وائل كفوري... مسيرة لم يستهلكها الزمن

حفله في بيروت يستدعي قراءة تجربة صاغها الصوت ورسَّختها الثقة

يكفي أن يبدأ بالغناء حتى تتبدَّل ملامح القاعة (الشرق الأوسط)
يكفي أن يبدأ بالغناء حتى تتبدَّل ملامح القاعة (الشرق الأوسط)
TT

وائل كفوري... مسيرة لم يستهلكها الزمن

يكفي أن يبدأ بالغناء حتى تتبدَّل ملامح القاعة (الشرق الأوسط)
يكفي أن يبدأ بالغناء حتى تتبدَّل ملامح القاعة (الشرق الأوسط)

المحافظة على النجاح امتحان طويل. الوصول قد تصنعه أغنية وقد تؤسِّس له لحظة استثنائية، أما البقاء فيرتبط بما يتجاوز الموهبة. يحتاج إلى شخصية فنّية تعرف ما الذي تتمسَّك به وما الذي تتركه يتغيَّر. هذه المعادلة تُفسّر جانباً من تجربة وائل كفوري الذي عاد إلى «فوروم دو بيروت» في أمسية امتلأت مقاعدها، على أن يلتقي جمهوره مجدداً في الليلة التالية. بدا المشهد مدخلاً إلى قراءة تجربة امتدَّت أكثر من 3 عقود ولا تزال تجمع أجيالاً مختلفة حول الأغنية.

الأغنية فتحت دُرجاً في الذاكرة فخرجت منه بزّات الجيش ورسائل الانتظار (الشرق الأوسط)

افتتح الحفل، ليل السبت، بـ«أنا رايح بكرا عالجيش»، مرتدياً البزّة العسكرية احتفالاً بعيد الجيش اللبناني. أعادت الأغنية الجمهور إلى حقبة شكَّلت فيها الخدمة العسكرية الإلزامية محطةً يمرُّ بها معظم الشبان اللبنانيِّين، وكانت لحظات الوداع تمتزج بانتظار الأمهات والحبيبات. وما إن راحت القاعة تُردِّد كلماتها حتى عاد ذلك الفصل من الذاكرة إلى الواجهة. فالجمهور الذي كبر على أغنيات وائل كفوري ما زال يرافقه، وفي المقابل لم تبقَ تجربته حبيسة ذلك الجيل. السنوات لم تصنع بينه وبين الناس مسافة. لقد وسَّعت الدائرة، فظلَّ جمهوره الأول إلى جانبه وانضم إليه آخرون لم يعيشوا البدايات لكنهم وجدوا أنفسهم فيها.

كأنَّ وائل كفوري يلتقي جمهوره عند النقطة التي افترقا فيها آخر مرّة (الشرق الأوسط)

هذه العلاقة نتاج أكثر من عنصر. أول ما يلفت فيها هو الصوت. فمنذ مطلع تجربته، امتلك خامة ذات شخصية خاصة تجمع دفء الطبقة الصوتية وصفاء النبرة، مع قدرة لافتة على الاحتفاظ بجودتها في الأداء الحيّ كما في التسجيلات. يحرص وائل كفوري على علاقة متوازنة بين الصوت والأغنية، فلا يطغى أحدهما على الآخر. ومن التوازن وُلدت بصمة صوتية احتفظت بفرادتها عبر السنوات، حتى أصبح التَّعرُّف إليها مسألة لحظات.

لكنَّ الصوت فقط لا يصنع مسيرةً بهذا الامتداد. كثيرون امتلكوا أصواتاً جميلة ثم تراجعوا لأنَّهم أخطأوا في اختياراتهم. أما وائل كفوري فاستطاع أن يصوغ تجربةً يصعب الخلط بينها وبين غيرها، حتى عندما يتفاوت مستوى بعض أعماله. أغنياته في معظمها تنطلق من العاطفة، لكنها تتعامل معها على أنَّها حالة إنسانية مركَّبة. يسكنها الشوق والفَقْد والخذلان وانتظار ما قد لا يأتي، كما تحتضن الحبّ بكلّ خفّته والفرح حين يجد مكانه فيها.

هكذا أفلت كفوري من التصنيف وتجنَّب الوقوع في قالب واحد. فحافظ على تنوّع حالاته الغنائية، من الوجداني إلى الخفيف، من غير أن تطغى إحداها على الأخرى. بذلك تظهر قيمة التراكُم في أيّ مسيرة فنّية. فالأغنيات تستمدّ قوتها من المشروع الذي يبنيه الفنان عبر السنوات. وقد نجح كفوري في تكوين هذا المشروع، بحيث لم تعد كلّ أغنية تبدأ من الصفر، وإنما تُضيف سطراً جديداً إلى تجربة يعرف الجمهور ملامحها جيداً، حتى عندما يختلف في تقييم بعض محطّاتها.

وهو يصفِّق كان الجمهور يُحيّي ما عاشه مع كلّ أغنية (الشرق الأوسط)

تتّضح هذه السمات أكثر على المسرح. فكفوري لا يعتمد على الحديث الطويل مع جمهوره لبناء الألفة، ولا يحتاج إلى فواصل كلامية بين أغنية وأخرى. يترك للموسيقى قيادة الأمسية ولصوته احتلال المساحة. يتحرَّك بثقة، مدركاً أنّ القاعة لا تُختَصر بالصفوف الأولى. يتنقَّل بين الوسط والأطراف، مُوزِّعاً انتباهه على الجميع، فيشعر كلّ جزء من الجمهور بأنَّه مهمّ في حساباته. تلك ليست حركات عفوية. إنها خبرة راكمها عبر سنوات طويلة، حتى أصبح يعرف كيف يُدير حضوره في الحفلات من دون أن يستأثر بالمشهد على حساب الأغنية.

النجاح محطّة... أما الاستمرار فامتحان طويل (الشرق الأوسط)

واختياراته الغنائية لم تترك مساحةً لفتور الإيقاع. فمنذ الدقائق الأولى، تحوَّلت القاعة إلى شريك في الغناء أكثر منها جمهوراً يستمع. وبينما كان وائل كفوري على المسرح، كانت الوجوه في المقاعد تروي جانباً آخر من الحفل. نساء ورجال رافقوه منذ بداياته، وشبان لم يعيشوا تلك المرحلة لكنهم كانوا يردّدون الكلمات بحماسة. ظلَّ هذا الفنان قادراً على جَمْع أكثر من جيل من دون أن يشعر أيٌّ منهم بأنَّ أغنياته تخصُّ جيلاً غيره.

ولعلَّ الموال هو أكثر اللحظات كَشْفاً في حفلاته. تتراجع الموسيقى ويواجه الصوت لحظته المُجرَّدة. وائل كفوري يترك صوته الواثق يتولَّى المشهد، مستنداً إلى حنجرة تحمل الجملة الغنائية بثبات. وفي أدائه تمتدّ بعض ملامح المدرسة التي رسَّخها وديع الصافي، في الاعتداد بالنبرة وطُول النَّفَس وإحكام بناء الموال، من دون أن يفقد صوته هويته الشخصية.

غادرت الأغنيات المسرح... وبقيت الذاكرة تغنّيها (الشرق الأوسط)

لا تقف جميع محطّات أيّ مسيرة فنّية على المستوى نفسه، ووائل كفوري ليس استثناء. لكنّ رصيده ظلَّ تلك الثقة التي بناها مع جمهوره على مدى سنوات، قبل عدد الأغنيات التي نجحت أو تراجعت. فهذه العلاقة تتغذَّى من كلّ إصدار جديد وتتجدَّد كلّما وقف على المسرح. لهذا يحسب خطواته ويعرف أنَّ الاسم الذي صنعه سيظلُّ يسبقه، والحفاظ عليه يحتاج إلى الانتباه الذي تطلَّبه بناؤه.

3 عقود لم تجعله أسيراً لماضيه ولا مُطارِداً لذائقة تتبدَّل يومياً. واصل وائل كفوري الحفاظ على أصعب ما يمكن أن يُحافظ عليه أيُّ فنان. أن يبقى مألوفاً من دون أن يصبح عادياً.


مقالات ذات صلة

لطيفة ووليد سعد لمقاضاة المطرب توليت بتهمة سرقة «الكام يوم اللي فاتوا»

يوميات الشرق لطيفة (حسابها على «فيسبوك»)

لطيفة ووليد سعد لمقاضاة المطرب توليت بتهمة سرقة «الكام يوم اللي فاتوا»

يتجه الملحن المصري وليد سعد والفنانة لطيفة لمقاضاة المطرب المصري توليت على خلفية اتهامه بسرقة لحن أغنية «الكام يوم اللي فاتوا».

أحمد عدلي (القاهرة )
يوميات الشرق عمرو دياب مع الموديلز على الشاطئ في كليب «لولا البنات» (يوتيوب)

كليب «لولا البنات» لعمرو دياب يثير الإعجاب

أثار كليب أغنية «لولا البنات» للمطرب عمرو دياب اهتماماً لافتاً بعد ساعات من بثه عبر حسابه على «يوتيوب» وهي أولى الأغنيات المصورة من أحدث ألبوماته.

انتصار دردير (القاهرة )
يوميات الشرق قدرة الغناء على تقليل التوتر تُعد من أكثر فوائده التي أثبتتها الدراسات بشكل متكرر (بيكسلز)

يمكن ممارستها في المنزل... هواية بسيطة تخفف التوتر وتعزز جهاز المناعة

في خضم ضغوط الحياة اليومية، يبحث كثيرون عن وسائل بسيطة وفعالة تساعدهم على استعادة هدوئهم وتحسين صحتهم النفسية والجسدية، دون الحاجة إلى تكاليف.

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق أنغام ترسخ لحضورها بالأغاني الرومانسية (فيسبوك)

أنغام تراهن على الرومانسية والدراما في موسم «الألبومات الصيفية»

طرحت الفنانة المصرية أنغام «ميني ألبوم» بعنوان «دي روحي»  ضم 4 أغنيات جديدة ليكون أحدث الألبومات الصيفية المطروحة أخيراً، بعد حملة ترويجية استمرت أياماً عدة.

أحمد عدلي (القاهرة )
يوميات الشرق منير يعود إلى هوايته الأولى بالعزف على الدرامز (حسابه على فيسبوك)

شريف منير: فرقة «نوستالجيا» الموسيقية أعادتني إلى شغف البدايات

قال الفنان المصري شريف منير إن حفل فرقته الموسيقية «نوستالجيا» في دار الأوبرا المصرية بالقاهرة، أعاده إلى شغف البدايات وإلى موهبته في العزف على آلة «الدرام».

انتصار دردير (القاهرة)