هل يمكن للشاعر ألّا يكون ناقداً؟

علاقتهما الوثيقة جسدها كتاب عديدون من مزدوجي الهوية الإبداعية

سلمى الخضراء الجيوسي
سلمى الخضراء الجيوسي
TT

هل يمكن للشاعر ألّا يكون ناقداً؟

سلمى الخضراء الجيوسي
سلمى الخضراء الجيوسي

لم تكن الطبيعة الاستحواذية للشعر، التي جعلته لا يرضى من الشاعر بأقل من منحه الحياة بكاملها، لتحول دون سعي العديد من الشعراء، إلى تقاسمه مع فنون أخرى كالرواية والرسم والموسيقى والمسرح، الأمر الذي نجد شواهده، عبر عشرات الأسماء العربية والعالمية. ومع ذلك فإن الإقرار بإمكانية المساكنة بين الشعر وأي من الفنون المماثلة، لا بد أن يصاحبه شعور عميق بالصعوبة غير المأمونة لتلك المهمة، فضلاً عن أنه لم يحدث لأي من مزدوجي الهوية الإبداعية، أن تربّع على ذروتين متماثلتي الارتفاع، بل أمكن لواحدة منهما فقط أن توصله إلى القمة، في حين تركته الثانية في مكان أقل ارتفاعاً.

إلا أن الأمر يختلف تمام الاختلاف مع النقد، لأن العلاقة بينه وبين الشعر ليست محكومة بالتنافس بل بالتكامل، ولأن هذه العلاقة لا تسبب الانشقاق عن الهوية الأصلية، بل تسهم في تعميقها وتصويبها ومنعها من الشطط. وسواء تم إدراج النقد الأدبي في خانة العلم، نظراً لما يحكمه من معايير الأخير وقواعده وأدواته، أو أدرجه البعض في خانة الفن، لاتصاله من بعض النواحي بموهبة المشتغل به وذائقته اللغوية والجمالية، أو وضعه آخرون في منزلة بين المنزلتين، فإن التباين في النظرة إليه لم يمنعه من أن يظل توأم الشعر وحارسه ورديفه.

إليوت

ومع ذلك فإن الإشكالات المتعلقة بالنقد ووظيفته وجدواه، وعلاقته بالنص الأصلي، لم تعرف طريقها إلى الخمود، وبخاصة لدى أصحاب «الطبيعتين»، الذين نادوا بالفصل التام بين الشعر والنقد، كما بين مهمة الشاعر ومهمة الناقد، حيث يعتمد الأول على القلب وبروق الإلهام والإشارات القادمة من جهات الغيب، فيما يعتمد الثاني على العقل وما يستتبعه من مهارات الاستقراء والتحليل، إضافة إلى الثقافة العميقة والموسوعية.

ومع وجاهة النظريات التي تربط الشعر بالحدس وعوالم اللاوعي، وإشراقات القلب والروح، فيما تربط النقد بالعقل والفكر وتحليلات المنطق، فإن هذا التقسيم لا يجب أن يقرأ قراءة مانوية، تفترض وجود حائط صلد يفصل بين القلب والعقل. وبما أن الإنسان مزود بطبيعته، بعدد من الملكات التي تتكامل حيناً وتتباين حيناً آخر، فإن استسلام الشاعر لجموح اللغة الهذياني في لحظة الإلهام، لا يمنعه حين يثوب إلى صحوه التام، من أن يقرأ ما تمخضت عنه «سكرته»، بعين المفكر الموضوعي والناقد الحصيف.

وبما أن الشواهد على ثنائية الشاعر الناقد أكثر من أن تحصى، فيكفي أن نتوقف عند التجربة الرائدة لصموئيل تايلور كولريدج، أحد الرموز البارزة للحركة الرومانسية في القرن التاسع عشر. فقد عرف الشاعر الإنجليزي كيف يوائم بنجاح، بين ملكة النقد الأدبي وملكته الشعرية الأصيلة، وهو الذي أظهر اهتماماً بالغاً بالوقوف على طبيعة الشعر ومعناه، والعوامل التي تسهم في تحقُّقه. ولم يقتصر إسهام صاحب «أغنية البحار القديم» على كتابة انطباعات متفرقة عن هذا الفن، بل أصدر مؤلفاً مهماً حول الخيال الشعري، معتبراً أن أسمى القصائد الغنائية وأكثرهاً جموحاً، تنطوي على منطق خاص بها لا يقل صرامة عن منطق العلم، بل يفوقه صعوبة ودقةً وتعقيداً.

كولريدج

وإذ استخدم كولريدج ثقافته الفلسفية الواسعة في البحث عن المصدر الذي تُستمد منه المتعة التي تقدمها القصيدة أو النص الشعري، أكد في الوقت ذاته على الدور المؤثر الذي يمكن أن تلعبه الأحلام في تأثيث الشعر بما يلزمه من عناصر التخييل، مستشهداً بقصيدته «قبلاي خان» التي استلهم مادتها الأساسية من أحد أحلامه، ثم دوّن جزءاً منها بعد الاستيقاظ، قبل أن يقطع عليه أحدهم سبل الاستمرار.

أما الشاعر الأميركي الإنجليزي ت. س. إليوت، فقد استطاع على نحو لافت أن يؤالف بين تجربتيه الشعرية والنقدية، وأن يجعل كلاً منهما رديفة للأخرى لا منافسة شرسة لها. فصاحب «رباعيات أربع» الذي تحولت قصيدته «الأرض الخراب» إلى أيقونة شعرية للقرن العشرين، استلهمها عشرات الشعراء اللاحقين له، هو نفسه الذي شكّل كتابه «في الشعر والشعراء»، أحد المراجع الأهم للنقد الحديث.

وقد عرض إليوت لمختلف الموضوعات المتعلقة بجوهر الشعر وطبيعته وأغراضه، منذ نشأته الأولى وحتى عصوره المتأخرة، معتبراً أن الغرض الاجتماعي يقع في مقدمة تلك الأغراض، حيث النماذج الشعرية الأكثر قدماً، كانت تستخدم لغايات سحرية تتصل بتجنب الحسد، أو الشفاء من بعض الأمراض، أو استرضاء الشياطين.

وخلافاً لحالتي كولريدج وإليوت، اللذين أثبتا بأن الشاعر المتفرد يمكن أن يكون ناقداً متفرداً في الوقت ذاته، فإن تجربة البعض ممن وفدوا إلى الشعر من جهة النقد، لم تنجح في إرساء المعادلة نفسها والتوازن إياه. وهو ما نجد شاهده الأمثل في تجربة الناقد الإنجليزي ماثيو آرنولد، الذي شكل الركيزة الأكثر صلابة للنقد الأدبي في العصر الفكتوري، في حين أن تجربته الشعرية لم تأخذ طريقها إلى التفرد، ولم ترق إلى مستوى معاصريه.

ومع أن ثنائية الشاعر الناقد، قد وجدت نظائر لها في الأدب العربي المعاصر، إلا أن منسوبها في الدائرة العربية، بدا أقل مما هو عليه في الغرب، الأمر الذي تعود بعض أسبابه إلى عجز الفكر العربي عن توليد نظريات نقدية جديدة، كما حدث له في الماضي، وبعضها الآخر إلى اكتفاء الشعراء العرب منذ القدم، والكبار منهم على نحو خاص، بما زودتهم به شياطين عبقر من شعل الموهبة ونور اللغة القلبية، تاركين للنقاد والدارسين مهمة السهر على شوارد قصائدهم ونصوصهم، وفق تعبير المتنبي.

اللافت رغم ذلك أن معظم الكتاب الذين خاضوا تجربة النقد بنجاح ملحوظ، لم يصيبوا النجاح نفسه حين عمدوا إلى خوض غمار الشعر، سواء تعلق الأمر بعباس محمود العقاد، الذي بدا الفارق واسعاً بين كتاباته النقدية العالية، وبين منظوماته الشعرية المتكلفة، أو برموز نقدية وأدبية مماثلة، من طراز ميخائيل نعيمة وجبرا إبراهيم جبرا وسلمى الخضراء الجيوسي وكثر غيرهم.

أما القادمون إلى النقد من جهة الشعر، فقد بدا وضع أكثرهم مغايراً تماماً، كما هو حال نازك الملائكة التي بدا كتابها «قضايا الشعر العربي المعاصر» بمثابة المعادل الفكري لتجربتها الشعرية الرائدة. والأمر نفسه ينطبق على أدونيس، المنشطر على نحو شبه متكافئ بين عقله وقلبه، الذي بدت أعماله الفكرية والنقدية، بمثابة وجه آخر لمنجزه الشعري.

معظم الكتاب الذين خاضوا تجربة النقد بنجاح ملحوظ لم يصيبوا النجاح نفسه حين عمدوا إلى خوض غمار الشعر

ومع ذلك فليس ضرورياً أن تعبر متلازمة الشاعر الناقد عن نفسها عبر الكتب والدراسات الأكاديمية والمنهجية، أو أن يترجم الشاعر آراءه في الإبداع الشعري والأدبي عبر كتب ومؤلفات منشورة، أو نظرية متكاملة العناصر، بل يمكن لوعي الشاعر النقدي أن ينعكس في تفاعله العميق مع أسئلة عصره، وفي رفد المشهد الثقافي المحيط به، بعناصر التجدد والثراء والدينامية الخلاقة. وهو ما بدت تمثلاته واضحة في تسنم العديد من الشعراء المعاصرين، مهمة الإشراف على معظم الصفحات الثقافية في الصحافة العربية اليومية والأسبوعية، فضلاً عن مواكبتهم النقدية الفاعلة، بشقيها الإيجابي والسلبي، لحركة الحداثة الشعرية، ولمعظم الأعمال الإبداعية التي صدرت في العقود الأخيرة.

كما عبّرت ملكة الشعراء النقدية عن نفسها، من خلال إحاطة أعمالهم ونتاجاتهم الإبداعية، بالقليل من الرضا والكثير من الشكوك. ولعل هذه الميزة بالذات، هي التي دفعت البعض منهم إلى إعادة النظر بنصوصهم المنشورة، وإصدارها في طبعات مزيدة ومنقحة، فيما عمد آخرون إلى التنصل من أعمالهم المبكرة وحذفها بشكل نهائي.


مقالات ذات صلة

فن «الكتابة عن الكتابة»

كتب فن «الكتابة عن الكتابة»

فن «الكتابة عن الكتابة»

بين الأكاديمية والانطباعية والمزاجية، بقيت مراجعات الكتب على أنواعها ممارسة ثقافية، متحررة من أي قيد يحددها في إطار أو يكبح جماح كاتبها.

سوسن الأبطح
كتب تشريح قصصي لفلسفة «أنصاف الأشياء»

تشريح قصصي لفلسفة «أنصاف الأشياء»

صدر أخيراً، عن «دار الشروق» في القاهرة، المجموعة القصصية «تخفيف أحمال»، للروائية والقاصة المصرية شيرين سامي.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون  رضا البهات

رحيل رضا البهات صاحب «بشاير اليوسفي» و«شمعة البحر»

غيَّب الموت أول من أمس (الاثنين) الكاتب الروائي المصري رضا البهات عن عمر ناهز 71 عاماً، بعد معاناة طويلة مع المرض. وبرحيله تفقد الثقافة المصرية

رشا أحمد (القاهرة)
ثقافة وفنون 
قصر الحلابات في محافظة الزرقاء

قصر الحلابات

يحتل قصر الحلابات موقعاً خاصاً في خريطة العمائر التي شيدها الأمويون وسط البادية الأردنية، وتكمن هذه الخصوصية في السجال المتجدّد حول تاريخ بنائه ومراحل تكوينه.

محمود الزيباوي
ثقافة وفنون صراع في الريف الإيطالي

صراع في الريف الإيطالي

في روايتها «غداً غداً» الصادرة عن «دار العربي» بالقاهرة، وترجمة علا محمود، ترسم الكاتبة الإيطالية فرانشيسكا جانونيه صورة مؤثرة لصراعات اجتماعية وإنسانية

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

رحيل رضا البهات صاحب «بشاير اليوسفي» و«شمعة البحر»

 رضا البهات
رضا البهات
TT

رحيل رضا البهات صاحب «بشاير اليوسفي» و«شمعة البحر»

 رضا البهات
رضا البهات

غيَّب الموت أول من أمس (الاثنين) الكاتب الروائي المصري رضا البهات عن عمر ناهز 71 عاماً، بعد معاناة طويلة مع المرض. وبرحيله تفقد الثقافة المصرية واحداً من أكثر مبدعيها خصوصية وأصالة وزهداً في الأضواء، حيث عاش في مدينته المنصورة بعيداً عن صخب العاصمة ولم ينشغل بصراعات أدبائها، أو ينخرط في خلافاتهم ومعاركهم الجانبية؛ بحثاً عن مجد شخصي.

ولم تكن مبالغة أن يرثيه الشاعر دكتور عيد صالح عبر صفحته بموقع «فيسبوك» بقوله: «مرّ بحياتنا كالملائكة وأصحاب الرؤى النورانيين الملهمين»، في حين وصفه الناقد شعبان يوسف بأنه «واحد من أنبل وأجمل كُتابنا، فلم يزاحم أحداً وكان وجوده مفرطاً في الرقة والعذوبة».

ونعتته الكاتبة غادة كمال، ابنة شقيقته، بأنه «معلمها الأول الذي كان وسيظل حاضراً في كل حرف كتبته»، ومن جهته عدّ الكاتب إبراهيم عبد المجيد أننا «إزاء خبر مفجع للغاية؛ فالبهات لم يغب أبداً عن باله وكان يخطط منذ فترة طويلة لرؤيته، لكن دون جدوى».

وُلِد رضا البهات في محافظة الدقهلية عام 1955، وتخرج في كلية الطب بجامعة المنصورة، ثم عمل طبيباً، في حين واصل الكتابة والنشر في الصحف والمجلات المصرية والعربية، وقد انعكست خبرته المهنية في مشروعه الأدبي صانعة علاقة شفيفة على المستويين الفني والجمالي؛ إذ كان يرى أن الطب منجم من الخبرات الإنسانية التي يمكن للكاتب أن يستفيد منها في فهم البشر ومراقبة تفاصيل حياتهم.

ولم يكن يرى إقامته في المنصورة ابتعاداً عن الحياة الثقافية، إنما اختار أن يظل قريباً من المكان الذي شكَّل مسرح طفولته وحياته، عاش فيه وعمل، وأن يستمد مادته من الواقع المحيط به. وتُعدّ البداية الحقيقية لمشروعه الأدبي عبر رواية «بشاير اليوسفي» الصادرة عام 1992، والتي تناولت تحولات المجتمع المصري، ولا سيما تأثيرات الهجرة للخارج بحثاً عن فرص عمل وما صاحبها من تغيرات منظومة القيم والسلوك وشكل القرية المصرية.

كانت «بشاير اليوسفي» أكثر من مجرد بداية روائية؛ فقد وضعت منذ البداية عدداً من القضايا التي ستظل حاضرة في عالم البهات، وعلى رأسها التحولات الاجتماعية والسياسية التي أصابت الإنسان المصري، كما رأى النقاد فيها إشارة مبكرة إلى التغيرات التي طرأت على المجتمع.

بعدها أصدر مجموعته القصصية «طقوس بشرية» عام 1995، ثم رواية «شمعة البحر» عام 2004، قبل أن يصدر روايته «ساعة رملية تعمل بالكهرباء» عام 2014. وتشكل هذه الأعمال معاً جانباً أساسياً من مشروعه الأدبي الذي ظل يتابع من خلاله تحولات المجتمع المصري والريف والمدينة والصحافة والسياسة والعلاقات الإنسانية.

في «شمعة البحر» انتقل البهات إلى الريف المصري، مستفيداً من خبرته المباشرة به، حيث خدم بالفعل في القرى، واستلهم شخصية «الشيخ جلال» التي لها أصل واقعي؛ إذ عرف رجلاً عاش أكثر من تسعين عاماً وحضر عزاءه.

أما «ساعة رملية تعمل بالكهرباء» فمثلت محطة بارزة في تجربته، وحصلت على جائزة ساويرس الثقافية في فرع الرواية، وتدور الأحداث في عوالم متعددة تشمل الصحافة والسياسة والسجن والعلاقات الاجتماعية، وتقدم شخصية مثقف يعيش وسط تناقضات المجتمع وأسئلته المتعلقة بالدين والسياسة والجنس والطبقات الاجتماعية.

وفي حديثه عن هذا العمل تحديداً، كشف البهات عن أن عمله في القسم الثقافي بإحدى الصحف أمدّه بخبرة مباشرة بعالم الصحافة، كما أكد أن الكاتب لا يستطيع دائماً التحكم في المسارات التي تأخذها أعماله، وأن التجربة الواقعية والخيال يتداخلان في أثناء الكتابة.

من هنا، كانت علاقة البهات بالواقع إحدى السمات الأساسية في كتابته، فهو يكتب عما يعيشه ويعرفه، ويحسه، كما أن خبرته في الطب قدمت له مادة إنسانية واسعة، في حين أتاحت له الكتابة تحويل هذه الخبرات عالماً روائياً وقصصياً. كما اتخذ من عالم الطب نافذة يرى من خلالها الإنسان في لحظات ضعفه وخوفه ومرضه؛ ولهذا ظهرت أجواء المستشفيات والعيادات والمرضى بصورة واضحة في مجموعته «حكايات شتوية»، التي استثمر فيها خبرته المهنية في بناء عالم فني له طابع إنساني.

ومن أبرز أعماله الأخرى «ليلة للغنا»، و«اختار ألا يموت»، إضافة إلى مجموعة من كتب الأطفال مثل: «جوز ولوز وبوز» و«حكاية السمكة وقطعة الخبز» و«الجميلة تتزوج الديك الشركسي».

وعلى رغم ذلك، يظل من السمات اللافتة في تجربته الأدبية أنه لم يكن غزير الإنتاج أو يتلهف على النشر، حيث سبق أن برر تلك السمة بطبيعة ظروف حياته ومهنته؛ فهو لا يتعيش من الثقافة، ويكتب ببطء، ورغم أن روايته الأولى حظيت باهتمام نقدي وجماهيري واسع، لكنه لم يتعامل مع الكتابة بوصفها وظيفة تفرض عليه الإنتاج المتواصل.

من السمات اللافتة في تجربة البهات الأدبية أنه لم يكن غزير الإنتاج كما كان مقلاً في النشر


قصر الحلابات


قصر الحلابات في محافظة الزرقاء
قصر الحلابات في محافظة الزرقاء
TT

قصر الحلابات


قصر الحلابات في محافظة الزرقاء
قصر الحلابات في محافظة الزرقاء

يحتل قصر الحلابات موقعاً خاصاً في خريطة العمائر التي شيدها الأمويون وسط البادية الأردنية، وتكمن هذه الخصوصية في السجال المتجدّد حول تاريخ بنائه ومراحل تكوينه. خرج هذا الموقع الأثري من الظلمة إلى النور في مطلع القرن الماضي، في عهد استكشاف علماء الآثار للعمائر الأموية المدنية التي عُرفت بقصور البادية، وأعيد استكشافه بعد عقود من الزمن تعرض خلالها لإهمال كبير، وانكبّ عدد من كبار العلماء إلى دراسته من جديد، وخرجوا بأبحاث أعادت قراءة تاريخه بشكل جذري.

يقع قصر الحلابات في منتصف الطريق بين عمّان والزرقاء، على بعد 12 كيلومتراً، شرق «طريق ترايانا نوفا» الذي شيّده الرومان قديماً فيما عُرف بمقاطعة «العربية البتارائية». تحيط بهذا القصر مجموعة من الأبنية والمنشآت تتوزع على مساحة واسعة، تضمّ مسجداً صغيراً، وخزاناً كبيراً، إضافة إلى ثمانية خزانات محفورة في الصخر. يحمل هذا المجمع الاسم الذي عُرف به محلياً، وهو الاسم الذي أثار حيرة علماء الآثار الذين سلّطوا الضوء عليه في العقود الأولى من القرن العشرين؛ إذ رأى البعض أن هذا الاسم يشير إلى حلبة الخيل، فيما رأى البعض الآخر أن هذه التسمية تشير إلى خربة مهجورة كانت النساء تقصدها لحلب الماعز والأبقار.

كانت هذه الخربة ماثلة للعين، غير أن أهميّتها التاريخية لم تتضح إلا في مطلع القرن العشرين، حين قصدها العالم الأميركي هوارد كروسبي بتلر للمرة الأولى في فبراير (شباط) 1904 على رأس بعثة من جامعة برنستون الأميركية، وقصدها ثانية في مارس (آذار) 1909، وأنجز مخطّطاً توثيقياً للموقع، كما نشر نقوشاً كتابية محفورة على صخوره، واستند العلماء على هذه الوثائق في تحديد مراحل بنائه المتعدّدة. تتمثّل هذه النقوش في ثلاث كتابات اعتُمدت لتأريخ هذا البناء، الأولى لاتينية، وتذكر «قصراً جديداً» شُيّد في عام 213. النقش الثاني يوناني بيزنطي، ويعود إلى عهد الإمبراطور يوستينيانوس، وإلى عام 529 بالتحديد، ويشير إلى بناء حصن في الموقع. أما النقش الثالث، فيوناني كذلك، وهو مبعثر على عشرات الأحجار التي استخدمت في بناء القصر، وتظهر دراساتها أنها تنقل مرسوماً وُضع في عهد الإمبراطور أنسطاس الذي حكم من عام 491 إلى عام 518، وقد أثارت هذه الكتابة نقاشاً واسعاً، ورأى البعض أنها دخيلة على القصر، ولا تمت إليه بأي شكل في الأصل، فيما ربط البعض الآخر بينها وبين البناء، واعتبر أنها تشكّل مصدراً من المصادر التي يجب الأخذ بها لتحديد مراحل تكوينه.

اتّفق البحاثة على تحديد ثلاث مراحل لبناء هذا القصر، واعتمد هذا التحديد على النقوش الكتابية من جهة، وعلى مخطط البناء وطرازه من جهة أخرى. في المرحلة الأولى، شُيّد البناء من الزاوية الشمالية الغربية خلال القرن الأول، وشكّل برجاً لمراقبة «طريق ترايانا نوفا». في المرحلة الثانية، أُحيط المبنى بسور خارجي تحده أبراج مربّعة في الزوايا الأربع خلال العقود الأولى من القرن الثالث. في تلك المرحلة، جمع البناء بين الحجارة الكلسية والحجارة البازلتية، وبقي عامراً في القرون التالية. تُنسب المرحلة الثالثة إلى عهد يوستينيانوس، وتمثّل الحقبة الأخيرة من تاريخ البناء القديم الذي تحوّل إلى حصن هُجر في نهاية العهد البيزنطي، وتساقطت أجزاء كبيرة منه. أعيد بناء هذا الموقع بشكل جديد في العهد الأموي، واستخدم بناؤه كتلاً حجرية كلسية وبازلتية كانت قد تساقطت منه، كما استخدموا قطعاً تعود إلى مرسوم أنسطاس، وحافظوا على الأبراج المربعة والتقسيمات الداخلية المتوازية، على خلاف ما نراه في القصور الأموية الكبرى، مثل قصر الطوبة وقصر المشتى، حيث يتكون المجمع السكني من قاعة مركزية، تحيط بها غرف جانبية، وتحدّها أبراج نصف دائرية. نسب هوارد كروسبي بتلر هذا البناء إلى هشام بن عبد الملك، الخليفة الذي شيّد ما يُعرف بـ«حمّام الصرح»، وهو حمّام يضم ملحقات عدة، أُقيم في منطقة سهلية تعود إلى مدينة الزرقاء، ويُعرف كذلك بقصر الحلابات الشرقي.

في عام 1978، زار عالم الآثار البريطاني ديفيد كندي الموقع لدراسته، وقدّم قراءة جديدة له اعتمدت بشكل كبير القراءة الأولى. في العام التالي، شرعت دائرة الآثار العامة في الأردن في سلسلة تنقيبات في الموقع، بالتعاون مع جامعة مدينة ليون الفرنسية، واستمرت هذه الحملات التي ترأسها عالم الآثار الأردني غازي بيشه حتى عام 1984. بدوره، قدّم غازي بيشه خلال حملات المسح التي قادها سلسلة من المقالات اعتمدت التأريخ المعهود، غير أنه عاد ونشر في عام 1993 مقالة علمية رأى فيها أن النقوش الكتابية التي شكّلت أساساً لتأريخ مراحل بناء الموقع لا يُمكن الأخذ بها.

في الواقع، خرج البحاثة في هذه الحقبة برأي يقول بأن هذه النقوش دخيلة على القصر، وقد جرى استخدامها بعد نقلها إليه. وأظهرت الدراسات أن البناء شُيّد كحصن في أيام البيزنطيين، وهو بناء محلّي يعود على الأرجح إلى قبائل الغساسنة التي استقرّت في بلاد الشام، وكانت لملوكها ديار «باليرموك والجولان وغيرهما، من غُوطَة دمشق وعمالها، ومنهم من نزل الأردن من أرض الشام»، كما ذكر المسعودي في «مروج الذهب». في الحقبة الأموية المبكرة، تحوّل هذا الحصن إلى منتجع ملكي، وتم تشييده من جديد مع تعديلات جذرية في تكوينه، غير أنه حافظ على أسسه الهندسية الأولى المتمثلة في مسقط مربع الشكل، تحدّ زواياه أربعة أبراج.

تحوّل قصر الحلابات إلى موقع أثري سياحي، وأنشئ متحف خاص به، افتتح في عام 2008، وحوى نحو 150 قطعة أثرية متنوعة، منها النقوش المصنوعة من الجص، والتيجان الرخامية، ومجموعة من ألواح الفسيفساء المجتزأة، وبقايا بسيطة من الرسوم الجدارية. تجمع نقوش قصر الحلابات بين التكوينات الهندسية والعناصر التصويرية المحوّرة، وتماثل من حيث الأسلوب والتنفيذ النقوش التي خرجت من القصور الأموية الكبرى. في المقابل، تبرز الأرضيات الفسيفسائية وتتميّز بتنوّع تقاسيمها، وتشكّل هذه الألواح مادة أساسية لدراسة استمرارية هذا الفن وتطوّره خلال العهد الأموي.


صراع في الريف الإيطالي

صراع في الريف الإيطالي
TT

صراع في الريف الإيطالي

صراع في الريف الإيطالي

في روايتها «غداً غداً» الصادرة عن «دار العربي» بالقاهرة، وترجمة علا محمود، ترسم الكاتبة الإيطالية فرانشيسكا جانونيه صورة مؤثرة لصراعات اجتماعية وإنسانية تنطلق من قلب ريف «سالنتو» في أواخر خمسينات القرن العشرين بإيطاليا، حيث يعيش الشقيقان «لورينسو» و«أنييزيه» داخل عالمهما الصغير الذي تديره عائلتهم المعروفة بصناعة الصابون.

يتجلى المصنع الذي أسسه الجد والممتلئ برائحة الزيوت العطرية والزهور رمزاً للاستمرارية والأمان في بقعة تجمع بين الماضي والمستقبل وبين الحلم العائلي والحياة اليومية البسيطة، لكن حين يقرر والدهما بيع المصنع فجأة ينقلب التوازن العائلي رأساً على عقب.

يغادر «لورينسو» البيت مدفوعاً بالغضب والرغبة في استعادة إرثه الضائع في حين تبقى «أنييزيه» الهادئة لتواجه التغير وحدها وتنقذ ما يمكن إنقاذه، وهكذا على مر السنين يسير الشقيقان في طريقين متوازيين لا يلتقيان، أحدهما في مواجهة العالم والآخر في مواجهة الذات.

وفي خلفية الأحداث، تتحول إيطاليا من بلد ريفي تقليدي إلى وطن جديد تنبض شوارعه بالأمل والصراعات والطموح، في نص مدهش عن الأسرة والاختيارات والحنين، فضلاً عن الغضب الذي يورّث والإخلاص الذي يبقى رغم المسافات.

اللافت، أن المؤلفة فرانشيسكا جانونيه تعود أصولها إلى منطقة «سالنتو» في جنوب إيطاليا، كما درست علوم الاتصالات ودرست في المركز التجريبي للتصوير السينمائي.

من أجواء الرواية نقرأ:

«كانت غرفة لورينسو بسيطة وشبه خالية، الآثار الباقية من وجوده انحصرت في عدة ملصقات سينمائية معلقة على الجدران كلها لأفلام لم يشاهدها «ماركو» من قبل، مع حامل للرسم وأنابيب ألوان قديمة وفُرش جفت شعيراتها وتصلبت. ومن حافظة أوراق موضوعة على المكتب برزت بضع رسومات فاقترب الفتى وتصفح بعضها فانتبه إلى أن كل الرسومات تصور الفتاة ذاتها، فتاة رائعة الجمال ولها شعر أشقر طويل.

تفرَّس الشاب في ملامحها قليلاً وسأل نفسه: هذه الفتاة تشبه شخصاً أعرفه، أظن أنني رأيتها من قبل... لكن أين؟... وبينما راح يعصر ذهنه محاولاً التذكر، قال ماريو فجأة يا فتى عليّ أن أذهب الآن، حان موعد تناول أدويتي، لكن إن أردت البقاء فلا بأس سأترك لك المفاتيح على أن تعيدها لاحقاً.

حالما بقى ماركو وحيداً أعاد وضع السماعات على أذنيه وشرع يدندن وهو يسير عبر الطريق الترابية مع صوت «فابريتسيو ديه أندره» الذي راح يقول: «ما لا أملكه هو أن أنجو بلا ثمن... ما لا أملكه هو ذاك الشيء الذي لا أفتقده في الغياب...».

وفجأة لمح اللافتة التي كتب عليها: «كازا ريتسو»، مصنع الصابون العريق منذ عام 1920، واصل سيره وبعد فترة وجيزة بلغ الفضاء الفسيح الواقع أمام المصنع بينما كان فابرتسيو يتابع غناءه: «ما لا أملكه... هو قطار صدئ يعيدني من حيث بدأت طريقي».

توقف ماركو ورفع بصره نحو مبنى المصنع المهجور، تأمل الواجهة التي اسوّدت بفعل الزمن وشجر اللبلاب الذي تسلق جدرانها حتى أخفى جزءا منها وزجاج النوافذ المعتم وخشب الباب المتآكل. استعاد في ذهنه ما رآه في غرفة والدته القديمة وتلك التفاصيل الكثيرة التي تخص ذلك المكان وأدرك أن المصنع لابد أنه كان يعني لهما الكثير.