تكتسب الزيارة الأولى لرئيس إقليم كردستان العراق، نيجيرفان بارزاني، أهمية خاصة؛ إذ تأتي في لحظة إقليمية ودولية بالغة الحساسية، في ظل احتمالات تجدد التصعيد الأميركي ـ الإيراني، وتوسع دائرة الصراع بحسب مصادر في دمشق قالت لـ«الشرق الأوسط»، إن الملفين الاقتصادي والأمني حضرا بقوة في النقاشات، ورأت أن نجاح الزيارة يتمثل في التفاهمات المتوقع التوصل إليها، ضمن إطار تطوير وبناء علاقات متوازنة بين دمشق وأربيل وبغداد، تسهم في ترسيخ الاستقرار في المنطقة.
واستقبل الرئيس أحمد الشرع، الاثنين، رئيس إقليم كردستان العراق نيجيرفان بارزاني، والوفد المرافق له، بحضور وزير الخارجية والمغتربين أسعد حسن الشيباني، في قصر الشعب بدمشق. وأفاد بيان رئاسي سوري بأن اللقاء بحث «العلاقات بين الجانبين وسبل تعزيز التعاون والتنسيق»، خصوصاً في المجال الاقتصادي، إلى جانب مناقشة مستجدات الأوضاع في المنطقة وعدد من القضايا ذات الاهتمام المشترك، بما يسهم في دعم الأمن والاستقرار، وتعزيز التعاون الإقليمي.
وتُعدّ هذه أول زيارة لرئيس إقليم كردستان العراق، نيجيرفان بارزاني، إلى دمشق بعد سقوط نظام الأسد، كما يعد اجتماع الشرع - بارزاني هو الثالث، حيث سبق واجتمعا للمرة الأولى في (11 أبريل/ نيسان 2025)، على هامش منتدى أنطاليا الدبلوماسي. وللمرة الثانية في (17 أبريل 2026) خلال منتدى أنطاليا الدبلوماسي أيضاً.

وتأتي زيارة بارزاني إلى دمشق في «مرحلة بالغة الحساسية والدقة، في ظل تصاعد التوترات الإقليمية واحتمالات اتساع دائرة الصراع في الشرق الأوسط، الأمر الذي يمنحها أهمية سياسية واستراتيجية خاصة». وفق ما قاله ممثل الإدارة الذاتية في دمشق عبد الكريم عمر لـ«الشرق الأوسط»، مشيراً إلى أن «حزمة واسعة من الملفات ذات الاهتمام المشترك»، في مقدمتها «تعزيز العلاقات والتعاون بين أربيل وبغداد ودمشق، بما يخدم الأمن والاستقرار والتنمية في المنطقة». إضافة إلى الملف الأمني الحاضر بقوة على جدول الأعمال، لا سيما في ظل التطورات الإقليمية الراهنة، وأهمية تعزيز التنسيق الأمني وضبط الحدود ومواجهة التحديات المشتركة.

وقد يحمل إظهار أربيل تعاطيها الإيجابي مع دمشق رسائل طمأنة إلى حلفاء الأخيرة بما يُسهم في تعزيز علاقات الإقليم مع عدد من الدول الفاعلة في المنطقة. ويكتسب هذا التوجه أهمية خاصة في توقيت يحتاج فيه الإقليم إلى توسيع خياراته السياسية والأمنية لمواجهة التهديدات الإيرانية، في ظل الانسحاب المرتقب للولايات المتحدة من العراق بشكل كامل مع حلول سبتمبر (أيلول) 2026، وفق ما جاء في تعليق لمركز الدراسات «جسور» نشر بالتزامن مع الزيارة.
كما يعدّ الجانب الاقتصادي من أبرز محاور النقاش، بحسب عبد الكريم عمر الذي أشار إلى أن «مستقبل معبر سيمالكا الحدودي، وتطوير حركة التجارة والتنقل» من الملفات المهمة المطروحة للنقاش، وأيضاً «ملف اللاجئين السوريين في إقليم كردستان العراق، الذين يشكل الكرد السوريون النسبة الكبرى منهم، والبحث في السبل الكفيلة بتوفير الظروف المناسبة لعودتهم الطوعية والآمنة».
كما يحظى ملف تنفيذ بنود الاتفاق الموقّع في 29 يناير (كانون الثاني)، باهتمام كبير، باعتباره أحد أهم المسارات الرامية إلى تعزيز الاستقرار في شمال وشرق سوريا. وفي هذا السياق، رجح عبد الكريم عمر «احتمال انضمام الجنرال مظلوم عبدي إلى الاجتماعات في دمشق في إطار متابعة تنفيذ الاتفاق»، الذي جاء ثمرة جهود متعددة أسهم فيها إقليم كردستان العراق، إلى جانب الولايات المتحدة وفرنسا، لتقريب وجهات النظر بين الأطراف المعنية.
وكانت تقارير إعلامية أفادت ببحث إعلان حلّ قوات سوريا الديمقراطية (قسد) رسمياً، إلا أن مصادر متقاطعة في دمشق استبعدت مناقشة ذلك خلال الزيارة، وقال الباحث السياسي وائل علوان لـ«الشرق الأوسط»، إن الأمر الأهم الذي تركز عليه حكومة إقليم كردستان العراق هو «تثبيت المكتسبات التي حصل عليها المكون الكردي في سوريا، من خلال العمل على تحويل المرسوم الرئاسي الصادر مطلع عام 2026، الذي منح الكرد حقوقاً تتعلق بالجنسية وبعض الحقوق الثقافية، إلى ضمانات دستورية دائمة».
ويعول على نتائج الزيارة في دفع مسار الحوار وتقريب وجهات النظر، وتذليل عدد من العقبات التي تواجه تنفيذ الاتفاق، بما يعزز «فرص التوصل إلى حلول توافقية ومستدامة»، بحسب عبد الكريم عمر، الذي توقع أن تتناول المباحثات سبل ضمان الحقوق السياسية والثقافية واللغوية للشعب الكردي، والعمل على تثبيتها ضمن الدستور السوري المقبل، بما ينسجم مع مبادئ المواطنة المتساوية والعدالة والشراكة الوطنية، ويحافظ في الوقت نفسه على وحدة سوريا وسيادتها وسلامة أراضيها.
ورغم أن عملية دمج المؤسسات العسكرية والأمنية والإدارية تشهد تقدماً يمكن وصفه بالإيجابي، فإنها لا تزال تواجه عدداً من التحديات التي تتطلب المزيد من الحوار والتوافق، ومن أبرزها وفق ما أفاد به المسؤول الكردي؛ «آليات دمج مختلف التشكيلات العسكرية، بما فيها وحدات حماية المرأة، إضافة إلى قضايا التعليم باللغة الكردية في المناطق الكردية، ومستقبل جامعتي روج آفا وكوباني، فضلاً عن ملف عودة المهجرين إلى مناطقهم الأصلية، لا سيما في رأس العين (سري كانيه) وتل أبيض والرقة، إلى جانب ملفات خدمية وإدارية وإنسانية أخرى».
إن نجاح هذه الزيارة، وما قد يترتب عليها من تفاهمات، سيكون خطوة مهمة نحو ترسيخ الاستقرار، وتعزيز الحوار بين مختلف المكونات السورية، وبناء علاقات متوازنة بين دمشق وأربيل وبغداد، بما ينعكس إيجاباً على أمن المنطقة ومستقبلها.
