشرة إلى طرابلس.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا رئيس مجلس النواب الليبي الصالحين عبد النبي خلال ترؤسه جلسة سابقة للمجلس في بنغازي (المكتب الإعلامي لمجلس النواب)

بعد تغيير رئاسته... هل ينتقل البرلمان الليبي إلى طرابلس؟

بعد نحو 12 عاماً من انعقاد جلساته خارج العاصمة بين طبرق وبنغازي في شرق البلاد، يقترب مجلس النواب الليبي من اختبار إمكانية العودة إلى عقد جلساته بطرابلس.

علاء حموده (القاهرة)
شمال افريقيا مقر مصرف ليبيا المركزي في طرابلس (رويترز)

«المركزي» الليبي يفتح جبهة جديدة في الصراع على قيادة المؤسسات السيادية

عاد مصرف ليبيا المركزي إلى واجهة الصراع على قيادة المؤسسات السيادية في ليبيا بعدما قبلت هيئة رئاسة مجلس النواب استقالة المحافظ ناجي عيسى.

علاء حموده (القاهرة)
شمال افريقيا ارتفاع أسعار الخبز في مدن ليبية عدة أثار موجة استياء شعبي (أ.ف.ب)

أزمة الدولار تضغط بقوة على «رغيف الخبز» في ليبيا

أثار ارتفاع أسعار الخبز في مدن ليبية عدة موجةَ استياء شعبي، منذ منتصف هذا الأسبوع، بعدما أعلن أصحاب مخابز رفع سعر الرغيف إلى نصف دينار.

جاكلين زاهر (القاهرة)

«مؤثرون» أم «منتشرون»؟ جدل حول تعريف صُنّاع المحتوى في مصر

وزير الدولة للإعلام في مصر ضياء رشوان (وزارة الدولة للإعلام)
وزير الدولة للإعلام في مصر ضياء رشوان (وزارة الدولة للإعلام)
TT

«مؤثرون» أم «منتشرون»؟ جدل حول تعريف صُنّاع المحتوى في مصر

وزير الدولة للإعلام في مصر ضياء رشوان (وزارة الدولة للإعلام)
وزير الدولة للإعلام في مصر ضياء رشوان (وزارة الدولة للإعلام)

ما زال الجدل مستمراً في مصر حول لقاء وزير الدولة للإعلام بعدد من صانعي المحتوى قبل أيام، وسط انتقادات للقاء وتساؤلات عن المعايير التي اختير على أساسها المشاركون، ومن ثم تعريف المؤثرين، وما إذا كان تحديدهم يستند إلى عدد المتابعين أم «قيمة» ما يقدمونه وقدرته على ترك أثر.

كان وزير الدولة للإعلام ضياء رشوان قد التقى، الأحد، بنحو 70 من صُناع المحتوى ضمن اللقاءات التي تعقدها الوزارة مع أطراف منظومة الصحافة والإعلام والوسائل الرقمية المؤثرة في الرأي العام، وفق بيان الوزارة الذي أطلق شرارة الجدل، حيث وصف المجموعة بأنها «نخبة من أبرز المؤثرين وصناع المحتوى الجاد بأنواعه، السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي والعلمي والتكنولوجي، ممن يبلغ إجمالي متابعيهم الدائمين على وسائل التواصل الاجتماعي أكثر من 500 مليون متابع».

إشكالية التعريف

أستاذة الإعلام في جامعة القاهرة، سارة فوزي، ترى أن نحو 25 في المائة فقط من المجموعة التي التقاها وزير الدولة للإعلام هم من يقدمون محتويات هادفة متخصصة جيدة، بينما يدور محتوى الباقين حول التندر أو السخرية أو الدخول في معارك بهدف جذب المتابعين.

وقالت: «عدد المتابعين ليس معياراً يمكن الاستناد إليه عند التعامل مع صنُاع المحتوى، فقد يتابع أحدهم ملايين المتابعين لكن التفاعل معهم قائم على الهجوم على ما يقدمونه، وليس الإعجاب به».

أما أستاذ الإعلام ونائب رئيس أكاديمية الشروق، محمد شومان، فيعتبر تعريف المؤثرين عبر وسائل التواصل الاجتماعي «إشكالية»، خصوصاً أنه «لا يوجد تعريف واحد مرجعي ملزم قانونياً لصناع المحتوى والمؤثرين حول العالم يمكن الاستناد إليه، فيتم تعريفهم بصور مختلفة مثل منشئي المحتوى عبر وسائل التواصل بهدف التأثير في الجماهير، أو فئة فاعلة ومؤثرة في الرأي العام والتسويق والقضايا السياسية».

لكنه يعدد معايير يمكن الاستناد إليها في تمييز المؤثرين من بين صناع المحتوى الكثيرين، منها «عدد المتابعين، واستمرارية النشر، وحجم التفاعل معهم، ومدى تأثيرهم الفعلي في المتابعين».

إطار تنظيمي

خبير الإعلام الرقمي والسوشيال ميديا، معتز نادي، نبَّه إلى ضرورة التفرقة بين «المؤثر» و«المنتشر»، وقال لـ«الشرق الأوسط»: «المنتشر قد يحصد ملايين المشاهدات بفضل ترند عابر أو محتوى مثير للجدل، بينما يمتلك المؤثر ثقة متراكمة لدى جمهوره، وقدرة على تشكيل القناعات وتغيير السلوك، حتى لو كان عدد متابعيه أقل؛ ولذلك لا أعتبر أرقام المشاهدات والمتابعين وحدها معياراً لقياس التأثير الحقيقي».

وأضاف: «من منظور الاتصال المؤسسي، يستطيع صناع المحتوى المساهمة في تبسيط السياسات والخدمات العامة، والتعريف بالفرص الاقتصادية والسياحية والثقافية، ونقل اهتمامات الجمهور وتساؤلاته إلى المؤسسات؛ لكن من المهم ألا تتحول هذه العلاقة إلى توظيف المؤثرين لأغراض دعائية، لأن استقلاليتهم ومصداقيتهم هما مصدر قوتهم الحقيقي في إطار حديثهم بلسان حال الناس».

وكان صناع المحتوى قد طالبوا في اجتماع وزير الدولة للإعلام بإطار قانوني يميزهم عمن يقومون بالنشر على وسائل التواصل الاجتماعي بهدف الانتشار، واقترح أحدهم أن ينضموا إلى شعبة بنقابة الصحافيين المصرية؛ وكان رد رشوان أنه لا توجد دولة في العالم استحدثت مثل هذا الكيان، ودعا المؤثرين إلى الاعتماد على أنفسهم في إيجاد مثل هذه الآلية.

عدد من صناع المحتوى خلال لقائهم وزير الدولة للإعلام يوم الأحد (وزارة الدولة للإعلام)

وأيد شومان طلب تنظيم المؤثرين وصناع المحتوى، معتبراً أن إيجاد مثل هذا الإطار سواء بنقابة أو اتحاد أو شعبة على غرار الشعب التجارية، يتيح وضع إطار تنظيمي وتعريف لهم.

وتابع قائلاً: «توفير كيان قانوني للمؤثرين مفيد لهم وللدولة، فيمكن عندها العودة إليه عند مخالفة بعضهم للمعايير والأسس المجتمعية، كما أنه سينظم في قانون واحد هذا العمل ومعاييره وأخلاقياته، ويفرض عقوبات على المتلاعبين فيه، مثل المؤثرين الذين يشترون مشاهدات ومتابعين وهميين لإيهام الجمهور بشعبية ليست حقيقية».

لكن سارة فوزي تتحفظ على استعانة الحكومة بـ«المؤثرين» دون وضع معايير محددة أو خطة واضحة وهدف لمثل هذه اللقاءات، مستبعدة أن تتمكن المجموعة التي التقاها وزير الدولة للإعلام من مساعدة الوزارة في التأثير في الرأي العام.

وقالت: «الجمهور يتابعهم لمحتوى معين، ويسهل عليه اكتشاف التحول أو التغير فيه، وعادة لا يتقبل مثل هذه التغيرات ويهجر صانع المحتوى عند تغيير طريقته المعتادة، وهو ما حدث مع الكثير من المؤثرين».

وترى أنه من الأفضل أن «تضع الحكومة خطة ومعايير واضحة، وتدعم صناع محتوى جدداً نابهين من كليات الإعلام والكليات الاجتماعية، لديهم الموهبة، ويمكن أن تمدهم بالتدريب والتأهيل اللازمين، وتساعدهم على إنتاج محتوى هادف مفيد للمجتمع، لا أن تنجذب إلى ضخامة عدد متابعين لمحتوى قد يكون تافهاً ولا يقدم شيئاً».


أسعار الطاقة تدفع الحكومة المصرية لـ«سيناريو الترشيد»

رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي خلال اجتماع حكومي (مجلس الوزراء)
رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي خلال اجتماع حكومي (مجلس الوزراء)
TT

أسعار الطاقة تدفع الحكومة المصرية لـ«سيناريو الترشيد»

رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي خلال اجتماع حكومي (مجلس الوزراء)
رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي خلال اجتماع حكومي (مجلس الوزراء)

تتجه الحكومة المصرية مجدداً إلى سيناريو «ترشيد الإنفاق»، خاصة في المجالات المرتبطة باستهلاك الطاقة، في ظل ارتفاع الأسعار العالمية، وتأثير الاضطرابات العالمية على الاقتصاد؛ غير أن تلك الخطوات أثارت تساؤلات حول ما إذا كانت ستمسَّ المواطنين عبر زيادة أسعار الوقود أو عودة «تخفيف الأحمال».

وقال رئيس الوزراء مصطفى مدبولي خلال ترؤسه اجتماعاً «للجنة المركزية لإدارة الأزمات»، مساء الاثنين، إن هناك «خطة لترشيد الإنفاق الحكومي، وإيجاد حيز مالي محدد للتعامل مع الأزمة الراهنة يتم إعدادها بالتعاون والتنسيق بين وزارتي المالية والتخطيط والتنمية الاقتصادية».

وأوضح أن الخطة تتضمن عدداً من البنود المرتبطة بترشيد الاستهلاك الحكومي في الوقود والكهرباء، والتي سبق تطبيقها عند اندلاع الأزمة، مع إيلاء الأهمية القصوى لعمليات الإنتاج والتصنيع وتعزيز التصدير للأسواق الخارجية، وترشيد الإنفاق في جميع مخصصات مجالات الدعاية والإعلان بالجهات الحكومية.

وسبق أن طبقت الحكومة المصرية خطة تقشفية «استثنائية» بعد أيام من اندلاع الحرب الإيرانية، وأقرت في شهر مارس (آذار) الماضي، حزمة إجراءات عاجلة لترشيد استهلاك الطاقة، تضمنت إيقاف إنارة الإعلانات على الطرق، وخفض الإنارة الداخلية للشوارع لأقل مستوى، وإغلاق الحي الحكومي في السادسة مساءً وإطفاء الأنوار فيه بالكامل، وإغلاق المحال والمراكز التجارية والمطاعم والمقاهي في التاسعة مساءً، قبل أن تُوقف قرار غلق المحال العامة بعد شهر من تطبيقه، وتبعه التراجع عن باقي القرارات المرتبطة بـ«الخطة الاستثنائية».

فجوة الموازنة

يأتي التوجه الحالي للحكومة في وقت تشكو فيه من وجود فجوة في الموازنة العامة التي بُنيت على سعر 75 دولاراً لبرميل النفط، بينما ارتفع حالياً إلى نحو 107 دولارات وفقاً لأرقام وزارة البترول؛ فيما أكد مدبولي، الشهر الماضي، أن كلفة شحنات الطاقة المستوردة تضاعفت مقارنة بما كانت عليه قبل عامين.

حافلات على أحد الطرق الرئيسية في مصر (وزارة النقل)

وقال الخبير الاقتصادي علي الإدريسي إن خطة «الترشيد» مجدداً مهمة وإيجابية، وبحاجة لأن تتكامل مع إجراءات أخرى تهدف إلى تقليص فاتورة الوقود.

وأضاف في حديثه لـ«الشرق الأوسط» أن من بين تلك الإجراءات وجود نظام محكم للرقابة على «منظومة البونات» التي تُمنح لصالح السيارات التابعة للحكومة، وضمان عدم تسريبها للاستخدام الشخصي، إلى جانب وجود منظومة رقمية لجميع وسائل الانتقال.

واستطرد قائلاً إن الحكومة تعمل على تتبع استخدام الوقود لكنها في الوقت ذاته لم تستكمل منظومة «بطاقة البنزين»، والتي كان من المفترض تعميمها منذ سنوات للتعرف على استهلاك الوقود.

وأضاف: «في حال تفعيل هذه المنظومة فسيمكن تحديد كميات محددة مدعومة شهرياً، وهو ما يُمكِّن الحكومة من تحقيق عوائد بيع أفضل للمستهلكين المحليين، كما أن ذلك يمنحها القدرة على تقدير احتياجات السوق ومتطلباته بشكل أكثر دقة».

وقال الإدريسي إن الحكومة أمام وضع صعب بسبب الفجوة بين كلفة دعم الوقود في الموازنة العامة والأسعار العالمية، إلى جانب تراجع الجنيه مقابل الدولار، وهو أيضاً ما يرفع تكاليف الاستيراد.

وتراجع الجنيه المصري بنسبة 5.81 في المائة خلال الشهر الماضي، وانخفض بنسبة 17.27 في المائة خلال الاثني عشر شهراً الماضية، وفقاً لمؤشر «تريندغ إيكونومي».

خيارات صعبة

وقالت مصادر حكومية، الثلاثاء، إنه جرى إخطار الشركات الأجنبية المتعاقد معها بتأجيل تسلم 5 شحنات من الغاز الطبيعي المسال لتلبية احتياجات السوق المحلية خلال نوفمبر (تشرين الثاني) الحالي، من إجمالي 15 شحنة جرى التعاقد عليها، في ظل ارتفاع تكلفة الشحنة الواحدة إلى أكثر من 100 مليون دولار، بزيادة 100 في المائة، مقارنة بسبتمبر (أيلول) الماضي، بحسب ما نشرته «الشرق بلومبرغ».

وكان الرئيس عبد الفتاح السيسي قد كشف عن أن مصر «لم تتمكن من ملء مستودعاتها الاستراتيجية لتخزين البترول، رغم أن سعتها الإجمالية تبلغ 33 مليون برميل، بسبب عدم توفر التمويل اللازم»، المقدر بنحو 2.5 مليار دولار.

وقال رئيس لجنة الاستثمار بحزب «الوعي»، أحمد شكري: «قرارات الترشيد جيدة لكنها تأخرت كثيراً، وكانت بحاجة لأن يتم تطبيقها بحسم منذ بداية الحرب الإيرانية»، مشيراً إلى أن «الترشيد» يجب ألا يقتصر على استهلاك الطاقة وحسب، وأن على الحكومة إعادة خططها نحو تدشين مشروعات جديدة، وعدم البدء في مشروعات تشكل ضغطاً على الموازنة، ولو مؤقتاً إلى أن تتضح الرؤية بشأن تمدد صراعات المنطقة.

وأضاف قائلاً لـ«الشرق الأوسط»: «الحكومة مطالبة أيضاً بترشيد على مستوى الاستعانة بالمستشارين، ومعالجة أزمة تكرارية المناصب في جهات مختلفة تؤدي الدور نفسه، والحد من استيراد السلع غير الضرورية التي تستهلك الرصيد الدولاري».

رئيس الوزراء مصطفى مدبولي في إحدى الجلسات البرلمانية (مجلس الوزراء)

وأثار العديد من المواطنين تساؤلات عبر مواقع التواصل الاجتماعي حول ما إذا كان التقشف قد يطول الخدمات المقدمة إليهم، في ظل حديث سابق للحكومة عن «خيارات صعبة» للتعامل مع أزمة إمدادات الوقود.

لكن المتحدث باسم الحكومة، المستشار محمد عادل، قال في تصريحات إعلامية، مساء الاثنين، إن إجراءات التقشف «لا ترتبط بتخفيف الأحمال أو اتخاذ أي قرارات تمس المواطنين بشكل مباشر»، وإن اجتماع اللجنة المركزية لإدارة الأزمات ناقش ترشيد استهلاك الطاقة والوقود داخل الوزارات والهيئات الحكومية.


تصعيد دبلوماسي إثيوبي ضد السودان يشعل توترات «القرن الأفريقي»

البرهان وإلى جانبه آبي أحمد خلال لقاء على هامش قمة «إيغاد» في نيروبي يوليو 2022 (رويترز)
البرهان وإلى جانبه آبي أحمد خلال لقاء على هامش قمة «إيغاد» في نيروبي يوليو 2022 (رويترز)
TT

تصعيد دبلوماسي إثيوبي ضد السودان يشعل توترات «القرن الأفريقي»

البرهان وإلى جانبه آبي أحمد خلال لقاء على هامش قمة «إيغاد» في نيروبي يوليو 2022 (رويترز)
البرهان وإلى جانبه آبي أحمد خلال لقاء على هامش قمة «إيغاد» في نيروبي يوليو 2022 (رويترز)

أجج قرار إثيوبي بإغلاق قنصلية سودانية في أصوصا الحدودية، حسب تأكيدات مصادر سودانية عدة، التوتر القائم مع دول الجوار، تزامناً مع لقاء مصري - سوداني لوحت فيه القاهرة بتفعيل «اتفاق الدفاع المشترك» مع الخرطوم غداة شكوى سودانية تجاه إثيوبيا بمجلس الأمن.

ولم يصدر تعليق رسمي على إغلاق القنصلية من إثيوبيا أو السودان، والذي إن تأكد فسيكون ثالث خطوة على الساحة الدبلوماسية تتخذها أديس أبابا خلال شهر واحد تقريباً تجاه دولة أفريقية تجمع بينهما خلافات، وذلك بعد قطع العلاقات الدبلوماسية مع إريتريا، وتبادل طرد دبلوماسي مع مصر مطلع أكتوبر (تشرين الأول) الماضي.

وقال خبراء بالشؤون الأفريقية لـ«الشرق الأوسط» إن ذلك بمنزلة إشعال للتوترات بالقرن الأفريقي وسط سيناريوهين مرجحين، أولهما المواجهة جراء استمرار التصعيد، والثاني التهدئة بسبب التكلفة الباهظة للحرب.

مهلة 48 ساعة

أفادت وسائل إعلام سودانية بأن إثيوبيا «أمهلت طاقم القنصلية السودانية في مدينة أصوصا الحدودية بغرب البلاد 48 ساعة لمغادرة الأراضي الإثيوبية، بعد اعتبار جميع موظفيها أشخاصاً غير مرغوب فيهم».

وجاء هذا في أعقاب احتضان القاهرة، مساء الاثنين، اجتماعاً رباعياً مصرياً - سودانياً شارك فيه وزيرا الخارجية ووزيرا الري بالبلدين، غداة شكوى تقدمت بها الخرطوم ضد أديس أبابا بعد اتهامها باستهداف أراضيها بالمُسيرات دعماً لقوات «الدعم السريع».

وأعادت مصر التذكير، في بيان مشترك عقب الاجتماع، ببيان الرئاسة الصادر أواخر ديسمبر (كانون الأول) 2025، والذي يتضمن استعدادها الكامل «لاتخاذ جميع التدابير والإجراءات اللازمة التي يكفلها القانون الدولي واتفاقية الدفاع المشترك بين البلدين الشقيقين لدعم السودان، وضمان عدم المساس بهذه الخطوط الحمراء أو تجاوزها».

أزمة ثقة

الباحث الإثيوبي في الشؤون الأفريقية، موسى شيخو، قال لـ«الشرق الأوسط» إن إغلاق القنصلية السودانية في أصوصا «يعكس انتقال الخلاف بين أديس أبابا والخرطوم من الاتهامات المتبادلة إلى إجراءات دبلوماسية تصعيدية، وسط ازدياد المخاوف من تداخل الأزمات الأمنية والاصطفافات السياسية في القرن الأفريقي»، مستدركاً: «إغلاق قنصلية أصوصا لا يعني قطع العلاقات الدبلوماسية، لكنه يعكس تراجع الثقة بين البلدين».

وحذَّر من أن «تزامن الأزمة السودانية مع القطيعة الإثيوبية - الإريترية يثير مخاوف من تشابك النزاعات والتحالفات بمنطقة القرن الأفريقي».

قائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان خلال لقاء مع رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد في أغسطس 2019 (رويترز)

وعن السيناريوهات المحتملة، قال: «اتهامات الخرطوم باستخدام الأراضي الإثيوبية لإطلاق مسيّرات ضد منشآت سودانية تزيد مخاطر الاحتكاك العسكري، لكن هناك عوامل للتهدئة، خصوصاً أن الحرب السودانية والتحديات الأمنية الإثيوبية والمصالح الحدودية والمائية المشتركة تجعل المواجهة المباشرة مكلفة للطرفين».

ويخلص شيخو إلى أن «التحدي الأكبر ليس احتمال الحرب وحده، بل تحول الخلافات الثنائية إلى اصطفافات إقليمية تضع استقلال القرار الوطني واستقرار القرن الأفريقي أمام اختبار خطير».

تبعات الحرب

في المقابل، يعتقد الخبير المصري في الشؤون الأفريقية رمضان قرني أن قرار الحكومة الإثيوبية إغلاق القنصلية السودانية في أصوصا «يمثل مرحلة جديدة من التصعيد الدبلوماسي بين الطرفين»، ويرى أنه قرار «جاء متأخراً نسبياً؛ إذ كان متوقعاً أن يطول الخرطوم موقف إثيوبي، منذ قرارات أديس أبابا ضد إريتريا ومصر، في ضوء اتهامها للدول الثلاث بالضلوع في حرب إقليم تيغراي، وشنها حرباً إعلامية وسياسية».

وأضاف قائلاً لـ«الشرق الأوسط» إن الخطوة الإثيوبية «رد صريح على الشكوى المقدمة من السودان ضد إثيوبيا في مجلس الأمن ومجلس السلم والأمن التابع للاتحاد الأفريقي»، دون أن يستبعد أن تكون المتغيرات الإثيوبية، التي تضمنت حصول أديس أبابا على مقاتلات روسية، بمنزلة «رسالة ردع موجهة لإريتريا والسودان ومصر».

وعقب تسلّم الصفقة التي تضم مبدئياً 12 مقاتلة من طراز «سوخوي-35» من الجيل الرابع المطور «4++»، قال رئيس وزراء إثيوبيا آبي أحمد، أواخر أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، إنها تعزز «قدرة إثيوبيا على الردع الاستراتيجي».

لكن التصعيد الحالي لا يعني، بحسب قرني، مواجهة عسكرية شاملة بين إثيوبيا والسودان، مؤكداً أن هذا حديث «سابق لأوانه تماماً، وربما في غير محله لاعتبارات عديدة مرتبطة بتكلفة الحرب على إثيوبيا والسودان».

وأرجع ذلك إلى «عدم قدرة الجانبين على تحمل تبعات حرب واسعة في ظل انشغال إثيوبي بمواجهات متعددة الجبهات في أقاليم عدة (تيغراي، وأمهرة، وأورومو، وعفر) إلى جانب الجبهة الإريترية. وكذلك يركز الجيش السوداني جهوده الميدانية على تأمين الحدود ومواجهة (الدعم السريع) في مناطق مثل كردفان والنيل الأزرق ودارفور».

ويتبقى مسار محتمل في ضوء تلك التوترات التي يشهدها القرن الأفريقي بسبب تحركات إثيوبيا، هو أن يزداد التصعيد السياسي والدبلوماسي وتبادل الاتهامات بين الطرفين والتوترات بمنطقة القرن الأفريقي، بحسب قرني.