تواصل الحكومة الفيدرالية في الصومال تنفيذ مسار الانتخابات المباشرة في عدد من الولايات، وسط تحفظ من المعارضة وعدم توصلهما لتفاهمات بشأنها رغم جولات حوار متكررة الأشهر الأخيرة.
ويستعد الصومال لإجراء انتخابات بولايتي غلمدغ في 30 يوليو (تموز) الحالي، وهيرشبيلي في 20 أغسطس (آب) المقبل، وهو ما يراه خبير في الشأن الصومالي تحدث لـ«الشرق الأوسط» خطوة متقدمة في المسار الديمقراطي، لكنها تصطدم بخلافات مع المعارضة تقلل من مصداقيتها، مؤكداً ضرورة الذهاب لتفاهمات لمنح مصداقية أكبر لنتائج الاقتراع.
وأفادت وكالة الأنباء الصومالية (صونا) في وقت سابق بأنه «في إطار مساعي الدولة الفيدرالية لترسيخ المسار الديمقراطي، وتوسيع دائرة المشاركة الشعبية، أعلنت اللجنة الوطنية المستقلة للانتخابات الجدول الزمني العام لإجراءات انتخابات المجالس المحلية والنيابية على مستوى ولاية هيرشبيلي، محددة يوم 20 أغسطس المقبل موعداً لإجراء الاقتراع».
يأتي هذا بالتزامن مع خطوات حثيثة تبذلها الحكومة الفيدرالية لتعزيز النظام الانتخابي المباشر في مختلف الولايات الإقليمية، بحسب «صونا».
وأجريت انتخابات مباشرة لأول مرة منذ نحو 6 عقود عبر اقتراع للمجالس المحلية في إقليم بنادر (مقديشو) في ديسمبر (كانون الأول) 2025، كما أجريت في ولاية الجنوب الغربي أول انتخابات محلية وإدارية مباشرة بنظام صوت واحد لكل مواطن في مايو (أيار) الماضي.
وفي 24 يوليو، سلّمت اللجنة الوطنية المستقلة للانتخابات والحدود أوراق الاقتراع وصناديق التصويت وبقية المواد الانتخابية إلى مدينة دوسمريب، عاصمة ولاية غلمدغ، استعداداً للانتخابات المباشرة المقررة في 30 يوليو وفق نظام «شخص واحد، صوت واحد»، بحسب إعلام صومالي.
وقال رئيس اللجنة عبد الكريم أحمد حسن إن الانتخابات ستُجرى في 240 مركز اقتراع بمشاركة 35 تنظيماً سياسياً، مشيراً إلى أن أكثر من 200 ألف ناخب مسجل سيشاركون في التصويت لاختيار ممثليهم في المجالس المحلية وبرلمان ولاية غلمدغ.
وكان نظام التصويت المباشر قد أُلغي في الصومال بعد تولي الرئيس محمد سياد بري السلطة عام 1969. ومنذ سقوط حكومته في 1991، يقوم النظام السياسي في البلاد على هيكل قبلي في ولايات البلاد الخمس، التي جرى العمل بها بعد انقلابات وحروب أهلية، وفي ظل سيطرة 4 عشائر كبرى هي هوية، ودارود، ورحنوين، ودِر، قبل أن يقرر نظام الرئيس حسن شيخ محمود إعادة الاقتراع المباشر لتقوية المشاركة الشعبية، مقابل معارضين لهذا المسار من بينهم ولايتا جوبالاند وبونتلاند.

ويرى الخبير الصومالي في شؤون القرن الأفريقي، علي محمود كلني، أن الانتخابات المنتظرة في الولايتين عبر الاقتراع المباشر خطوة تمثل اختباراً مهماً لمسار التحول الديمقراطي في الصومال بوصفه مدخلاً لتوسيع المشاركة الشعبية والانتقال تدريجياً من نظام الاقتراع غير المباشر إلى انتخابات أكثر مباشرة.
لكن هذا المسار يأتي في الوقت نفسه وسط خلافات سياسية متصاعدة حول آلية الانتخابات ومستقبل النظام السياسي، وقوى معارضة تتحفظ على الطريقة التي تُدار بها العملية الانتخابية، وترى أن الانتقال إلى الاقتراع المباشر يحتاج إلى توافق سياسي أوسع وضمانات مؤسسية تضمن نزاهة العملية وقبول نتائجها.
ويعتقد كلني أن إجراء التصويت المباشر قد يمثل تقدماً ديمقراطياً من الناحية الإجرائية، لكن شرعية النتائج لا تتوقف على فتح صناديق الاقتراع وحده، بل ترتبط أيضاً بمدى شمول العملية السياسية، وحياد المؤسسات الانتخابية، ووجود منافسة حقيقية، وقدرة الأطراف على قبول النتائج أو الطعن فيها عبر الوسائل القانونية لا سيما في ظل الخلافات.
ومنذ 2025 تصاعدت الأزمة السياسية بقوة، وكانت العودة لاستكمال دستور 2012 المؤقت هي الشرارة الأبرز التي فاقمت الخلافات بين الحكومة الفيدرالية وولايتي بونتلاند وجوبالاند من جانب، و«منتدى الإنقاذ الصومالي» من جانب آخر.
واشتدت الخلافات بين الرئيس الصومالي والمعارضة بعد تأسيسه حزب «العدالة والتضامن» في 13 مايو 2025، وتسميته مرشحاً للحزب، قبل أن تتوسع بعد إقرار الدستور بشكل كامل في مارس (آذار) الماضي، وتمديد فترة الرئيس إلى منتصف عام 2027.
وأعلن ائتلاف «مجلس المستقبل» التجمع الجديد للمعارضة عدم الاعتراف بشرعية الرئيس شيخ محمود، ودعت لمظاهرات أسبوعية في يونيو (حزيران) الماضي، شهد بعضها اشتباكات مسلحة غير مسبوقة بين موالين للحكومة وموالين للمعارضة.
ولم تفلح جولتا حوار بين الحكومة والمعارضة في مايو ويوليو في إنهاء أزمة الخلافات التي تتلخص حالياً في رفض المعارضة إجراء انتخابات مباشرة بالبلاد مع التمسك بالنظام القبلي، ورفض تطبيق الدستور اعتراضاً على بندي تقليص صلاحيات الأقاليم وتمديد فترة الرئاسة لمدة عام بحيث تنتهي في 15 مايو 2027 بدلاً من العام الحالي.
ووسط تلك الخلافات يرى كلني أن نجاح مسار الانتخابات سيعتمد على قدرة السلطات على تحويل الانتخابات من مجرد استحقاق إجرائي إلى تجربة حقيقية تحظى بقدر واسع من الثقة والقبول السياسي، ومن مصدر للتوتر إلى آلية سلمية لإدارة الخلاف وتداول السلطة.
