من الغريب أن يحمل أحد أشهر أفلام الحبّ في تاريخ السينما اسم شيء لا يعيش أكثر من دقائق. ليست وردة ولا قلباً ولا قبلة ولا عاشقَيْن... إنها مظلّة. ومن تحتها، قدَّمت كاترين دينوف الأداء الذي كرّس مكانتها العالمية.
يُمهّد العنوان للفكرة التي سيُبنى عليها الفيلم. فمخرجه جاك ديمي (1931- 1990) اختار شيئاً يُفتح عند الحاجة ثم يُطوى ويُحمَل في اليد، ويختفي من المشهد عندما تتبدَّل السماء. اختار ألصق الأشياء بالطقس؛ لأنّ العاطفة عنده تعيش في المناخ، تتأثَّر بما يحيط بها ولا تنفصل عنه.
هكذا بدأ أحد أكبر صنّاع الفيلم الغنائي تأثيراً من أبسط العناصر ليؤسِّس عليها عالمه، فخرج فيلم أصبح محطّة مفصلية في تاريخ هذا النوع السينمائي، جاعلاً الإنسان أثقل من الحدث، والزمن أبلغ من الوعد.

يخرج الحبّ في «مظلّات شيربورغ (Les Parapluies de Cherbourg)» من صورته المجرّدة ويدخل الحياة بكلّ ما تحمله من حسابات وضغوط ومفاجآت. الحرب والعمل والعائلة وضيق العيش ومرور السنوات، تصبح قوى تشارك في رسم مصيره، تماماً كما تفعل المشاعر. يكبُر الفيلم كلّما اتّسع العالم من حول شخصياته. العاطفة لا تغيب، لكنها تكفُّ عن الانفراد بالمشهد. عندها يصبح قراءةً في الإنسان أكثر منه في الحبّ.
وهذه القراءة تمتدّ إلى القرار الأجرأ فيه. الجميع يُغنّي، ويجري اللحن في كلّ ما يُقال، من أكبر اللحظات حساسية إلى أبسطها. حديث عن متجر أو دَيْن أو قطعة غيار، يحمل القيمة الموسيقية التي تحملها كلمات الحبّ. يختفي التمييز بين ما اعتادت السينما تصنيفه لحظةً كبيرة وما تراه انتقالاً بين مشهد وآخر. يعرف جاك ديمي أنّ الإنسان لا يُدرك اللحظة التي تغيَّرت فيها حياته وهو يعيشها. يكتشفها متأخّراً بعد أن تصبح جزءاً من ماضيه. لذلك يُحمِّل الفيلم بأكمله هذه العاطفة ولا يحصرها في مَشاهد محدّدة. يمنح المتفرّج رؤيةً أبعد، فينظر إلى الحياة بالطريقة التي ينظر بها الزمن إليها.

ثم يرفض أن يربط الألوان بالحكاية. لا يطلب منها أن تحزن مع شخصياته ولا أن تواسيها. فشيربورغ مدينة لا تستجيب لما يجري في داخل مَن يعيشون فيها. الأزرق يبقى أزرق، والوردي يبقى وردياً، والواجهات على حالها. لا يعترف العالم بالمآسي الفردية؛ لأنّ الإنسان وحده يحمل أثر ما عاشه.
وحين يُغنّي الجميع، يصبح الباطن مسموعاً بالقدر الذي يصبح فيه الكلام مسموعاً. فما يبدو غناءً، ليس سوى الحقيقة وقد خرجت من داخلها كلّ الزوائد. لذا تحمل موسيقى ميشال لوغران الفيلم من أوله إلى آخره. فهي تتدفّق في عروق الصورة وتكشف الخيط الذي يربط ما تعيشه الشخصيات الآن بما ستتذكره بعد سنوات. اللحن يلامس الحاضر ويترك في كلّ نغمة صدى لما انقضى وظلاً لما لم يحدث بعد.
وتسير الصورة في «مظلّات شيربورغ» وفق الدقة التي تسير بها الموسيقى. تتنقّل الألوان بين الشوارع وورق الجدران والملابس والسيارات، في تكوين بصري يجعل كلّ كادر أشبه بلوحة. ومع ذلك، لا تعكس هذه الألوان ما يدور في نفوس الشخصيات. يضع جاك ديمي المشاعر في مواجهة عالم لا يتوقّف من أجلها، ويمنح المكان وجوداً كاملاً مستقلاً عن مصائر مَن يَعبرونه. وفي هذا الاختيار البصري تتجلّى رؤيته. فالعالم يعيش وفق منطقه وليس وفق تقلّبات العاطفة.

يصل هذا التصوّر إلى خاتمته في المشهد الأخير. فالثلج أكثر من فصل من فصول السنة. إنه السكون الذي يتركه الزمن وراءه بعد أن يستقرَّ كلّ شيء في مكانه. يُغطّي الطرقات والسيارات والمدينة بالبياض نفسه، كأنّ السنوات أذابت الفارق بين ما عاشه الإنسان وما صار عليه. ويأتي اللقاء متأخّراً بين الحبيبين بما يكفي ليكشف أنّ الأيام لا تُبدّل المشاعر بالضرورة. إنها تُبدّل أصحابها، فيبقى الحبّ كما هو، بينما يصبح الإنسان شخصاً آخر.
وفي حديقة «متروبوليس»، يجد الفيلم طريقة مشاهدة تشبهه. يلتقي «مظلّات شيربورغ» (1964) مع «أومراو جان» لمظفر علي (2006)؛ أحد أبرز أفلام السينما الهندية التي تمزج الشِّعر والموسيقى والرقص الكلاسيكي، و«غرام في الكرنك» لعلي رضا (1967)؛ أحد أشهر الأفلام الغنائية المصرية، ضمن سلسلة «سينما الحبّ» التي تجمع ثلاث مقاربات للحبّ عبر ثلاث ثقافات وثلاث لغات سينمائية تحت سماء واحدة. والفيلم لم يُغلق أبوابه على عالم مكتفٍ بنفسه. فحضور شيربورغ في كلّ مشهد يجعل الأشجار المحيطة بالشاشة البيروتية والهواء والأصوات الآتية من الخارج، أقرب إلى استمراره منها إلى ما يُحيط به.
يُعيد جاك ديمي الحبّ إلى حجمه الحقيقي داخل السيرة البشرية. يتركه يُغيّر أصحابه ثم يترك الحياة تُغيّرهم أكثر. يحتفظ الحبّ بحرارته، لكنه يفقد سُلطة المستقبل. بهذا يكتب «مظلّات شيربورغ» فرادته. فالفيلم يبلغ اللحظة التي تكفُّ فيها المشاعر عن قيادة المسار، وتستقرّ على شكل طبقة عميقة داخل الإنسان، ثابتة في أثرها، متروكة في موقعها، بينما يواصل شقّ طريقه نحو ما تبقّى من عمره. عندها فقط يغدو الفَقْد شكلاً من أشكال المصالحة وتصبح مواصلة الحياة الوجه الأعمق نضجاً للحبّ.
