توغلات وتفجيرات جنوب لبنان... إسرائيل تبحث عن منشآت «حزب الله»

تتعامل مع الحزام الأمني بوصفه منطقة احتلال قابلة للتوسع

العلمان الإسرائيلي ولواء «غولاني» فوق قلعة الشقيف (بوفور) كما تُرى من مدينة مرجعيون في جنوب لبنان (أرشيفية- رويترز)
العلمان الإسرائيلي ولواء «غولاني» فوق قلعة الشقيف (بوفور) كما تُرى من مدينة مرجعيون في جنوب لبنان (أرشيفية- رويترز)
TT

توغلات وتفجيرات جنوب لبنان... إسرائيل تبحث عن منشآت «حزب الله»

العلمان الإسرائيلي ولواء «غولاني» فوق قلعة الشقيف (بوفور) كما تُرى من مدينة مرجعيون في جنوب لبنان (أرشيفية- رويترز)
العلمان الإسرائيلي ولواء «غولاني» فوق قلعة الشقيف (بوفور) كما تُرى من مدينة مرجعيون في جنوب لبنان (أرشيفية- رويترز)

تواصل إسرائيل عملياتها العسكرية في جنوب لبنان بالتوازي مع تكريس وقائع ميدانية جديدة على الأرض. ففي وقت أعلن فيه الجيش الإسرائيلي أن نيترات الأمونيوم التي عُثر عليها في جنوب لبنان تعود إليه، واستُخدمت «لأغراض عملياتية»، نافياً أي صلة لها بانفجار مرفأ بيروت في العام 2020، تصاعدت العمليات العسكرية على امتداد القطاعين الأوسط والغربي، حيث سُجلت تفجيرات جديدة في كفرتبنيت، ومجدل زون، وطلوسة، والمنصوري، ومزرعة بيوت السياد، فيما استهدف القصف المدفعي مرتفعات علي الطاهر، والنبطية الفوقا، وأحرقت القوات الإسرائيلية عدداً من المنازل في مركبا، بالتزامن مع استهداف مسيّرة منزلاً في مشاع المنصوري.

وسُمعت منذ منتصف الليل وحتى ساعات الفجر أصداء انفجارات عنيفة نفذتها القوات الإسرائيلية في قرى القطاع الغربي، ووصل دويها إلى مدينة صور، مترافقاً مع عمليات تمشيط بالأسلحة الرشاشة باتجاه وادي الحجير، ووادي السلوقي، في مشهد يعكس استمرار الضغط العسكري على القرى الحدودية، رغم سريان تفاهمات وقف إطلاق النار.

ويأتي هذا التصعيد بالتزامن مع مواقف إسرائيلية تؤكد التمسك بالوجود العسكري في جنوب لبنان. فقد أعلن رئيس هيئة الأركان الإسرائيلي، إيال زامير أن «المعركة لم تنتهِ بعد»، ملوحاً بتوسيع العمليات العسكرية، والإبقاء على القوات الإسرائيلية في المناطق التي سيطرت عليها جنوبي لبنان.

العلمان الإسرائيلي ولواء «غولاني» فوق قلعة الشقيف (بوفور) كما تُرى من مدينة مرجعيون في جنوب لبنان (أرشيفية- رويترز)

المنطقة الصفراء... منطقة احتلال قابلة للتوسع

يرى العميد المتقاعد بسام ياسين أن هذه التحركات لا تمثل تحولاً ميدانياً جديداً، بل تأتي في إطار سياسة إسرائيلية ثابتة لتثبيت ما تسميه «منطقة الأمان»، مؤكداً أن «الجيش الإسرائيلي يتعامل مع المنطقة الصفراء بوصفها منطقة محتلة، وقابلة للتوسع إذا استدعت الحاجة». ويقول لـ«الشرق الأوسط»: «ما يجري في كفرتبنيت وعلي الطاهر وبرعشيت لا يمكن وصفه بتوغلات جديدة، لأن القوات الإسرائيلية موجودة أصلاً في هذه المناطق، فيما تتركز تحركاتها على عمليات تفجير المنازل، وهدمها، وإحراقها، إضافة إلى تنفيذ عمليات تسلل متكررة إلى المناطق المحاذية للخط الأصفر».

ويضيف أن «المنصوري تقع على أطراف المنطقة الصفراء، وقد سبق أن دخلتها القوات الإسرائيلية، وفجرت نفقاً كبيراً، كما دُمّر جزء واسع من البلدة، فيما تشهد برعشيت ومحيط علي الطاهر تحركات مماثلة باعتبارها مناطق محاذية للحزام الأمني الذي تعمل إسرائيل على تثبيته».

بحث عن منشآت وتوسيع للحزام الأمني

ويشير ياسين إلى أن التحركات الإسرائيلية تحمل أكثر من هدف عسكري، موضحاً أن «أحد الاحتمالات يتمثل في اعتقاد الجيش الإسرائيلي بوجود منشآت، أو بنى ميدانية، أو مواقع يسعى إلى الوصول إليها، أو التحقق منها، ما يفسر تنفيذ عمليات توغل محدودة يعقبها انسحاب سريع بعد إنجاز المهمة». ويضيف أن «الاحتمال الآخر يتمثل في السعي إلى توسيع نطاق المنطقة الأمنية عبر تحويل محيطها إلى شريط مدمر، أو (منطقة محروقة)، بما يمنع أي تحركات مستقبلية، ويؤمن عمقاً إضافياً للقوات الإسرائيلية».

ويتابع: «كلما رصد الجيش الإسرائيلي منطقة تحجب الرؤية عنه، أو يعتبر أنها قد تشكل خطراً، يتسلل إليها لتفتيشها، أو تفجير ما فيها، في محاولة لتأكيد سيطرته، ومنع أي تهديد محتمل. هذه التحركات تؤكد أن إسرائيل لا تنوي الانسحاب من المنطقة الصفراء، وهو ما أعلنته مراراً قيادتها العسكرية، وآخرها رئيس أركانها الذي أكد ذلك، وأن مساحة هذه المنطقة قد تتوسع إذا دعت الحاجة».

ويرى أن الهدف العسكري المباشر لهذه العمليات هو «ضمان خلو المناطق المحاذية للوجود الإسرائيلي من أي عناصر أو بنى قد تشكل تهديداً للقوات الإسرائيلية»، موضحاً أن «إسرائيل تعتمد بصورة دائمة على التسلل البري، وعمليات التفجير، إلى جانب الاستهداف بالمسيّرات والطائرات لأي حركة تعتبرها مشبوهة داخل هذه المناطق».

تصاعد الدخان من موقع تفجير نفذته القوات الإسرائيلية في بلدة القنطرة جنوب لبنان (أ.ف.ب)

السيطرة بالنار لا بالانتشار

ويخلص ياسين إلى أن نمط العمليات المتكرر، من القصف والتوغلات المحدودة والتفجيرات وحرق المنازل، يعكس استراتيجية تقوم على فرض سيطرة عملياتية مستمرة من دون الحاجة إلى احتلال بري واسع، بما يبقي القرى المحاذية للحزام الأمني تحت الضغط الدائم، ويمنح الجيش الإسرائيلي حرية التحرك كلما رأى أن ذلك يخدم تثبيت «المنطقة الصفراء، أو توسيعها».

إسرائيل تثبّت سيطرتها الميدانية

من جانبه، يعتبر العميد المتقاعد يعرب صخر، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن العمليات الإسرائيلية المتكررة في بلدات جنوب لبنان، من بيت ياحون وبرعشيت إلى أطراف علي الطاهر والنبطية والمنصوري، لا تعكس توسعاً عشوائياً، بل تندرج ضمن ما يُعرف عسكرياً بـ«تثبيت السيطرة» على المناطق التي أصبحت تحت النفوذ الإسرائيلي.

ويوضح صخر أن «القراءة العسكرية البسيطة والواضحة تشير إلى أن إسرائيل تعمل في كل منطقة تسيطر عليها على إزالة أي مظهر مرتبط بـ(حزب الله)، سواء كان بشرياً، أو مادياً، بما يشمل الأنفاق، والمنشآت، والمنصات، أو أي عناصر قد تكون لا تزال موجودة في تلك المناطق»، مضيفاً أن «هذه الإجراءات تندرج في إطار تثبيت السيطرة على الأرض بعد إحكامها».

ويرى أن ما يجري «ليس معزولاً عن المسار التفاوضي»، بل يشكل «تحضيراً للمرحلة الثانية من اتفاق الإطار، التي يُفترض أن تُبحث في الاجتماعات المقبلة في روما، والمتعلقة بتوسيع نطاق المناطق التجريبية». مشيراً إلى أن التفجيرات التي تنفذها إسرائيل في مناطق متفرقة تعكس «عملية تنظيف ميداني لكل موقع تشتبه بوجود أي مظهر مسلح فيه، سواء كان بشرياً، أو مادياً، بما يهدف إلى تثبيت السيطرة».

ويعتبر أن إسرائيل «تسعى أيضاً إلى توسيع الهامش حول مواقع تمركزها، من خلال تنفيذ عمليات في المناطق القريبة من مواقع وجودها»، مؤكداً أن «المنطقة الصفراء التي حددتها إسرائيل ورسمتها ميدانياً تبقى ثابتة، لكن التفجيرات التي تحصل خارجها، سواء جنوب الليطاني أو شماله، تستهدف مناطق تقع ضمن نطاق السيطرة الإسرائيلية المباشرة، أو غير المباشرة، أي ضمن ما يسمى السيطرة بالنار». لافتاً إلى أنّ «هذه الإجراءات تُعد تدابير دفاعية أمامية هدفها تثبيت السيطرة، وتأمين المنطقة الصفراء».


مقالات ذات صلة

لبنان: 4350 قتيلاً وأكثر من 12 ألف جريح جراء الحرب الإسرائيلية

المشرق العربي تصاعد الدخان وسط سلسلة من الغارات الجوية الإسرائيلية التي استهدفت منطقة المنصوري في جنوب لبنان (أ.ف.ب) p-circle

لبنان: 4350 قتيلاً وأكثر من 12 ألف جريح جراء الحرب الإسرائيلية

ارتفعت حصيلة ضحايا الحرب الإسرائيلية على لبنان منذ 2 مارس (آذار) الماضي حتى اليوم الثلاثاء، إلى 4 آلاف و350 قتيلاً و12 ألفاً و310 جرحى.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي وزير النقل يعرب بدر ووزير الأشغال العامة والنقل اللبناني فايز رسامني في مقر الوزارة بدمشق (سانا)

إحياء الربط السككي بين سوريا ولبنان... وربط بالعراق والخليج وتركيا

ناقش الوزيران السوري واللبناني تطوير حركة النقل بين البلدين وتعزيز الربط البري والسككي.

«الشرق الأوسط» (دمشق)
المشرق العربي مدنيون من القرى المسيحية في جنوب لبنان يعبرون الطريق الساحلي جنوباً ضمن قافلة ويبدو العلم الإسرائيلي على مدخل بلدة الناقورة في يوليو 2026 (أرشيفية - أ.ف.ب)

إسرائيل تفرض قيوداً على حركة سكان 3 قرى مسيحية في جنوب لبنان

فَرَضَ الجيش الإسرائيلي قيوداً على حركة سكان ثلاث بلدات مسيحية محاصرة في جنوب لبنان، حيث حدد مساراً للتنقل من العمق اللبناني وإليه.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
خاص آليات للجيش اللبناني تفصل بين مواقع وجود الجيش الإسرائيلي في بلدة زوطر الشرقية والمدنيين العائدين إلى بلدة زوطر الغربية أولى المناطق النموذجية بجنوب لبنان (الشرق الأوسط)

خاص موعد «روما-3» مرتبط بقرار واشنطن تحقيق تقدم يُنهي المراوحة

كشف مصدر سياسي معنيّ بالمفاوضات اللبنانية - الإسرائيلية، في ضوء ما انتهت إليه الجولة السابعة، عن أن واشنطن تتريث في تحديد موعد لرعايتها الجولة الثامنة.

محمد شقير (بيروت)
المشرق العربي دورية لقوات «اليونيفيل» قرب بلدة بيوت السياد الساحلية في جنوب لبنان (أرشيفية - أ.ف.ب)

من «اليونيفيل» إلى لجان التحقق... هل تتغير وظيفة الرقابة في جنوب لبنان؟

ينتقل البحث في مرحلة ما بعد «اليونيفيل» من مصير القوة الدولية إلى هوية البديل وصلاحياته، مع تداول صيغة أوروبية ولجان تحقق قد تتولى مهامَّ موسّعة.

صبحي أمهز (بيروت)

الكرملين: الرئيسان الروسي والسوري يناقشان «مذكرة التفاهم» بشأن «حميميم»

جولة ميدانية لوزير الخارجية أسعد الشيباني والوفد المرافق داخل ميناء طرطوس للاطلاع على المنشآت والمرافق التي شملتها «مذكرة التفاهم» بين سوريا وروسيا (الخارجية السورية)
جولة ميدانية لوزير الخارجية أسعد الشيباني والوفد المرافق داخل ميناء طرطوس للاطلاع على المنشآت والمرافق التي شملتها «مذكرة التفاهم» بين سوريا وروسيا (الخارجية السورية)
TT

الكرملين: الرئيسان الروسي والسوري يناقشان «مذكرة التفاهم» بشأن «حميميم»

جولة ميدانية لوزير الخارجية أسعد الشيباني والوفد المرافق داخل ميناء طرطوس للاطلاع على المنشآت والمرافق التي شملتها «مذكرة التفاهم» بين سوريا وروسيا (الخارجية السورية)
جولة ميدانية لوزير الخارجية أسعد الشيباني والوفد المرافق داخل ميناء طرطوس للاطلاع على المنشآت والمرافق التي شملتها «مذكرة التفاهم» بين سوريا وروسيا (الخارجية السورية)

أكد الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، خلال محادثة هاتفية مع نظيره السوري، أحمد الشرع، الموقف المبدئي الداعم وحدة الجمهورية وسيادتها وسلامة أراضيها.

وجاء في بيان من المكتب الصحافي للكرملين بهذا الصدد، نقلته وكالة «تاس» الروسية: «خلال تبادل وجهات النظر بشأن الوضع في سوريا، أكد فلاديمير بوتين الموقف المبدئي الداعم وحدة سوريا وسلامة أراضيها وسيادتها، وتهيئة الظروف الملائمة لتحقيق استقرار طويل الأمد وإعادة الإعمار في مرحلة ما بعد النزاع».

وأشار الرئيسان؛ الروسي فلاديمير بوتين، والسوري أحمد الشرع، إلى أهمية مذكرة التفاهم التي وُقّعت بين البلدين بشأن إعادة تنظيم «قاعدة حميميم الجوية» و«مركز الدعم اللوجستي» في محافظة طرطوس، وفق ما أفاد به المكتب الصحافي للكرملين عقب محادثة هاتفية بين الرئيسين الأربعاء.

وجاء في بيان الكرملين: «أشار الجانبان إلى أهمية مذكرة التفاهم الموقعة في 9 أغسطس (آب) الحالي بشأن إعادة تنظيم (قاعدة حميميم الجوية) و(مركز طرطوس اللوجستي)».

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين والرئيس السوري أحمد الشرع في الكرملين بموسكو يوم 15 أكتوبر 2025 (أرشيفية - وكالة الأنباء الألمانية)

وفي السياق، أعرب كل من الرئيسين؛ الروسي فلاديمير بوتين، والسوري أحمد الشرع، عن استعدادهما لتعميق الحوار السياسي، والتعاون بين البلدين، خصوصاً في المجالات التجارية والاقتصادية والإنسانية، وفق ما أفاد به المكتب الصحافي للكرملين.

وجاء في بيان الكرملين: «جرى التعبير عن الاستعداد لتعميق الحوار السياسي والتعاون في المجالات التجارية والاقتصادية والإنسانية وغيرها.

جانب من منشأة البحرية الروسية في طرطوس الساحلية بسوريا يوم 14 ديسمبر 2024 (رويترز)

وقد دشن الإعلان عن التوصل إلى مذكرة تفاهم بين دمشق وموسكو، في 9 أغسطس الحالي، تنظيم وهيكلة الوجود العسكري الروسي على الأراضي السورية، ومرحلة جديدة في علاقات البلدين تفتح على توسيع التعاون في مجالات مختلفة وإزالة واحدة من العقبات الرئيسية الموروثة من حقبة الرئيس المخلوع بشار الأسد.

وتكتسب «قاعدة حميميم» و«ميناء طرطوس» أهمية استراتيجية خاصة في الساحل السوري، إذ يمثل «مطار حميميم» منشأة جوية رئيسية، بينما يرتبط «ميناء طرطوس» بالموقع البحري الذي شكّل أحد أبرز أوجه الحضور الروسي في سوريا خلال السنوات الماضية.

وبموجب التفاهم سوف تبدأ فوراً عملية إعادة تنظيم الوجود الروسي في الساحل السوري، ‏على أن تتولى الدولة السورية إدارة المنشآت ذات الطابع المدني، وفي مقدمتها «مطار حميميم» و«الرصيف التجاري الرابع» في ‏ميناء طرطوس، بما يتيح إدخالهما تدريجياً ضمن منظومة الإدارة المدنية. ‏

وبالنسبة إلى القواعد والمنشآت ذات الطابع العسكري، فقد أفادت وزارة الخارجية السورية بأن «الطرفين اتفقا على إعادة ‏صياغة وظيفتها، بحيث تتحول من قواعد عسكرية إلى مراكز تدريب وتأهيل مشتركة، ضمن ترتيبات جديدة تحفظ ‏المصالح المتبادلة». وحددت مذكرة التفاهم سقفاً زمنياً لا يتجاوز 3 أشهر لاستكمال عملية ‌‏التحويل، لتدخل بعدها الترتيبات الجديدة حيز التنفيذ.

يعدّ التطور الأخير الخطوةَ الأبرز منذ بدء المفاوضات قبل نحو عام ونصف العام، ويفتح، كما قال خبراء من الجانبين، «الباب ‏أمام مرحلة مختلفة نوعياً في العلاقات السورية - الروسية».‏


خدام: احتياطي سوريا 12 مليار دولار كان مسجلاً باسم حافظ الأسد

حافظ الأسد خلال زيارة لموسكو في 1999 (أ.ف.ب)
حافظ الأسد خلال زيارة لموسكو في 1999 (أ.ف.ب)
TT

خدام: احتياطي سوريا 12 مليار دولار كان مسجلاً باسم حافظ الأسد

حافظ الأسد خلال زيارة لموسكو في 1999 (أ.ف.ب)
حافظ الأسد خلال زيارة لموسكو في 1999 (أ.ف.ب)

من أكثر ما تحمله مذكرات نائب الرئيس السوري الراحل عبدالحليم خدام حساسية في باب المال والسلطة، روايته أن احتياطي الدولة السورية، البالغ آنذاك اثني عشر مليار دولار بحسب النص، كان مسجلًا باسم الرئيس الراحل حافظ الأسد لا باسم مؤسسات الدولة.

يكتب خدام في المذكرات التي حررها وقدّمها الزميل إبراهيم حميدي، رئيس تحرير «المجلة»، وتصدر مطلع سبتمبر (أيلول) عن دار «رف» التابعة للمجموعة السعودية للأبحاث والإعلام SRMG: «لم يخطر في بال أحد أن يوضع مبلغ بهذا الحجم بالاسم الشخصي لرئيس الدولة، وهو مبلغ للدولة السورية وليس له».

غلاف الكتاب

وفي رواية خدام، لم تبقَ المسألة شكلية، بل تحولت إلى أزمة داخلية حين وصلت إلى الرئيس وثيقة تفيد بسحب مبلغ من الحساب المودع باسمه في الخارج. استغرب الأسد الأمر وطلب من البنك كتاب التحويل، وبعد أيام وصلت صورة الطلب، ولدى تدقيق التوقيع تبين أنه مزوّر. سُئل البنك عن الجهة التي حُوّل إليها المبلغ (65 مليون دولار) فتبين أنها عائدة لرئيس الحكومة محمود الزعبي. يروي خدام أن «ثائرة» حافظ الأسد ثارت، وأنه طلب إلى أحد رؤساء أجهزة الأمن استدعاء الزعبي وإنذاره بإعادة المبلغ وإلا أُعدم، وبالفعل أُعيد المال إلى المصرف.

وتضع المذكرات الواقعة في سياق مسار الزعبي نفسه الذي بقي في رئاسة الحكومة من نوفمبر (تشرين الثاني) 1987 حتى مارس (آذار) 2000، في أطول رئاسة حكومة منذ ولادة الدولة السورية عام 1918.

يرسم خدام صورة قاسية للرجل الذي «انزلق ليس فقط في تسهيل الفساد وإنما ممارسته أيضاً»، ويروي كيف بنى شبكة ثقته صعوداً نحو مكتب باسل الأسد ومحمد مخلوف، فيما كان هو نفسه يفتح ملف الفساد مع حافظ الأسد منذ 1989 ليأتيه الجواب: «من أين تأتي بهذه المعلومات؟ الواقع مختلف عما تقول».

حافظ الأسد وإلى جانبه رئيس الوزراء الراحل محمود الزعبي (أ.ف.ب)

ثم يروي خدام النهاية من الداخل: في منتصف مايو (أيار) 2000 دعا الرئيس الراحل، وقد بدت عليه «علائم الموت»، عدداً من أعضاء قيادة حزب «البعث» الحاكم إلى منزله، وقال لهم: «لقد خانني محمود الزعبي. حققوا معه وحاسبوه»، من دون أن يكشف الموضوع.

أُقيل الزعبي من الحزب وتقررت إحالته إلى التحقيق، وحين أُبلغ القرار أخذ يردد: «أنا ماذا فعلت؟»، ثم قال لخدام: «إذا دعوني إلى التحقيق سأنتحر». وفي 24 مايو 2000، وعندما جاء قائد شرطة دمشق ومعه ضابطان لاصطحابه إلى التحقيق، صعد الزعبي إلى الطابق الثاني في منزله وأطلق النار على رأسه. ويكتب خدام أنه علم بواقعة التزوير والاحتياطي «بعد مدة وجيزة» من الانتحار.

وتحيط المذكرات الواقعة بملفات أخرى من عهدة الزعبي، أبرزها عقد شراء طائرات «إيرباص» مطلع التسعينيات: لجنة برئاسة رئيس الحكومة، ووزير نقل استُبعد منها بعدما اتصل بالشركة الفرنسية «للحصول على عمولة»، وعقد أقرّته الحكومة رغم اعتراضات موثقة «بعد أن أوحى لها الزعبي بأن الرئيس قد وافق عليه».

حافظ الأسد وإلى يساره عبد الحليم خدام عام 1999 (غيتي)

ويسجل خدام مفارقة: بعد انتحار الزعبي ببضعة أيام أُوقف نائب رئيس الحكومة سليم ياسين ووزير النقل مفيد عبدالكريم، وهما من اعترضا على العقد، «ظلماً»، وحُكم عليهما بالسجن خمسة عشر عاماً وبغرامة تفوق قيمة الطائرات.

ويروي في السياق نفسه أن دراسة إصلاح اقتصادي أعدها خبراء كلفهم رئيس الوزراء اللبناني الراحل رفيق الحريري بموافقة الرئيس، وكلفت ثلاثة ملايين دولار، «لم يقرأها أحد سواي من أعضاء الحكومة والقيادة».

لم يتسنَّ التحقق المستقل من الوثائق المصرفية المشار إليها، وتبقى الرواية على مسؤولية صاحبها. تفاصيل الواقعة، وسياق حكومة الزعبي وملفات الفساد التي رافقتها، ترد في فصل «انتحار محمود الزعبي» من الكتاب.


الزنداني: لن نسمح للحوثيين وإيران بابتزاز اليمن

رئيس الحكومة اليمنية شائع الزنداني (سبأ)
رئيس الحكومة اليمنية شائع الزنداني (سبأ)
TT

الزنداني: لن نسمح للحوثيين وإيران بابتزاز اليمن

رئيس الحكومة اليمنية شائع الزنداني (سبأ)
رئيس الحكومة اليمنية شائع الزنداني (سبأ)

شدد رئيس الوزراء اليمني الدكتور شائع الزنداني على أن بلاده لن تبقى ساحة مفتوحة أمام مشروع عابر للحدود، وأنها لن تسمح للحوثيين وإيران بابتزاز الدولة اليمنية.

وقال الزنداني في حوار مع «الشرق الأوسط» إن التصعيد الحوثي الأخير يكشف استهداف الجماعة مقوّمات الحياة والاقتصاد الوطني، وسعيها إلى تحويل الأراضي اليمنية والموانئ والممرات البحرية إلى أدوات تخدم مشروعاً إقليمياً يتجاوز حدود البلاد. وأكد أن اليمن لا يريد من العالم أن يخوض الحرب نيابة عن اليمنيين، وإنما أن يدعمهم في استعادة دولتهم، وبناء قدراتهم.

وأوضح رئيس الوزراء أن التنسيق اليمني - السعودي يتطور باستمرار ويتجاوز التعامل مع تصعيد عسكري طارئ، ويستند إلى شراكة استراتيجية راسخة بين بلدين يجمعهما الجوار والأمن والمصير والمصالح المشتركة، مشيراً إلى أن الرياض تعدّ استقرار اليمن جزءاً من أمن المملكة والمنطقة.

وقال الزنداني إن الحكومة لا تتعامل مع ميناء المخا بوصفه مجرد منشأة محلية، بل على أنه جزء من منظومة اقتصادية وملاحية أوسع، مشيراً إلى أن استهدافه تترتب عليه تداعيات تتجاوز الحدود الوطنية. وأضاف أن حماية الموانئ والمنشآت الاقتصادية مسؤولية وطنية، وهي في الوقت نفسه جزء من مسؤولية المجتمع الدولي تجاه أمن الملاحة والتجارة الدولية.