مصفاة الزاوية النفطية... ثروة ليبية في قلب النار

مخاوف من توقف إمداداتها البالغة 120 ألف برميل يومياً

جانب من مصفاة الزاوية في غرب ليبيا (شركة الزاوية لتكرير النفط)
جانب من مصفاة الزاوية في غرب ليبيا (شركة الزاوية لتكرير النفط)
TT

مصفاة الزاوية النفطية... ثروة ليبية في قلب النار

جانب من مصفاة الزاوية في غرب ليبيا (شركة الزاوية لتكرير النفط)
جانب من مصفاة الزاوية في غرب ليبيا (شركة الزاوية لتكرير النفط)

تُطوّق نيران الميليشيات المسلحة مصفاة الزاوية الليبية للنفط، وذلك منذ سقوط نظام الزعيم الراحل معمر القذافي قبل قرابة 15 عاماً.

ولم تتخلص الثروات النفطية في ليبيا من كونها رهينة في قبضة الفصائل المتناحرة؛ بين إغلاقات وتعطيل عمدي للإمدادات، أو وقوع المنشآت الحيوية في مرمى النيران المتبادلة -على غرار ما شهدته مصفاة الزاوية سابقاً- وهو ما يرتد سريعاً بشلل المرافق العامة، ومفاقمة أزمات انقطاع الكهرباء.

مستودع الزاوية النفطي بغرب ليبيا (أرشيفية من شركة البريقة لتسويق النفط)

وتقع الزاوية على بُعد 40 كيلومتراً غرب العاصمة طرابلس، وتضم أكبر مصفاة نفط عاملة في ليبيا بطاقة إنتاجية تبلغ 120 ألف برميل يومياً، كما ترتبط بحقل الشرارة النفطي، الذي تبلغ طاقته الإنتاجية 300 ألف برميل يومياً.

ومع الساعات الأولى من يوم الثلاثاء، اشتعلت المعارك في مدينة الزاوية بين ميليشياتها ذات النفوذ والسلاح الثقيل، لتتجدد المخاوف من وصول النيران إلى مخازن ومستودعات المصفاة، خصوصاً بعدما لوحظ استخدام المتناحرين طائرات «درون» للمرة الأولى.

وأهابت شركة الزاوية لتكرير النفط، الثلاثاء، بموظفيها كافة «اتخاذ أقصى درجات الحيطة والحذر، وتجنب مناطق ومسارات الاشتباكات والطرق المؤدية إليها»، وقالت إنه «نظراً للتطورات والأحداث الأمنية والاشتباكات الحاصلة ببعض المناطق المؤدية والقريبة من محيط المجمع النفطي منذ ساعات الفجر الأولى، يرجى من جميع المستخدمين الالتزام التام بالتعليمات حرصاً على سلامتكم».

وشدّدت الشركة على «عدم المجازفة بالتنقل بالنسبة للمستخدمين المقيمين في المناطق التي تشهد توتراً، أو السالكين للطرق والمسارات غير الآمنة»، مؤكدة أنه «يُمنع منعاً باتاً المجازفة بالحضور إلى مقر العمل تحت أي ظرف».

وقبل نحو 3 أشهر، سقطت قذائف الميليشيات في محيط المصفاة، واخترقت رصاصات مدافع 14.5 خزاناتها، إثر اندلاع اشتباكات في 8 مايو (أيار) الماضي، بين عناصر تابعة لمحمد كشلاف، الملقب بـ«القصب»، ومحمد بحرون، الملقب بـ«الفار»، آمر كتيبة «الإسناد الأولى»، بمساندة تشكيلات أخرى لدعم كلا الطرفين، وذلك على خلفية عملية أمنية، وصفت حينها بأنها تستهدف «تطهير الزاوية من المخالفين».

يعدّ النفط أهم مصدر دخل لليبيا وركيزة أساسية لدعم اقتصادها (أ.ف.ب)

وأفادت الشركة حينها بـ«سقوط كثير من القذائف من العيار الثقيل في مواقع عدة داخل الشركة، ووصولها إلى مناطق التشغيل»، وقالت: «استوجب الأمر اتخاذ إجراءات عاجلة طارئة بإيقاف المصفاة بالكامل، وإخلاء الميناء من الناقلات، حفاظاً على سلامة أرواح المستخدمين والمنشآت، والمحافظة على البيئة المحيطة».

ووسط حالة من الفوضى الأمنية بالمدينة، التي تعجّ بالميليشيات المسلحة -بعضها تعدّ أذرعاً مسلحة لرئيس حكومة «الوحدة»- ينتاب الجميع الخوف والأسف من تصاعد حدة الاقتتال، الذي يحصد الأرواح ويقوض الثروة.

و«القصب» مدرج على قوائم العقوبات الدولية الصادرة عن مجلس الأمن. أما «الفار» فسبق أن اتُّهم بقتل ميليشياوي آخر قبل أن تبرئه محكمة بغرب ليبيا، والاثنان مواليان للدبيبة، وعادة ما يحضران موائد الإفطار السنوي، التي يقيمها عبد الحميد الدبيبة رئيس حكومة «الوحدة» المؤقتة في شهر رمضان.

وهذه ليست المرة الأولى التي تصل فيها نيران اشتباكات الميليشيات إلى مصفاة الزاوية، حيث تكرر الأمر كثيراً خلال السنوات الماضية وفق المؤسسة الوطنية للنفط؛ ففي 23 أبريل (نيسان) 2022، أفادت المؤسسة الوطنية للنفط بتعرض مواقع عدة بمصفاة الزاوية لأضرار متفاوتة بسبب الاشتباكات المسلحة، وأحصت المؤسسة تضرر 29 موقعاً، من ضمنها خزانات المشتقات النفطية وخزانات أخرى متعددة.

ولم يخرج النفط الليبي من دائرة الصراع منذ الانقسام السياسي، الذي ضرب البلاد عام 2014، إذ سبق أن أغلقت جهات رسمية ومواطنون حقولاً من بينها «الشرارة» و«الفيل» لأغراض سياسية أو فئوية.

وتعرضت ليبيا خلال الأسبوعين الماضيين لإطفاء تام في غالبية المدن، وأرجعت الشركة العامة للكهرباء الأزمة إلى عوامل فنية وأمنية، فضلاً عن تراجع إمدادات الغاز والوقود، مشيرة إلى أن الاشتباكات الأخيرة التي شهدتها الزاوية في مايو الماضي أدّت إلى فقدان قرابة 700 ميغاوات من القدرة الإنتاجية.

وتعيد مثل هذه الأحداث الدامية النفط، الذي يعد «ثروة الليبيين وقوتهم» ويُشكّل 98 في المائة من موارد البلاد، مجدداً إلى واجهة الأحداث؛ لما يعانيه من تجاذبات الساسة وتناحر التشكيلات المسلحة.

شبان أغلقوا حقولاً وموانئ نفطية في أوقات سابقة على خلفية مطالب اجتماعية (الشرق الأوسط)

وكان مواطنون وقبائل ليبية مقربة من «الجيش الوطني» قد أغلقوا حقولاً وموانئ نفطية في أوقات سابقة على خلفية مطالب اجتماعية وأزمات سياسية بين سلطات شرق البلاد وغربها، ولأسباب من بينها «غياب العدالة في توزيع الموارد».

واعتادت الزاوية، التي تئن من سطوة الميليشيات المسلحة، تشييع أبنائها الذين يسقطون بـ«الرصاص المنفلت»؛ إذ لا تكاد المدينة تفيق من تبعات اشتباكات مسلحة حتى تدخل في أخرى، لِتسقط مزيداً من الدماء.


مقالات ذات صلة

لقاء الدبيبة وتكالة بعد فتور يعيد حديث التحالفات في غرب ليبيا

شمال افريقيا الدبيبة رئيس حكومة «الوحدة» خلال زيارته إلى «الأعلى للدولة» الأسبوع الماضي (المجلس)

لقاء الدبيبة وتكالة بعد فتور يعيد حديث التحالفات في غرب ليبيا

تباينت الآراء بشأن زيارة أجراها رئيس حكومة «الوحدة» عبد الحميد الدبيبة إلى المجلس الأعلى للدولة، الأسبوع الماضي، بعد فتور في العلاقة مع رئيس المجلس محمد تكالة.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا مسلحون يرفعون راية تنظيم «داعش» في درنة بليبيا عام 2015 (أرشيفية - رويترز)

عقب «إعدامات بنغازي»... سجال ليبي يستحضر جرائم «داعش»

أحدث الحكم الذي أصدره القضاء العسكري في شرق ليبيا بحق 10 مدانين بـ«الإرهاب»، تبايناً واسعاً، فيما استحضر جرائم تنظيم «داعش» التي ارتكبها بحق مدنيين وعسكريين.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا كبير مستشاري الشؤون السياسية بوزارة الخارجية الأميركية جيريمي برنت في لقاء مع ناجي عيسى محافظ المصرف المركزي الليبي يوم الاثنين (حساب برنت على إكس)

تحركات دبلوماسية أميركية مكثفة لدعم توحيد المؤسسات الليبية

تسعى الدبلوماسية الأميركية مجدداً عبر كبير مستشاري الشؤون السياسية بالخارجية الأميركية، جيريمي برنت، إلى تحريك العملية السياسية ودعم توحيد المؤسسات المنقسمة.

خالد محمود (القاهرة)
شمال افريقيا رئيس حكومة «الوحدة» الليبية عبد الحميد الدبيبة ومحافظ مصرف ليبيا المركزي ناجي عيسى يوم الأحد (مكتب الدبيبة)

تحركات حكومية لاحتواء «أزمة وقود» في غرب ليبيا

عادت طوابير الوقود إلى طرابلس خلال الأيام الأخيرة، فيما أكدت وزارة الداخلية بحكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة انتظام إمدادات الوقود وتوفر كميات كافية.

خالد محمود (القاهرة)
شمال افريقيا سيف الإسلام القذافي وقت القبض عليه عام 2011 (رويترز)

لماذا لم تسلم النيابة الليبية قتلة سيف الإسلام القذافي للعدالة؟

يقول موالون لسيف الإسلام القذافي إن «التأخير المتعمّد» في تقديم قتلته إلى العدالة «يضع مصداقية القضاء على المحك»، ويفرض على النائب العام «كشف العوائق».

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

البرهان يدعو إلى عدم الالتفات للدعوات بفرض حظر على السودان

قائد الجيش الفريق البرهان لدى حضوره فعالية بولاية الخرطوم 15 أغسطس (أ.ف.ب)
قائد الجيش الفريق البرهان لدى حضوره فعالية بولاية الخرطوم 15 أغسطس (أ.ف.ب)
TT

البرهان يدعو إلى عدم الالتفات للدعوات بفرض حظر على السودان

قائد الجيش الفريق البرهان لدى حضوره فعالية بولاية الخرطوم 15 أغسطس (أ.ف.ب)
قائد الجيش الفريق البرهان لدى حضوره فعالية بولاية الخرطوم 15 أغسطس (أ.ف.ب)

دعا رئيس مجلس السيادة قائد الجيش السوداني، عبد الفتاح البرهان، يوم الاثنين، الشعب السوداني إلى عدم الالتفات لما يُروّج له من وصفهم بــ«الأعداء والمغرضين» بشأن فرض حظر جوي على البلاد، مؤكداً «المضي قدماً في معركة الكرامة حتى تحرير كل شبر من أرض السودان دنسه التمرد».

وقال البرهان لدى مخاطبته حفل تخريج الدفعة 22 من ضباط قوات الشرطة بالعاصمة الخرطوم: «إن ما يدور عن إمكانية فرض عقوبات على السودان لن يؤثر فينا... روحنا ومصيرنا بيد الله»، وفق إعلام مجلس السيادة.

وتقدمت واشنطن بمقترح أمام الأمم المتحدة، يوم الاثنين، لتوسيع نطاق حظر توريد الأسلحة المفروض على إقليم دارفور السوداني ليشمل كامل البلاد، مشيرة إلى أن الصراع في السودان قد يتوسع إقليمياً.

ومن المقرر أن ينتهي حظر توريد الأسلحة إلى دارفور، والمفروض منذ أكثر من عقدين، في 12 سبتمبر (أيلول) 2026 إذا لم يتم التوصل إلى قرار جديد بشأنه، وفق ما ذكرته «وكالة الصحافة الفرنسية». ويتطلب توسيع حظر توريد الأسلحة ليشمل السودان بأكمله تصويتاً في مجلس الأمن الدولي.

جلسة لمجلس الأمن في نيويورك (الأمم المتحدة)

حق النقض الروسي

لكن روسيا، التي تتمتع بحق النقض في مجلس الأمن، حذرت، الاثنين، من فرض قرارات جديدة قد تؤثر في الجيش السوداني.

وخلال الاجتماع، قال مستشار الرئيس الأميركي للشؤون الأفريقية والعربية مسعد بولس، إن على المجلس أن «يتخذ خطوات للحد من تأجيج الصراع، خصوصاً أن الدعم الخارجي يهدد أيضاً بجر مزيد من الأطراف الإقليمية والدول المجاورة إلى الصراع في السودان».

وأضاف: «لهذا السبب تقدم الولايات المتحدة مقترحاً قوياً ينص على توسيع حظر السلاح ليشمل كامل أراضي السودان».

ويشمل المقترح أيضاً إضافة الطائرات المسيّرة إلى قرار حظر توريد الأسلحة، وزيادة عدد الخبراء المراقبين لقرار الحظر القائم.

وأضاف بولس أن المقترح من شأنه أيضاً تعزيز التنسيق بين هؤلاء المراقبين وغيرهم من فرق الخبراء، بهدف رصد انتهاكات حظر الأسلحة وتجميد الأصول، وحظر السفر، والتي سبق أن فرضت على أطراف النزاع.

ودخلت الحرب في السودان عامها الرابع، وتسببت في مقتل عشرات الآلاف، وشرّدت الملايين، وذلك مع استخدام أطراف النزاع أسلحة أكثر تطوراً، بما فيها الطائرات المسيّرة؛ ما ألحق خسائر فادحة بالمدنيين.

ويسيطر الجيش على المناطق الوسطى والشرقية من السودان، في حين تخضع منطقة دارفور في الغرب وأجزاء من الجنوب لسيطرة «قوات الدعم السريع».

ويعد دارفور، وهو إقليم شاسع في غرب السودان تعادل مساحته مساحة فرنسا تقريباً، من أكثر المناطق تضرراً من أعمال العنف، إذ تعرضت مخيمات النازحين هناك للاجتياح، وشهدت وقوع مجازر عرقية متكررة أودت بالآلاف.

البرهان يهاجم قوة مدنية سياسية

من جهة ثانية، هاجم البرهان القوى السياسية والمدنية التي رفضت الاستجابة لدعوته للحوار الوطني داخل البلاد، قائلاً: «رسالتنا للذين يوجدون في فنادق الخارج، ويصفقون للعقوبات لإخضاع الشعب السوداني، هي أن الشعب لن ينكسر، وسيحيق الانكسار بكم».

وأضاف: «هؤلاء لن يستطيعوا حكم الشعب من جديد... فالشعب لا يريد أن يرى (قوات الدعم السريع) و(قوى إعلان الحرية والتغيير) حالياً تحالف (صمود)، في المشهد السياسي مجدداً».

وكانت قوى سياسية ومدنية سودانية مناهضة للحرب من بينها «صمود» بقيادة رئيس الوزراء المدني السابق، عبد الله حمدوك، قد أعلنت عن رفضها دعوة البرهان للحوار، معتبرة أن الخطوة تُكرّس لتقسيم السودان بحكم الأمر الواقع.


واشنطن تقترح توسيع حظر الأسلحة ليشمل كامل السودان

مقاتلون من «قوات الدعم السريع» في بلدة بشمال السودان (أرشيفية - أ.ب)
مقاتلون من «قوات الدعم السريع» في بلدة بشمال السودان (أرشيفية - أ.ب)
TT

واشنطن تقترح توسيع حظر الأسلحة ليشمل كامل السودان

مقاتلون من «قوات الدعم السريع» في بلدة بشمال السودان (أرشيفية - أ.ب)
مقاتلون من «قوات الدعم السريع» في بلدة بشمال السودان (أرشيفية - أ.ب)

تقدمت واشنطن بمقترح أمام الأمم المتحدة، الاثنين، لتوسيع نطاق حظر توريد الأسلحة المفروض على إقليم دارفور السوداني ليشمل كامل البلاد، مشيرة إلى أن الصراع في السودان قد يتوسع إقليمياً.

ومن المقرر أن ينتهي حظر توريد الأسلحة إلى دارفور، والمفروض منذ أكثر من عقدين، في 12 سبتمبر (أيلول) 2026 إذا لم يتم التوصل إلى قرار جديد بشأنه.

ويتطلب توسيع حظر توريد الأسلحة ليشمل السودان بأكمله تصويتاً في مجلس الأمن الدولي. لكن روسيا، التي تتمتع بحق النقض في مجلس الأمن، حذرت من فرض قرارات جديدة قد تؤثر على الجيش السوداني.

وخلال الاجتماع، قال مستشار الرئيس الأميركي للشؤون الأفريقية والعربية مسعد بولس، إن على المجلس أن «يتخذ خطوات للحد من تأجيج الصراع، خصوصاً أن الدعم الخارجي يهدد أيضاً بجر مزيد من الأطراف الإقليمية والدول المجاورة إلى الصراع في السودان».

وأضاف: «لهذا السبب تقدم الولايات المتحدة مقترحاً قوياً ينص على توسيع حظر السلاح ليشمل كامل أراضي السودان».

ويشمل المقترح أيضاً إضافة الطائرات المسيّرة إلى قرار حظر توريد الأسلحة، وزيادة عدد الخبراء المراقبين لقرار الحظر القائم.

وأضاف بولس أن المقترح من شأنه أيضاً تعزيز التنسيق بين هؤلاء المراقبين وغيرهم من فرق الخبراء، بهدف رصد انتهاكات حظر الأسلحة وتجميد الأصول وحظر السفر، والتي سبق أن فُرضت على أطراف النزاع.

ودخلت الحرب في السودان عامها الرابع، وتسببت في مقتل عشرات الآلاف وشرّدت الملايين، وذلك مع استخدام أطراف النزاع أسلحة أكثر تطوراً، بما فيها الطائرات المسيّرة، ما ألحق خسائر فادحة بالمدنيين. ويسيطر الجيش على المناطق الوسطى والشرقية من السودان، في حين تخضع منطقة دارفور في الغرب وأجزاء من إقليم كردفان والجنوب لسيطرة «قوات الدعم السريع».

وتُعد دارفور، وهي إقليم شاسع في غرب السودان تعادل مساحته مساحة فرنسا تقريباً، من أكثر المناطق تضرراً من أعمال العنف؛ إذ تعرضت مخيمات النازحين هناك للاجتياح، وشهدت وقوع مجازر عرقية متكررة أودت بالآلاف.


أطفال السودان يحصلون على شريان حياة لعودة التعليم

طلاب يؤدون امتحانات الثانوية العامة في إحدى مدارس السودان (سونا)
طلاب يؤدون امتحانات الثانوية العامة في إحدى مدارس السودان (سونا)
TT

أطفال السودان يحصلون على شريان حياة لعودة التعليم

طلاب يؤدون امتحانات الثانوية العامة في إحدى مدارس السودان (سونا)
طلاب يؤدون امتحانات الثانوية العامة في إحدى مدارس السودان (سونا)

لا يزال الوصول إلى الفصول الدراسية متعذراً أمام ملايين الأطفال في السودان، حيث تواصل الحرب الأهلية في البلاد تعطيل مسيرتهم التعليمية. وللمساعدة في معالجة هذه المشكلة الهائلة، أعلن «الصندوق العالمي للتعليم» التابع لـ«هيئة الأمم المتحدة»، يوم الاثنين، عن مبادرة بقيمة 22 مليون دولار لمساعدة 200 ألف طفل وشاب وشابة على العودة إلى مقاعد الدراسة.

والولايات السودانية الثلاث التي ستتلقى الدعم هي: غرب دارفور، وجنوب كردفان، والقضارف؛ حيث يهدف المشروع إلى استعادة «تعليم آمن وجيد وشامل»، وذلك في ظل أكبر أزمة إنسانية وأزمة نزوح يشهدها العالم حالياً.

وشددت ميساء جلبوط، مديرة برنامج «التعليم لا يمكن أن ينتظر» على أن التعليم يظل من أقوى الأدوات في العمل الإنساني لحماية ملايين الأطفال ودعم التعافي. وقالت، على موقع «منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسيف)»، إن «هذا الاستثمار يتجاوز مجرد إعادة فتح الفصول الدراسية، فهو يهدف إلى مساعدة الأطفال على استعادة الشعور بالأمان والحياة الطبيعية، مع تعزيز أنظمة التعليم لتتمكن من مواصلة خدمة المجتمعات خلال الأزمات وحتى مرحلة التعافي».

برنامج يمتد 3 سنوات

معظم مدارس السودان أصابها الدمار جراء الحرب (أ.ف.ب)

وفي معرض الإعلان عن هذه المبادرة الاستثمارية متعددة السنوات، ذكر برنامج «التعليم لا يمكن أن ينتظر» أن من لا يقلون عن 8 ملايين طفل؛ أي نحو نصف الأطفال في سن الدراسة بالسودان البالغ عددهم 17 مليوناً، لا يزالون خارج المدارس.

وأوضح أنه «لا تزال أعداد كبيرة من المدارس متوقفة عن العمل في جميع أنحاء البلاد، في حين عانى ملايين الأطفال من انقطاع طويل الأمد في تعليمهم، حيث فات بعضهم نحو 500 يوم من الدراسة».

وستصل المبادرة، التي ستمتد 3 سنوات، إلى الفئات الأكبر تهميشاً في البلاد، بمن فيهم الأطفال، وإلى النازحين داخلياً واللاجئين والمجتمعات المضيفة المستضعفة، مع ضمان أن تشكل الفتيات نسبة لا تقل عن 60 في المائة من المستفيدين، والأطفال ذوو الإعاقة 10 في المائة على الأقل.

وستعمل المبادرة على تهيئة بيئات تعليمية آمنة، وتوفير الدعم النفسي والاجتماعي، وتعزيز قدرات المعلمين، وتحسين فرص الحصول على المواد التعليمية، ومعالجة العوائق التي تواجه الفتيات والأطفال ذوي الإعاقة.

كما ستتولى منظمة «إنقاذ الطفولة» قيادة التنفيذ بالشراكة مع منظمة «بلان إنترناشيونال»، ومنظمة «إل إم إنترناشيونال»، بالإضافة إلى شريكين محليين هما «منظمة السلام للإغاثة والتنمية» ومؤسسة «صداقات».

ومنذ اندلاع الحرب في أبريل (نيسان) 2023 بين الجيش و«قوات الدعم السريع» في السودان، أُجبر 14 مليون شخص على الفرار من منازلهم، وأصبح 33.7 مليون شخص بحاجة إلى مساعدات إنسانية.

التعليم العالي

صورة متداولة لأساتذة جامعة كسلا في شرق السودان

وكانت وزارة التعليم العالي والبحث العلمي السودانية، قد قررت مؤخراً إعادة مؤسسات التعليم العالي إلى مقارها الأصلية.

وكانت الوزارة قرَّرت في أغسطس (آب) الحالي إنهاء العمل بالمراكز البديلة والمؤقتة لمؤسسات التعليم العالي خارج السودان، وإعادة المؤسسات إلى مقارها الأصلية، في خطوة قالت إنها تستهدف استعادة انتظام العملية التعليمية.

وفي تأكيد رسمي على عودة التعليم الجامعي تدريجياً، قال وزير التعليم العالي والبحث العلمي، أحمد مضوي موسى، يوم الخميس الماضي، إنَّ عودة مؤسسات التعليم العالي إلى مقارها الأصلية أصبحت «واقعاً ماثلاً».

لكن الطريق إلى استعادة قطاع التعليم لا تزال طويلة، بعدما تركت الحرب آثاراً واسعة على المدارس والجامعات؛ إذ وثَّقت الأمم المتحدة منذ عام 2024 أكثر من 67 هجوماً على المدارس في أنحاء السودان، إلى جانب الإبلاغ عن أكثر من 154 حالة استخدام عسكري للمدارس.

كما قدرت أضرار مؤسسات التعليم العالي بنحو 3 مليارات دولار؛ جراء عمليات التخريب والنهب، وشملت المباني الجامعية والقاعات الدراسية والمختبرات والمكتبات والأجهزة والمستلزمات التعليمية، مما عمَّق أزمة قطاع كان يعاني أصلاً من ضعف البنية التحتية.

احتياجات عالمية

من داخل مدرسة في تعز تعمل «اليونيسيف» على إعادة إلحاق الطالبات المتسربات للدراسة فيها (الأمم المتحدة)

في تقريرها نصف السنوي بشأن السودان، أفادت «اليونيسيف» بأن 81 في المائة من المدارس في دارفور لا تزال مغلقة، وأن 70 في المائة من الأطفال هناك لا يرتادون المدارس، في حين تُستخدم 5.8 في المائة من المدارس مراكزَ إيواء. كما أشارت المنظمة إلى تعرض المدارس لهجمات مباشرة خلال هذا العام.

ووفقاً لمبادرة «التعليم لا يمكن أن ينتظر»، فإن هناك 258 مليون طفل ومراهق في سن الدراسة حول العالم يعانون من تعطل مسيرتهم التعليمية بسبب الأزمات؛ ومن بين هؤلاء يوجد 93 مليون طفل خارج المدارس تماماً. وكشف تقرير حديث صادر عن «الصندوق العالمي للتعليم» أن نحو 80 في المائة من الأطفال غير القادرين على الذهاب إلى المدرسة بسبب الأزمات أو النزاعات يعيشون في 20 دولة فقط.

وغالباً ما تكون الفئات الأكبر تهميشاً هي الأعلى عرضة للإقصاء، لا سيما الفتيات والشباب النازحين والأطفال ذوي الإعاقة.

ويأتي هذا الإعلان بشأن السودان بالتزامن مع إطلاق مبادرة عالمية بعنوان: «الأمل يبدأ من هنا»؛ وذلك بهدف حشد 600 مليون دولار للوصول إلى 10 ملايين طفل لا تزال مسيرتهم التعليمية متأثرة بأشد الأزمات العالمية وطأة.

وتقول «اليونيسيف» إن التعليم في ظل الأزمات يتطلب هيكلية جديدة في عالم أعادت تشكيله التكنولوجيا وعدم الاستقرار الجيوسياسي والتغيرات الثقافية المتسارعة، حيث تواجه الافتراضات التقليدية بشأن كيفية تعليم الأطفال ضغوطاً متصاعدة.

وفي هذا الصدد، تقول إيفجينيا لازاريفا، من مؤسسة «كولاب إديوكيشن»، إن «الأسر الأكبر استعداداً لهذه المرحلة هي التي ستتعامل مع التعليم بوصفه استراتيجية تمتد مدى الحياة، وتُبنى بوعي وتخطيط مسبق منذ البداية».