المخدرات تغزو الخرطوم والحرب تعمّق الأزمة وتهدد الشباب

توسع شبكات الترويج في الشوارع والمقاهي ومحيط المؤسسات التعليمية، والسلطات تخوض معركة خفية لا تقل عن الحرب

السلطات السودانية تقوم بحملات متواصلة لضبط كميات كبيرة من الخدرات  (الجمارك السودانية)
السلطات السودانية تقوم بحملات متواصلة لضبط كميات كبيرة من الخدرات (الجمارك السودانية)
TT

المخدرات تغزو الخرطوم والحرب تعمّق الأزمة وتهدد الشباب

السلطات السودانية تقوم بحملات متواصلة لضبط كميات كبيرة من الخدرات  (الجمارك السودانية)
السلطات السودانية تقوم بحملات متواصلة لضبط كميات كبيرة من الخدرات (الجمارك السودانية)

تشهد تجارة المخدرات وتعاطيها في العاصمة السودانية الخرطوم توسعاً متسارعاً، في ظل تحذيرات رسمية من تحولها إلى تهديد مباشر لمستقبل الشباب، بينما أسهمت الحرب في إضعاف أجهزة الرقابة والعلاج، ووفرت بيئة مواتية لنشاط شبكات التهريب والترويج داخل الشوارع والمقاهي ومحيط المؤسسات التعليمية.

وكشفت جولة ميدانية أجرتها «الشرق الأوسط» في مواقع مطلة على نهر النيل بالخرطوم، عن توافد عشرات الأشخاص، غالبيتهم من الشباب، إلى المنطقة يومياً بين التاسعة صباحاً والواحدة ظهراً للحصول على جرعاتهم المخدرة، وذلك رغم عودة الحكومة إلى العاصمة بعد استعادتها من «قوات الدعم السريع».

وقال مدير الإدارة العامة لمكافحة المخدرات، اللواء محمد أحمد الأمين، إن شبكات الترويج تعمل عادة في الخفاء، إلا أن الجولة الميدانية أظهرت أن عمليات البيع والتعاطي تتم في العلن، حتى إن دخان الحشيش يغطي المكان.

السلطات السودانية تمكنت من ضبط أماكن تصنيع حبوب الكبتاغون (أ.ف.ب)

ورصدت «الشرق الأوسط» أحد المروجين، وهو رجل في الخمسين من عمره يرتدي ملابس أنيقة ونظارة سوداء ويحمل حقيبة تبدو وكأنها لحاسوب محمول، لكنها كانت تحتوي على أنواع مختلفة من المخدرات الطبيعية والمصنعة. وشاهدت أحد الشباب يقترب منه، ويتبادل معه التحية، ثم يسلمه مبلغاً من المال مقابل حبوب يُرجح أنها مواد مخدرة.

وفي موقع آخر بين الأشجار التي نجت من نيران الحرب، توقفت شابة عشرينية بسيارتها التي بدت عليها آثار الرصاص، وتبادلت المزاح مع أحد الأشخاص قبل أن يسلمها كيساً أبيض صغيراً ويهمس لها بشيء، لتغادر المكان سريعاً.

وأكد شهود عيان أن عمليات الشراء تتم في غضون دقائق بعد مكالمة هاتفية مسبقة لتحديد نوع المخدر ومكان التسليم، فيما يغيّر المروجون مواقعهم باستمرار لتفادي كمائن الشرطة.

كما تنشط تجارة المخدرات داخل بعض المقاهي، حيث تُسلَّم المواد المطلوبة عبر خدمة «الدليفري»، مقابل أسعار أعلى بسبب مخاطر التوصيل، وتتراوح تكلفة الجرعة الواحدة بين 15 و50 جنيهاً، أي ما يعادل نحو 3 إلى 10 دولارات أميركية.

وسبق لوالي الخرطوم أحمد عثمان حمزة أن أقر بوجود تجارة وتعاطٍ للمخدرات داخل بعض المقاهي، محذراً من امتداد الظاهرة إلى المؤسسات التعليمية والأطفال، ومشيراً إلى أن الطبيعة الجغرافية للعاصمة واتساعها أسهما في تنامي نشاط التصنيع والاتجار والتعاطي.

3 أصناف للمخدرات

ويصنف مدير دائرة الشؤون الفنية بالإدارة العامة لمكافحة المخدرات، المقدم زاهر خلف الله، المواد المخدرة إلى ثلاث فئات رئيسية: مخدرات طبيعية مصدرها النباتات، مثل القنب الذي يُستخرج منه الحشيش، وأخرى شبه مصنعة تنتج عبر معالجة مواد طبيعية كيميائياً، وثالثة صناعية أو تخليقية تُركب داخل المختبرات. وأوضح أن مصطلح «المخدرات» يُستخدم هنا بمعناه الشائع ليشمل مواد متفاوتة التأثير، من بينها المثبطات والمنشطات والمواد المهلوسة.

المقدم شرطة زاهر خلف الله مدير الإدارة الفنية بمكافحة المخدرات (الشرق الأوسط)

وأشار خلف الله إلى أن أبرز المواد الصناعية المنتشرة في الخرطوم هي مادة «الآيس» أو الميثامفيتامين البلوري، المعروفة محلياً باسم «الشبو»، وهي منشط شديد التأثير في الجهاز العصبي المركزي، وتأتي على هيئة بلورات شفافة تشبه الثلج أو حجر الشب، لذلك يطلق عليها المتعاطون والمروجون أسماء مثل «الثلج» و«الشيطان». وأضاف أن تعاطي هذه المادة يتم عبر البلع أو الاستنشاق أو التدخين أو الحقن، وقد يسبب الهلوسة والاضطرابات النفسية، إلى جانب أضرار جسيمة تصيب الأنف والرئتين والكبد والكليتين والأسنان والقلب والدماغ، فيما قد تؤدي الجرعات الزائدة إلى الوفاة.

وأوضح المقدم خلف الله أن ارتفاع سعر «الآيس» دفع بعض المتعاطين إلى ممارسة سلوك بالغ الخطورة يتمثل في سحب دم شخص تعاطى المادة حديثاً وحقنه في أجسادهم، اعتقاداً بأن الدم يحتفظ بجزء من المادة المخدرة، وهو ما يعرضهم لخطر الإصابة بفيروس نقص المناعة البشرية والتهاب الكبد الفيروسي والالتهابات البكتيرية.

اللواء شرطة محمد أحمد الأمين مدير الإدارة العامة لمكافحة المخدرات (الشرق الأوسط)

ورغم أن تعاطي الجرعة الأولى من «الآيس» لا يعني بالضرورة تحول الشخص إلى مدمن، فإن الميثامفيتامين يتميز بقدرته العالية على إحداث الاعتماد النفسي والجسدي، بما يؤدي إلى فقدان السيطرة على التعاطي والاستمرار فيه رغم ما يخلّفه من أضرار صحية ونفسية واجتماعية.

وأكد اللواء محمد أحمد الأمين أن انتشار المخدرات ازداد بصورة ملحوظة عقب اندلاع الحرب، واصفاً الظاهرة بأنها «معركة خفية لا تقل خطورة عن الحرب»؛ لأنها تستهدف الطاقات البشرية. واتهم «قوات الدعم السريع» بتصنيع المخدرات وتوزيعها في المناطق التي كانت تخضع لسيطرتها، مشيراً إلى ضبط مصنع للمخدرات في منطقة الجيلي شمال مدينة بحري عقب استعادتها.

وأوضح أن استراتيجية المكافحة ترتكز على ثلاثة محاور رئيسية، تتمثل في خفض العرض عبر منع وصول البذور إلى مناطق الزراعة، وإبادة المحاصيل، وملاحقة شبكات التهريب، وخفض الطلب من خلال حملات التوعية في المدارس ومراكز الشباب، إلى جانب علاج الإدمان بالتنسيق مع المؤسسات الصحية.

وكان اللواء الأمين قد أقر، في وقت سابق، بتورط عناصر نظامية مساندة للجيش في تجارة المخدرات، مؤكداً أن الشبكات الإجرامية تستخدم تقنيات متطورة، الأمر الذي يجعل من المستحيل على الشرطة تغطية نشاطها بالكامل.

وزير الصحة هيثم محمد إبراهيم (إعلام الوزارة)

وعلى الصعيد العلاجي، كشف وزير الصحة هيثم محمد إبراهيم عن توجه لإعادة تأهيل قسم علاج الإدمان بمستشفى التجاني الماحي، ومصحة عبد العال الإدريسي في الخرطوم، إلى جانب مراكز علاجية في بورتسودان. وأوضح أن 60 في المائة من الحالات التي تستقبلها العيادات النفسية ترتبط بالإدمان، مع تسجيل زيادة في نسب إدمان النساء، فيما بلغت نسبة التعاطي بين الفئة العمرية من 25 إلى 30 عاماً نحو 55 في المائة.

ونقلت «الشرق الأوسط» عن أحد المتعاطين أن بعض المروجين يستدرجون الشباب بمنحهم الجرعة الأولى من «الآيس» مجاناً، قبل مطالبتهم بدفع ثمن الجرعات اللاحقة، الأمر الذي يدفع بعضهم إلى السرقة أو ارتكاب جرائم للحصول على المال. وأكد المقدم خلف الله تسجيل جرائم، من بينها جرائم قتل، ارتُكبت بهدف توفير ثمن المخدرات.

كما روى أحد المتعافين، رفض كشف اسمه، أنه بدأ التعاطي قبل خمسة عشر عاماً بعد التحاقه بإحدى الجامعات العريقة في الخرطوم إثر استدراجه من قبل زميل في الكلية، وظل مدمناً طوال تلك السنوات إلى أن تلقى العلاج وتعافى في نهاية عام 2022.

وفي إطار تشديد المواجهة القانونية، أصدر مجلس الأمن والدفاع السوداني، خلال الأسبوع الحالي، قراراً بتشكيل محاكم خاصة للنظر في جرائم المخدرات، بينما تبقى مواجهة هذه الظاهرة مرهونة بتعزيز قدرات أجهزة المكافحة، وتوسيع مراكز العلاج، والتعامل مع الإدمان بوصفه قضية صحية واجتماعية وأمنية متداخلة تتطلب استجابة شاملة.


مقالات ذات صلة

مصر وإثيوبيا... هل تنطبق المادة الأممية 51 على نزاع «سد النهضة»؟

شمال افريقيا «سد النهضة» الإثيوبي (رويترز)

مصر وإثيوبيا... هل تنطبق المادة الأممية 51 على نزاع «سد النهضة»؟

تلويح مصري جديد باستخدام «حق الدفاع الشرعي» تجاه تطورات ملف نهر النيل وأزمة «سد النهضة» جاء مشفوعاً بالتأكيد على «استخدام المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة»...

محمد محمود (القاهرة )
شمال افريقيا قائد الجيش الفريق البرهان دفع بضمانات قانونية للسماح لمعارضين في الخارج للمشاركة في الحوار (أ.ف.ب)

«الحوار السوداني» يطرق أبواب المعارضة متسلحاً بضمانات البرهان

أفادت مصادر مطلعة بأن اللجنة المعنية بالحوار السوداني باشرت إعداد الخطوات الأولية والترتيبات لبدء عملية الحوار، وبدأت مشاورات لتحديد مكان وموعد الانطلاق

وجدان طلحة (الخرطوم)
خاص نازحات من شمال كردفان مع أطفالهن (الشرق الأوسط)

خاص رحلة الموت من كردفان تنتهي بالجوع في أم درمان

نزحت أكثر من ثلاثة آلاف أسرة إلى أم درمان بالعاصمة الخرطوم، بعد تجدد القتال بين الجيش السوداني و«قوات الدعم السريع» في شمال كردفان.

بهرام عبد المنعم (الخرطوم)
شمال افريقيا قائد الجيش الفريق البرهان لدى حضوره فعالية بولاية الخرطوم 15 أغسطس (أ.ف.ب) p-circle

البرهان يدعو إلى عدم الالتفات للدعوات بفرض حظر على السودان

دعا رئيس مجلس السيادة وقائد الجيش السوداني، عبد الفتاح البرهان، إلى عدم الالتفات لما يُروَّج له بشأن فرض حظر جوي على البلاد.

محمد أمين ياسين (نيروبي)
شمال افريقيا مقاتلون من «قوات الدعم السريع» في بلدة بشمال السودان (أرشيفية - أ.ب)

واشنطن تقترح توسيع حظر الأسلحة ليشمل كامل السودان

تقدمت واشنطن بمقترح أمام الأمم المتحدة، الاثنين، لتوسيع نطاق حظر توريد الأسلحة المفروض على إقليم دارفور السوداني ليشمل كامل البلاد.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

«الحوار السوداني» يطرق أبواب المعارضة

متداولة لعضو لجنة الحوار السوداني المحامي نبيل أديب
متداولة لعضو لجنة الحوار السوداني المحامي نبيل أديب
TT

«الحوار السوداني» يطرق أبواب المعارضة

متداولة لعضو لجنة الحوار السوداني المحامي نبيل أديب
متداولة لعضو لجنة الحوار السوداني المحامي نبيل أديب

تستعد لجنة وطنية مستقلة في السودان، لإطلاق الترتيبات لحوار سوداني - سوداني من الخرطوم، مطلع الأسبوع المقبل، على أن يُحدَّد موعد هذا الجلسات بعد مشاورات مع القوى السياسية والمدنية والاجتماعية.

وقال عضو اللجنة، القانوني نبيل أديب، لـ«الشرق الأوسط» إن المهمة تتمثل في هيئة الحوار وإزالة العقبات، من دون فرض قرارات على المشاركين، مؤكداً عدم صلتها بالحكومة.

وتعتزم اللجنة، التي تضم 18 عضواً وقابلة للتوسّع، طرق أبواب المعارضة في الخارج، في مقدمها تحالف «صمود» بقيادة رئيس الوزراء السابق عبد الله حمدوك؛ لإقناعها بالمشاركة، متسلحة بضمانات أطلقها رئيس مجلس السيادة، عبد الفتاح البرهان بعدم تدخل الدولة في تحديد الأطراف أو الأجندة والمخرجات، وتوفير الحماية القانونية والأمنية للمعارضين. لكن قوى مدنية ترفض حواراً يُعقد في مناطق سيطرة طرفي الحرب.

وستعرض اللجنة تفاصيل خطتها خلال مؤتمر صحافي في الخرطوم الأسبوع المقبل، وسط استمرار الخلافات بشأن مشاركة الحركة الإسلامية وحزبها «المؤتمر الوطني» المعزول.


الدور السياسي لـ«العلمين» المصرية يتسع بموازاة ازدهارها السياحي

الرئيس المصري وملك البحرين في القصر الرئاسي بالعلمين (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري وملك البحرين في القصر الرئاسي بالعلمين (الرئاسة المصرية)
TT

الدور السياسي لـ«العلمين» المصرية يتسع بموازاة ازدهارها السياحي

الرئيس المصري وملك البحرين في القصر الرئاسي بالعلمين (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري وملك البحرين في القصر الرئاسي بالعلمين (الرئاسة المصرية)

رسخّت مدينة «العلمين الجديدة» المصرية، مكانتها السياسية مع استقبال الرئيس عبد الفتاح السيسي فيها لقادة دول ومسؤولين، فضلاً عن اجتماعاته المستمرة مع وزراء الحكومة، لتتجاوز المدينة بذلك الصورة التقليدية عن كونها «مصيفاً فاخراً»، إلى كونها مدينة لـ«صناعة القرار»، وفق مراقبين.

وتعد مدينة «العلمين» الساحلية، أبرز الوجهات السياحية في مصر راهناً، وهي تقع في الساحل الشمالي، وتمتد على مساحة أكثر من 48 ألف فدان، وتشتهر بأبراجها الفارهة، فنادقها وشواطئها، وتعد مقصداً للمشاهير والسياح.

وقد صُنفت في العام الماضي 2025 على أنها «عاصمة المصايف العربية» من قبل «المنظمة العربية للسياحة».

في الأسابيع الماضية، طفا على السطح دور المدينة السياسي إلى جانب ازدهارها السياحي. فعلى هفيف هوائها تُفتح النقاشات حول ليبيا وغزة وتطورات «حرب إيران» وغيرها من القضايا الإقليمية والدولية، وتدار ملفات التعليم والطرق والتموين والطاقة.

وفي العلمين استقبل الرئيس السيسي، رئيس دولة الإمارات الشيخ محمد بن زايد آل نهيان في 12 يوليو (تموز) الماضي، وفي الشهر ذاته استقبل رئيس جمهورية مدغشقر الأفريقية، ميكائيل راندريانيرينا، واستقبل ملك البحرين حمد بن عيسي في 5 أغسطس (آب) الحالي.

ويعتبر رئيس «مركز الأهرام للدراسات الاستراتيجية» سابقاً والمفكر السياسي، عبد المنعم سعيد، أن العلمين حالياً يمكن اعتبارها «العاصمة الساحلية لمصر، وهو أمر ليس بالجديد، فقد كان وجود مثل هذه العواصم غير الرسمية دارجاً في حقب سابقة»، لافتاً إلى ميزة العلمين باعتبارها «مدينة معروفة عالمياً مرتبطة بمعارك العلمين خلال الحرب العالمية الثانية، وبها مقابر ألمان وإيطاليين، ما يجعلها مقصداً سياحياً للكثيرين»، معتقداً أن التركيز الإعلامي على وجود الرئيس فيها يهدف بالأساس إلى الترويج للمدينة باعتبارها وجهة سياحية واستثمارية، وفق حديثه لـ«الشرق الأوسط».

السيسي يستقبل رئيس دولة الإمارات في العلمين منتصف يوليو 2026 (الرئاسة المصرية)

وناقش السيسي تطورات اتفاق «وقف إطلاق النار» في قطاع غزة، بعد التوصل لتفاهمات بشأن «سلاح المقاومة»، واستقبل في 16 أغسطس الحالي، صهر الرئيس الأميركي جاريد كوشنر، وكذلك فإن قضية توحيد المؤسسات الليبية كانت حاضرة خلال استقباله قائد «الجيش الوطني» الليبي المشير خليفة حفتر، في 19 الشهر الجاري، وذلك بعد ثلاثة أسابيع من استقباله رئيس حكومة «الوحدة الوطنية» الليبية، عبد الحميد الدبيبة في 30 يوليو الماضي بالمدينة نفسها.

المدينة ذاتها كانت شاهدة على محادثات واجتماعات أخرى بعيداً عن اللقاءات الرئاسية، حيث شهدت هذا الشهر اجتماعات للفصائل الفلسطينية هدفت إلى توحيد الصف والاستعداد للانتخابات التشريعية المقبلة، وبالتزامن معها جرت لقاءات بين مسؤولين مصريين وفلسطينيين.

وشهدت المدينة لقاء رئيس المخابرات العامة المصرية، اللواء حسن رشاد، مع نائب القائد العام للقوات المسلحة الليبية، الفريق أول صدام حفتر يوم 22 أغسطس الجاري، للتباحث بشأن الجهود المبذولة لدفع مسار التسوية السياسية في ليبيا.

مصايف الرؤساء

وضع الرئيس المصري حجر أساس تدشين «مدينة العلمين» في مارس (آذار) من عام 2018. وآنذاك «لم يرتبط اسم السيسي بمصيف مفضل، كما كان لغيره من الرؤساء»، وفق الباحث في علم الاجتماع عصام فوزي، قائلاً لـ«الشرق الأوسط»، إن «فكرة وجود عاصمة صيفية للأنظمة السياسية حول العالم موجودة منذ القدم، هرباً من الحرارة، ولم تختفِ الفكرة في زمن المكيفات، بل تطورت لأغراض أخرى».

وأضاف: «في روسيا توجد عاصمة شتوية وأخرى صيفية، وكذلك في مصر منذ العهد الملكي حيث مدينة الإسكندرية (شمالاً) التي كان الملك ينتقل إليها في فصل الصيف ويقيم بقصر التين... وشرم الشيخ (على ساحل البحر الأحمر) في عصر الرئيس الراحل حسني مبارك».

وأضاف فوزي أن «العلمين بذلك تختلف عن شرم الشيخ، فالأخيرة اقتصر دورها على عرض القرارات، أي إقامة مؤتمرات واجتماعات، أكثر من كونها مركزاً لصناعة قرار سياسي مثل العلمين حالياً».

وزراء خارجية مصر والسعودية وتركيا في العلمين (مدينة العلمين الجديدة)

ومنذ 26 يوليو الماضي، يوجد الرئيس المصري بصورة مستمرة في العلمين، حيث دارت كل اجتماعاته بالوزراء المصريين، كان آخرها ترأس اجتماع حضره رئيس الوزراء مصطفى مدبولي والرئيس التنفيذي لشركة «إيني» الإيطالية كلاوديو ديسكالزي، الثلاثاء، وكان السيسي قد استقبل في المدينة المنتخب الوطني عقب عودته من كأس العالم في 11 يوليو الماضي.

واللافت في مدينة «العلمين الجديدة» أنها مدينة حديثة وليدة النظام الحالي، في «انعكاس لفلسفة التوسع وتدشين المدن الجديدة»، وفق أستاذ علم الاجتماع السياسي سعيد صادق، قائلاً لـ«الشرق الأوسط»، إن الرئيس «يتبنى المدن الجديدة باعتبارها حلاً هيكلياً لتخفيف الضغط عن الوادي والدلتا بإنشاء مراكز حضرية جديدة، بداية من العاصمة الإدارية، ثم العلمين وغيرهما من مدن الجيل الرابع»، معتبراً أن «العلمين هي النسخة الساحلية للعاصمة الإدارية».

العمل الميداني

وأضاف صادق، أن «وجود الحكومة في العلمين يعكس أيضاً فلسفة الوجود الرمزي في مواقع التنمية، على اعتبار أن الحكومة لا تدير من المكاتب فقط، بل من مواقع التنفيذ، ما يعزز صورة الدولة التي تبني والقيادة التي تتابع»، لافتاً إلى أنه «في الوقت الذي يحتفي بعض المواطنين بالمدينة باعتبارها مركزاً حضارياً جديداً، يراها قطاع آخر من الطبقات الأقل دخلاً، انعكاساً لاتساع الهوة المجتمعية».

مدينة «طول العام»

منذ مرحلة التأسيس، استهدفت الحكومة المصرية بناء مدينة تضم مراكز صناعية وسكنية وتعليمية، وهو ما عبر عنه رئيس الوزراء المصري الدكتور مصطفى مدبولي، خلال جولة منتصف الشهر الماضي، لتفقد مشروعين غذائيين في المدينة، قائلاً إنها «تشهد طفرة كبيرة في المشروعات، وتسليم الوحدات السكنية فيها»، لافتاً كذلك إلى «محطة الضبعة النووية» التي توجد في المدينة، وستبدأ العمل في غضون عامين.

السيسي مستقبلاً المنتخب الوطني بعد مشاركته في كأس العالم بمدينة العلمين (الرئاسة المصرية)

ويؤكد أستاذ الاقتصاد والخبير العقاري، ماجد عبد العظيم، أن «عقد الرئيس لقاءاته فيها، يوجه الأنظار عالمياً لها، ويقدمها بوصفها مدينة مكتملة وليس مجرد مصيف»، خصوصاً مع «تدشين 4 جامعات فيها، ستبدأ الدراسة فيها بعد الإجازة الصيفية، أي أننا أمام حركة مستمرة في المدينة».

وأضاف عبد العظيم لـ«الشرق الأوسط»، أن الامتداد العمراني في المدينة ووجود مراكز للحكم بها مثل القصر الرئاسي ومقر الحكومة، من عوامل جذب للاستثمار أكثر، خصوصاً من الخليج. ويضيف المفكر السياسي عبد المنعم سعيد، أن «العلمين تعكس بشكل رئيسي التوجه الحكومي المصري في تنمية السواحل الشاطئية»، معتبراً أن «الهدف من العلمين ليس المدينة فقط، ولكن باعتبارها مدخلاً للساحل الشمالي المصري الذي يشهد حركة تنمية غير مسبوقة».


ليبيا: رحيل فحيمة يطوي صفحة من ملف «لوكربي» المفتوح

الأمين خليفة فحيمة مُلوّحاً بيده بعد يوم واحد من تبرئته في محاكمة تفجير لوكربي (غيتي)
الأمين خليفة فحيمة مُلوّحاً بيده بعد يوم واحد من تبرئته في محاكمة تفجير لوكربي (غيتي)
TT

ليبيا: رحيل فحيمة يطوي صفحة من ملف «لوكربي» المفتوح

الأمين خليفة فحيمة مُلوّحاً بيده بعد يوم واحد من تبرئته في محاكمة تفجير لوكربي (غيتي)
الأمين خليفة فحيمة مُلوّحاً بيده بعد يوم واحد من تبرئته في محاكمة تفجير لوكربي (غيتي)

بعد نحو 38 عاماً على تفجير طائرة «بان آم 103» فوق بلدة لوكربي الاسكوتلندية، لا تزال القضية تحتفظ بقدرتها على فتح أسئلة جديدة، حتى مع رحيل شخصيات كانت في صلب مسارها القضائي.

ومع وفاة الليبي الأمين خليفة فحيمة، الذي برَّأته المحكمة قبل نحو ربع قرن من المشاركة في التفجير، تطوى صفحة شخصية من القضية، من دون أن يعني ذلك إغلاق الملف الذي أودى بحياة 270 شخصاً في ديسمبر (كانون الأول) 1988.

فحيمة، الذي نعته شركة «الخطوط الجوية الليبية» مساء الثلاثاء بعدّه أحد عامليها، لم يكن مداناً هارباً أو متهماً ينتظر حكماً؛ إذ خلصت المحكمة الاسكوتلندية التي انعقدت في كامب زيست بهولندا عام 2001 إلى عدم كفاية الأدلة لإدانته.

في المقابل، أدان القضاء الاسكوتلندي شريكه في الاتهام عبد الباسط المقرحي، الذي ظل الشخص الوحيد الذي صدر بحقه حكم بالإدانة في القضية، وأفرجت عنه إسبانيا بعفو إنساني عام 2009 قبل أن يتوفى في 2012.

الطائرة بعد سقوطها في بلدة لوكربي الاسكوتلندية (أ.ف.ب)

وبخروج فحيمة من المحاكمة بريئاً، بعد أن ارتبط اسمه بقضية لوكربي طوال العقود التالية، لكن من دون أن تنتهي حياته بحكم قضائي يحمّله مسؤولية التفجير. أما اليوم، فتأتي وفاته في حين لا تزال الولايات المتحدة تمضي في مسار قضائي منفصل ضد الليبي أبو عقيلة مسعود المريمي، الذي تتهمه بصنع العبوة الناسفة المستخدمة في تفجير الطائرة.

وكان من المقرر أن تبدأ إجراءات اختيار هيئة المحلفين في محاكمة المريمي أمام محكمة اتحادية أميركية، قبل أن تقرر المحكمة تأجيلها، وتحدد الأول من سبتمبر (أيلول) المقبل موعداً لجلسة لبحث الخطوات التالية، من دون إعلان موعد جديد لبدء المحاكمة.

ويعيد تأجيل المحاكمة، إلى جانب وفاة فحيمة، تسليط الضوء على سؤال ظل يرافق القضية منذ صدور الحكم بحق المقرحي: هل كشفت المحاكمة الأصلية عن كل ملابسات التفجير، أم أن بعض حلقاته لا تزال تنتظر الحسم؟

ولا يرى المحلل المتخصص في الشؤون الليبية، جلال حرشاوي، أن التطورات الأخيرة في قضية المريمي تمثل تحولاً جوهرياً في مسار القضية في الوقت الراهن. وقال لـ«الشرق الأوسط» إن ما يجري «مجرد تأخير»، موضحاً أن محامي الدفاع يقول إن لديه أدلة إضافية وجديدة تحتاج إلى بحثها.

ولا تتعامل الولايات المتحدة مع محاكمة المريمي بوصفها إعادة لمحاكمة المقرحي، بل تنسب إليه دوراً مختلفاً ومحدداً، يتمثل في تصنيع العبوة التي استخدمت في التفجير. وتستند القضية الأميركية، في جانب مهم منها، إلى إفادة قال الادعاء إن المريمي أدلى بها في ليبيا عام 2012، في حين يطعن الدفاع في صحتها وفي الظروف التي جرى فيها الحصول عليها.

وتكتسب وفاة فحيمة دلالة تتجاوز الجانب الشخصي؛ إذ لم يعد الرجل الذي خرج من محكمة كامب زيست عام 2001 بريئاً متاحاً للإجابة عن أي أسئلة قد تثيرها المحاكمة الأميركية الجديدة. وينطبق الأمر ذاته على المقرحي، الذي توفي عام 2012 بعدما ظل لسنوات محوراً للجدل بشأن الأدلة التي أدت إلى إدانته.

أبو عجيلة المريمي ضابط الاستخبارات الليبية السابق (أرشيفية - رويترز)

وفي المقابل، يبقى المريمي المتهم الوحيد في قضية لوكربي، الذي يمكن أن يخضع لمحاكمة جديدة، إذا تجاوز الادعاء والدفاع العقبات الإجرائية والقانونية التي أدت إلى تأجيلها.

ولم يضع مرور السنوات حداً للجدل بشأن الحكم على المقرحي؛ إذ ظلت عناصر رئيسية في الأدلة، من بينها قطعة مؤقت التفجير ومسار الحقيبة التي قيل إنها حملت القنبلة، موضع نقاش قانوني وسياسي. كما لا يزال خبراء ومحامون منقسمين بشأن ما إذا كانت الأدلة التي استند إليها الحكم كافية، أو أنها تركت أسئلة جوهرية من دون إجابة.

وفي قراءة ليبية لتطورات القضية، يرى عبد الباسط القاضي، مستشار الشؤون الأوروبية بمجلس الأمن القومي الليبي، أن تأجيل محاكمة المريمي بعد ظهور أدلة جديدة لا ينبغي النظر إليه بصفته مجرد تأخير إجرائي.

وحسب القاضي لـ«الشرق الأوسط»، فإن «الهدف الحقيقي»، يتمثل في حصول الولايات المتحدة على حكم بالإدانة يمكن أن يشكل لاحقاً غطاءً قانونياً للتحرك بشأن الأموال، والأصول الليبية المجمدة على خلفية قضية لوكربي. وتعكس هذه القراءة، التي لا تتبناها بالضرورة الرواية القضائية الأميركية، اعتقاداً لدى بعض الأوساط الليبية بأن قضية لوكربي لم تُغلق سياسياً وقانونياً بصورة كاملة، رغم مرور عقود على التفجير وتسوية جانب أساسي من تداعياته.

وكانت ليبيا قد أعلنت في عام 2003 قبولها «مسؤولية أفعال مسؤوليها» المرتبطة بتفجير «بان آم 103»، وتعهدت بدفع التعويضات والتعاون في التحقيق، في خطوة ساعدت على إنهاء العقوبات الدولية التي كانت مفروضة عليها بسبب القضية.

ولا تدخل قضية لوكربي ضمن اختصاص المحكمة الجنائية الدولية في الحالة الليبية؛ إذ يتعلق اختصاص المحكمة بالجرائم التي يُزعم ارتكابها منذ 15 فبراير (شباط) 2011، في حين وقع تفجير الطائرة عام 1988.

وربما تختصر هذه المفارقة جانباً من قصة لوكربي بعد نحو أربعة عقود: رجلان دخلا قفص الاتهام معاً، خرج أحدهما بريئاً ثم رحل، في حين توفي الآخر بعدما ظل حكم إدانته موضع جدل؛ وبينما أُغلقت فصول حياتهما، لا تزال قضية التفجير نفسها تحتفظ بمسار قضائي آخر، مع متهم ثالث ينتظر محاكمة لم تبدأ بعد.