حرائق فرنسا تتوسع وتطرق أبواب مدينة بوردو

باريس تطلب الدعم من أوروبا وماكرون ينشر الجيش

أشخاص يراقبون النيران والدخان المتصاعدين من مطار كاستر- مازاميت الذي أتت عليه الحرائق جنوب غربي فرنسا 24 يوليو (أ.ف.ب)
أشخاص يراقبون النيران والدخان المتصاعدين من مطار كاستر- مازاميت الذي أتت عليه الحرائق جنوب غربي فرنسا 24 يوليو (أ.ف.ب)
TT

حرائق فرنسا تتوسع وتطرق أبواب مدينة بوردو

أشخاص يراقبون النيران والدخان المتصاعدين من مطار كاستر- مازاميت الذي أتت عليه الحرائق جنوب غربي فرنسا 24 يوليو (أ.ف.ب)
أشخاص يراقبون النيران والدخان المتصاعدين من مطار كاستر- مازاميت الذي أتت عليه الحرائق جنوب غربي فرنسا 24 يوليو (أ.ف.ب)

أن يطلب الرئيس الفرنسي الاستعانة بوحدات من الجيش لمساعدة الفرق الإطفائية التي تجهد لاحتواء النيران الملتهبة في أكثر من منطقة فرنسية، فهذا يدل على خطورة التهديد الذي تتعرض له فرنسا كغيرها من الدول المتوسطية مثل إسبانيا واليونان وإيطاليا. وأن يعمد إيمانويل ماكرون إلى تفعيل آلية تقديم التعاون لمحاربة النيران من الاتحاد الأوروبي، باعتبار أن القدرات المتاحة في بلاده لا تكفي لمواجهة تعدد الحرائق، فهذا يثير أكثر من علامة استفهام في بلد يُعدّ سادس قوة اقتصادية في العالم. وأن يعلن ماكرون أن فرنسا ستتلقى تعزيزات من الاتحاد الأوروبي تشمل طائرتي «كندير» لمكافحة الحرائق من كرواتيا، وطائرتين من طراز «إير تراكتور» من البرتغال، ومروحيتين ثقيلتي الحمولة من طراز «بلاك هوك» من جمهوريتي التشيك وسلوفاكيا، فهذا يعكس فشل الحكومات الفرنسية المتعاقبة التي لم تأخذ بعين الاعتبار خطورة الحرائق المتصاعدة بسبب الجفاف وموجات الحر الاستثنائية والتغيرات المناخية وعناصر أخرى متداخلة أسهمت كلها في تعظيم الكارثة البيئية التي تعيشها البلاد.

ما بعد فونتينبلو

قبل أسبوع، كانت الأنظار تتجه إلى الحريق الضخم الذي ضرب غابة «فونتينبلو» التي تحتضن القصر التاريخي المعروف باسمها، والذي اقتربت منه النيران بشكل خطير.

رجال الإطفاء يحاولون احتواء النيران في إقليم «لا جيروند» جنوب غربي فرنسا يوم 24 يوليو (أ.ف.ب)

وفي القصر المذكور، كُتبت صفحات لا تنسى من تاريخ البلاد، ليس أقلها أن الإمبراطور نابوليون الأول وقّع فيه، يوم 4 أبريل (نيسان) عام 1814، صك تنازله عن العرش بعد دخول الجيوش الروسية والبروسية باريس. أما اليوم، فإن الاهتمام يتركز على منطقة جنوب غربي فرنسا وشاطئها الأطلسي وغاباتها الكثيفة حيث اندلع، قبل أربعة أيام، حريقان هائلان.

مركز إجلاء المقيمين من مناطق الحرائق في بوردو يوم 25 يوليو (أ.ف.ب)

الأول، في إقليم «لا جيروند»، قرب منتجع «كاب فيريه» البورجوازي المطل على «خليج أركاشون» المعروف بتربية المحار وكونه وجهة متميزة للراغبين في الاستمتاع بمناخه ومياهه بعيداً عن ضوضاء الشاطئ اللازوردي. وحتى ظهر السبت، وعلى الرغم من الجهود الجبارة والمتواصلة التي يبذلها ما لا يقل عن ألف رجل إطفائي مدعومين جواً بطائرات «كندير إير» الخاصة بمحاربة النيران وبالطوافات ووسائل أخرى جوية وأرضية، فإن الحريق ما زال يتقدّم، لا بل إنه يتجه صوب مدينة «بوردو» الشهيرة. والثاني، في إقليم «لاند»، وتحديداً في محيط منتجع «بيسكاروس» الذي يتمدّد بسرعة بسبب الرياح التي تنقل الجزيئات المشتعلة من مكان إلى آخر وتسهم بالتالي في تعدد الحرائق.

النيران على أبواب بوردو

وبالنظر إلى اقتراب النيران من «بوردو»، تتوالى أوامر إخلاء المدن والبلدات المحيطة بها والواقعة على خط تقدم النيران.

وصباح السبت الباكر، أمرت صوفي بروكا، التي ترأس هذه الإدارة، بإخلاء «احترازي» لثماني مدن وبلدات؛ كبراها ميرنياك (33.7 ألف نسمة)، وسان ميدار (33 ألف نسمة)، وغالبيتها تقع في محيط بوردو مباشرةً.

وكتب رئيس الوزراء سيباستيان لوكورنو على منصة «إكس» أن 141 ألف شخص تم إجلاؤهم من إقليمي «لا جيروند» و«لاند»، مضيفاً أن «الحرائق التي تجتاح بلدنا بلغت مستوى لم يسبق له مثيل». من جانبه، قال وزير الداخلية لوران نونيز، إن ما يحصل في إقليم لا جيروند «يعد أكبر حريق تشهده البلاد هذا الموسم». أما صوفي بروكا، محافظة منطقة نوفيل-آكيتين ومحافظة مقاطعة جيروند، فقد وصفته بـ«غير المسبوق ولا يمكن التنبؤ بسلوكه كما أنه شره في التهامه للغابات» الصنوبرية.

مواطنون يسهمون في جهود الإطفاء قرب لاكانو يوم 25 يوليو (رويترز)

وبالنظر إلى الإزعاج التي يتسبب به الدخان المنبعث من الحرائق، فقد عمدت السلطات إلى إرسال 1.5 مليون كمامة لحماية السكان من الدخان ومن الجزيئات التي ينقلها الهواء.

كذلك، فإنها تعمد إلى تعبئة رجال الإطفاء في المناطق «الهادئة» وتوجيه بعضهم إلى الجنوب الغربي. وهذا ما فعله قائد فوج إطفاء باريس، أرنو دو كاكوراي، الذي سيرسل مائة من رجاله لمحاربة النيران مع مركباتهم. وطلب الأخير من الأهالي عدم التواصل مع الإطفاء «إلا في حال الطوارئ القصوى».

أرقام قياسية

تتضخّم أرقام الأشخاص الذين أجْلتهم السلطات ساعةً وراء الأخرى، أسوةً بحجم المساحات المحترقة. ففي لا جيروند وحدها، التهمت النيران ما يزيد على 20 ألف هكتار، إضافةً إلى نحو 3000 هكتار في إقليم «لاند» القريب من غابات الصنوبر.

عشرات رجال الإطفاء يستعدون لمكافحة النيران في بوردو يوم 25 يوليو (إ.ب.أ)

وقال مارك فيرمولان، المسؤول عن مكافحة الحرائق في إقليم «لا جيروند» إن سرعة التهام النيران تراوحت طيلة ساعات ما بين 800 و1000 هكتار في الساعة. وفي محيط منتجع «بيسكاروس»، أتت النيران على نحو 3000 هكتار.

وحسب الأرقام الإجمالية المتوافرة من الوكالة الأوروبية للحرائق، فإن ما يزيد على 50 ألف هكتار التهمتها النيران في فرنسا، مما يجعل الصيف الحالي أسوأ ما عرفته البلاد في العقد الحالي. وحقيقة الأمر أن الحرائق ليست محصورة اليوم فقط جنوب غربي فرنسا، إذ إن هناك مجموعة من الحرائق المتنقلة التي تضرب إقليم «لو فار» المتوسطي (2600 هكتار) وجبال الألب الفرنسية العليا (1900 هكتار). ثم هناك حرائق أخرى في غابات جبال البيرينه الفاصلة بين فرنسا وإسبانيا، وفي جزيرة كورسيكا، فضلاً عن حرائق أقل خطورة شمال إقليم «لا جيروند». ولم تتردد صحيفة «لو باريزيان» في عددها الصادر صباح السبت، عن تصديره بعبارة «فرنسا تحترق».

الحرائق المتنقلة

لا تعكس الأرقام حقيقة المأساة التي يعاني منها المتضررون من النيران، سواء كانوا من سكان المناطق الملتهبة أو الزائرين والسياح في عز الإجازات الصيفية. فصور الغابات والبيوت تلتهمها النيران، والسكان الهائمين على الطرقات، وإنذارات الإخلاء التي تطلب منهم ترك منازلهم وفنادقهم ومخيماتهم نهاراً أو ليلاً، والهرب بأي وسيلة نقل متوفرة بما فيها البحرية، كل ذلك يعكس تراجيديا هذه المرحلة التي تُحوّل الفرص السعيدة إلى مآسٍ حقيقية.

رجال الإطفاء يحاولون احتواء النيران في كاب-فيريه جنوب غربي فرنسا يوم 24 يوليو (أ.ف.ب)

وشهادات الهاربين التي تضبطها قنوات التلفزيون بالغة التأثير، وبعضهم يتساءل حول قصور الحكومات المتعاقبة عن التعامل مع الحرائق التي تطل برأسها مع كل صيف مقبل. فكيف لدولة بلغت ميزانيتها العامة 459 مليار يورو (521.3 مليار دولار أميركي) للعام 2026، تعجز عن توفير الوسائل الضرورية لمحاربة النيران وما تتسبّب به من مآسٍ وأضرار، فضلاً عن تكلفتها المرتفعة وتبعاتها على البيئة والمجتمع؟

وكما في كل مناسبة، يدور الجدل حول المسؤوليات وتتطاير التهم في كل اتجاه. وبعدها يغيب الاهتمام بالحرائق ليظهر مجدداً، وكما في كل مرة، في الصيف المقبل.


مقالات ذات صلة

‌سيدني تشهد موجة حر تثير تخوُّفاً من اندلاع حرائق غابات

العالم رجل يستظل بشجرة وارفة في إحدى الحدائق العامة في سيدني (أ.ب)

‌سيدني تشهد موجة حر تثير تخوُّفاً من اندلاع حرائق غابات

شهدت مدينة سيدني الأسترالية موجة من الحر الربيعي الشديد ​اليوم السبت، الأمر الذي رفع خطر حرائق الغابات.

«الشرق الأوسط» (سيدني )
شمال افريقيا حريق مهول عاشته مدينة سرايدي الغابية بشرق الجزائر «الحماية المدنية»

الجزائر تعلن السيطرة على جميع الحرائق

أعلنت المديرية العامة للحماية المدنية عن إخماد جميع الحرائق التي نشبت في عدة ولايات.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا إخماد حريق غرب تونس «الحماية المدنية»

إجلاء 100 شخص في حرائق غابات بولاية سليانة التونسية

أجلت السلطات في ولاية سليانة شمال تونس 100 شخص على الأقل بسبب حرائق غابات اندلعت، منذ أول من أمس الأحد في جبل بولمان بولاية سليانة.

«الشرق الأوسط» (تونس)
شمال افريقيا مواطنة جزائرية تعاين حجم الخسائر التي لحقت بمنزلها بعد أن التهمته النيران في شمال جيجل (أ.ف.ب)

الجزائر تلجأ لوضع أجهزة مراقبة للتأكد من عدم تجدد الحرائق

أعلنت السلطات الجزائرية، اليوم السبت، وضع أجهزة للرصد والمراقبة للتأكد من عدم تجدد الحرائق مرة أخرى.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا شهدت ولاية جيجل حصيلة مُفجعة من الضحايا وخسائر قياسية في الممتلكات بسبب الحرائق (د.ب.أ)

الجزائر تسجل 73 وفاة جراء حرائق الغابات

بدأت ولاية جيجل، التي تُعرف بلؤلؤة الساحل شرق الجزائر، تلتقط أنفاسها ولملمة جراحها على أثر حصيلة مُفجعة من الضحايا وخسائر قياسية بالممتلكات.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)

عجز القرار الأوروبي: هل تكسر «مجموعة الراين» الحلقة المفرغة؟

أوروبا... قارة تبحث عن نفسها (غوغل مابس)
أوروبا... قارة تبحث عن نفسها (غوغل مابس)
TT

عجز القرار الأوروبي: هل تكسر «مجموعة الراين» الحلقة المفرغة؟

أوروبا... قارة تبحث عن نفسها (غوغل مابس)
أوروبا... قارة تبحث عن نفسها (غوغل مابس)

قد تكون «مجموعة الراين» واحدة من أكثر المبادرات الأوروبية طموحاً هذا العام، وقد تتحول إلى منصة مؤثرة في دفع القارة نحو مزيد من النمو والابتكار والقدرة على المنافسة في الساحة العالمية. لكن نجاحها، مهما بلغ شأن الأسماء التي تقف وراءها، سيتوقف أولاً على مدى فهم طبيعة المشكلة التي تحاول معالجتها: أوروبا لا تعاني نقصاً في الأفكار أو الدراسات أو الخطط، بل تعاني أزمة في تحويل هذه الأفكار إلى قرارات سياسية قابلة للتنفيذ.

انطلقت «مجموعة الراين» في أغسطس (آب) 2026 كمبادرة خاصة تجمع نحو 55 شخصية بارزة من عالم الأعمال والمال والاقتصاد والتكنولوجيا والإعلام. ويقودها، كرئيسين مشاركين، الرئيس السابق للبنك المركزي الأوروبي رئيس الوزراء الإيطالي السابق ماريو دراغي ورائد الأعمال الآيرلندي باتريك كوليسون، فيما يتولى الأكاديمي الإسباني لويس غاريكانو منصب المدير التنفيذي. والفكرة الأساسية وراء المجموعة واضحة: إنشاء نادٍ رفيع المستوى يستطيع التحرك بسرعة أكبر من المؤسسات الأوروبية التقليدية، والضغط على صانعي القرار لتحويل تشخيص أزمة القدرة التنافسية الأوروبية إلى سياسات ملموسة.

ماريو دراغي (أرشيفية - رويترز)

لكن السؤال الحقيقي هو: هل تستطيع مبادرة خاصة أن تفعل ما عجزت عنه المؤسسات العامة؟

أزمات متداخلة

تواجه أوروبا اليوم مجموعة من الأزمات المتداخلة، غير أن اثنتين منها تبدوان أكثر إلحاحاً: أزمة النمو والإنتاجية، وأزمة الأمن والسيادة الاستراتيجية. وقد جاء تقرير دراغي لعام 2024 ليضع إصبعه على الجرح، محذراً من اتساع الفجوة بين الاقتصاد الأوروبي من جهة، واقتصاد كل من الولايات المتحدة والصين من جهة أخرى.

والواقع أن المشكلة الأوروبية لم تعد مجرد تباطؤ في النمو. فالقارة تواجه خطر فقدان قطاعات صناعية كاملة لمصلحة منافسين أكثر ديناميكية، فيما تتزايد الحاجة إلى استثمارات ضخمة في الدفاع والطاقة والتكنولوجيا. كما أن الصعود الاقتصادي للصين، وتوسع فائضها التجاري، يفرضان على أوروبا إعادة التفكير في موقعها ودورها داخل الاقتصاد العالمي.

والأخطر أن الثورة التكنولوجية نفسها أصبحت جزءاً من معادلة الأمن القومي. فالسباق الأميركي - الصيني في مجال الذكاء الاصطناعي لا يتعلق فقط بمن سيطور أفضل النماذج، بل بمن سيمتلك التكنولوجيا والبيانات والبنية التحتية القادرة على تحديد قواعد اللعبة العالمية. وإذا بقيت أوروبا مستهلكاً للتكنولوجيا التي تنتجها الولايات المتحدة والصين، فإن الحديث عن «السيادة الرقمية» سيظل شعاراً أكثر منه استراتيجية.

وتضاف إلى ذلك أزمة الطاقة والمناخ. فالحرب والتوترات الجيوسياسية المتلاحقة، إلى جانب موجات الحر والظواهر المناخية المتطرفة، جعلت التحول في مجال الطاقة قضية أمن اقتصادي واستراتيجي، لا مجرد سياسة بيئية. ولذلك بات على أوروبا أن تحقق معادلة شديدة الصعوبة: خفض الانبعاثات، وتأمين الطاقة، والحفاظ في الوقت نفسه على القدرة التنافسية لصناعاتها.

لكن هذه الملفات الاقتصادية والتكنولوجية والأمنية لا يمكن فصلها عن السياسة.

تحرُّك بطيء

فالاتحاد الأوروبي يمتلك سوقاً ضخمة، وثقلاً تجارياً هائلاً، وقاعدة صناعية وعلمية متقدمة، لكنه غالباً ما يتحرك ببطء عندما يتعلق الأمر بالأزمات الاستراتيجية. وبينما تتصرف القوى الكبرى الأخرى وفق حسابات جيوسياسية واضحة، تجد أوروبا نفسها عالقة في آليات اتخاذ قرار معقدة، ومصالح وطنية متباينة، وخلافات بين دولها الأعضاء.

باتريك كوليسون (أرشيفية - رويترز)

وهنا تكمن المفارقة التي تواجه «مجموعة الراين»: فهي تريد تجاوز بطء المؤسسات السياسية، لكنها تحاول في النهاية التأثير في مؤسسات سياسية. ويمكن لمجموعة من أفضل الاقتصاديين ورجال الأعمال والتكنولوجيين في أوروبا أن تحدد بدقة ما ينبغي فعله، لكن تنفيذ هذه الوصفات يحتاج إلى إرادة سياسية.

وهذه ليست مشكلة جديدة.

فعلى مدى سنوات، استخدمت أوروبا كلمة «الأزمة» لوصف وضعها الاقتصادي والسياسي والاجتماعي. أزمة الديون، أزمة الهجرة، أزمة الطاقة، أزمة الديمقراطية، أزمة النمو، ثم الأزمة الأمنية بعد الحرب في أوكرانيا. ومع كل أزمة جديدة، كانت تظهر خطط وتقارير ومبادرات جديدة، لكن الفجوة بين التشخيص والتنفيذ ظلت قائمة.

حتى أزمة الهجرة كشفت محدودية القدرة الأوروبية على التحرك الجماعي، في حين أظهرت التحولات الديموغرافية مشكلة أكثر عمقاً. فأوروبا تتقدم في السن، ومعدلات الخصوبة المنخفضة تهدد بتقليص حجم القوة العاملة ورفع العبء على أنظمة التقاعد والرعاية الاجتماعية. وهذا يعني أن النمو الاقتصادي في المستقبل لن يعتمد فقط على التكنولوجيا والاستثمار، بل أيضاً على قدرة أوروبا على إدارة الهجرة وجذب المواهب وتعويض النقص الديموغرافي.

حدود القوة

أما على الصعيد الجيوسياسي، فإن الحرب في أوكرانيا كشفت حدود القوة الأوروبية بقدر ما كشفت أهمية الاتحاد الأوروبي. ولم يعد كافياً أن تكون أوروبا قوة اقتصادية وتنظيمية؛ المطلوب أن تتحول أيضاً إلى قوة قادرة على حماية مصالحها، وتأمين طاقتها، والدفاع عن حدودها، واستخدام وزنها التجاري والسياسي لتحقيق أهداف استراتيجية.

من هنا تأتي أهمية «مجموعة الراين». فالقيمة المحتملة للمبادرة لا تكمن فقط في أسماء المشاركين فيها، بل في قدرتها على كسر الحلقة المفرغة التي تدور فيها أوروبا منذ سنوات: تشخيص المشكلة، إصدار تقرير، تنظيم مؤتمر، ثم العودة إلى نقطة البداية الإشكالية.

فإذا امتلكت المجموعة وسائل الضغط اللازمة على أصحاب القرار ونجحت في تحويل خبرة النخبة الاقتصادية والتكنولوجية الأوروبية إلى ضغط سياسي منظم، قد تصبح قوة دفع حقيقية. أما إذا اكتفت بإنتاج تقرير آخر عن القدرة التنافسية الأوروبية، فستكون مجرد إضافة جديدة إلى مكتبة أوروبية مكتظة بالنظريات والتشخيصات.

مقر الاتحاد الأوروبي في العاصمة البلجيكية بروكسل (د.ب.أ)

وتجدر الإشارة في هذا السياق إلى أن المجموعة ستعقد جلساتها الافتتاحية من 20 سبتمبر (أيلول) إلى 23 منه في جنيف. وبالتالي سينظر المراقبون باهتمام إلى المداولات وما سيخرج به المشاركون.

في النهاية، لا ينقص أوروبا الخبراء ولا المال ولا المؤسسات ولا الأفكار. ما ينقصها هو القدرة على اتخاذ القرار بسرعة، وتحمل كلفته، وتنفيذه على مستوى القارة كلها.

وهذه، في جوهرها، ليست مشكلة اقتصادية... إنها مشكلة سياسية.


أربعة قتلى في غارة روسية على جنوب شرق أوكرانيا

رجل يضع قناعاً ويمر قرب مستودع أصابته مسيَّرة روسية في بروفاري بضواحي كييف (أ.ب)
رجل يضع قناعاً ويمر قرب مستودع أصابته مسيَّرة روسية في بروفاري بضواحي كييف (أ.ب)
TT

أربعة قتلى في غارة روسية على جنوب شرق أوكرانيا

رجل يضع قناعاً ويمر قرب مستودع أصابته مسيَّرة روسية في بروفاري بضواحي كييف (أ.ب)
رجل يضع قناعاً ويمر قرب مستودع أصابته مسيَّرة روسية في بروفاري بضواحي كييف (أ.ب)

أسفرت غارة جوية روسية عن مقتل أربعة أشخاص في جنوب شرق أوكرانيا، وفق ما أعلن رئيس السلطة العسكرية الإقليمية في دنيبروبيتروفسك اليوم السبت، في ظل تبادل كثيف للهجمات الصاروخية والطائرات المسيَّرة بين البلدين.

وجاءت هذه الغارة رغم اقتراح الرئيس فولوديمير زيلينسكي وقفاً لإطلاق النار مع روسيا خلال الزيارة المرتقبة للمبعوثين الأميركيين ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر نهاية هذا الأسبوع، وفق ما أوردته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وقال الرئيس الأميركي دونالد ترمب إن المبعوثين، وهما كبيرا مفاوضيه لإنهاء الحرب، يحملان مقترحاً لكسر الجمود الدبلوماسي في أعنف صراع تشهده أوروبا منذ الحرب العالمية الثانية.

وأوضح أولكسندر غانزا، رئيس الإدارة العسكرية الإقليمية في دنيبروبيتروفسك، أن الهجوم الذي وقع في مدينة كاميانسكي أسفر عن مقتل أربعة أشخاص. وأضاف أن خمسة آخرين أصيبوا، بينهم امرأة تبلغ 30 عاماً ترقد في العناية المركزة.


زيلينسكي: ويتكوف وكوشنر سيزوران كييف غداً الأحد

الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (أرشيفية)
الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (أرشيفية)
TT

زيلينسكي: ويتكوف وكوشنر سيزوران كييف غداً الأحد

الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (أرشيفية)
الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (أرشيفية)

أعلن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، الجمعة، أن المبعوثين الأميركيين ستيف ويتكوف، وجاريد كوشنر، سيزوران كييف يوم غد الأحد.

وقال زيلينسكي في رسالة بالفيديو، إنه تم الاتفاق على أن يقوم ويتكوف وكوشنر بزيارة موسكو أولا قبل السفر إلى كييف يوم الأحد. وأضاف أن أوكرانيا تستعد للزيارة.

ستيف ويتكوف المبعوث الخاص للرئيس الأميركي دونالد ترمب وجاريد كوشنر صهر الرئيس في دافوس (أ.ب)

وأكد الرئيس الأميركي دونالد ترمب في البيت الأبيض أنه أرسل المبعوثين، رغم أنه لم يذكر مواعيد محددة.

وقال ترمب إنهما سيقدمان مقترحا يهدف إلى إنهاء الحرب في أوكرانيا، دون تقديم المزيد من التفاصيل.

وقال ترمب للصحافيين: «لقد أرسلناهما لنرى ما إذا كان بإمكاننا إنجاز شيء ما أم لا».

وكما هو الحال مع جهود الوساطة الأميركية السابقة، أعرب ترمب عن تفاؤله بإمكانية إحراز تقدم، على الرغم من عدم تحقيق تقدم كبير حتى الآن.

وقال زيلينسكي إن كييف ستضمن العمليات الطبيعية في المجال الجوي الروسي خلال الزيارة، كما فعلت خلال الرحلات الدبلوماسية السابقة التي قام بها ممثلون أميركيون.

وأضاف أن أوكرانيا لن تنفذ غارات جوية خلال تلك الفترة وعلى روسيا أن ترد بالمثل.