«215»... شهادات الاعتقال تُروَى بلغة الظلّ والحكاية

ديمة نشاوي تبني عالماً مسرحياً يرى الإنسان قبل مأساته

تحمل ديمة نشاوي الحكاية بحذر... كما لو أنها أمانة (الشرق الأوسط)
تحمل ديمة نشاوي الحكاية بحذر... كما لو أنها أمانة (الشرق الأوسط)
TT

«215»... شهادات الاعتقال تُروَى بلغة الظلّ والحكاية

تحمل ديمة نشاوي الحكاية بحذر... كما لو أنها أمانة (الشرق الأوسط)
تحمل ديمة نشاوي الحكاية بحذر... كما لو أنها أمانة (الشرق الأوسط)

يبني عرض «215» من شهادات خرجت من أماكن الاعتقال والاختفاء القسري عالماً فنياً يُعيد إلى أصحابها وجوههم وأصواتهم، ويمنع التجربة من أن تُختصر في أرقام أو سطور قليلة. كتبت ديمة نشاوي العمل وأخرجته انطلاقاً من شهادات واقعية لمعتقلين ومعتقلات من سوريا ومناطق أخرى في غرب آسيا وشمال أفريقيا، ثم أعادت بناء هذه المواد داخل حكاية تتّسع لأكثر من زمن ومكان وشخصية. ومن دون أن يكشف العرض عن مصائر أبطاله منذ البداية، فإنه يضعنا أمام بشر حَمَل كلٌّ منهم تاريخه الشخصي إلى مكان أُريد له أن يمحو الفوارق بينهم ويجرّدهم من ماضيهم.

ما تحرَّكت دمية... نهضت ذاكرة (الشرق الأوسط)

يدخل الغرباء إلى «215» من مدن وبيوت وتجارب مختلفة. بينهم امرأة حامل، وطالبة جامعية، وعروس، ومغنّية، ورجال... يحملون قصص الحبّ والعائلة والكتب والأصدقاء. يجمعهم المكان قسراً، ثم تنشأ بينهم صلات لم تكن مُمكنة خارجه. لا تتحرّك الحكايات في خطوط منفصلة؛ إذ تتبادل الشخصيات الذكريات والخوف والحنان، ويجد كلّ واحد منها جزءاً من حكايته لدى الآخر. الحكايات التي يتبادلها السجناء لا تُغيّر واقعهم، لكنها تمنع ذاكرتهم من الانطفاء.

هذا العمل امتداد لمشروع ديمة نشاوي الفنّي. فهي راوية بصرية تنشغل منذ سنوات بالذاكرة السورية والحكايات التي قد تختفي مع أصحابها، وبالعلاقة بين الإنسان ومدينته وبيته وما فقده. تستخدم الرسم والتحريك ومسرح الدمى والحكي لتمنح الذاكرة شكلاً يمكن تداوله وحَمْله. أعمالها تُعيد الماضي إلى الحاضر من خلال صورة أو جسد أو صوت، وتبحث عمّا تركته الوقائع الكبرى في العلاقات والبيوت والذكريات.

الحكايات تعرف كيف تعود حتى عندما يُغلّق كلّ باب (الشرق الأوسط)

في «215»، تؤدّي نشاوي دور الراوية التي تقود الجمهور بين الحكايات. نسمع صوتها قريباً وحميماً، فيما تتحوّل الكلمات أمامنا أجساداً سوداء تتحرّك بين الضوء والعتمة. هذه قوة خيال الظلّ. فالراوية موجودة والشخصيات غائبة جسدياً، ومع ذلك تكتسب حضوراً كاملاً على الشاشة. تتحرّك الدمى والأيدي والقصاصات والرسوم، تكبُر الظلال وتصغر، تتقدَّم ثم تنسحب، ويصنع الضوء لكلّ شخصية هيئة مؤقتة، كأنها خرجت من الذاكرة للحظات قبل أن تعود إليها.

النسيان أسرع من البشر... والفنّ أسرع من النسيان (الشرق الأوسط)

يمنح هذا الفنّ الموضوع لغةً أخرى يحتاج إليها. التجارب التي ينطلق منها العرض ثقيلة، وقد تنزلق بسهولة إلى السرد التوثيقي المباشر أو الاستعادة القاسية للألم. تختار نشاوي طريقاً أخرى، فلا تُخفّف حقيقة ما جرى، ولا تعرضه بطريقة تستنزف المُشاهد. تنقل الشهادة من لغة التقرير إلى لغة الصورة، فيستطيع الظلّ أن يقول ما يصعب على الجسد الحيّ تمثيله. ما نراه هو الأثر الذي تتركه غرفة الاعتقال في النفس. يد تكبر حتى تملأ الشاشة، باب يحجب الضوء، خيط يصل بين مصائر بعيدة، وشخصية تبحث عن فتحة في الجدار.

هناك مَن يغيب... وهناك مَن يرفض أن يختفي (الشرق الأوسط)

تُشارك في صنع هذا العالم سهى نادر وماريليز عاد في تحريك الدمى، فيما تولّى وليد دكروب مهمّة الاستشارة في صناعتها، وصمَّمت نشاوي الدمى وصنعتها، إلى جانب شادي الملحم في صناعتها وإدارة الخشبة. لهذا تبدو الحركة دقيقة ومُحمَّلة بالمعنى. فالعرض يترك اليد التي تحرّك الدمية تمرُّ أمام أعيننا من حين إلى آخر، فيبقى فعل الحكي مكشوفاً ويبقى مَن يحمل الحكاية حاضراً فيها.

تُرافق موسيقى فرح قدور الحكايات، وتمنحها طبقة أخرى من الإحساس. الأغنية تحفظ المكان والأهل واللغة، وتمنحُ الشخصيات قدرة على استعادة عالمها الداخلي عندما يضيق العالم المُحيط بها. ويواكب تصميمُ مروان طعمة الصوتَ تحوّلاتِ العرض، من دون أن يلفت الانتباه إلى نفسه. أما البناء الدرامي الذي شارك فيه علاء الدين العالم، فيحافظ على توازن بين الحكايات الشخصية وما تعكسه من تجربة إنسانية أشمل.

عُرضت المسرحية ليلاً على سطح «استوديو ألفرد طرزي» في منطقة برج حمود البيروتية، فدخل فضاءُ المدينة في التجربة. العتمة أحاطت بالمشاهدين وجعلت كلّ بقعة ضوء أَحَدّ. الهواء المفتوح، وأصوات المنطقة البعيدة، والسماء فوق الشاشة... وسَّعت معنى العرض.

الظلال تعرف الطريق إلى الذاكرة أكثر من الضوء (الشرق الأوسط)

تصل «215» إلى عمقها حين تبتعد عن اختصار الإنسان في ما تعرَّض له. الشخصيات تحمل الحبّ والمزاح والكتب والقصائد والبيوت والولادات والأغنيات. هذا الامتلاء هو خصوصية المسرحية. فالتجربة القاسية لا تملك الكلمة الأخيرة ما دام الإنسان قادراً على تذكُّر اسمه، وعلى مناداة الآخر، وتخيُّل شمس لا تصل إليها الجدران. وفي هذا الاختيار تكمن أهمية عمل ديمة نشاوي. فهي تصنع للشهادات لغةً فنية تحفظ إنسانيتها وتُعيد أصحابها إلى المشهد على هيئة أشخاص أحبّوا وحلموا، لا ضحايا ابتلعهم ما عاشوه.


مقالات ذات صلة

«أصوات عميقة» مسرحية فلسطينية تُذكّر بمعاناة النازحات في غزة

يوميات الشرق مسرحية «أصوات عميقة» تم عرضها ضمن فعاليات مهرجان «إيزيس» (الشركة المنتجة)

«أصوات عميقة» مسرحية فلسطينية تُذكّر بمعاناة النازحات في غزة

يضع العرض المسرحي «أصوات عميقة» ممثلته الفلسطينية - الأردنية تهاني سليم في مواجهة مهمة شاقة.

أحمد عدلي (القاهرة )
يوميات الشرق اعتمد العرض على ممثلات غير محترفات (إدارة مهرجان إيزيس المسرحي)

«للسيدات فقط»... يحاول الوصول إلى ما بعد المحطة النهائية

يستلهم العرض المسرحي المصري «للسيدات فقط... حتى التاسعة مساءً» فكرته من قصص السيدات اللواتي يتنقلن عبر مترو أنفاق القاهرة يومياً.

أحمد عدلي (القاهرة )
يوميات الشرق جانب من عرض «شنب البنات» في حفل افتتاح المهرجان (إدارة المهرجان)

«إيزيس المسرحي» يستعيد مسيرة «زهرة الصبار» سناء جميل

استعاد مهرجان «إيزيس الدولي» لمسرح المرأة، خلال حفل افتتاح دورته الرابعة، مسيرة «زهرة الصبار» الفنانة الراحلة سناء جميل، التي تحمل الدورة اسمها.

أحمد عدلي (القاهرة)
يوميات الشرق شارك العرض السعودي ضمن فعاليات ملتقى أولادنا بالقاهرة (الشرق الأوسط)

«حين رآني الغياب»... مسرحية سعودية عن إعادة اكتشاف الذات

قدّم العرض المسرحي السعودي «حين رآني الغياب» تجربة إنسانية تتوقف أمام واحد من أكثر الأسئلة ارتباطاً بعلاقة الإنسان بذاته وبنظرة الآخرين إليه.

أحمد عدلي (القاهرة )
يوميات الشرق في الحبّ... لا يأتي أحدٌ وحده (الشرق الأوسط)

«يلّا Unmatch»... ضحكاتٌ على مسرح العاطفة وأوجاعها المؤجَّلة

تتناول المسرحية تعقيدات الارتباط الإنساني، حيث لا يدخل المرء علاقاته العاطفية منفصلاً عن تاريخه الشخصي.

فاطمة عبد الله (بيروت)

بعد غياب... أعمال لفان جوخ وسيزان للبيع في مزاد بقيمة 450 مليون دولار

لوحة كاميل بيسارو «ساحة المسرح الفرنسي وشارع الأوبرا» (إ.ب.أ)
لوحة كاميل بيسارو «ساحة المسرح الفرنسي وشارع الأوبرا» (إ.ب.أ)
TT

بعد غياب... أعمال لفان جوخ وسيزان للبيع في مزاد بقيمة 450 مليون دولار

لوحة كاميل بيسارو «ساحة المسرح الفرنسي وشارع الأوبرا» (إ.ب.أ)
لوحة كاميل بيسارو «ساحة المسرح الفرنسي وشارع الأوبرا» (إ.ب.أ)

«مجموعة أسطورية»، هكذا عدَّ أحد خبراء الفن الانطباعي المجموعةَ التي أعلنت دار سوذبيز عن بيعها وقدرت لها مبلغاً يقارب نصف مليار دولار. المجموعة تضم اثني عشر عملاً فنياً من المدرسة الانطباعية وما بعد الانطباعية ظلت بعيدة عن الأنظار لعقود داخل مجموعة خاصة شهيرة في أميركا الجنوبية، بحسب تقرير لوكالة «أسوشييتد برس».

وأعلنت دار «سوذبيز» للمزادات أنه من المتوقع أن تسجل أعمال لفنسنت فان جوخ وبول سيزان أرقاماً قياسية لهذين الفنانين خلال المزاد المقررة إقامته في نيويورك يوم 18 نوفمبر (تشرين الثاني). وفي حال تحقق ذلك، فسيكون مؤشراً جديداً على أن جامعي الأعمال الفنية يسعون - في ظل الأوقات التي تتسم بعدم اليقين - إلى إيجاد ملاذ آمن لاستثماراتهم في روائع الفن.

لوحة بعنوان «أشجار الكستناء المزهرة» لفان جوخ تُقدر قيمتها بـ180 مليون دولار (سوذبيز)

تأتي هذه اللوحات من مجموعة الراحلة الأرجنتينية «نيلي أرييتا دي بلاكير» وزوجها «كارلوس بيدرو بلاكير» - قطب صناعة السكر - ويقوم أبناؤهما حالياً ببيعها. وتشمل المجموعة لوحة بعنوان «أشجار الكستناء المزهرة» (Châtaigniers en fleurs) لفان جوخ، والتي تُقدر قيمتها بـ180 مليون دولار، ولوحة «هارلكين» (Arlequin) لسيزان، التي تبلغ قيمتها التقديرية 120 مليون دولار؛ علماً بأن أياً من هاتين اللوحتين لم تُعرض أمام الجمهور منذ نصف قرن.

ووصفت هيلينا نيومان، رئيسة قسم الفن الانطباعي والحديث في «سوذبيز»، المجموعة بأنها أشبه بـ«متحف أورسي مصغر»؛ في إشارة إلى المتحف الباريسي الذي يضم واحدة من أعظم مجموعات الفن الانطباعي وما بعد الانطباعي في العالم.

وقالت نيومان: «خلال مسيرتي المهنية التي امتدت لأكثر من 30 عاماً في دار سوذبيز، لم أحظَ قط بشرف التعامل مع مجموعة بهذا المستوى من الجودة والقيمة الفنية».

وأشارت نيومان إلى أن لوحة فان جوخ التي تصور أشجار الكستناء المزهرة تجسد «انفجار الطاقة والحيوية» الذي شعر به الفنان عقب خروجه من المصحة النفسية في مايو (أيار) 1890، قبل أن يضع حداً لحياته بعد ذلك بشهرين. أما لوحة سيزان (هارلكين)، فهي واحدة من أربع لوحات رسمها الفنان لابنه وهو يرتدي زي شخصية «هارلكين» (المهرج)، في حين توجد اللوحات الثلاث الأخرى في متاحف كبرى.

لوحة بول سيزان (هارلكين) المعروضة في المزاد واحدة من أربع لوحات رسمها الفنان لابنه (إ.ب.أ)

وتضم المجموعة أيضاً لوحات لمناظر مدينة باريس بريشة كلود مونيه وكاميل بيسارو، ولوحة لسباق خيول لإدغار ديغا، ومشهداً لركوب القوارب لبيير أوغست رينوار؛ وتبلغ قيمة هذه الأعمال جميعها عشرات الملايين من الدولارات.

وقال خبير الفنون فيليب هوك، وهو مُنظِّم مزادات سابق في دار «سوذبيز»، إن هذه المجموعة «تُعدّ بالفعل أسطورية»، نظراً لأن مقتنيها لم يعيروا هذه الأعمال للمشاركة في أي معارض. وأضاف هوك: «لم يكن أحد يعلم حقيقة ما تحتويه المجموعة؛ لذا فإن الكشف عنها الآن يمثل أمراً مثيراً للغاية».

وتابع قائلاً: «لقد نجحوا في تكوين مجموعة تركز بذكاء شديد على اقتناء عمل فني واحد يمثل كل اسم من الأسماء البارزة (في الفن الانطباعي وما بعد الانطباعي)، وهو أمر بالغ الصعوبة؛ لقد حققوا ذلك بأسلوب رائع ونجاح باهر».

لوحة رينوار «فتاة صغيرة في قارب» (سوذبيز)

وأشارت نيومان إلى أن عملية البيع ستجذب على الأرجح اهتماماً عالمياً؛ إذ تتراوح قائمة المشترين المحتملين بين أثرياء قطاع التكنولوجيا الأميركيين ومؤسسات مرموقة في الشرق الأوسط، فضلاً عن هواة جمع الأعمال الفنية الأثرياء من أميركا الشمالية وأوروبا والشرق الأوسط وآسيا.

وقالت: «في ظل حالة عدم اليقين الجيوسياسي والاقتصادي العالمي السائدة، يبدو الأمر وكأن هناك عودة للأعمال الفنية الراسخة والموثوقة والمُختبرة عبر الزمن»، والتي تُعد «عظيمة بلا منازع». وأضاف: «إن هذه المجموعة الانطباعية - التي تضاهي في جودتها مقتنيات المتاحف - تُعد نادرة للغاية».


بيع قميص «الرقصة الأخيرة» لمايكل جوردان برقم قياسي تخطى 12 مليون دولار

نجم كرة السلة الأميركي مايكل جوردان (أرشيفية - رويترز)
نجم كرة السلة الأميركي مايكل جوردان (أرشيفية - رويترز)
TT

بيع قميص «الرقصة الأخيرة» لمايكل جوردان برقم قياسي تخطى 12 مليون دولار

نجم كرة السلة الأميركي مايكل جوردان (أرشيفية - رويترز)
نجم كرة السلة الأميركي مايكل جوردان (أرشيفية - رويترز)

بيع قميص ارتداه نجم كرة السلة الأميركي مايكل جوردان خلال أحد أشهر مواسم مسيرته المهنية في مزاد علني، الثلاثاء، مقابل 12.26 مليون دولار، ليصبح بذلك أغلى قميص للاعب كرة سلة يُباع في مزاد على الإطلاق، وفق ما ذكرته شبكة «سي إن إن» الأميركية.

وارتدى جوردان هذا القميص الأبيض، المصنوع من نسيج شبكي والمُزين برقمه الشهير «23»، خلال المباراة الثالثة من سلسلة نهائيات «الدوري الأميركي للمحترفين (NBA)» عام 1998.

وقد مثلت تلك الفترة ختام مسيرة جوردان مع فريق «شيكاغو بولز»، وهي الحقبة التي عُرفت باسم «الرقصة الأخيرة» أو «The Last Dance»، ووُثقت في سلسلة وثائقية تحمل الاسم نفسه أنتجتها شبكتا «إي إس بي إن» و«نتفليكس» عام 2020.

وخلال تلك المباراة الحاسمة ضد فريق «يوتا جاز»، قدم جوردان أداءً مذهلاً أمام جماهير فريقه؛ مما أسهم في تحويل مسار «شيكاغو بولز» خلال البطولة، والفوز بلقبه الـ6 في غضون 8 مواسم.

ويُعدّ هذا القميص القطعة الوحيدة من بين القمصان البيضاء التي ارتداها جوردان في مباريات حاسمة خلال نهائيات 1998 التي تُعرض للبيع؛ مما يجعله قطعة تذكارية نادرة للغاية، وذلك وفقاً لدار المزادات الإلكترونية «جوبيتر» التي نظمت عملية البيع.

وبهذا البيع أصبح القميص الأغلى في تاريخ مزادات قمصان كرة السلة، محطماً الرقم القياسي السابق الذي سجله قميص آخر لجوردان كان قد ارتداه في المباراة الأولى من السلسلة النهائية ذاتها.

وكانت شبكة «سي إن إن» قد أفادت سابقاً بأن القميص الأحمر اللون الذي ارتداه جوردان في المواجهة التي خسرها «شيكاغو بولز» قد بيع عام 2022 مقابل 10.1 مليون دولار.

ويحمل قميص أسطورة «كرة القاعدة (البيسبول)» الأميركية، بيب روث، الرقم القياسي الحالي لأغلى قطعة تذكارية رياضية بيعت على الإطلاق، حيث بيع مقابل 24.12 مليون دولار عام 2024. وارتدى روث هذا القميص خلال بطولة العالم للبيسبول عام 1932.


ألفرد طرزي يُعيد لبنان إلى ذاكرته... تاريخٌ صُنِع أيضاً من الصوَر

المعدن مثقوب بما يكفي لتمرَّ بيروت منه (الشرق الأوسط)
المعدن مثقوب بما يكفي لتمرَّ بيروت منه (الشرق الأوسط)
TT

ألفرد طرزي يُعيد لبنان إلى ذاكرته... تاريخٌ صُنِع أيضاً من الصوَر

المعدن مثقوب بما يكفي لتمرَّ بيروت منه (الشرق الأوسط)
المعدن مثقوب بما يكفي لتمرَّ بيروت منه (الشرق الأوسط)

على سطح «استوديو ألفرد طرزي» في منطقة برج حمود، تتوزَّع الصورة على ثلاث شاشات عمودية كبيرة. فوقها سماء بيروت ليلاً، وخلف المكان مدينة تُواصل حياتها فيما تستعيد الشاشات مدينة أخرى عرفها المكان ذات يوم. يتعاقب هتلر مُحاطاً بطوابع الرايخ، واستعراض راقص تُحيط به رسوم الأسطوانات، وصُوَر وملصقات وصحف ووجوه. تسعون دقيقة من تاريخ لبنان تراكمت طبقاتها كما تتراكم الذاكرة، بما حفظته وما أسقطته وما أعادت صياغته كلّما تغيَّر الحاضر.

البلد الذي كان يناقش مصيره كان يرقص أيضاً (الشرق الأوسط)

«التجربة اللبنانية» هي الفصل الثاني من مشروع الفنان ألفرد طرزي «بيان عاشق»، الذي يتألَّف من خمسة أجزاء تتعقَّب بيروت منذ صعودها مدينةً حديثةً عام 1860، حتى الاجتياح الإسرائيلي عام 1982. يتوقّف هذا الفصل عند السنوات الممتدّة من 1920 إلى 1958؛ من تشكُّل لبنان الحديث، إلى الاستقلال وما تلاه، يوم كانت بيروت تخوض إحدى أوسع مراحلها الثقافية والسياسية حراكاً، وتُشارك في صياغة حداثة امتدَّ أثرها إلى العالم العربي.

وجوه السينما يوم كانت تُحدّق في المارّة (الشرق الأوسط)

عند طرزي، لا يسير التاريخ وحده... تُرافقه الصحيفة والأغنية والصورة والفيلم والإعلان، وكلّ ما كان الناس يقرأونه ويسمعونه ويرونه وهم يعيشون ذلك التاريخ. قبل أن تصبح المرحلة فصلاً مكتوباً، كانت حاضراً تتنقّل فيه الأفكار عبر مطبوعة أو أغنية أو شاشة سينما. من هذه المواد يقترب الفيلم من سنواته الـ38، فيُعيد إلى الصورة مكانها داخل الحدث وقدرتها على حَمْل الأفكار ومَنْح القضايا وجوهاً وشعارات تصل إلى الناس وتسكن في ذاكرتهم.

هذه الأوراق قطعت طريقاً أطول مما توحي به خزائنها (الشرق الأوسط)

يهتم طرزي بالطريقة التي استخدمت بها الحركات السياسية والاجتماعية وسائل عصرها لنشر أفكارها، وبالدور الذي لعبه الفنانون والمصمّمون والموسيقيون في إعطائها لغة بصرية وصوتاً. هكذا يمتدّ المشروع إلى تاريخ الأفكار من خلال الأشكال التي خرجت بها إلى العلن وعاشت في المجال العام.

وجوه أكثر من أن تتّفق على صورة (الشرق الأوسط)

في «التجربة اللبنانية»، يُكبِّر طرزي بعض المواد الأرشيفية أمام العين حتى تستولي على الشاشة، ويُكرّر بعضها الآخر، أو يضعه في علاقة بصورة آتية من مصدر مختلف. تتوزَّع المادة أحياناً على الشاشات الثلاث، ويحتلّ مشهدٌ واحد وسطَها فيما تُواصل الصور حركتها على الجانبين. صحافة وتصميم وإعلان وسينما وتسجيلات تدخل المونتاج، فتتقارب مواد لم تولد معاً، وتظهر روابط لم تكن مرئية وهي موزَّعة في مصادرها الأصلية. كثافة الصور جزء من التجربة؛ فالفيلم يضع المُشاهد أمام وفرة ما أنتجته تلك العقود، ويطلب منه أن يرى التاريخ في ما كان يُحيط بالحدث أيضاً.

على ثلاث شاشات... لبنان كما التقطته عين عصره (الشرق الأوسط)

داخل الاستوديو، تظهر المواد التي رافقت طرزي طيلة سنوات عمله على الأرشيف. ملصقات سينمائية ومجلات وكتب ووثائق وملفات بقيت من مؤسّسات ثقافية أغلقت أبوابها أو تفرَّقت مقتنياتها. تحمل الأوراق آثار العُمر والاستعمال، فيما وجد بعضها طريقه إلى أعمال طرزي بعد القصّ والتركيب وإعادة الجمع. يلفت كولاج كبير يحتشد بالوجوه والشخصيات والرموز، حتى تضيق المسافات بينها ويصبح فصل رواية عن أخرى أصعب. ويستمرّ المعرض على السطح بتشكيلات معدنية مثقوبة ينساب الضوء من داخلها، وخلفها أبنية بيروت وأضواؤها.

ثلاثة إطارات لما تركته الحياة وراءها ولم يأخذه الغياب (الشرق الأوسط)

ألفرد طرزي، المولود في العاصمة عام 1980، درس التصميم الغرافيكي في الجامعة الأميركية، وأمضى أكثر من عقدين في جمع مواد من الذاكرة الثقافية اللبنانية وحفظها. واستعان «بيان عاشق» أيضاً بأرشيفات «مؤسّسة الدراسات الفلسطينية» و«الجامعة الأميركية» في بيروت و«جامعة الروح القدس - الكسليك»، إضافة إلى مجموعات خاصة. وهو أول أفلام طرزي؛ تولّى علاء فليفل قيادة التحريك، فيما أنجز فادي طبّال العمل الصوتي.

هتلر محاصراً بطوابعه... صفحة أوروبية داخل السرد اللبناني (الشرق الأوسط)

وراء هذا الاشتغال تاريخ لبناني وصل إلى أجيال لاحقة بروايات مختلفة، حملت كلّ منها ما حفظته وأسقطت أشياء أخرى. تمنح المواد التي جمعها طرزي فرصة للعودة إلى ما بقي خارج الروايات الأكثر حضوراً، ورؤية المرحلة من مصادر لم تتّفق دائماً في ما تقوله عن البلد والأحداث التي مرَّ بها.

ما بقي هنا كان يمكن بسهولة ألّا يبقى (الشرق الأوسط)

ومع انتهاء الدقائق التسعين، تختفي بيروت القديمة عن الشاشات وتبقى المدينة ممتدّة خلفها. تغيّرت الأبنية والوجوه، وغابت مؤسّسات وصحف ودُور سينما وأصوات كانت في يوم ما جزءاً من حياتها. إنما الصور التي خلّفتها تلك السنوات استطاعت أن تعبُر كلّ هذا الغياب. يُعيدها طرزي إلى الضوء، فتظهر بيروت في لحظة كانت لا تزال تصنع فيها ملامحها، من دون أن تعرف ما ينتظرها.