يقف «حزب الله» أمام عدم تجاوب القوى السياسية مع دعوة أمينه العام نعيم قاسم إلى الحوار، ويكاد يغرد وحيداً، لأن من يتوخى التواصل مع خصومه، كما يقول مصدر وزاري لـ«الشرق الأوسط»، لا يقحم نفسه في اشتباك سياسي مع رئيسَي؛ الجمهورية، العماد جوزيف عون، والحكومة، نواف سلام، ولن يجد من يناصره في حملاته عليهما حتى من قِبل حليفه رئيس المجلس النيابي نبيه بري الذي يدخل في مرحلة تنقية الأجواء بتواصله معهما، رغم أن معظم نوابه ينظرون إلى «اتفاق الإطار» على أنه مضيعة للوقت والمال، ما يعني أنهم يراهنون على «مذكرة التفاهم» الإيرانية-الأميركية التي ما زالت معلقة بانتظار معاودة المفاوضات بين البلدين.

فدعوة قاسم إلى الحوار يتعاطى معها خصومه، حسب المصدر الوزاري، كأنها لم تكن طالما أنه يتمسك بسلاحه ويرفض حصريته بيد الدولة، ويتصرف وكأن إسناده لغزة وإيران، بتفرده بقرار السلم والحرب، لم يُحدث زلزالاً سياسياً وأمنياً في البلد، من دون أن يرد على مضي إسرائيل في خروقها واعتداءاتها.
حتى إن الحزب لم يبادر إلى تبني التفجير الذي أدى إلى سقوط قتيلين و7 جرحى من الجيش الإسرائيلي في منزل مفخخ في بلدة مجدل زون، وربما بنصيحة من بري شخصياً، بخلاف تبنّيه إطلاق 6 صواريخ انتقاماً لاغتيال إسرائيل للمرشد الإيراني علي خامنئي، رغم تعهده له بعدم التدخل إسناداً لإيران، فهل يصمد في موقفه بعدم إعطاء إسرائيل ذريعة لتصعيد اعتداءاتها.
وفي هذا السياق، قال المصدر الوزاري، إن «حزب الله» يرفض التعليق على التفجير المفخخ، في مقابل عدم استبعاد مصدر في «الثنائي الشيعي» بأن يكون التفخيخ إسرائيلياً، فيما يأمل مصدر وزاري من الحزب ثباته على موقفه.
وتوقف أمام شراء إسرائيل و«حزب الله» الوقت من موقع الاختلاف في أهدافهما، وقال إن الأولى أن تشتريه بالضغط بالنار على لبنان لقطع المرحلة الزمنية التي تفصل رئيس حكومتها بنيامين نتنياهو عن موعد إجراء انتخابات الكنيست في 27 أكتوبر (تشرين الأول) المقبل من دون أن يقدّم تسهيلات لتطبيق «اتفاق الإطار» في ضوء اتهامه لبنانياً بعرقلة تنفيذه وتفهُّم واشنطن للموقف اللبناني، إلا إذا ثبت العكس بالضغط عليه لإحداث خرق يُعوّل عليه تتويجاً لاختتام الجولة السابعة للمفاوضات التي استضافتها روما للمرة الثانية، لكونه يحدث نقلة نوعية بتأمين ديمومتها وإخراجها من المراوحة، وهذا ما يتطلع إليه لبنان برهانه على تدخل الرئيس دونالد ترمب شخصياً.

وفي المقابل، فإن «حزب الله»، حسب المصدر، لا يزال يراهن على شراء الوقت باتباعه استراتيجية الصبر وامتناعه عن الرد على الخروق الإسرائيلية، رغم تهديد قاسم بعدم العودة بالوضع إلى ما قبل 2 مارس (آذار). ولفت إلى أن الحزب يتعاطى مع الجولة السابعة للمفاوضات على أنها مضيعة للوقت، وهو يتناغم مع موقف بعض نواب بري الذي يربط موقفه بالنتائج على طريق جدولة الانسحاب الإسرائيلي وتوسيع «المناطق التجريبية» التي ينتشر فيها الجيش، على أن تشمل بلدات ومدناً محتلة مشروطة بتثبيت وقف إطلاق النار والأعمال العدائية لتأمين عودة النازحين إلى قراهم، وذلك بخلاف حليفه الذي يضع كل أوراقه في السلة الإيرانية ويتصرف حالياً وكأن الظروف السياسية تميل إلى مصلحة إعادة الاعتبار لـ«مذكرة التفاهم» كونها البديل لـ«اتفاق الإطار» الذي لم ينفك نوابه عن الدعوات لإسقاطه.
وسأل المصدر ما إذا كان «حزب الله» وإسرائيل يصران على شراء الوقت لأهداف متضاربة من موقع العداوة، أم أن التدخل الأميركي سيؤدي إلى إنقاذ روما-2 من المراوحة كما تعهّد ترمب لنظيره اللبناني عون في قمة واشنطن بتوفير كل الدعم لتسهيل تطبيق «اتفاق الإطار» بوصفه خياراً لا بديل عنه لفصل المسار اللبناني عن الإيراني، وعدم إبقائه أسيراً لشراء الوقت، وبالتالي تحريره من رهانهما الذي يطيل تخبط لبنان في أزماته.
ورأى أن دعوة قاسم للحوار تأتي في سياق تقطيعه للوقت، وإلا ما الجدوى من دعوته مع هجومه على عون وسلام وانقطاع تواصله مع خصومه بما فيهم معظم حلفائه الذين تفرّقوا عنه بإسناده لغزة وإيران، بخلاف تعهده سابقاً بطي الخلاف معهم لمصلحة فتح صفحة جديدة تعبّد الطريق أمام انطلاق حوار يبدو أن لا جدوى منه طالما أن قاسم باقٍ على مواقفه ويريد من الآخرين الحوار على أساسها، من دون أن يأخذ بعين الاعتبار أن إقحام لبنان في حروب الآخرين أدخل البلد في مرحلة سياسية-أمنية غير تلك التي كانت قائمة قبل انضمامه إلى جانب حركة «حماس» في حربها مع إسرائيل.
وأكد أن هجومه على عون-سلام جاء بعد نفاد صبره، أي قاسم، من الرهان على أن سحب الحكومة لأوراق اعتماد محمد رضا شيباني سفيراً لإيران في بيروت في طريقه للتوصل إلى تسوية تؤدي إلى تثبيته في موقعه قبل حلول 25 أغسطس (آب) الحالي، وهو موعد انتهاء العمل بسمة الدخول التي أُعطيت له من باب المجاملة لتقديم أوراقه لحظة وصوله إلى مطار رفيق الحريري الدولي.

وأكد المصدر أن الحزب كان قد انقطع عن الحوار مع عون، واستعاض عنه بالتواصل من حين لآخر وعندما تستدعي الظروف، بالمستشار الرئاسي العميد أندريه رحال، مع أنه كلّف النائب حسن فضل الله بملف العلاقات الرئاسية الذي كان أُسند سابقاً لرئيس كتلة «الوفاء للمقاومة» محمد رعد. وقال: لم يحصل أي لقاء بين عون وفضل الله الذي استعاض عنه بفتح النار، بالمعنى السياسي للكلمة، على رئيس الجمهورية، موصداً بذلك الأبواب أمام معاودة إحياء الحوار، وهذا ما ترتب عليه تحميل عون الحزب مسؤولية انقطاعه عن الحوار، لأن من يتطلع إليه يجب أن يكون في غنى عن الاتهامات التي ساقها لرئيس الجمهورية، لافتاً إلى أن مثل هذه الحملات المنظمة عليه كانت وراء ارتفاع منسوب الحصار السياسي على الحزب بانضمام معظم القوى إلى جانب عون بتحميل الحزب مسؤولية إطاحته بالحوار، مع أنه يتطلع إليه للتوصل إلى تسوية لسلاحه بمنأى عن إقحام البلد في صدام. ورأى أن الحزب بحملاته أخطأ في تقديره بأن استهدافه لعون سيدفعه للتدخل مباشرة لصرف النظر عن سحب أوراق اعتماد السفير شيباني، وتعاطيه مع قرار مجلس الوزراء بفرض حظر على النشاط العسكري والأمني للحزب وكأنه لم يكن، مؤكداً أن نقاط الخلاف لن تُحل بالابتزاز، وإنما بالحوار على قاعدة الاحتكام أولاً وأخيراً لمصلحة البلد، وأين تكمن؟
لذلك يبقى السؤال: هل يستمر الحزب ونتنياهو في شرائهما للوقت، أم أن روما-2 سيفاجئهما باتخاذ قرارات تنفيذية بضغط أميركي تعيد الحرارة السياسية للرهان على «اتفاق الإطار» باعتباره الخيار الأوحد لإخراج لبنان من أزماته.
