قالت المخرجة القبرصية ميرسيني أريستيدو إن فيلمها الروائي الطويل الأول «تمسَّك بي» (Hold Onto Me) يحاول استكشاف الكيفية التي يمكن أن ينشأ بها الحب والثقة بين أب وابنته في ظروف غير مثالية، مؤكدة أن الحياة نادراً ما تمنح البشر الفرصة لإصلاح علاقاتهم في ظروف مثالية.
وأضافت ميرسيني أريستيدو، في مقابلة عبر «زووم» مع «الشرق الأوسط»، أن العلاقة بين الأب وابنته في الفيلم تتطور عبر سلسلة من السرقات الصغيرة وعمليات الاحتيال، وهي أفعال قد تبدو مرفوضة أخلاقياً، لكنها تصبح بالنسبة إلى الشخصيتين وسيلة للتقارب والتفاهم.
وأوضحت أن تلك التصرفات تمثل لغة مشتركة تجمع بينهما؛ لأنهما يجدان فيها مساحة لبناء الثقة والانتماء. وأرادت أن يتعامل الجمهور مع الشخصيتين بوصفهما متناقضتين؛ إذ تحمل كل منهما نقاط ضعف وأخطاء، من دون أن يسعى الفيلم إلى إصدار أحكام أخلاقية عليهما.
وتدور أحداث فيلم «تمسَّك بي» حول الطفلة «إيريس» (11 عاماً)، التي تعيش حياة هادئة في بلدة ساحلية صغيرة، لكنها تفتقد حضور والدها. وحين يعود بشكل مفاجئ لحضور جنازة، لا يبدي الأب في البداية أي رغبة في التعرّف إلى ابنته، لكن العلاقة بينهما تتغير تدريجياً عندما يكتشف أنها شريكة مثالية له في تنفيذ سرقات بسيطة وعمليات احتيال صغيرة، لتتحول تلك المغامرات رحلةً إنسانية تكشف عن معاني الأبوة والانتماء والغفران. وهو أول فيلم قبرصي يشارك في مهرجان «صندانس» بالولايات المتحدة مطلع العام الحالي، وقد فاز بجائزة الجمهور، كما عُرض أخيراً في مهرجان «كارلوفي فاري» بالتشيك.

وعبّرت أريستيدو عن إيمانها بأن الإنسان بطبيعته مليء بالتناقضات، وهو ما سعت إلى التعبير عنه في الفيلم، موضحة أنها أرادت أن يبدو الأب وابنته مثل «ذئبين وحيدين» يجد كل منهما الآخر أخيراً، ويؤسسان علاقة إنسانية، رغم أن معظم ما يفعلانه يبدو خاطئاً من الخارج، عادَّةً أن الحب لا يظهر دائماً في الظروف المثالية، بل قد يولد في أكثر اللحظات تعقيداً.
وأشارت إلى أنها لم تكن مهتمة بتقديم شخصية الأب وفق التصنيفات المعتادة في السينما؛ فلا هو بطل مثالي ولا شرير مطلق، بل شخص يحب ابنته، لكنه يحمل في داخله جروحاً عاطفية عميقة، ويعاني عدم النضج العاطفي، ويشعر بالخوف من تحمّل المسؤولية، موضحة أن «الفيلم ينظر إلى الأبوة بصفتها تجربة إنسانية هشّة، لا تكفي فيها مشاعر الحب وحدها، بل تحتاج إلى قدرة مستمرة على مواجهة الذات ومحاولة تجاوز الأخطاء».
وأكدت أن «دور الأب لا يقتصر على التربية بالمعنى التقليدي، بل يمتد إلى تشكيل مفهوم السلطة والحدود والهوية لدى الأبناء»، عادَّةً أن غياب هذه الشخصية المحورية يترك أثراً يتجاوز العلاقة الأسرية، وقد ينعكس حتى على نظرة الإنسان إلى السلطة وإلى العالم من حوله.
وتحدثت ميرسيني أريستيدو عن شخصية الطفلة «إيريس»، مؤكدة أنها حرصت على ألا تظهر بوصفها ضحية تنتظر من ينقذها، بل طفلة تمتلك إرادتها الخاصة وقدرتها على اتخاذ القرار، مشيرة إلى أن «الأطفال غالباً ما يلاحظون ويفهمون أكثر مما يعتقد الكبار، ويتمتعون بذكاء عاطفي كبير يساعدهم على التعامل مع المواقف الصعبة».
وأضافت أن قوة «إيريس» لا تأتي من كونها بلا خوف، وإنما من قدرتها على الاستمرار في الحب رغم خيبات الأمل المتكررة، موضحة أنها «تشارك بفاعلية في تشكيل علاقتها بوالدها، ولا تكتفي بدور المتلقي؛ وهو ما يجعلها أكثر نضجاً عاطفياً من كثير من الشخصيات البالغة في الفيلم».

وتطرقت المخرجة القبرصية إلى اختيار جنازة لتكون نقطة البداية في الأحداث، موضحة أن الأمر كان مقصوداً؛ لأنها تؤمن بأن «النهايات والبدايات تسيران جنباً إلى جنب، وأنه لا يمكن لشيء جديد أن يبدأ ما لم ينتهِ شيء آخر أولاً»، وفق قولها.
وأضافت أن «مواجهة الموت تضع الشخصيتين أمام حقيقة أن الوقت محدود، وتجعلهما عاجزتين عن مواصلة الهروب من مواجهة بعضهما بعضاً، لتصبح الجنازة بداية لولادة علاقة جديدة بدلاً من أن تكون مجرد نهاية».
وشددت على أن الفيلم يتجنب المصالحات الدرامية الصاخبة، ويركز بدلاً من ذلك على اللحظات الصغيرة العابرة بين الشخصيات؛ لأن الحياة، حسب تعبيرها، «لا تُصنع من الخطب الكبيرة أو الاعترافات العاطفية، وإنما من نظرة صامتة، أو يد تمتد نحو الآخر، أو شخص يقرر البقاء عندما يستطيع الرحيل».
وترى ميرسيني أن تلك التفاصيل البسيطة هي أكثر ما يبقى في الذاكرة، وأن السينما قادرة على التعبير عنها بصورة لا تستطيع الفنون الأخرى التعبير بها، لكونها تجمع بين الصورة والصوت والإيقاع والزمن في تجربة شعورية واحدة.
وعن عنوان الفيلم «تمسَّك بي»، أوضحت أنه «لا يعبّر عن التملك أو السيطرة، بل عن الرغبة في إيجاد شخص يمكن الاعتماد عليه في لحظة ضعف»، مبيّنة أن كل إنسان يحتاج، في مرحلة من حياته، إلى من يقول له: «تمسَّك بي، فأنت لست وحدك». وأضافت أن الأب وابنته يتبادلان هذا الدور خلال أحداث الفيلم؛ إذ يصبح كل منهما سنداً للآخر.
