يبني عرض «215» من شهادات خرجت من أماكن الاعتقال والاختفاء القسري عالماً فنياً يُعيد إلى أصحابها وجوههم وأصواتهم، ويمنع التجربة من أن تُختصر في أرقام أو سطور قليلة. كتبت ديمة نشاوي العمل وأخرجته انطلاقاً من شهادات واقعية لمعتقلين ومعتقلات من سوريا ومناطق أخرى في غرب آسيا وشمال أفريقيا، ثم أعادت بناء هذه المواد داخل حكاية تتّسع لأكثر من زمن ومكان وشخصية. ومن دون أن يكشف العرض عن مصائر أبطاله منذ البداية، فإنه يضعنا أمام بشر حَمَل كلٌّ منهم تاريخه الشخصي إلى مكان أُريد له أن يمحو الفوارق بينهم ويجرّدهم من ماضيهم.

يدخل الغرباء إلى «215» من مدن وبيوت وتجارب مختلفة. بينهم امرأة حامل، وطالبة جامعية، وعروس، ومغنّية، ورجال... يحملون قصص الحبّ والعائلة والكتب والأصدقاء. يجمعهم المكان قسراً، ثم تنشأ بينهم صلات لم تكن مُمكنة خارجه. لا تتحرّك الحكايات في خطوط منفصلة؛ إذ تتبادل الشخصيات الذكريات والخوف والحنان، ويجد كلّ واحد منها جزءاً من حكايته لدى الآخر. الحكايات التي يتبادلها السجناء لا تُغيّر واقعهم، لكنها تمنع ذاكرتهم من الانطفاء.
هذا العمل امتداد لمشروع ديمة نشاوي الفنّي. فهي راوية بصرية تنشغل منذ سنوات بالذاكرة السورية والحكايات التي قد تختفي مع أصحابها، وبالعلاقة بين الإنسان ومدينته وبيته وما فقده. تستخدم الرسم والتحريك ومسرح الدمى والحكي لتمنح الذاكرة شكلاً يمكن تداوله وحَمْله. أعمالها تُعيد الماضي إلى الحاضر من خلال صورة أو جسد أو صوت، وتبحث عمّا تركته الوقائع الكبرى في العلاقات والبيوت والذكريات.

في «215»، تؤدّي نشاوي دور الراوية التي تقود الجمهور بين الحكايات. نسمع صوتها قريباً وحميماً، فيما تتحوّل الكلمات أمامنا أجساداً سوداء تتحرّك بين الضوء والعتمة. هذه قوة خيال الظلّ. فالراوية موجودة والشخصيات غائبة جسدياً، ومع ذلك تكتسب حضوراً كاملاً على الشاشة. تتحرّك الدمى والأيدي والقصاصات والرسوم، تكبُر الظلال وتصغر، تتقدَّم ثم تنسحب، ويصنع الضوء لكلّ شخصية هيئة مؤقتة، كأنها خرجت من الذاكرة للحظات قبل أن تعود إليها.

يمنح هذا الفنّ الموضوع لغةً أخرى يحتاج إليها. التجارب التي ينطلق منها العرض ثقيلة، وقد تنزلق بسهولة إلى السرد التوثيقي المباشر أو الاستعادة القاسية للألم. تختار نشاوي طريقاً أخرى، فلا تُخفّف حقيقة ما جرى، ولا تعرضه بطريقة تستنزف المُشاهد. تنقل الشهادة من لغة التقرير إلى لغة الصورة، فيستطيع الظلّ أن يقول ما يصعب على الجسد الحيّ تمثيله. ما نراه هو الأثر الذي تتركه غرفة الاعتقال في النفس. يد تكبر حتى تملأ الشاشة، باب يحجب الضوء، خيط يصل بين مصائر بعيدة، وشخصية تبحث عن فتحة في الجدار.

تُشارك في صنع هذا العالم سهى نادر وماريليز عاد في تحريك الدمى، فيما تولّى وليد دكروب مهمّة الاستشارة في صناعتها، وصمَّمت نشاوي الدمى وصنعتها، إلى جانب شادي الملحم في صناعتها وإدارة الخشبة. لهذا تبدو الحركة دقيقة ومُحمَّلة بالمعنى. فالعرض يترك اليد التي تحرّك الدمية تمرُّ أمام أعيننا من حين إلى آخر، فيبقى فعل الحكي مكشوفاً ويبقى مَن يحمل الحكاية حاضراً فيها.
تُرافق موسيقى فرح قدور الحكايات، وتمنحها طبقة أخرى من الإحساس. الأغنية تحفظ المكان والأهل واللغة، وتمنحُ الشخصيات قدرة على استعادة عالمها الداخلي عندما يضيق العالم المُحيط بها. ويواكب تصميمُ مروان طعمة الصوتَ تحوّلاتِ العرض، من دون أن يلفت الانتباه إلى نفسه. أما البناء الدرامي الذي شارك فيه علاء الدين العالم، فيحافظ على توازن بين الحكايات الشخصية وما تعكسه من تجربة إنسانية أشمل.
عُرضت المسرحية ليلاً على سطح «استوديو ألفرد طرزي» في منطقة برج حمود البيروتية، فدخل فضاءُ المدينة في التجربة. العتمة أحاطت بالمشاهدين وجعلت كلّ بقعة ضوء أَحَدّ. الهواء المفتوح، وأصوات المنطقة البعيدة، والسماء فوق الشاشة... وسَّعت معنى العرض.

تصل «215» إلى عمقها حين تبتعد عن اختصار الإنسان في ما تعرَّض له. الشخصيات تحمل الحبّ والمزاح والكتب والقصائد والبيوت والولادات والأغنيات. هذا الامتلاء هو خصوصية المسرحية. فالتجربة القاسية لا تملك الكلمة الأخيرة ما دام الإنسان قادراً على تذكُّر اسمه، وعلى مناداة الآخر، وتخيُّل شمس لا تصل إليها الجدران. وفي هذا الاختيار تكمن أهمية عمل ديمة نشاوي. فهي تصنع للشهادات لغةً فنية تحفظ إنسانيتها وتُعيد أصحابها إلى المشهد على هيئة أشخاص أحبّوا وحلموا، لا ضحايا ابتلعهم ما عاشوه.
