المخدرات تغزو الخرطوم والحرب تعمّق الأزمة وتهدد الشباب

توسع شبكات الترويج في الشوارع والمقاهي ومحيط المؤسسات التعليمية، والسلطات تخوض معركة خفية لا تقل عن الحرب

السلطات السودانية تقوم بحملات متواصلة لضبط كميات كبيرة من الخدرات  (الجمارك السودانية)
السلطات السودانية تقوم بحملات متواصلة لضبط كميات كبيرة من الخدرات (الجمارك السودانية)
TT

المخدرات تغزو الخرطوم والحرب تعمّق الأزمة وتهدد الشباب

السلطات السودانية تقوم بحملات متواصلة لضبط كميات كبيرة من الخدرات  (الجمارك السودانية)
السلطات السودانية تقوم بحملات متواصلة لضبط كميات كبيرة من الخدرات (الجمارك السودانية)

تشهد تجارة المخدرات وتعاطيها في العاصمة السودانية الخرطوم توسعاً متسارعاً، في ظل تحذيرات رسمية من تحولها إلى تهديد مباشر لمستقبل الشباب، بينما أسهمت الحرب في إضعاف أجهزة الرقابة والعلاج، ووفرت بيئة مواتية لنشاط شبكات التهريب والترويج داخل الشوارع والمقاهي ومحيط المؤسسات التعليمية.

وكشفت جولة ميدانية أجرتها «الشرق الأوسط» في مواقع مطلة على نهر النيل بالخرطوم، عن توافد عشرات الأشخاص، غالبيتهم من الشباب، إلى المنطقة يومياً بين التاسعة صباحاً والواحدة ظهراً للحصول على جرعاتهم المخدرة، وذلك رغم عودة الحكومة إلى العاصمة بعد استعادتها من «قوات الدعم السريع».

وقال مدير الإدارة العامة لمكافحة المخدرات، اللواء محمد أحمد الأمين، إن شبكات الترويج تعمل عادة في الخفاء، إلا أن الجولة الميدانية أظهرت أن عمليات البيع والتعاطي تتم في العلن، حتى إن دخان الحشيش يغطي المكان.

السلطات السودانية تمكنت من ضبط أماكن تصنيع حبوب الكبتاغون (أ.ف.ب)

ورصدت «الشرق الأوسط» أحد المروجين، وهو رجل في الخمسين من عمره يرتدي ملابس أنيقة ونظارة سوداء ويحمل حقيبة تبدو وكأنها لحاسوب محمول، لكنها كانت تحتوي على أنواع مختلفة من المخدرات الطبيعية والمصنعة. وشاهدت أحد الشباب يقترب منه، ويتبادل معه التحية، ثم يسلمه مبلغاً من المال مقابل حبوب يُرجح أنها مواد مخدرة.

وفي موقع آخر بين الأشجار التي نجت من نيران الحرب، توقفت شابة عشرينية بسيارتها التي بدت عليها آثار الرصاص، وتبادلت المزاح مع أحد الأشخاص قبل أن يسلمها كيساً أبيض صغيراً ويهمس لها بشيء، لتغادر المكان سريعاً.

وأكد شهود عيان أن عمليات الشراء تتم في غضون دقائق بعد مكالمة هاتفية مسبقة لتحديد نوع المخدر ومكان التسليم، فيما يغيّر المروجون مواقعهم باستمرار لتفادي كمائن الشرطة.

كما تنشط تجارة المخدرات داخل بعض المقاهي، حيث تُسلَّم المواد المطلوبة عبر خدمة «الدليفري»، مقابل أسعار أعلى بسبب مخاطر التوصيل، وتتراوح تكلفة الجرعة الواحدة بين 15 و50 جنيهاً، أي ما يعادل نحو 3 إلى 10 دولارات أميركية.

وسبق لوالي الخرطوم أحمد عثمان حمزة أن أقر بوجود تجارة وتعاطٍ للمخدرات داخل بعض المقاهي، محذراً من امتداد الظاهرة إلى المؤسسات التعليمية والأطفال، ومشيراً إلى أن الطبيعة الجغرافية للعاصمة واتساعها أسهما في تنامي نشاط التصنيع والاتجار والتعاطي.

3 أصناف للمخدرات

ويصنف مدير دائرة الشؤون الفنية بالإدارة العامة لمكافحة المخدرات، المقدم زاهر خلف الله، المواد المخدرة إلى ثلاث فئات رئيسية: مخدرات طبيعية مصدرها النباتات، مثل القنب الذي يُستخرج منه الحشيش، وأخرى شبه مصنعة تنتج عبر معالجة مواد طبيعية كيميائياً، وثالثة صناعية أو تخليقية تُركب داخل المختبرات. وأوضح أن مصطلح «المخدرات» يُستخدم هنا بمعناه الشائع ليشمل مواد متفاوتة التأثير، من بينها المثبطات والمنشطات والمواد المهلوسة.

المقدم شرطة زاهر خلف الله مدير الإدارة الفنية بمكافحة المخدرات (الشرق الأوسط)

وأشار خلف الله إلى أن أبرز المواد الصناعية المنتشرة في الخرطوم هي مادة «الآيس» أو الميثامفيتامين البلوري، المعروفة محلياً باسم «الشبو»، وهي منشط شديد التأثير في الجهاز العصبي المركزي، وتأتي على هيئة بلورات شفافة تشبه الثلج أو حجر الشب، لذلك يطلق عليها المتعاطون والمروجون أسماء مثل «الثلج» و«الشيطان». وأضاف أن تعاطي هذه المادة يتم عبر البلع أو الاستنشاق أو التدخين أو الحقن، وقد يسبب الهلوسة والاضطرابات النفسية، إلى جانب أضرار جسيمة تصيب الأنف والرئتين والكبد والكليتين والأسنان والقلب والدماغ، فيما قد تؤدي الجرعات الزائدة إلى الوفاة.

وأوضح المقدم خلف الله أن ارتفاع سعر «الآيس» دفع بعض المتعاطين إلى ممارسة سلوك بالغ الخطورة يتمثل في سحب دم شخص تعاطى المادة حديثاً وحقنه في أجسادهم، اعتقاداً بأن الدم يحتفظ بجزء من المادة المخدرة، وهو ما يعرضهم لخطر الإصابة بفيروس نقص المناعة البشرية والتهاب الكبد الفيروسي والالتهابات البكتيرية.

اللواء شرطة محمد أحمد الأمين مدير الإدارة العامة لمكافحة المخدرات (الشرق الأوسط)

ورغم أن تعاطي الجرعة الأولى من «الآيس» لا يعني بالضرورة تحول الشخص إلى مدمن، فإن الميثامفيتامين يتميز بقدرته العالية على إحداث الاعتماد النفسي والجسدي، بما يؤدي إلى فقدان السيطرة على التعاطي والاستمرار فيه رغم ما يخلّفه من أضرار صحية ونفسية واجتماعية.

وأكد اللواء محمد أحمد الأمين أن انتشار المخدرات ازداد بصورة ملحوظة عقب اندلاع الحرب، واصفاً الظاهرة بأنها «معركة خفية لا تقل خطورة عن الحرب»؛ لأنها تستهدف الطاقات البشرية. واتهم «قوات الدعم السريع» بتصنيع المخدرات وتوزيعها في المناطق التي كانت تخضع لسيطرتها، مشيراً إلى ضبط مصنع للمخدرات في منطقة الجيلي شمال مدينة بحري عقب استعادتها.

وأوضح أن استراتيجية المكافحة ترتكز على ثلاثة محاور رئيسية، تتمثل في خفض العرض عبر منع وصول البذور إلى مناطق الزراعة، وإبادة المحاصيل، وملاحقة شبكات التهريب، وخفض الطلب من خلال حملات التوعية في المدارس ومراكز الشباب، إلى جانب علاج الإدمان بالتنسيق مع المؤسسات الصحية.

وكان اللواء الأمين قد أقر، في وقت سابق، بتورط عناصر نظامية مساندة للجيش في تجارة المخدرات، مؤكداً أن الشبكات الإجرامية تستخدم تقنيات متطورة، الأمر الذي يجعل من المستحيل على الشرطة تغطية نشاطها بالكامل.

وزير الصحة هيثم محمد إبراهيم (إعلام الوزارة)

وعلى الصعيد العلاجي، كشف وزير الصحة هيثم محمد إبراهيم عن توجه لإعادة تأهيل قسم علاج الإدمان بمستشفى التجاني الماحي، ومصحة عبد العال الإدريسي في الخرطوم، إلى جانب مراكز علاجية في بورتسودان. وأوضح أن 60 في المائة من الحالات التي تستقبلها العيادات النفسية ترتبط بالإدمان، مع تسجيل زيادة في نسب إدمان النساء، فيما بلغت نسبة التعاطي بين الفئة العمرية من 25 إلى 30 عاماً نحو 55 في المائة.

ونقلت «الشرق الأوسط» عن أحد المتعاطين أن بعض المروجين يستدرجون الشباب بمنحهم الجرعة الأولى من «الآيس» مجاناً، قبل مطالبتهم بدفع ثمن الجرعات اللاحقة، الأمر الذي يدفع بعضهم إلى السرقة أو ارتكاب جرائم للحصول على المال. وأكد المقدم خلف الله تسجيل جرائم، من بينها جرائم قتل، ارتُكبت بهدف توفير ثمن المخدرات.

كما روى أحد المتعافين، رفض كشف اسمه، أنه بدأ التعاطي قبل خمسة عشر عاماً بعد التحاقه بإحدى الجامعات العريقة في الخرطوم إثر استدراجه من قبل زميل في الكلية، وظل مدمناً طوال تلك السنوات إلى أن تلقى العلاج وتعافى في نهاية عام 2022.

وفي إطار تشديد المواجهة القانونية، أصدر مجلس الأمن والدفاع السوداني، خلال الأسبوع الحالي، قراراً بتشكيل محاكم خاصة للنظر في جرائم المخدرات، بينما تبقى مواجهة هذه الظاهرة مرهونة بتعزيز قدرات أجهزة المكافحة، وتوسيع مراكز العلاج، والتعامل مع الإدمان بوصفه قضية صحية واجتماعية وأمنية متداخلة تتطلب استجابة شاملة.


مقالات ذات صلة

السودان: أزمة خبز تنذر بتوسع الجوع إلى الخرطوم

شمال افريقيا حذّر وزراء خارجية أوروبيون من أن أكثر من 19 مليون شخص بالسودان يواجهون «مستويات عالية من انعدام حاد في الأمن الغذائي» (رويترز)

السودان: أزمة خبز تنذر بتوسع الجوع إلى الخرطوم

يعاني كثير من السودانيين صعوبات بالغة في الحصول على الخبز بعد أن أقفلت معظم المخابز أبوابها بسبب ارتفاع أسعار القمح ونقص الوقود

«الشرق الأوسط» (الخرطوم)
شمال افريقيا السودان اتهم إثيوبيا بدعم «قوات الدعم السريع» شبه العسكرية (متداولة)

إثيوبيا تأمر 6 دبلوماسيين سودانيين بمغادرة البلاد

قال ‌مسؤول إثيوبي كبير، الأربعاء، إن إثيوبيا أمرت 6 دبلوماسيين سودانيين بمغادرة البلاد، في خطوة تعكس مزيداً من ​التدهور في علاقات البلدين.

«الشرق الأوسط» (أديس أبابا)
شمال افريقيا نساء يصطففن في الطابور قبل بدء عملية توزيع الطعام (الشرق الأوسط)

توقف المطابخ الخيرية يهدد آلاف الأسر بالجوع في الخرطوم

اضطرت عشرات التكايا (مطابخ خيرية) التي توفر الوجبات لآلاف الأسر في الخرطوم، إلى التوقّف عن العمل كلياً، أو تقليص نشاطها؛ بسبب نقص الدعم من المنظمات والخيِّرين.

بهرام عبد المنعم (الخرطوم)
شمال افريقيا البرهان وإلى جانبه آبي أحمد خلال لقاء على هامش قمة «إيغاد» في نيروبي يوليو 2022 (رويترز)

تصعيد دبلوماسي إثيوبي ضد السودان يشعل توترات «القرن الأفريقي»

أجج قرار إثيوبي بإغلاق قنصلية سودانية في مدينة أصوصا الحدودية، حسب تأكيدات مصادر سودانية، التوتر مع دول الجوار.

محمد محمود (القاهرة)
شمال افريقيا جانب من الجولة الثالثة لمشاورات آلية (2+2) الاثنين لوزراء الخارجية والري في مصر والسودان (صفحة وزارة الخارجية على «فيسبوك»)

مصر تلوح باتفاقية الدفاع المشترك لعدم تجاوز «الخطوط الحمراء» في السودان

اجتماع رباعي مصري - سوداني جديد احتضنته القاهرة برئاسة وزراء الخارجية والري بالبلدين، وسط توترات مع إثيوبيا غداة شكوى تقدمت بها الخرطوم ضد أديس أبابا.

محمد محمود (القاهرة )

السودان: أزمة خبز تنذر بتوسع الجوع إلى الخرطوم

حذّر وزراء خارجية أوروبيون من أن أكثر من 19 مليون شخص بالسودان يواجهون «مستويات عالية من انعدام حاد في الأمن الغذائي» (رويترز)
حذّر وزراء خارجية أوروبيون من أن أكثر من 19 مليون شخص بالسودان يواجهون «مستويات عالية من انعدام حاد في الأمن الغذائي» (رويترز)
TT

السودان: أزمة خبز تنذر بتوسع الجوع إلى الخرطوم

حذّر وزراء خارجية أوروبيون من أن أكثر من 19 مليون شخص بالسودان يواجهون «مستويات عالية من انعدام حاد في الأمن الغذائي» (رويترز)
حذّر وزراء خارجية أوروبيون من أن أكثر من 19 مليون شخص بالسودان يواجهون «مستويات عالية من انعدام حاد في الأمن الغذائي» (رويترز)

تروي السودانية سوسن محمود في العاصمة السودانية، حيث أقفلت معظم المخابز أبوابها بسبب ارتفاع أسعار القمح ونقص الوقود، أنها باتت توفر مجموع راتبها وراتب زوجها الشهري فقط لشراء الخبز. وتقول سوسن (44 عاماً)، وهي أم لثلاثة أطفال لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»: «الوضع أصبح لا يحتمل. لقد خفضنا كمية الخبز التي نتناولها، وأصبحنا نأكله في وجبة واحدة فقط»، مضيفة: «علينا توفير 900 ألف جنيه شهرياً (88 دولاراً) لشرائه. وهذا تقريباً راتبي وراتب زوجي».

مواطن من أم درمان في رحلته اليومية مع طفليه للحصول على الماء (رويترز)

* مخاوف من انتشار المجاعة

تضاعف سعر رغيف الخبز في العاصمة السودانية من 250 إلى 500 جنيه (من 0,25 سنت من الدولار إلى 0,50 سنت)، خلال الأسبوع الماضي، في ارتفاع غير مسبوق. وباتت عائلات سودانية كثيرة لا تتحمّل تكلفته، فيما تتصاعد التحذيرات الدولية من احتمال انتشار المجاعة في أنحاء البلد، الذي يعاني 20 مليوناً من سكانه من انعدام حاد في الأمن الغذائي. من جهتها، تقول عبير محمد بعد أن اشترت خبزاً من أحد المخابز القليلة، التي لا تزال تعمل في الخرطوم: «في السابق كنّا نأكل الخبز في جميع وجبات اليوم، الآن لا يمكننا ذلك». ويستورد السودان معظم احتياجاته من القمح، الذي يتأثر سعره سريعاً بتدهور العملة المحلية. وخلال الشهر الماضي، سجّلت العملة السودانية تراجعاً بنسبة 25 في المائة أمام الدولار، في انخفاض قياسي ليصل سعر العملة الخضراء إلى أكثر من 10500 جنيه سوداني في ذروة ارتفاعه، قبل أن يستقرّ عند 10200 جنيه الأربعاء. علماً بأن الدولار كان يساوي 500 جنيه قبل الحرب.

يعاني أكثر من 200 ألف شخص في جنوب كردفان وشمال دارفور من المجاعة حسب تقارير مدعومة من الأمم المتحدة (رويترز)

* غياب الطحين

داخل مخبز يملكه محمد الفاتح في الخرطوم، يخلط العمال الطحين مع الماء والخميرة لتشكيل عجينة سميكة، يقسمونها إلى أقراص مستديرة، ثم يدخلونها الفرن باستخدام ألواح خشبية طويلة، وتتحوّل العجينة في دقائق إلى خبز تقليدي يشكّل جزءاً أساسياً من وجبات السودانيين. يقول الفاتح: «أغلقت مخابز كثيرة لأنه لا يوجد طحين في السوق». ويضيف: «يمكن أن تنتظر ليوم أو يومين كاملين في مركز توزيع (الطحين)، ثم تعود بخفي حُنين». في حي الأزهري بجنوب العاصمة، يجد متوكل أحمد بابكر صعوبة في تشغيل مخبزه، بعد أن تضاعف سعر الطحين، «بالإضافة إلى قطع الكهرباء، ولذلك أصبحنا مضطرين لشراء الوقود للمولد». يقول بابكر: «أغلب الظن سأغلق المخبز. نبيع رغيف الخبز بـ500 جنيه، وهذا أقلّ من تكلفته، لكن لا يمكنني رفع السعر بسبب أوضاع الناس». وتعاني العاصمة الخرطوم ومناطق شرق السودان من انقطاع واسع للتيار، بعد هجمات بمسيّرات استهدفت محطات الكهرباء نهاية الشهر الماضي، وأخرجتها عن العمل.

طفل سوداني يعاني من سوء تغذية حادة داخل أحد المخيمات المخصصة للاجئين السودانيين (رويترز)

وفي أنحاء الخرطوم، عاد السودانيون للاصطفاف خارج المطابخ العامة (التكايا) انتظاراً للوجبات المجانية، بعد أن توقف الكثير منها عن العمل، بعد سيطرة الجيش على العاصمة وإخراج «قوات الدعم السريع» منها في مارس(آذار) 2025. وحذّرت غرفة طوارئ أمبدة في أم درمان بالخرطوم، التي تنسّق عمل التكايا في المنطقة، من اتساع «دائرة الاحتياج لتطول آلاف الأسر والنازحين»، كما حذّرت من «شحّ في المواد الغذائية وغلاء الأسعار، ما يجعل الحصول على وجبة يومية واحدة حُلماً». وبلغت معدّلات الفقر في السودان 80 في المائة، وفقاً لبيانات الجهاز المركزي للإحصاء، فيما أعلنت الحكومة أنها تستهدف خفض التضخم إلى ما دون 60 في المائة مع نهاية 2026، بعد أن بلغ 99 في المائة العام الماضي.

* «لا وقود»

خارج الخرطوم، يصل جزء كبير من إمدادات القمح على شكل مساعدات إغاثية، غير أن نقص الوقود وارتفاع أسعاره، إضافة إلى قطع الطرق جراء المعارك، يحول دون وصول المساعدات. وقسّمت الحرب المستمرة منذ أبريل (نيسان) 2023 البلاد إلى مناطق نفوذ، إذ يسيطر الجيش على الخرطوم ومدن وسط السودان وشرقه، بينما تسيطر «قوات الدعم السريع» على كامل إقليم دارفور في الغرب وأجزاء من الجنوب. ويعاني أكثر من 200 ألف شخص في جنوب كردفان وشمال دارفور من المجاعة، حسب تقارير مدعومة من الأمم المتحدة، حذّرت أيضاً من إمكانية توسّعها إلى ثمانية مدن بحلول عام 2027. وأسهم انخفاض قيمة العملة في تراجع قدرة الخرطوم على شراء الوقود، التي تستورد معظم احتياجاتها منه. يقول الموظف الحكومي ياسر محمد إنه أمضى يومه واقفاً في طابور في الخرطوم من أجل شراء الوقود من دون طائل. مضيفاً: «أقف منذ السادسة صباحاً خارج المحطة، وقد حانت الرابعة ولم أحصل على بنزين، وقد تغيبت عن العمل اليوم».

بلغت معدّلات الفقر في السودان 80 % وفقاً لبيانات الجهاز المركزي للإحصاء (رويترز)

وحذّر بيان وزاري وقّع عليه وزراء خارجية أوروبيون وكبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية، مسعد بولس، الأسبوع الماضي من أن أكثر من 19 مليون شخص (أي 41 في المائة من السكان) في السودان يواجهون «مستويات عالية من انعدام حاد في الأمن الغذائي، بما في ذلك خمسة ملايين يواجهون مستويات طارئة».

في إحدى أسواق أم درمان، حيث بدت حركة البيع والشراء متباطئة، يقول الموردي عوض لـ«وكالة الصحافة الفرنسية» بينما يشتري احتياجاته: «انخفضت القيمة الغذائية للوجبة». ويضيف: «سعر الكيلوغرام من اللحم بات يتراوح بين 50 و70 ألف جنيه (5 إلى 7 دولارات)، وإن كان في استطاعتك في السابق شراء كيلوغرامين من اللحم، فسوف تشتري اليوم 125 غراماً فقط».


إثيوبيا تأمر 6 دبلوماسيين سودانيين بمغادرة البلاد

السودان اتهم إثيوبيا بدعم «قوات الدعم السريع» شبه العسكرية (متداولة)
السودان اتهم إثيوبيا بدعم «قوات الدعم السريع» شبه العسكرية (متداولة)
TT

إثيوبيا تأمر 6 دبلوماسيين سودانيين بمغادرة البلاد

السودان اتهم إثيوبيا بدعم «قوات الدعم السريع» شبه العسكرية (متداولة)
السودان اتهم إثيوبيا بدعم «قوات الدعم السريع» شبه العسكرية (متداولة)

قال ‌مسؤول إثيوبي كبير، الأربعاء، إن إثيوبيا أمرت 6 دبلوماسيين سودانيين بمغادرة البلاد، في خطوة تعكس مزيداً من ​التدهور في علاقات البلدين، بسبب اتهام كل طرف للآخر بدعم خصومه.

ويتهم السودان إثيوبيا بدعم «قوات الدعم السريع» شبه العسكرية، في حين تتهم أديس أبابا الخرطوم بدعم المتمردين في منطقة تيغراي بشمال إثيوبيا.

وأثارت الاتهامات المتبادلة، التي ينفيها الطرفان، مخاوف من تداخل الحرب في البلدين، ما ‌قد يؤدي إلى ‌اتساع رقعة الصراع في القرن ​الأفريقي.

وقالت ‌الحكومة ⁠السودانية، ​يوم الأحد، ⁠إنها قدمت شكوى ضد إثيوبيا إلى مجلس الأمن الدولي، التابع للأمم المتحدة ومجلس السلم والأمن التابع للاتحاد الأفريقي، متهمةً إياها بالسماح لـ«قوات الدعم السريع» باستخدام أراضيها في إطلاق طائرات مسيّرة ملغومة لاستهداف البنية التحتية المدنية في السودان.

ولم يرد ⁠المتحدث باسم مكتب رئيس الوزراء الإثيوبي ‌على طلب من «رويترز» ‌للتعليق.

وقال المسؤول الإثيوبي الكبير إن ​بلاده أمرت 6 ‌من موظفي القنصلية السودانية في بلدة أصوصا الحدودية ‌بمغادرة البلاد في غضون 48 ساعة، دون أن يذكر سبب هذا القرار. وطلب المسؤول عدم نشر اسمه نظراً لحساسية الأمر.

وتنفي أديس أبابا مساعدة «قوات الدعم ‌السريع» في السودان.

وكشفت بيانات الأمم المتحدة أن الحرب الأهلية في السودان ⁠أدّت إلى ⁠نزوح أكثر من 14 مليون شخص، وتسببت في واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم منذ اندلاعها في أبريل (نيسان) 2023.

واتهمت إثيوبيا كلاً من السودان ومصر وإريتريا بدعم متمردي تيغراي، الذين شنّوا هجوماً على القوات الحكومية في سبتمبر (أيلول). ونفت الدول الثلاث هذه الاتهامات.

وقال أمجد فريد، مستشار «مجلس السيادة الانتقالي» السوداني للشؤون السياسية والخارجية، إن الحكومة السودانية ملتزمة بحقها ​في الدفاع عن أراضيها، ​لكنها تبذل كل جهد ممكن لتجنب اندلاع حرب مفتوحة مع إثيوبيا.


هل يصبح النفط «ورقة ضغط» لتسوية خلافات الأفرقاء في ليبيا؟

رئيس المؤسسة الوطنية للنفط في ليبيا مسعود سليمان يتوسط عدداً من المسؤولين بالشركة (صفحة المؤسسة)
رئيس المؤسسة الوطنية للنفط في ليبيا مسعود سليمان يتوسط عدداً من المسؤولين بالشركة (صفحة المؤسسة)
TT

هل يصبح النفط «ورقة ضغط» لتسوية خلافات الأفرقاء في ليبيا؟

رئيس المؤسسة الوطنية للنفط في ليبيا مسعود سليمان يتوسط عدداً من المسؤولين بالشركة (صفحة المؤسسة)
رئيس المؤسسة الوطنية للنفط في ليبيا مسعود سليمان يتوسط عدداً من المسؤولين بالشركة (صفحة المؤسسة)

مع تعثر المبادرات الإقليمية والدولية في إنهاء الانقسام السياسي الليبي، يعود النفط إلى واجهة النقاش، بوصفه «ورقة ضغط محتملة» لدفع الأطراف المتنافسة إلى تسوية خلافاتها، في ظل مقترح فرنسي بـ«حظر تصديره» أثار اعتراضات مسؤولين وخبراء ليبيين.

وتعتمد ليبيا على النفط كمورد رئيسي في الإنفاق، عبر تغطية نحو 82 في المائة من الإنفاق العام، بينما يبلغ الإنتاج نحو 1.4 مليون برميل يومياً، وفق الأرقام المتداولة، في بلد دأب على الاعتماد على هذا المورد الحيوي، منذ تصدير أول شحنة من ميناء البريقة قبل 65 عاماً.

يعود النفط إلى واجهة النقاش بوصفه «ورقة ضغط محتملة» لدفع الأطراف المتنافسة إلى تسوية خلافاتها (المؤسسة الوطنية للنفط)

وطرح «معهد البحوث من أجل التنمية الفرنسي» أخيراً فكرة الرهان على «ورقة النفط» في تمويل الدولة. ويفترض هذا الطرح أن «تعطيل المورد الرئيسي لمدة شهر سيدفع القوى الليبية المتنافسة إلى مراجعة حساباتها، وسيجبر الأفرقاء الليبيين على الجلوس معاً لحل خلافاتهم، بما يعني أن الضغط الاقتصادي قد يدفع الأطراف إلى التفاوض، بعدما تتقلص الموارد المتاحة».

لكن مقترح حظر تصدير النفط أثار تساؤلات حول الجهة التي ستتحمل تكلفة الحظر، ومدى القدرة على توظيفه كورقة ضغط لدفع القوى المتنافسة إلى تسوية سياسية.

ورفض وزير النفط الليبي السابق محمد عون استخدام الصادرات النفطية كأداة للضغط السياسي، معتبراً أن الحظر «لن يحقق الغاية المعلنة منه، بل سيفاقم معاناة المواطنين، الذين يواجهون ارتفاع الأسعار وصعوبة الأوضاع المعيشية». ورأى أن «معالجة الأزمة تتطلب النظر إلى أسبابها السياسية والاقتصادية، بدلاً من تعطيل المورد الرئيسي للدولة».

وزير النفط الليبي السابق محمد عون (الوزارة)

وأوضح عون لـ«الشرق الأوسط» أن «الأزمة الليبية تتجاوز الخلافات المحلية إلى تدخل قوى إقليمية ودولية في شؤون البلاد»، مستشهداً بما كشفته تقارير فريق الخبراء التابع للأمم المتحدة بشأن الفساد الاقتصادي. وانتقد صمت دول كبرى عن التجاوزات، عازياً ذلك إلى تشابك مصالحها مع أطراف ليبية نافذة.

من جهته، لا يرى الخبير الاقتصادي محمد الشحاتي أن المبادرات الدولية «كافية وحدها لحل الأزمة؛ فالبعثة الأممية واجتماعات برلين وفرت آليات متعددة لإدارة الصراع، لكنها لم تنجح في إنهاء الانقسام». ويعتقد أن «أي تحرك جديد لن يحقق اختراقاً دون تغيير أسلوب التعامل مع جذور الأزمة، وفي مقدمتها الفساد وضعف الرقابة».

وسبق أن خلص فريق الخبراء، التابع للأمم المتحدة، في تقريره النهائي الصادر في مارس (آذار) 2026، إلى أن «جهات مرتبطة بجماعات مسلحة وسّعت نفوذها داخل مؤسسات الدولة، بما فيها المؤسسة الوطنية للنفط، عبر العنف والتدخل في صنع القرار والضغط الاقتصادي».

وهنا تحذر مديرة إدارة التعاقدات السابقة بالمؤسسة الوطنية للنفط، نجوى البشتي، من أن وقف الصادرات قد يدفع إلى مزيد من تهريب النفط، وبيعه خارج المنظومة الرسمية، بما يفاقم الخسائر ويضعف قدرة الدولة على إدارة مواردها. ويحمل هذا الاحتمال خطراً إضافياً يتمثل في تعميق انتقال جزء من النشاط النفطي إلى مسارات يصعب إخضاعها للرقابة الرسمية، بحسب البشتي.

رفض وزير النفط الليبي السابق استخدام صادرات النفط أداةً للضغط السياسي بحجة أن القرار سيفاقم معاناة المواطنين الذين يواجهون ارتفاع الأسعار (أ.ف.ب)

وسبق أن رصد تقرير خبراء الأممي تهريب الوقود داخلياً عبر تحويل شحنات مخصصة للاستهلاك المحلي والكهرباء إلى مسارات غير مشروعة، وخارجياً عبر تصدير نحو مليون طن من المشتقات النفطية من موانئ ليبية، بينها 578 ألف طن من الديزل.

وبحسب البشتي، فإن «فرض الحظر سيضر بالمواطنين أكثر من الأطراف المتصارعة»، وتؤكد لـ«الشرق الأوسط» أن تداعياته «قد تكون أشد وطأة مما شهدته دول، مثل روسيا وإيران وفنزويلا، بالنظر إلى الانقسام السياسي والمؤسسي الذي تعانيه ليبيا».

ويكتسب النقاش حول المقترح الفرنسي أهمية بالنظر إلى أن الاتحاد الأوروبي يمثل السوق الرئيسية للنفط الخام الليبي بين الجهات المستوردة، وفق بيانات إدارة معلومات الطاقة الأميركية، التي أوردتها وكالة «إيكوفين».

وبالتوازي مع رفض فرض حظر على صادرات النفط، تبرز بدائل أخرى لمعالجة الاختلالات القائمة، إذ يرى عون «ضرورة مكافحة الفساد، وإبعاد المتورطين فيه عن مواقع النفوذ»، وحذر من أن «استمرار الصراع على الثروة يفتح المجال أمام مزيد من النهب، وسوء إدارة الموارد العامة».

ومن وجهة نظره، لا يمكن تحويل النفط إلى مدخل لتسوية سياسية، من دون معالجة آليات استغلال عائداته.

أما البشتي فإنها ترى «ضرورة إصلاح القطاع النفطي الليبي، وإعادة هيكلته على أسس مهنية، بدلاً من حظر تصديره، بل وإبعاده عن التجاذبات السياسية وتدخل أصحاب النفوذ، مع إسناد المسؤوليات إلى أصحاب الكفاءة والخبرة والنزاهة، وضمان استقلال القرارات الفنية والإدارية عن المحاصصة وموازين القوى المتنافسة»، مبرزة أن هذه الحلول «لن تأتي بها السلطات القائمة في شرق البلاد وغربها، بل تحتاج ربما إلى إرادة وتحرك من شخصيات وطنية حقيقية للحل، بعيداً عن الوجوه المتصدرة للمشهد الليبي».