حرائق فرنسا تتوسع وتطرق أبواب مدينة بوردو

باريس تطلب الدعم من أوروبا وماكرون ينشر الجيش

أشخاص يراقبون النيران والدخان المتصاعدين من مطار كاستر- مازاميت الذي أتت عليه الحرائق جنوب غربي فرنسا 24 يوليو (أ.ف.ب)
أشخاص يراقبون النيران والدخان المتصاعدين من مطار كاستر- مازاميت الذي أتت عليه الحرائق جنوب غربي فرنسا 24 يوليو (أ.ف.ب)
TT

حرائق فرنسا تتوسع وتطرق أبواب مدينة بوردو

أشخاص يراقبون النيران والدخان المتصاعدين من مطار كاستر- مازاميت الذي أتت عليه الحرائق جنوب غربي فرنسا 24 يوليو (أ.ف.ب)
أشخاص يراقبون النيران والدخان المتصاعدين من مطار كاستر- مازاميت الذي أتت عليه الحرائق جنوب غربي فرنسا 24 يوليو (أ.ف.ب)

أن يطلب الرئيس الفرنسي الاستعانة بوحدات من الجيش لمساعدة الفرق الإطفائية التي تجهد لاحتواء النيران الملتهبة في أكثر من منطقة فرنسية، فهذا يدل على خطورة التهديد الذي تتعرض له فرنسا كغيرها من الدول المتوسطية مثل إسبانيا واليونان وإيطاليا. وأن يعمد إيمانويل ماكرون إلى تفعيل آلية تقديم التعاون لمحاربة النيران من الاتحاد الأوروبي، باعتبار أن القدرات المتاحة في بلاده لا تكفي لمواجهة تعدد الحرائق، فهذا يثير أكثر من علامة استفهام في بلد يُعدّ سادس قوة اقتصادية في العالم. وأن يعلن ماكرون أن فرنسا ستتلقى تعزيزات من الاتحاد الأوروبي تشمل طائرتي «كندير» لمكافحة الحرائق من كرواتيا، وطائرتين من طراز «إير تراكتور» من البرتغال، ومروحيتين ثقيلتي الحمولة من طراز «بلاك هوك» من جمهوريتي التشيك وسلوفاكيا، فهذا يعكس فشل الحكومات الفرنسية المتعاقبة التي لم تأخذ بعين الاعتبار خطورة الحرائق المتصاعدة بسبب الجفاف وموجات الحر الاستثنائية والتغيرات المناخية وعناصر أخرى متداخلة أسهمت كلها في تعظيم الكارثة البيئية التي تعيشها البلاد.

ما بعد فونتينبلو

قبل أسبوع، كانت الأنظار تتجه إلى الحريق الضخم الذي ضرب غابة «فونتينبلو» التي تحتضن القصر التاريخي المعروف باسمها، والذي اقتربت منه النيران بشكل خطير.

رجال الإطفاء يحاولون احتواء النيران في إقليم «لا جيروند» جنوب غربي فرنسا يوم 24 يوليو (أ.ف.ب)

وفي القصر المذكور، كُتبت صفحات لا تنسى من تاريخ البلاد، ليس أقلها أن الإمبراطور نابوليون الأول وقّع فيه، يوم 4 أبريل (نيسان) عام 1814، صك تنازله عن العرش بعد دخول الجيوش الروسية والبروسية باريس. أما اليوم، فإن الاهتمام يتركز على منطقة جنوب غربي فرنسا وشاطئها الأطلسي وغاباتها الكثيفة حيث اندلع، قبل أربعة أيام، حريقان هائلان.

مركز إجلاء المقيمين من مناطق الحرائق في بوردو يوم 25 يوليو (أ.ف.ب)

الأول، في إقليم «لا جيروند»، قرب منتجع «كاب فيريه» البورجوازي المطل على «خليج أركاشون» المعروف بتربية المحار وكونه وجهة متميزة للراغبين في الاستمتاع بمناخه ومياهه بعيداً عن ضوضاء الشاطئ اللازوردي. وحتى ظهر السبت، وعلى الرغم من الجهود الجبارة والمتواصلة التي يبذلها ما لا يقل عن ألف رجل إطفائي مدعومين جواً بطائرات «كندير إير» الخاصة بمحاربة النيران وبالطوافات ووسائل أخرى جوية وأرضية، فإن الحريق ما زال يتقدّم، لا بل إنه يتجه صوب مدينة «بوردو» الشهيرة. والثاني، في إقليم «لاند»، وتحديداً في محيط منتجع «بيسكاروس» الذي يتمدّد بسرعة بسبب الرياح التي تنقل الجزيئات المشتعلة من مكان إلى آخر وتسهم بالتالي في تعدد الحرائق.

النيران على أبواب بوردو

وبالنظر إلى اقتراب النيران من «بوردو»، تتوالى أوامر إخلاء المدن والبلدات المحيطة بها والواقعة على خط تقدم النيران.

وصباح السبت الباكر، أمرت صوفي بروكا، التي ترأس هذه الإدارة، بإخلاء «احترازي» لثماني مدن وبلدات؛ كبراها ميرنياك (33.7 ألف نسمة)، وسان ميدار (33 ألف نسمة)، وغالبيتها تقع في محيط بوردو مباشرةً.

وكتب رئيس الوزراء سيباستيان لوكورنو على منصة «إكس» أن 141 ألف شخص تم إجلاؤهم من إقليمي «لا جيروند» و«لاند»، مضيفاً أن «الحرائق التي تجتاح بلدنا بلغت مستوى لم يسبق له مثيل». من جانبه، قال وزير الداخلية لوران نونيز، إن ما يحصل في إقليم لا جيروند «يعد أكبر حريق تشهده البلاد هذا الموسم». أما صوفي بروكا، محافظة منطقة نوفيل-آكيتين ومحافظة مقاطعة جيروند، فقد وصفته بـ«غير المسبوق ولا يمكن التنبؤ بسلوكه كما أنه شره في التهامه للغابات» الصنوبرية.

مواطنون يسهمون في جهود الإطفاء قرب لاكانو يوم 25 يوليو (رويترز)

وبالنظر إلى الإزعاج التي يتسبب به الدخان المنبعث من الحرائق، فقد عمدت السلطات إلى إرسال 1.5 مليون كمامة لحماية السكان من الدخان ومن الجزيئات التي ينقلها الهواء.

كذلك، فإنها تعمد إلى تعبئة رجال الإطفاء في المناطق «الهادئة» وتوجيه بعضهم إلى الجنوب الغربي. وهذا ما فعله قائد فوج إطفاء باريس، أرنو دو كاكوراي، الذي سيرسل مائة من رجاله لمحاربة النيران مع مركباتهم. وطلب الأخير من الأهالي عدم التواصل مع الإطفاء «إلا في حال الطوارئ القصوى».

أرقام قياسية

تتضخّم أرقام الأشخاص الذين أجْلتهم السلطات ساعةً وراء الأخرى، أسوةً بحجم المساحات المحترقة. ففي لا جيروند وحدها، التهمت النيران ما يزيد على 20 ألف هكتار، إضافةً إلى نحو 3000 هكتار في إقليم «لاند» القريب من غابات الصنوبر.

عشرات رجال الإطفاء يستعدون لمكافحة النيران في بوردو يوم 25 يوليو (إ.ب.أ)

وقال مارك فيرمولان، المسؤول عن مكافحة الحرائق في إقليم «لا جيروند» إن سرعة التهام النيران تراوحت طيلة ساعات ما بين 800 و1000 هكتار في الساعة. وفي محيط منتجع «بيسكاروس»، أتت النيران على نحو 3000 هكتار.

وحسب الأرقام الإجمالية المتوافرة من الوكالة الأوروبية للحرائق، فإن ما يزيد على 50 ألف هكتار التهمتها النيران في فرنسا، مما يجعل الصيف الحالي أسوأ ما عرفته البلاد في العقد الحالي. وحقيقة الأمر أن الحرائق ليست محصورة اليوم فقط جنوب غربي فرنسا، إذ إن هناك مجموعة من الحرائق المتنقلة التي تضرب إقليم «لو فار» المتوسطي (2600 هكتار) وجبال الألب الفرنسية العليا (1900 هكتار). ثم هناك حرائق أخرى في غابات جبال البيرينه الفاصلة بين فرنسا وإسبانيا، وفي جزيرة كورسيكا، فضلاً عن حرائق أقل خطورة شمال إقليم «لا جيروند». ولم تتردد صحيفة «لو باريزيان» في عددها الصادر صباح السبت، عن تصديره بعبارة «فرنسا تحترق».

الحرائق المتنقلة

لا تعكس الأرقام حقيقة المأساة التي يعاني منها المتضررون من النيران، سواء كانوا من سكان المناطق الملتهبة أو الزائرين والسياح في عز الإجازات الصيفية. فصور الغابات والبيوت تلتهمها النيران، والسكان الهائمين على الطرقات، وإنذارات الإخلاء التي تطلب منهم ترك منازلهم وفنادقهم ومخيماتهم نهاراً أو ليلاً، والهرب بأي وسيلة نقل متوفرة بما فيها البحرية، كل ذلك يعكس تراجيديا هذه المرحلة التي تُحوّل الفرص السعيدة إلى مآسٍ حقيقية.

رجال الإطفاء يحاولون احتواء النيران في كاب-فيريه جنوب غربي فرنسا يوم 24 يوليو (أ.ف.ب)

وشهادات الهاربين التي تضبطها قنوات التلفزيون بالغة التأثير، وبعضهم يتساءل حول قصور الحكومات المتعاقبة عن التعامل مع الحرائق التي تطل برأسها مع كل صيف مقبل. فكيف لدولة بلغت ميزانيتها العامة 459 مليار يورو (521.3 مليار دولار أميركي) للعام 2026، تعجز عن توفير الوسائل الضرورية لمحاربة النيران وما تتسبّب به من مآسٍ وأضرار، فضلاً عن تكلفتها المرتفعة وتبعاتها على البيئة والمجتمع؟

وكما في كل مناسبة، يدور الجدل حول المسؤوليات وتتطاير التهم في كل اتجاه. وبعدها يغيب الاهتمام بالحرائق ليظهر مجدداً، وكما في كل مرة، في الصيف المقبل.


مقالات ذات صلة

وزير العدل الجزائري يتعهد بـ«محاكمة عادلة» في جرائم «إضرام النار»

شمال افريقيا وزير العدل الجزائري خلال عرض مشروع تعديل قانون العقوبات على اللجنة القانونية البرلمانية (وزارة  العدل)

وزير العدل الجزائري يتعهد بـ«محاكمة عادلة» في جرائم «إضرام النار»

تعهد وزير العدل الجزائري لطفي بوجمعة بتوفير جميع ضمانات المحاكمة العادلة لكل من يُتهم في جرائم تصل عقوبتها إلى الإعدام

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا حرائق مستعرة بمنطقة قالمة شرق الجزائر في يوليو الماضي (الحماية المدنية)

الجزائر تربط حرائق الصيف بـ«إيعاز أجنبي» وتفتح باب التنفيذ الفعلي للإعدام

أعلنت الجزائر رسمياً رفع التجميد عن عقوبة الإعدام إذا ثبتت على أي شخص تهمة «إضرام النار عمداً».

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا من أشغال بداية الدورة الأولى للبرلمان المنبثق عن تشريعية 2 يوليو الماضي (البرلمان)

«ملف حارق» يختبر التشريع الجديد أمام البرلمان الجزائري

يشرع البرلمان الجزائري الجديد، المنبثق عن الانتخابات التشريعية التي جرت في الثاني من يوليو (تموز) الماضي، في أعماله اليوم الأربعاء ضمن دورته التشريعية الأولى

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا الرئيس تبون أمر بتعديل قانون العقوبات لفرض عقوبة الإعدام على الذين يشعلون حرائق الغابات (د.ب.أ)

«العفو الدولية» تدعو الجزائر إلى التخلي عن خطط توسيع حكم الإعدام

دعت منظمة العفو الدولية، الثلاثاء، الجزائر إلى عدم توسيع استخدام عقوبة الإعدام، بعدما تعهّدت السلطات بإنزال هذه العقوبة بحق مفتعلي حرائق الغابات المميتة.

«الشرق الأوسط» (تونس)
العالم رجل يستظل بشجرة وارفة في إحدى الحدائق العامة في سيدني (أ.ب)

‌سيدني تشهد موجة حر تثير تخوُّفاً من اندلاع حرائق غابات

شهدت مدينة سيدني الأسترالية موجة من الحر الربيعي الشديد ​اليوم السبت، الأمر الذي رفع خطر حرائق الغابات.

«الشرق الأوسط» (سيدني )

أوروبا ومعضلة الاستعداد لـ«حرب 2030»

جنود فرنسيون وليتوانيون خلال تدريب مشترك على الرماية المدفعية في ليتوانيا (أ.ف.ب)
جنود فرنسيون وليتوانيون خلال تدريب مشترك على الرماية المدفعية في ليتوانيا (أ.ف.ب)
TT

أوروبا ومعضلة الاستعداد لـ«حرب 2030»

جنود فرنسيون وليتوانيون خلال تدريب مشترك على الرماية المدفعية في ليتوانيا (أ.ف.ب)
جنود فرنسيون وليتوانيون خلال تدريب مشترك على الرماية المدفعية في ليتوانيا (أ.ف.ب)

لم تعد احتمالات توسع الحرب في أوروبا تُناقَش بوصفها سيناريو بعيداً أو افتراضاً نظرياً. فمنذ اندلاع الحرب في أوكرانيا، دخلت القارة مرحلة أمنية جديدة تتداخل فيها المواجهة العسكرية مع الهجمات السيبرانية والتخريب وانتهاكات المجال الجوي وحملات التضليل والضغط على البنية التحتية. والمقلق أن أوروبا تتحدث على نحو متزايد عن الاستعداد لحرب محتملة مع روسيا في نهاية العقد، مع أن حلف شمال الأطلسي (ناتو) يواصل التأكيد أن لا مؤشرات تُنبئ بهجوم وشيك.

المفتش العام للجيش الألماني الجنرال كارستن بروير خلال زيارة لقاعدة فورفنيخ الجوية في غرب ألمانيا (أ.ف.ب)

المشهد الأوروبي يحمل إذاً رسالتين متوازيتين: الأولى أن خطر المواجهة الأوسع أصبح أكثر جدية من أي وقت مضى منذ نهاية الحرب الباردة، والثانية أن الحرب الشاملة ليست، راهناً، السيناريو المتوقع غداً أو بعد غد. فالمخاوف الحالية ترتبط بصورة أساسية بتراكم أحداث «الحرب الهجينة»، وباحتمال أن تستخدم موسكو عمليات محدودة أو خفيّة لاختبار مدى استعداد الحلف للرد.

وتتزايد الدلائل على ذلك. فقد شهدت الأشهر الأخيرة حوادث مرتبطة بالمجال الجوي، بينها إسقاط مقاتلات تابعة للناتو طائرة مسيّرة روسية فوق ليتوانيا، وحوادث أخرى شملت طائرة عسكرية روسية وسفينة روسية ومروحية عسكرية دنماركية. وفي ألمانيا، رُبطت محاولة هجوم بطائرة مسيّرة في مطار لايبزيغ بشخص يُشتبه في ارتباطه بروسيا. وفي الوقت نفسه، تتحدث حكومات أوروبية عن تصاعد عمليات التخريب والهجمات الإلكترونية واستهداف البنية التحتية.

*استعدادات ميدانية

ولم يعد الأمر مقتصراً على التحذيرات السياسية، فألمانيا تستعد لاحتمال استقبال أعداد كبيرة من المصابين في المستشفيات، فيما حدّثت ليتوانيا خطط إجلاء المدنيين، وتكثفت المناورات العسكرية في منطقة بحر البلطيق والدول الإسكندنافية. وأجرت القوات الألمانية والسويدية تدريبات مشتركة قرب جزيرة غوتلاند الاستراتيجية، في وقت تجري فيه قوات «الناتو» تدريبات أخرى بالقرب من جيب كالينينغراد الروسي الواقع بين بولندا وليتوانيا والبعيد عن الحدود الروسية نحو 360 كيلومتراً.

علم حلف شمال الأطلسي خارج مقره في العاصمة البلجيكية بروكسل (د.ب.أ)

لكن السؤال الأكثر إثارة للجدل لا يتعلق فقط بما يحدث الآن، بل بموعد الحرب الذي يتردد في أوروبا سراً وعلناً: 2029 – 2030.

لماذا تحديداً نهاية العقد؟

التفسير الرسمي الأوروبي والأطلسي لا يقول إن الحرب ستندلع بحلول عام 2030. بل إن التقديرات تتحدث عن الفترة التي يمكن أن تكون فيها روسيا قد أعادت بناء قدراتها العسكرية بعد الحرب في أوكرانيا، وأعادت تجهيز قواتها بما يكفي لتهديد الجناح الشرقي لـ«الناتو». ويوضح الجنرال كارستن بروير، المفتش العام للجيش الألماني (أعلى رتبة عسكرية في ألمانيا)، أن الكلام عن تاريخ معيّن ليس نبوءة، بل تقدير زمني لقدرة الجيش الروسي المحتملة على استعادة قوته. وحسب التقديرات المنسوبة إلى الناتو، يمكن أن تكون موسكو، بحلول نهاية العقد، قد راكمت الموارد والقدرات اللازمة لشن هجوم محتمل.

وهنا تظهر معضلة أوروبا السياسية. فكلما تكررت التحذيرات من حرب محتملة في 2029 أو 2030، أصبح التاريخ نفسه جزءاً من الوعي العام. والأهم أن المسؤولين الأوروبيين يدعون إلى رفع الإنفاق الدفاعي، والحكومات تعيد بناء قدراتها العسكرية، و«الناتو» يكثّف تدريباته، بينما تتحول فكرة الاستعداد لحرب مستقبلية إلى سياسة دائمة.

آثار قصف روسي بالصواريخ في العاصمة الأوكرانية كييف (أ.ف.ب)

وقد عبّر الأمين العام لـ«الناتو»، مارك روته، عن هذا المنطق بالقول إن أوروبا «آمنة الآن»، لكنها قد لا تكون كذلك بعد ثلاث إلى خمس سنوات، مستخدماً هذا الإطار الزمني لدفع خيار زيادة الإنفاق الدفاعي. وفي المقابل، تحدث مسؤولون أوروبيون عن ضرورة الاستعداد للرد على «العدوان الروسي»، لا عن قرار أوروبي بخوض حرب مع روسيا.

*بين الوقاية والعلاج

انطلاقاً من هذا، يمكن فهم أحد أكثر جوانب المشهد إثارة للاهتمام: هل تعمل أوروبا على منع الحرب، أم أنها بدأت تتعامل معها باعتبارها نتيجة محتملة لا بد من الاستعداد لها؟

الفرق ليس لغوياً فقط. فالاستعداد العسكري يمكن أن يكون أداة ردع، وقد يكون الهدف منه إقناع الخصم بأن كلفة الهجوم ستكون مرتفعة. لكن كثافة الخطاب حول الحرب يمكن، في المقابل، أن تجعل سيناريو كان يبدو مستبعداً قبل سنوات جزءاً من النقاش السياسي اليومي.

طائرتان مقاتلتان روسيتان من طراز «سوخوي 35» (أرشيفية - رويترز)

وفي هذا السياق، بدأت بعض الأصوات الأوروبية تدعو في الوقت نفسه إلى العودة إلى الحوار مع موسكو. وقال الرئيس الفنلندي، ألكسندر ستوب، إن الوقت حان لكي يبدأ الاتحاد الأوروبي فتح قنوات اتصال مع روسيا، فيما تحدث رئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا عن استعداد أوروبا لاحتمال إجراء مفاوضات بشأن أوكرانيا. ويناقش الاتحاد الأوروبي تحديد جهة اتصال لإجراء هذه المحادثات.

يعكس هذا التناقض بين الاستعداد العسكري والحاجة إلى الحوار المأزق الأوروبي الحقيقي. فمن جهة، تتزايد الضغوط الشعبية لإنهاء الحرب وتقليص الأموال التي تُنفَق على الأسلحة. ومن جهة أخرى، ترى الحكومات الأوروبية أن إنهاء الحرب بشروط قد يسمح لروسيا بإعادة بناء قوتها العسكرية سريعاً، فيما تكون أوروبا نفسها في مرحلة انتقالية لإعادة تسليح جيوشها.

أما أوكرانيا، فتجد نفسها في قلب هذه المعادلة. فاستمرار الدعم العسكري الأوروبي يعني استمرار تدفق الأسلحة إلى كييف، لكنه يعني أيضاً استمرار الحرب. وهكذا يصبح الدعم العسكري في الوقت نفسه وسيلة لمساعدة أوكرانيا ووسيلة لإبقاء الضغط العسكري على روسيا، في انتظار أن تستعيد أوروبا قدراتها الدفاعية.

*حملة نفسية؟

لكن كل هذه الحسابات لا تعني أن حرباً بين روسيا والناتو باتت حتمية. على العكس، فقد أكدت مصادر في الناتو أنه لا يوجد في الوقت الحالي تهديد وشيك بهجوم. كما لم يتغير التقييم الرسمي للحلف، ولم يتلق الحلفاء إحاطة رسمية بشأن معلومات استخباراتية جديدة تشير إلى هجوم وشيك.

رئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا يصافح رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني خلال زيارته روما في 15 سبتمبر 2026 (د.ب.أ)

وكان لافتاً أن يقول وزير الخارجية الليتواني كستوتيس بودريس إن التصريحات السياسية يمكن أن تكون حملة منسقة لتحذير موسكو من اختبار المادة الخامسة الخاصة بالدفاع الجماعي للناتو.

لكن الأرقام تعكس في الوقت نفسه سبب القلق. فبين يناير (كانون الثاني) وأغسطس (آب) 2026، سُجلت 100 واقعة حرب هجينة مسجلة رسمياً في أوروبا، مقابل 60 خلال الفترة نفسها من العام السابق، وفق «مركز ساهايداشني للأمن» في أوكرانيا. وقال مصدر في الناتو إن العدد الحقيقي قد يتجاوز 200 حادث إذا استُبعدت الهجمات الإلكترونية، التي قال إنها تصل إلى آلاف الهجمات شهرياً ضد مؤسسات الحلف.

ولعل أكثر ما يكشف حجم القلق الأوروبي هو ما فعله الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في 18 سبتمبر (أيلول)، عندما جمع في قصر الإليزيه قادة الأحزاب والمرشحين للانتخابات الرئاسية المقبلة في اجتماع أمني سري. وقد تلقى المشاركون إحاطة من مسؤولين استخباراتيين كبار حول تطور التهديد. وقال ماكرون إن طبيعة التهديد الروسي في أوروبا تتغير، وإن التخريب الذي كان يستهدف أساساً منشآت حكومية أو عسكرية قد يتجه نحو أهداف يمكن أن توقع ضحايا مدنيين.

هكذا تبدو أوروبا اليوم عالقة بين حربين: حرب قائمة في أوكرانيا، وحرب محتملة يجري الاستعداد لها في نهاية العقد. وبينهما مساحة واسعة من الردع والتخريب والحرب السيبرانية والمناورات والتحذيرات.

قد يكون الحديث عن 2029 أو 2030 مجرد إطار تخطيطي لإعادة بناء القدرات العسكرية الأوروبية، وقد يكون جزءاً من استراتيجية ردع تهدف تحديداً إلى منع موسكو من التفكير في اختبار «الناتو». لكن الخطر يكمن في أن يتحول الاستعداد للحرب إلى حالة دائمة، وأن يصبح سيناريو الحرب نفسه أكثر اعتياداً من سيناريو السلام.

دباية روسية من طراز «ت 72» (أرشيفية - رويترز)

في النهاية، لا تقول المعطيات الحالية إن أوروبا ذاهبة حتماً إلى حرب مع روسيا. لكنها تقول شيئاً أكثر تعقيداً: أوروبا بدأت تتصرف على أساس أن عليها أن تكون مستعدة لها، فيما لا تزال في الوقت نفسه تبحث عن الطريق الذي يمكن أن يمنع وقوعها، والخيار الثاني هو مسؤولية الطرفين.


فرنسا تعمل على إصدار قرار أممي بشأن مضيق هرمز

سفن في مضيق هرمز، كما تظهر من مسندم، عمان (رويترز)
سفن في مضيق هرمز، كما تظهر من مسندم، عمان (رويترز)
TT

فرنسا تعمل على إصدار قرار أممي بشأن مضيق هرمز

سفن في مضيق هرمز، كما تظهر من مسندم، عمان (رويترز)
سفن في مضيق هرمز، كما تظهر من مسندم، عمان (رويترز)

تعمل فرنسا على إعداد مشروع قرار بمجلس الأمن الدولي التابع للأمم المتحدة يدعم حرية الملاحة في مضيق هرمز، حسبما أفاد دبلوماسي بالأمم المتحدة يوم الجمعة.

وقال الدبلوماسي، الذي تحدث شريطة عدم الكشف عن هويته، إن القرار سيؤكد مجددا ضرورة احترام حرية الملاحة في المضيق وهو نقطة توتر في الحرب في إيران، مشيرا إلى أهميته بالنسبة للشحنات العالمية الحيوية لأمن الغذاء والطاقة.

وأضاف الدبلوماسي إن قرار الأمم المتحدة المقترح سيذكر بضرورة احترام قانون البحار ودعم المبادرات السلمية الرامية إلى ضمان المرور الآمن في المضيق.


5 قتلى في كييف بُعيد إعلان أوكرانيا السماح لها بإنتاج صواريخ «باتريوت»

عناصر الإنقاذ يعملون على إخماد حريق اندلع في سطح مبنى تضرر جراء هجوم روسي على كييف (أ.ب)
عناصر الإنقاذ يعملون على إخماد حريق اندلع في سطح مبنى تضرر جراء هجوم روسي على كييف (أ.ب)
TT

5 قتلى في كييف بُعيد إعلان أوكرانيا السماح لها بإنتاج صواريخ «باتريوت»

عناصر الإنقاذ يعملون على إخماد حريق اندلع في سطح مبنى تضرر جراء هجوم روسي على كييف (أ.ب)
عناصر الإنقاذ يعملون على إخماد حريق اندلع في سطح مبنى تضرر جراء هجوم روسي على كييف (أ.ب)

أسفرت ضربات مسيّرات روسية عن مقتل 5 أشخاص، الجمعة، في وضح النهار في كييف، بينهم فتى في الرابعة عشرة، بعدما أعلنت أوكرانيا حصولها على موافقة نهائية من دونالد ترمب لإنتاج صواريخ «باتريوت» للدفاع الجوّي محلياً.

وأكّد الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، الجمعة، أن نظيره الأميركي حسم قراره لجهة السماح لكييف بإنتاج صواريخ «باتريوت» للدفاع الجوي، بعد أخذ ورد استمر طويلاً بشأن هذه المسألة.

وبُعيد الإعلان، أسفرت ضربة في وضح النهار بمسيّرة على مبنى يضمّ مكاتب في كييف عن مقتل 4 أشخاص وإصابة سبعة على الأقلّ، بينهم طفل، على ما قال رئيس البلدية فيتالي كليتشكو.

وشاهد مراسل «وكالة الصحافة الفرنسية» مارة يهرعون للاحتماء في الشارع على وقع هدير مسيّرة نفّاثة.

وبينما كان الناس في طريقهم إلى أعمالهم صباحاً، أصابت مسيّرة مبنى سكنياً في المدينة، ما أسفر عن مقتل فتى يبلغ 14 عاماً، بحسب البلدية.

وأفادت وزارة الخارجية الإسرائيلية بأن الفتى كان يحمل الجنسية الإسرائيلية، وبأن والدته في عداد المصابين.

وأسفرت هذه الضربات عن إصابة أكثر من 30 شخصاً، وفق فيتالي كليتشكو.

«سباق تكنولوجي»

وشاهد صحافيو «وكالة الصحافة الفرنسية» في موقع الهجوم الصباحي سكاناً يتجمعون حول مبنى متعدد الطبقات، مع تضرر شقق في الطابقين التاسع والعاشر جراء الهجوم.

وقال ميكيتا سيسوييف (23 عاماً) خارج المبنى المتضرر الذي يقطنه، إنه استيقظ على دوي انفجار، لكنه لم يدرك أن الضربة استهدفت المبنى إلا بعد أن اطلع على الأخبار.

وأضاف: «اندهشت كثيراً. إنه أمر غريب. من جهة، اعتدت على الضربات، لكن من جهة أخرى يتواصل وقوع قتلى».

ورداً على سؤال عن تزايد الضربات بالطائرات المسيّرة، قال: «إنّه سباق تكنولوجي وحرب تكنولوجية... للأسف، سيعاني الناس بينما يتم البحث عن حلول».

وندد زيلينسكي بالهجوم، واصفاً إياه بأنه «ضربة وحشية ومروعة، ولا تمتّ إلى أي منطق عسكري بصلة». وأشار لاحقاً إلى أن مستودعاً تابعاً لسلسلة «ماكدونالدز» للوجبات السريعة أصيب بالقرب من كييف.

رجال الإطفاء يعملون في موقع مستودع تابع لشركة «ماكدونالدز» تعرض لضربة بمسيّرة روسية (رويترز)

هجمات في وضح النهار

وفي منطقة أوديسا (جنوب)، قُتل شخص في ضربة جديدة استهدفت منشأة بريدية سبق أن تعرضت للاستهداف، وفق السلطات.

واضطر عناصر الإسعاف إلى إجلاء سبعة مرضى من مستشفى في زابوريجيا إثر غارة روسية ألحقت أضراراً بالمبنى وتسبّبت باندلاع حريق، ما أسفر عن إصابة شخصين.

وتستهدف روسيا العاصمة الأوكرانية بطائرات مسيّرة نفاثة طوّرتها حديثاً ونجحت في تجاوز بعض الأنظمة الاعتراضية الأوكرانية. وبعدما كانت موسكو تستهدف كييف بشكل رئيسي خلال ساعات الليل، باتت تشنّ هجمات كثيرة في وضح النهار.

وكثّفت أوكرانيا من جهتها ضرباتها على روسيا في الأشهر الأخيرة، مستهدفة خصوصاً منشآت للجيش وأخرى للطاقة.

وليل الخميس إلى الجمعة، أصابت ضربات أوكرانية مصفاتين للنفط ومصنعاً عسكرياً وراداراً للجيش في عدّة مناطق روسية، بحسب ما كشف زيلينسكي عبر «تلغرام».

واتّهمت موسكو كييف، الجمعة، بقصف مركبة مدنية كانت تنقل مساعدات إنسانية في منطقة تحت الاحتلال الروسي في جنوب أوكرانيا، ما أسفر عن مقتل ثلاثة متطوّعين.

لا أثر فورياً

وقال زيلينسكي في تسجيل صوتي للصحافيين بعد أيّام من لقائه الرئيس الأميركي دونالد ترمب في نيويورك على هامش الجمعية العامة للأمم المتحدة: «في اجتماعنا الأخير، أكد الرئيس لي أنه اتخذ قراراً نهائياً. ستحصل أوكرانيا على تراخيص لإنتاج صواريخ باتريوت».

ومن شأن هذا المشروع في حال تحوّل إلى واقع ملموس أن يشكّل تقدّماً كبيراً لأوكرانيا التي تجهد للحصول على صواريخ «باك - 3» الاعتراضية لأنظمة «باتريوت» الوحيدة القادرة على إسقاط المقذوفات الباليستية.

لكنه مشروع يستغرق وقتاً طويلاً، ولن يكون له أيّ أثر فوري على الوضع الميداني في الوقت الراهن.

وكان الرئيس الأوكراني قد قال في فترة سابقة من هذا الأسبوع إن بدء إنتاج صواريخ «باتريوت» في أوكرانيا قد يستغرق «سنة أو سنة ونصف سنة».

وأشار في يوليو (تموز) إلى أن البلد بحاجة إلى 30 صاروخ «باتريوت» على الأقلّ خلال الشتاء عندما تكثّف روسيا عادة ضرباتها على نظام الطاقة، ما يغرق ملايين الأوكرانيين في الظلمة والبرد.

ومنذ بدء الغزو الروسي في 2022، حدّثت أوكرانيا أنظمتها للدفاعات الجوية، وطوّرت مجموعة واسعة من المسيّرات الاعتراضية التي تسمح لها بتحييد الجزء الأكبر من المسيّرات الانقضاضية الروسية.