«مذكرات حمار» لكونتيسة روسية بالعربية

«مذكرات حمار» لكونتيسة روسية بالعربية
TT

«مذكرات حمار» لكونتيسة روسية بالعربية

«مذكرات حمار» لكونتيسة روسية بالعربية

في لغة ساخرة تستهدف النقد الاجتماعي اللاذع، صدر عن دار «المعجم» بالقاهرة كتاب «مذكرات حمار» للكونتيسة الروسية دي سيجور، ترجمة حسين الجمل. يقع الكتاب في 141 صفحة تستعين بالحكي الطريف لتفتح باباً واسعاً للتأمل في علاقة الإنسان بالكائنات الأضعف منه، وفي المعايير القاسية التي يصنع بها البشر أحكامهم المسبقة.

بطل المذكرات هو «كديشون»، الحمار الذي يقرر أن يروي سيرته بنفسه، حيث يتجاوز فكرة الحيوان الصامت الذي يؤدي أعمالاً شاقة، ليرسخ حضوره كائناً واعياً يمتلك ذاكرة وحساسية وقدرة على الفهم والملاحظة، كما يعلن منذ اللحظة الأولى اعتراضه على الصورة الشائعة عن الحمار بوصفه رمزاً للغباء والكسل، ويقدم نفسه على نحو ساخر بوصفه أذكى وأكثر حذراً من كثير من البشر الذين تعاقبوا على امتلاكه أو استخدامه.

تعتمد الكونتيسة دي سيجور على حيلة سردية بسيطة وفعالة، مانحة الحيوان حق الكلام؛ لتجعل القارئ يرى العالم من موقع مختلف، من أسفل السلم الاجتماعي والأخلاقي، حيث يقف حيوان ضعيف تحت رحمة أصحابه ليروي ما يتعرض له من قسوة وخداع وإهمال، كما يتذكر لحظات الرفق والصداقة والإنصاف التي تمنحه أملاً في البشر.

تنتقل المذكرات بين مواقف متعددة يعيشها الحمار مع سادة متباينين: منهم من يعامله كأداة بلا روح، ومنهم من يرهقه بالعمل أو يعاقبه بلا سبب، ومنهم من يكتشف فيه قدرة على الوفاء والذكاء. وفي كل محطة ينجو كديشون، أحياناً بالحيلة وأحياناً بالصبر، وأحياناً بفضل أشخاص يدركون أن الرحمة معيار حقيقي للإنسانية.

ينتمي الكتاب إلى تقليد أدبي قديم جعل من الحيوان وسيلة للحديث عن البشر، وهو تقليد يعرفه القارئ العربي منذ «كليلة ودمنة» وحكايات الحيوان ذات المغزى، غير أن دي سيجور تمنح هذا التقليد مسحة وجدانية واضحة، فالحمار هنا ليس رمزاً مجرداً، إنما شخصية لها صوت وتجربة ومشاعر. لذلك؛ يبدو الكتاب قريباً من أدب الأطفال في لغته السلسة ومغامراته المتتابعة، لكنه لا يقتصر على الصغار، عبر أسئلته الأخلاقية التي تصلح لكل المراحل العمرية.

اللافت، أن كديشون لا يطلب من قارئه الشفقة وإنما الاحترام، وهذا بالضبط ما يمنح «مذكرات حمار» أصالتها، حيث لم تعد الرحمة بالحيوان قضية هامشية، بقدر ما هي اختبار يومي لقدرة الإنسان على رؤية الآخر، حتى لو كان هذا الآخر بلا صوت.

تعد الكونتيسة دي سيجور، واسمها الأصلي صوفي فيودوروفنا روستوبتشينا من أبرز رائدات أدب الأطفال في فرنسا خلال القرن التاسع عشر. وُلدت في سانت بطرسبرغ لأسرة أرستقراطية روسية، وكان والدها الكونت فيودور روستوبتشين حاكم موسكو أثناء غزو نابليون، وبعد انتقال أسرتها إلى فرنسا عام 1817 تزوجت من الكونت أوجين دي سيجور، وحملت اللقب الذي اشتهرت به أدبياً.

ومن أشهر مؤلفاتها أيضاً «مصاعب صوفي»، «الفتيات المثاليات»، «العطلات» وهي أعمال رسخت مكانتها كواحدة من أهم كاتبات أدب الأطفال في فرنسا، ولا تزال تحظى بانتشار واسع منذ وفاتها عام 1874.


مقالات ذات صلة

ترجمةٌ ثانية تُعيد رواية إلى الحياة بعد ثلاثة عقود

ثقافة وفنون ترجمةٌ ثانية تُعيد رواية إلى الحياة بعد ثلاثة عقود

ترجمةٌ ثانية تُعيد رواية إلى الحياة بعد ثلاثة عقود

تحظى الترجمة الفرنسية الجديدة لرواية «مون تايغر» للبريطانية بنيلوبي لايفلي بعنايةٍ لافتةٍ من الصحافة الأدبية هذه الأيام؛ فقد استقبلتها المراجعات النقدية بحفاوةٍ

أنيسة مخالدي (باريس)
ثقافة وفنون رهانات التنوير في الخطاب الشعري العربي

رهانات التنوير في الخطاب الشعري العربي

هل يستطيع الشعر تغيير البنية الفكرية للمجتمع؟ وهل تمكّن الشعر العربي القديم من فرض شروطه ورؤيته الجمالية والفنية عبر سياق اجتماعي ملتبس وملبّد بالتحديات،

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون 
عبد الوهاب البياتي

100 عام على ميلاد البياتي... و27 سنة على رحيله

بعد 100 عام على ميلاد عبد الوهاب البياتي (1926 - 1999)، ما زال اسمه حاضراً في المشهد الشعري العربي بوصفه أحد أبرز الأصوات، التي أسهمت في تشكيل الحداثة الشعرية.

ثقافة وفنون «على مقام الصبا»... مرثية للأيام الرحبة

«على مقام الصبا»... مرثية للأيام الرحبة

يفتتح الشاعر المصري إبراهيم داود ديوانه الأحدث «على مقام الصبا» بإهداء لافت، يقول فيه: «إلى أصدقاء الأيام الرحبة»، ثم يذكر أسماء مجموعة من المثقفين والأدباء

عمر شهريار
ثقافة وفنون  أبو حالوب (لبيد)

«أبو حالوب»... مرسال المثقفين العراقيّين المنفيين

«أبو حالوب»، صاحب الكُنية التي ارتبط وجودها في دمشق بالمئات من المثقفين والفنّانين العراقيّين، غادر الحياة في عمّان أواخر الأسبوع الماضي.

حسام السراي