أكدت تركيا وسوريا العمل معاً من أجل أمن واستقرار المنطقة، ونددتا بانتهاكات إسرائيل واستغلال الحرب في إيران لتوسيع نطاق هذه الانتهاكات.
وقال وزير الخارجية التركي هاكان فيدان إن «سوريا برزت كدولة تُسهم في الحفاظ على الاستقرار في منطقتنا طوال فترة حرب إيران، وهذا أمرٌ جديرٌ بالذكر؛ لذا فإن حماية أمنها وسلامها مسؤولية مشتركة تقع على عاتقنا جميعاً كدول في المنطقة».
ومن جهة أخرى، فإن الهجمات الإسرائيلية التي تستهدف سيادة سوريا ووحدة أراضيها تشكّل أحد أكبر التهديدات التي تواجه استقرار البلاد، وإن مواصلة إسرائيل هجماتها رغم التوصل إلى تفاهم بشأن اتفاق غزة تؤكد مجدداً أن رئيس وزرائها بنيامين نتنياهو لا يريد السلام، بحسب الوزير التركي.
وقال فيدان، خلال مؤتمر صحافي مشترك مع نظيره السوري أسعد الشيباني في ختام مباحثات عقداها في أنقرة، الخميس، إن على المجتمع الدولي أن يرد بقوة أكبر على عقلية الاحتلال الإسرائيلي، وأن يمارس الضغط اللازم لضمان الالتزام باتفاقية فض الاشتباك لعام 1974، واحترام سيادة سوريا.
ولفت إلى أنه ناقش مع الشيباني الوضع في فلسطين ولبنان بشكل شامل، وقال: «لبنان جار لسوريا، وكل ما يحدث هناك يهمها بشكل مباشر، ويهمنا نحن أيضاً».

وقال إن الرئيس الأميركي دونالد ترمب أعلن عن خريطة طريق المرحلة الثانية من خطته للسلام، ومع ذلك أظهرت الهجمات الإسرائيلية المتواصلة مرة أخرى أن نتنياهو لا يريد السلام، كما أظهرت حرب إيران استغلال إسرائيل لها في توسيع انتهاكاتها في فلسطين.
وأشار إلى الاجتماع الموسع لوزراء خارجية أكثر من 20 دولة إسلامية حول القدس في الأردن، الأربعاء، كما عُقد اجتماع لوزراء خارجية تركيا ومصر والسعودية وباكستان «واتخذنا بعض القرارات بشأن التحركات الدبلوماسية، وربما نجتمع في سبتمبر (أيلول) مرة أخرى».
وتابع فيدان: «من جهة أخرى، يُعد لبنان أحد التحديات التي تواجه منطقتنا حيث تسعى إسرائيل لتحقيق طموحاتها العدوانية والتوسعية. وقُتل آلاف الأبرياء ونزح أكثر من مليون مدني من ديارهم، ويعد إرساء بيئة آمنة ومستقرة في لبنان أمراً بالغ الأهمية لسلام منطقتنا».
ورحب بالخطوات التي اتُّخذت باتجاه تطبيع العلاقات بين لبنان وسوريا، وتقييم مجالات التعاون، لافتاً إلى أنه ناقش هذا الأمر بالتفصيل مع الشيباني.
دعم استقرار سوريا
وقال فيدان: «في هذه الحقبة الجديدة، تتحول سوريا إلى بلدٍ يُمثل مصدراً للحلول لا للمشاكل، وإن وجود سوريا على طاولات التعاون التي عقدناها مع إخواننا في المنطقة يُشعرنا بالفخر، وسنواصل أنا ونظيري السوري العمل معاً خلال الفترة المقبلة لتعزيز علاقاتنا الثنائية، ودعم السلام والأمن الإقليميين».
وأضاف أن الفرصة أتيحت خلال اجتماعه مع الشيباني لمناقشة قضايا إقليمية، معرباً عن الارتياح للتصريحات المتعلقة بإمكانية استئناف المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران، وعن الأمل في استعادة وقف إطلاق النار في أقرب وقت ممكن وفتح مضيق هرمز، الذي يشكّل إغلاقه مشكلة كبيرة تؤثر بشدة على أسعار الطاقة. وقال: «نواصل في هذه المرحلة دعمنا للمفاوضات».

فيدان أكد أن بلاده وسوريا ستعملان على تعميق التعاون والتنسيق في مجالات مكافحة الإرهاب والدفاع والأمن، وقال إن استكمال عملية الاندماج الجارية في سوريا دون انقطاع، في إشارة إلى اندماج «قوات سوريا الديمقراطية» في مؤسسات الدولة السورية، هو أمر بالغ الأهمية لتركيا، وأضاف أن «دمج جميع العناصر المسلحة، وما يُسمى بالمنظمات والميليشيات، تحت مظلة هيكل وطني مركزي وشرعي، هو أمرٌ جوهري لوحدة سوريا واستقرار منطقتنا».
وذكر أن «تركيا تعمل على تطوير علاقاتها الاقتصادية مع سوريا بما يتماشى مع متطلبات العصر الجديد، بهدف زيادة حجم التبادل التجاري. وتُعدّ تسهيلات الإجراءات الجمركية، ورفع كفاءة المعابر الحدودية، وتفعيل القنوات المصرفية، وتنسيق البنية التحتية للنقل من بين أولوياتنا. وتعمل فرقنا على تحقيق هذه الأهداف. كما تُسهم مؤسساتنا العامة والقطاع الخاص في إعادة إعمار سوريا، وتطوير بنيتها التحتية للطاقة، وتأهيل شبكة النقل فيها».
واعتبر فيدان أن «المشاريع الإقليمية ستلعب دوراً مهماً في هذا الصدد؛ إذ تُعدّ مبادرة الربط البري والسككي التي أطلقناها بين تركيا وسوريا والسعودية والأردن بالغة الأهمية في هذا السياق. وقد بدأنا العمل على تنفيذ هذه المبادرة الاستراتيجية في أسرع وقت ممكن بناءً على قرار قادتنا».
ونوّه باكتمال إجراءات الحصول على التراخيص اللازمة لافتتاح مدرسة تركية في دمشق، وقال: «نسعى جاهدين لجعلها جاهزة للعام الدراسي الجديد، كما تتسارع وتيرة العمل لإنشاء جامعة تركية - سورية مشتركة. ويُعدّ القطاع الصحي أحد المجالات التي نعمل فيها بكثافة مع سوريا، وفي الوقت نفسه نسعى للمساهمة في اندماج سوريا في النظام المالي العالمي. ويُعدّ السماح للبنك المركزي السوري بفتح حساب بالليرة التركية لدى بنكنا المركزي، خطوة بالغة الأهمية في هذا الصدد. وسنُنفّذ خلال الفترة المقبلة مشاريع جديدة تتماشى مع هدفنا المتمثل في تعزيز العلاقات التركية - السورية».
اتفاق دمج «قسد»
من جانبه، قال وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني إن التعاون بين بلاده وتركيا مهم بالنسبة لأمن واستقرار المنطقة، لافتاً إلى اتفاق البلدين مؤخراً على تشكيل آلية تنسيق، ومجلس تأسيسي استراتيجي للعلاقات، لترجمة الإرادة السياسية باتجاه تعزيز التعاون بين البلدين في مختلف المجالات السياسية والاقتصادية والتجارية، والتعاون بين البنكين المركزيين للبلدين، وغير ذلك.
وأضاف أن دمشق وأنقرة تتعاونان في مكافحة الإرهاب، وأن هذا التعاون يشكّل حجر الزاوية في الشراكة بين البلدين، ويتجسد هذا الأمر في قرار دمشق بسط سلطة الدولة وإنهاء وجود السلاح خارج إطار القانون، وهو ما تم من خلال الحوار والاتفاق القانوني الذي وحّد المؤسسات، في إشارة إلى اتفاق دمج قوات «قسد» في مؤسسات الدولة، ليكون الاستثمار الأكبر في أمن الجوار.
وأكد الشيباني أن سوريا الموحدة الخالية من الإرهاب والميليشيات المسلحة تشكل الجدار الأمثل لحماية الحدود المشتركة، لافتاً إلى «التنسيق مع أنقرة لضمان نجاح هذا المسار تحقيقاً لمصالحنا الوطنية المشتركة».
وأوضح أن «هذا الإنجاز السوري بحصر السلاح في يد الدولة يبشّر بمرحلة جديدة لجارنا الإقليمي (تركيا)، فالمنطقة تتجه إلى إرساء قاعدة وحيدة هي الاستقرار، قوامها إنهاء وجود أي تشكيلات مسلحة خارج الإطار الشرعي».
وأضاف أنه ونظيره التركي اتفقا على «دعم المساعي والخطوات التي يقودها أشقاؤنا في العراق ولبنان لتعزيز سيادة الدولتين، وحصر السلاح بيد المؤسسات الوطنية بما ينهي أي زعزعة أو اضطراب لاستقرار المنطقة».
ولفت إلى أن «نجاح هذا المسار في الدول الشقيقة يضمن استقرارها الداخلي المستدام، ويشكّل مع الإنجاز السوري شبكة أمان إقليمية متكاملة تحصّن منطقتنا، وتدفع بها نحو التنمية والازدهار».
ضمن هذه الرؤية الشاملة للأمن لفت الشيباني إلى ترافق «جهودنا لترسيخ الهدوء شمالاً مع عقل دبلوماسي حازم لوقف الانتهاكات الإسرائيلية المتكررة في جنوبنا السوري، ونحن نعمل بثبات لترسيخ الاستقرار هناك، ونؤكد إدانتنا واستنكارنا لأي اعتداء يمس أرضنا وسيادتنا، وينعكس سلباً على أمن واستقرار المنطقة بأسرها».
وجدّد الدعوة للعودة إلى اتفاقية وقف الاشتباك لعام 1974 والانسحاب إلى خطوط ما قبل 8 ديسمبر (كانون الأول) 2024، ودعا الدول الشقيقة والصديقة والمجتمع الدولي إلى «تحمُّل مسؤولياتها من أجل إنفاذ القانون الدولي، والحفاظ على الاستقرار في سوريا والمنطقة».
التعاون الإقليمي
وتابع الشيباني أن تحقيق الاستقرار الأمني يمهد بثبات لملف الربط الإقليمي، لافتاً إلى أنه ناقش مع فيدان تفعيل اتفاقية البحار الأربعة، وأن «الحقائق التاريخية والجغرافية تحتّم أن تكون سوريا هي العقدة الرئيسية في خرائط التجارة العالمية، وندفع بثقة باتجاه استكمال مشروع الربط السككي بين سوريا والسعودية وتركيا والأردن، والذي يمثل دور سوريا فيه جسراً اقتصادياً وتجارياً فعلياً، يعزز دورها كجسر دبلوماسي فاعل في المنطقة. ومن هذا المنطلق سيتم البناء على هذا النموذج الإيجابي مع تركيا لتفعيل اللجان الفنية المشتركة وإدارة الموارد المائية بما يخدم مصلحة الشعبين».
وفيما يتعلق بالحرب بين الولايات المتحدة وإيران، أكد الشيباني أن موقف سوريا ينطلق من الدبلوماسية الفاعلة لحماية مصالحها الوطنية، وتجنيب المنطقة ويلات الانزلاق نحو الصراع المفتوح.
وعبّر عن «استنكار سوريا الشديد لأي ضربات أو اعتداءات تطول دول الخليج العربي، ونؤكد أن تحييد أمن الخليج عن هذه المواجهة هو ضرورة قصوى، واستقرار هذه الدول الشقيقة هو جزء لا يتجزأ من منظومة الأمن الإقليمي»، داعياً دول المنطقة لتعزيز التعاون السياسي والأمني والعسكري لحماية مصالح الجميع وضبط الحدود.
وأشار إلى أن أمن سوريا يتعرض لتهديدات من جانب ميليشيات تستخدم حدود الجوار وتحمل السلاح خارج إطار الدولة، وأن مؤسسات الدولة السورية تعمل على مواجهة هذه التهديدات بكل حزم بما يحفظ أمنها وسلامة شعبها، مؤكداً أنه سيتم العمل على تعزيز أمن الحدود بالطرق التقنية، وبالتنسيق مع الدول المجاورة في مواجهة هذه التهديدات.

وذكر أن المباحثات مع فيدان تطرقت إلى عودة السوريين إلى بلادهم بوصفها أولوية وطنية عليا لدمشق، وقال: «نعتبر العائدين هم طاقة البناء الأساسية لسوريا، وندرك أن استدامة هذه العودة تتطلب تهيئة الأرضية التنموية والبنى التحتية الضرورية من خدمات وكهرباء ومدارس وصحة وغيرها»، لافتاً إلى المسار العملي مع الجانب التركي لربط مشاريع العودة ببرامج التعافي المبكر بشكل مباشر وفعّال. وشدد على أن الحدود المشتركة مع تركيا، وهي الأطول، ستبقى مساراً للتجارة والازدهار والأمن المتبادل، وجسراً بين الشعبين والبلدين.
