لم تكد أسرة زينب مهدي، الموظفة الأربعينية في أحد البنوك بالجيزة، تودع الثانوية العامة مع ابنها الأكبر، حتى وجدت نفسها تستعد لخوض التجربة من جديد مع ابنها الثاني، الذي يستعد لدخول الصف الثالث الثانوي في العام الدراسي الجديد.
وكان نجل زينب الأكبر واحداً من بين 922 ألف طالب شاركوا في امتحانات الثانوية العامة قبل أيام، وهو رقم كبير يعكس أهمية هذه المرحلة التعليمية للأسر المصرية.
وتقول زينب لـ«الشرق الأوسط»: «أشعر أننا نعيش منذ عامين في مرحلة متصلة، بالكاد يحصل الأبناء على أسبوعين من الراحة الصيفية، حتى تبدأ المجموعات والدروس من جديد. المعلمون لا ينتظرون بداية الدراسة الرسمية؛ لأن المناهج طويلة، ويفضلون الانتهاء منها قبل الامتحانات بوقت كافٍ للمراجعات، وفي بعض المواد الرئيسية، مثل الأحياء، لا نكتفي بالمجموعة، بل نحصل أيضاً على درس إضافي فيها».
لا تتوقف الضغوط عند تنظيم الوقت، بل تمتد إلى ميزانية الأسرة، فتشير زينب في حديثها لـ«الشرق الأوسط» إلى أن «تكلفة المادة الواحدة تصل إلى نحو 1200 جنيه شهرياً (الدولار الأميركي يعادل 51 جنيهاً مصرياً) بواقع 300 جنيه للحصة الأسبوعية، لتتجاوز فاتورة الدروس الخصوصية وحدها عشرة آلاف جنيه شهرياً، بعد إضافة الدروس الإضافية والمذكرات والانتقالات».

ووفق أحدث تقرير له عن «إنفاق الأسرة المصرية على التعليم» عام 2020، أكد الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء في مصر أن «الدروس الخصوصية ومجموعات التقوية تحتل المرتبة الأولى للإنفاق على بنود التعليم في جميع الأقاليم».
وقبل أيام، أعلنت وزارة التربية والتعليم في مصر نتيجة الثانوية العامة، لتنتهي رحلة مئات الآلاف من الطلاب مع الامتحانات، وتبدأ مرحلة تنسيق الجامعات، لتطوي آلاف العائلات صفحة عام شاق، وتُسلّم الراية لعائلات طلبة الثانوية العامة الجُدد، في مشهد يتكرر كل صيف، حتى بدا أن الثانوية العامة لم تعد عاماً دراسياً يبدأ في سبتمبر (أيلول) وينتهي في يوليو (تموز)، بل دورة متصلة تمتد على مدار العام.
ولا تخلو مجموعات الثانوية العامة على مواقع التواصل الاجتماعي من إعلانات مبكرة تستهدف طلاب الدفعة الجديدة؛ إذ سارعت مراكز الدروس الخصوصية هذه الأيام إلى فتح باب الحجز مع المعلمين.
وتتكرر في هذه الإعلانات عبارات ترويجية مثل: «هل ابنك مستعد للحصول على الدرجة النهائية؟»، و«الفرق بين الطالب العادي والمتفوق ليس الذكاء، بل طريقة الشرح والمتابعة والمذاكرة الصحيحة»، علاوة على بدء الترويج لبيع ملازم المواد الدراسية الخاصة بكل معلم لعام 2027، في رسائل تسويقية تدفع أولياء الأمور إلى حجز أماكن أبنائهم مبكراً خشية اكتمال المجموعات.
وتستعد رولا عيد، وهي أم لثلاثة أبناء، لبدء «معسكر الثانوية العامة» مع ابنها الأكبر مع مطلع أغسطس (آب)، وتقول: «لست وحدي في ذلك، فإذا تأخرنا في الحجز وبدء الدروس، فقد لا نجد مكاناً لدى معلمي الدروس الخصوصية الذين نسمع عن كفاءتهم».

وتوضح لـ«الشرق الأوسط» قائلة إن «تكلفة حصة مادة (الجبر) لابنها، طالب الشعبة العلمية، تبلغ 350 جنيهاً في مجموعة تضم ثلاثة طلاب لمدة ساعتين، في حين تصل تكلفة حصة اللغة العربية إلى 250 جنيهاً للمجموعة نفسها»، مشيرة إلى أن «الإنفاق على الدروس يبدأ قبل الدراسة الرسمية بأسابيع، ويستمر حتى نهاية الامتحانات».
وبلغت نسبة النجاح في نظام الثانوية الجديد 75.1 في المائة، مقابل 72.1 في المائة في النظام القديم للعام الدراسي الماضي.
وأعلنت وزارة التخطيط، الشهر الماضي، زيادة مخصصات التعليم بنسبة 25 في المائة ضمن مشروع الموازنة العامة للدولة للعام المالي 2027/2026، مشيرة إلى أن «معدلات الاستثمار في قطاعَي التعليم والصحة تشهد زيادة غير مسبوقة مقارنة بالعام المالي الحالي، بما يدعم جهود الدولة في تحسين جودة الخدمات المقدمة للمواطنين وتعزيز التنمية البشرية».

ويرى الدكتور حسن شحاتة، الخبير التربوي وأستاذ المناهج في كلية التربية بجامعة عين شمس، أن كثيراً من أولياء الأمور «يفرضون ضغوطاً مبكرة على أبنائهم، رغم أن وزارة التربية والتعليم أتاحت خلال السنوات الأخيرة نماذج استرشادية للامتحانات وإجاباتها النموذجية عبر منصاتها الإلكترونية، بما يتيح للطلاب التدريب على نمط الأسئلة في ظل اعتماد الامتحانات بدرجة أكبر على الفهم وليس الحفظ»، كما يقول لـ«الشرق الأوسط».
ويضيف أن «هذه الضغوط لا تستند إلى ضرورة تربوية بقدر ما تعكس حالة من القلق المجتمعي المرتبطة بالثانوية العامة»، داعياً أولياء الأمور إلى «دعم أبنائهم خلال هذه المرحلة، ومساعدتهم في الحصول على النماذج الاسترشادية المتاحة عبر الموقع الإلكتروني لوزارة التربية والتعليم، والتدرب عليها، بدلاً من تحميلهم أعباء نفسية مبكرة».
