منزل بريطاني للتنصت على جنرالات نازيين يتحوّل إلى متحف يروي أسراراً من الحرب

صورة الواجهة الخارجية لمتحف «ترينت بارك» الجديد بعد افتتاحه مؤخراً في أنفيلد شمال لندن 29 يوليو 2026 (أ.ف.ب)
صورة الواجهة الخارجية لمتحف «ترينت بارك» الجديد بعد افتتاحه مؤخراً في أنفيلد شمال لندن 29 يوليو 2026 (أ.ف.ب)
TT

منزل بريطاني للتنصت على جنرالات نازيين يتحوّل إلى متحف يروي أسراراً من الحرب

صورة الواجهة الخارجية لمتحف «ترينت بارك» الجديد بعد افتتاحه مؤخراً في أنفيلد شمال لندن 29 يوليو 2026 (أ.ف.ب)
صورة الواجهة الخارجية لمتحف «ترينت بارك» الجديد بعد افتتاحه مؤخراً في أنفيلد شمال لندن 29 يوليو 2026 (أ.ف.ب)

يكشف متحف، افتُتح في منزل ريفي فخم، شمال لندن، قصة واحدة من أكثر عمليات الاستخبارات البريطانية سرية خلال الحرب العالمية الثانية، حين كان جنرالات نازيون يحتسون النبيذ ويتبادلون الأحاديث في طبقاته العليا، فيما كان فريق مختبئ في القبو يتنصت إلى كل ما يقولونه، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وتحوّل منزل «ترينت بارك» خلال الحرب إلى معسكر لاحتجاز أسرى الحرب من كبار ضباط الجيش النازي، قبل أن يصبح اليوم متحفاً يحمل اسم «منزل ترينت بارك للأسرار».

ويسلّط المتحف الضوء على دور فريق من الناطقين بالألمانية، كان معظم أفراده من اللاجئين اليهود، تولى الاستماع إلى محادثات الأسرى وتفريغ مقتطفات منها، تضمنت معلومات عسكرية سرية.

غرفة الرسم في متحف «ترينت بارك» الجديد بعد افتتاحه مؤخراً في أنفيلد شمال لندن 29 يوليو 2026 (أ.ف.ب)

وقال مدير المتحف، جوزيبي ألبانو، لوكالة الصحافة الفرنسية: «يُعَدُّ (ترينت بارك) جزءاً واحداً من شبكة بيوت للاستخبارات، لنُسمِّها كذلك، أشهرها بيت بليتشلي بارك».

ويقع «بليتشلي بارك» شمال لندن، وهو المنزل الريفي الذي نجح فيه عالم الرياضيات آلان تورينغ في فك شيفرة رسائل الجيش النازي، وقد تناول فيلم «لعبة المحاكاة» (The Imitation Game) الحائز جائزة أوسكار قصته.

وبحسب ألبانو، فإن ترينت بارك «يوازيه من حيث حجم المعلومات الاستخباراتية العسكرية التي تم الحصول عليها، والتي استخدمتها الحكومة البريطانية لتقصير مدة الحرب العالمية الثانية».

صورة غرفة التشغيل حيث كان يتم الاستماع إلى الأقراص من غرفة M في متحف «ترينت بارك» الجديد بعد افتتاحه مؤخراً في أنفيلد شمال لندن 29 يوليو 2026 (أ.ف.ب)

المعسكر رقم 11

وكان «ترينت بارك» جزءاً من شبكة من المنازل المخصصة للعمل الاستخباراتي والمجهزة بوسائل تنصت متشابهة، فيما كانت المعلومات المستخرجة من أحاديث الأسرى تُرسل إلى «بليتشلي بارك».

وقال ألبانو إن فكرة إيواء جنرالات نازيين في أجواء مريحة لاستدراجهم إلى كشف أسرارهم كانت «استراتيجية خبيثة وبالغة الذكاء».

وكان «ترينت بارك» معروفاً بديكوراته الداخلية العصرية في ثلاثينات القرن الماضي، حين كان مملوكاً لسياسي ثري استضاف شخصيات، من بينها تشارلي تشابلن وونستون تشرشل.

وأثناء الحرب، سلّمته الحكومة لوحدة استخبارات عسكرية شديدة السرية، وقام المهندسون بتركيب ميكروفونات مخفية في جميع أرجائه، حتى الحديقة.

وكانت الميكروفونات موصولة بأجهزة تنصت في الطابق السفلي، داخل غرف الخدم، حيث كانت المحادثات تُراقب على مدار الساعة.

واحتُجز في المنزل، الذي كان يُعرف آنذاك باسم المعسكر رقم 11، ما مجموعه 84 جنرالاً و22 ضابطاً من رتب أدنى بين عامي 1942 و1945.

وكان للأسرى خدم شخصيون يلبّون طلباتهم، كما كان يُسمح لهم بالخروج في رحلات نهارية.

ومن بين المحتجزين الجنرال ديتريش فون شولتيتس، قائد الحامية الألمانية في «باريس الكبرى»، الذي نُقل إلى «ترينت بارك» في أواخر أغسطس (آب) 1944 بعدما تحدى أوامر الزعيم الألماني أدولف هتلر بتدمير المدينة، ووقّع وثيقة الاستسلام.

صورة غرفة مراقب إجراءات الدفاع الجوي داخل متحف «ترينت بارك» الجديد بعد افتتاحه مؤخراً في أنفيلد شمال لندن 29 يوليو 2026 (أ.ف.ب)

أسرار الصواريخ

لم يكن يدرك الأسرى أن أحاديثهم مسموعة، سواء داخل الغرف أو قرب النوافذ أو في الحديقة، ما دفعهم إلى كشف أسرار عديدة، من بينها تفاصيل عن تطوير أول الصواريخ الباليستية، وهي صواريخ «في-2» (V-2).

وساعدت هذه المعلومات البريطانيين على قصف منشأة الأبحاث الخاصة بالصواريخ، ما أخّر استخدامها حتى عام 1944، حين استُهدفت لندن بها للمرة الأولى.

وبعد انتهاء الحرب، أزالت الحكومة البريطانية أجهزة التنصت، لكن بعض الأسلاك والتوصيلات بقيت في مكانها، وتُعرض حالياً في المتحف الذي افتُتح عقب عملية ترميم نفّذتها شركة عقارية.

كما أفرجت الحكومة عن نصوص المحادثات المسجلة، وأودعتها الأرشيف الوطني، لكن «بعض الأمور ما زالت سرية»، بحسب ألبانو.

ويمكن لزوار المتحف الاستماع إلى ممثلين يقرأون بعض تلك المحادثات داخل غرف تنصت أعيد تجسيدها.

وكشفت التسجيلات أن أحد الأسرى أشار إلى «موقع لاختبار الصواريخ» خلال حديث عن إمدادات النقانق المخصصة لكبار الضباط.

صورة ممر داخل متحف «ترينت بارك» الجديد بعد افتتاحه مؤخراً في أنفيلد شمال لندن 29 يوليو 2026 (أ.ف.ب)

كما اعترف بعض الأسرى بارتكاب فظائع، إذ قال فون شولتيتس: «أسوأ مهمة نفّذتها كانت تصفية اليهود».

لكن بريطانيا لم تقدّم هذه المعلومات إلى محاكمات جرائم الحرب، تجنباً لكشف الطريقة التي جُمعت بها.

وقال آدم غانز، مؤلف المسرحية الإذاعية «الاستماع إلى الجنرالات» التي بثتها «هيئة الإذاعة البريطانية»: «ما حدث في (ترينت بارك) كان مهماً للغاية بلا شك، ومن الجيد تخليد ذكراه».

وكان والده الراحل بيتر من بين الذين جُندوا للعمل ضمن فريق التنصت البريطاني، بعدما فرّ من ألمانيا حيث سبق أن احتُجز في معسكر «بوخنفالد».

وأضاف غانز أن والده، الذي أصبح أستاذاً في جامعة أكسفورد، لم يتحدث علناً قط عن عمله خلال الحرب، لكنه قال: «أظنه كان يرى الأمر مدعاة للفخر، وكان ملتزماً به».

وأشار إلى أن الحكومة البريطانية ائتمنت أفراد فريق التنصت حينها على بعض أكثر أسرارها حساسية، من دون أن يعرف أحد طبيعة الدور الذي كانوا يؤدونه.

وأضاف: «من المهم أن يُعترف اليوم بقيمة ذلك الإسهام».


مقالات ذات صلة

الجيش البولندي يعترض مجدداً طائرة تجسس روسية فوق بحر البلطيق

أوروبا صورة نشرها وزير الدفاع البولندي على صفحته على «إكس» تظهر اعتراض سلاح الجوي البولندي لطائرة الاستطلاع الروسية («إكس»)

الجيش البولندي يعترض مجدداً طائرة تجسس روسية فوق بحر البلطيق

أعلنت الحكومة البولندية، الثلاثاء، أن القوات الجوية اعترضت طائرة استطلاع روسية فوق بحر البلطيق للمرة الثالثة خلال أيام قليلة.

«الشرق الأوسط» (وارسو)
أوروبا علم «الناتو» خارج مقره في العاصمة البلجيكية بروكسل (د.ب.أ)

بلجيكا تعتقل متدربة سابقة في «حلف الأطلسي» بتهمة التجسس

قال الادعاء العام البلجيكي، اليوم السبت، إن كندية من أصل صيني كانت تتدرب في المقر العسكري لـ«حلف شمال الأطلسي» في بلجيكا اعتُقلت للاشتباه بتورطها في أنشطة تجسس

«الشرق الأوسط» (بروكسل)
أوروبا علما «الاتحاد الأوروبي» وإيطاليا خارج سفارتها في موسكو يوم 29 مارس 2018 (رويترز)

روسيا تطرد ملحقاً عسكرياً إيطالياً و«متعاوناً» معه

أعلنت إيطاليا، الاثنين، أن روسيا طردت «من دون مبرّر» ملحقاً عسكرياً في بعثتها وأحد «المتعاونين» معه.

«الشرق الأوسط» (موسكو)
الولايات المتحدة​ قالت وزارة الخارجية الأميركية إن كوبا «تسلّلت إلى أعلى مراتب الحكومة الأميركية وجنّدت ورعت أجيالاً من النشطاء الأميركيين وساندت موجة غير مسبوقة من الإرهاب اليساري على الأراضي الأميركية» (رويترز)

أميركا تتهم كوبا بإدارة حملة تجسس في أعلى المستويات

اتهمت الولايات المتحدة، الاثنين، كوبا، بإدارة حملة تجسس امتدت لعقود، قائلةً إن هافانا نجحت في اختراق أعلى مستويات الحكومة في واشنطن.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
أوروبا عناصر شرطة خارج مقر شرطة العاصمة البريطانية لندن (رويترز - أرشيفية)

الشرطة البريطانية توجّه تهماً بالتجسس لرجل على صلة بإيران

قالت الشرطة البريطانية، الجمعة، إنها وجّهت اتهامات لرجل يبلغ من العمر 39 عاماً للاشتباه في قيامه بمساعدة جهاز مخابرات أجنبي، مضيفة أن التحقيق يتعلّق بإيران.

«الشرق الأوسط» (لندن)