اكتشاف 3 معدّلات وراثية جديدة يعيد رسم فهم الزهايمر الوراثي

دراسة جينية واسعة تكشف عوامل جديدة تتحكم في توقيت وشدة المرض

اكتشاف 3 معدّلات وراثية جديدة يعيد رسم فهم الزهايمر الوراثي
TT

اكتشاف 3 معدّلات وراثية جديدة يعيد رسم فهم الزهايمر الوراثي

اكتشاف 3 معدّلات وراثية جديدة يعيد رسم فهم الزهايمر الوراثي

في اكتشاف علمي لافت توصّل باحثون من كلية الطب بجامعة واشنطن في الولايات المتحدة إلى تحديد ثلاثة مواقع جينية جديدة تعمل كمعدّلات وراثية تؤثر في توقيت ظهور داء الزهايمر الوراثي، أو الزهايمر العائلي، وشدة تقدّمه لدى حاملي الطفرات المسببة للمرض.

تفسير التباين في حالات المرضى

وتمثل هذه النتائج خطوة نوعية في فهم التباين الكبير بين المرضى، إذ تفسّر لماذا قد يبدأ المرض مبكراً لدى بعض الأفراد، بينما يتأخر لدى آخرين رغم حملهم الطفرة الجينية نفسها.

واللافت أن هذه المتغيرات ليست نادرة، بل تظهر لدى 27 في المائة من حاملي طفرات الزهايمر الوراثي، أو العائلي، ما يجعلها أكثر أهمية بكثير من المتغيرات الوقائية محدودة الانتشار التي كانت معروفة سابقاً. ورغم أن هذا الشكل الوراثي لا يمثل سوى 1 في المائة من حالات الزهايمر عالمياً، فإنه يُعدّ نافذة ذهبية لفهم الجذور الجزيئية للمرض، بما قد يمهّد لتطوير علاجات مستقبلية تستهدف ليس فقط هذه الفئة الصغيرة، بل أيضاً ملايين المصابين بالشكل المتفرّق الأكثر شيوعاً.

خلفية علمية: الطفرات الأساسية وحدودها

وقد حددت الأبحاث السابقة ثلاثة جينات رئيسة مسؤولة عن الزهايمر الوراثي، إضافة إلى 279 متغيراً داخل هذه الجينات يمكن أن تؤدي إلى المرض. ومع ذلك لم تُظهر الدراسات أي ارتباط بين نوع المتغير الأساسي والعمر المتوقع لبدء الأعراض، ما يشير إلى وجود عوامل وراثية أخرى تعمل خلف الكواليس.

هذا التباين دفع العلماء إلى دراسة الجينوم الكامل لحاملي الطفرات، بحثاً عن مواقع جينية إضافية قد تفسّر الاختلافات في مسار المرض. وهنا جاءت الدراسة الجديدة لتقدّم تقدماً نوعياً في هذا الاتجاه.

منهجية الدراسة: تحليل جينومي واسع النطاق

وقاد الدراسة التي نُشرت في العدد 25 من مجلة «The Lancet Neurology» في يونيو (حزيران) 2026 الدكتور سيريل بوتييه، أستاذ مساعد في طب الأعصاب والطب النفسي في كلية الطب بجامعة واشنطن، بالتعاون مع فريق دولي من الباحثين، حيث اعتمد الفريق على تحليل بيانات جينومية لـ101 شخص يحملون طفرات الزهايمر الوراثي، ويعانون بالفعل من أعراض الزهايمر، وقارنوا بياناتهم مع أكثر من 5000 فرد لا يحملون طفرات معروفة.

واستخدم الباحثون تقنيات تحليل الجينوم الكامل لتحديد اختلافات جينية قد تعمل كمعدّلات تؤثر في توقيت وشدة المرض. وقد مكّن هذا النهج المتقدم الفريق من تحديد ثلاثة مواقع جينية جديدة ذات تأثيرات واضحة في مسار الزهايمر الوراثي هي CNIH4، وCCNG1، وRHOJ.

3 مواقع جينية تؤثر في مسار المرض

أظهرت الدراسة أن لكل موقع جيني تأثيراً مميزاً، إذ يرتبط موقع CNIH4 بظهور الأعراض في سن أبكر، ما يشير إلى أنه يسرّع الجدول الزمني للمرض. ويرتبط موقع CCNG1 بارتفاع مستويات بروتينات تاو tau proteins، وهي الكتل البروتينية التي تشكّل التشابكات العصبية المميزة للزهايمر. أما موقع RHOJ فلم يرتبط بفروق واضحة في توقيت المرض، لكنه يشير إلى دور محتمل لآلية الاستماتة الحديدية، أو موت الخلايا الحديدي ferroptosis، وهي شكل من موت الخلايا يعتمد على الحديد، وتُعدّ مساراً ناشئاً في فهم التنكس العصبي.

واللافت أن هذه المواقع الجينية الثلاثة موجودة لدى 27 في المائة من حاملي طفرات الزهايمر الوراثي، ما يجعلها أكثر شيوعاً بكثير من المتغيرات المعدّلة النادرة التي تم تحديدها سابقاً، مثل متغير كرايستشيرش Christchurch variant في جين APOE.

أهمية الاكتشاف: نحو طب جيني مخصص

تؤثر هذه المواقع الجينية في خطر الإصابة بالزهايمر، بغضّ النظر عن نوع الطفرة الأساسية التي يحملها الفرد، ما يجعلها ذات قيمة كبيرة للأبحاث المستقبلية. ويقول بوتييه إن الكشف عن هذه الأدلة الجينية يقرّبنا خطوة من تقديم إرشادات عائلية شخصية، ومن تطوير علاجات من الجيل التالي يمكنها أن تغيّر الطريقة التي نتعامل بها مع مرض الزهايمر.

وتفتح هذه النتائج الباب أمام استشارات وراثية أكثر دقة للعائلات المتضررة عبر تقدير أفضل لتوقيت ظهور الأعراض، ثم تصميم تجارب سريرية أكثر استهدافاً عبر تقسيم المشاركين إلى مجموعات فرعية بناءً على تركيبتهم الجينية. وأخيراً تطوير علاجات جديدة تستهدف مسارات مثل الاستماتة الحديدية، ما قد يفيد ليس فقط مرضى الزهايمر الوراثي، بل أيضاً مرضى الزهايمر المتفرّق الأكثر شيوعاً.

مثال توضيحي: متغير كرايستشيرش

يُعدّ متغير كرايستشيرش مثالاً بارزاً على كيفية تأثير الجينات المعدّلة في مسار الزهايمر، إذ يبدو أنه يحمي من تأثيرات طفرة PSEN1 عبر منع تكوّن تشابكات تاو حتى في وجود مستويات عالية من بيتا أميلويد. beta-amyloid لكن هذا المتغير نادر للغاية، ولا يوجد إلا في عدد محدود من العائلات حول العالم، ما يحدّ من تطبيقه العملي.

في المقابل، فإن المواقع الثلاثة الجديدة أكثر شيوعاً بكثير، ما يجعلها أكثر قابلية للتطبيق في الأبحاث، والعلاجات المستقبلية.

آفاق مستقبلية

تؤكد هذه الدراسة أن الزهايمر ليس مرضاً واحداً، بل مجموعة من الاضطرابات التي تتفاعل فيها الجينات والعوامل البيئية بطرق معقدة. ومع استمرار الأبحاث يأمل العلماء أن يؤدي تحديد المزيد من العوامل الجينية المعدّلة إلى تطوير طرق فعّالة للوقاية من المرض، أو إبطائه.


مقالات ذات صلة

انخفاض هذا الفيتامين لدى كبار السن يرتبط بزيادة الخرف

صحتك حبات من فيتامين «د» (أرشيفية-بيكساباي)

انخفاض هذا الفيتامين لدى كبار السن يرتبط بزيادة الخرف

أظهرت دراسات عدة أن انخفاض مستويات فيتامين د لدى كبار السن يرتبط بزيادة خطر الإصابة بالضعف الإدراكي والخرف السريري.

«الشرق الأوسط» (لندن)
صحتك يتكوّن البطيخ من نحو 95 % من الماء ما يجعله من أفضل الفواكه للمساعدة في الحفاظ على ترطيب الجسم (بكساباي)

ماذا يحدث للجسم عند تناول البطيخ بانتظام؟

يُعد البطيخ من أشهر فواكه الصيف، لكن إدراجه بانتظام ضمن النظام الغذائي قد يعود بفوائد صحية عديدة.

«الشرق الأوسط» (لندن)
علوم دراسة عالمية ترصد عشرات الجينات المرتبطة بألزهايمر

دراسة عالمية ترصد عشرات الجينات المرتبطة بألزهايمر

تحليل بيانات نحو مليون شخص لفهم أسباب الخرف يبشّر بتشخيصات وعلاجات أكثر دقة.

د. وفا جاسم الرجب (لندن)
صحتك فحص الدم هذا يوفر معلومات تتجاوز ما يمكن أن تقدمه فحوص تصوير الدماغ التقليدية والاختبارات الجينية (بكساباي)

دراسة: فحص دم يتنبأ بخطر الإصابة بالخرف خلال عقد

قد يساعد فحص دم بسيط يكشف عن بروتين محدد مرتبط بمرض «ألزهايمر» في التنبؤ بالتدهور المعرفي المستقبلي لدى كبار السن.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك عالم يفحص أنماط انخفاض التمثيل الغذائي وانخفاض التروية الدموية لدى مريض مصاب بمرض ألزهايمر في مركز الذاكرة التابع لقسم إعادة التأهيل وطب الشيخوخة في المستشفى الجامعي بجنيف (أرشيفية - رويترز)

دواء قد يُحدث ثورة في علاج مرض ألزهايمر قبل ظهور الأعراض

قد يُسهم دواء جديد لمرض ألزهايمر في الوقاية من الخرف قبل ظهور الأعراض.

«الشرق الأوسط» (لندن)