بين استنزاف روسيا وحدود القوة الأوكرانية... لماذا لا تزال الحرب بعيدة عن الحسم؟

دخان يتصاعد من مستودع تجاري قرب مدينة سان بطرسبرغ الروسية تعرض لقصف بمسيّرات أوكرانية (أ.ف.ب)
دخان يتصاعد من مستودع تجاري قرب مدينة سان بطرسبرغ الروسية تعرض لقصف بمسيّرات أوكرانية (أ.ف.ب)
TT

بين استنزاف روسيا وحدود القوة الأوكرانية... لماذا لا تزال الحرب بعيدة عن الحسم؟

دخان يتصاعد من مستودع تجاري قرب مدينة سان بطرسبرغ الروسية تعرض لقصف بمسيّرات أوكرانية (أ.ف.ب)
دخان يتصاعد من مستودع تجاري قرب مدينة سان بطرسبرغ الروسية تعرض لقصف بمسيّرات أوكرانية (أ.ف.ب)

تنتشر في الغرب رؤية متفائلة لمسار الحرب الروسية - الأوكرانية، تنطلق من فرضية أساسية مفادها أن أوكرانيا لم تعد تخوض معركة دفاعية هدفها الصمود فحسب؛ بل أصبحت تعتمد استراتيجية استنزاف ممنهجة تستهدف تقويض القدرات العسكرية والاقتصادية الروسية، مستندة إلى تفوقها في الابتكار التكنولوجي، لا سيما في مجال الطائرات المسيّرة، وإلى استمرار الدعم الغربي.

جنود أوكرانيون خلال تدريب عسكري (أ.ب)

من حرب الدفاع إلى استراتيجية الاستنزاف

ساد افتراض منذ اندلاع الحرب في فبراير (شباط) 2022، مؤداه أن روسيا تمتلك كل عناصر التفوق في حرب طويلة الأمد، سواء من حيث عدد السكان أو الموارد الاقتصادية، أو القدرة على تحمل الخسائر البشرية. إلا أن هذه المعادلة بدأت تتغير تدريجياً، مع انتقال أوكرانيا إلى استراتيجية تقوم على رفع أكلاف الحرب بالنسبة إلى موسكو بدلاً من التركيز على استعادة الأراضي عبر هجمات برية واسعة.

وتستند هذه المقاربة إلى مقارنة تاريخية بالحروب التي حُسمت عبر الاستنزاف المُنهك للخصم، عوضاً عن محاولة تحقيق انتصار عسكري سريع في معركة فاصلة.

التكنولوجيا وضرب الاقتصاد

لا شك في أن الصناعات العسكرية الأوكرانية حققت تقدماً لافتاً، خصوصاً في إنتاج الطائرات المسيّرة ذات التكلفة المنخفضة والكفاءة العالية، التي أصبحت قادرة على تنفيذ ضربات بعيدة المدى داخل الأراضي الروسية، مع التكيف المستمر في التعامل مع وسائل التشويش الإلكترونية الروسية.

الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (إ.ب.أ)

ويقول الخبراء العسكريون إن هذه القدرات كانت نقطة التحول الرئيسية في الحرب؛ إذ يرون أن أوكرانيا استطاعت تعويض الفارق العددي الكبير مع الجيش الروسي عبر الاعتماد على التكنولوجيا والابتكار، بدلاً من القوة التقليدية؛ بل إن هذه المنظومة العسكرية أصبحت أشبه بـ«مختبر عالمي» لتطوير أساليب الحرب الحديثة، وهو ما قد يجعل كييف شريكاً استراتيجياً للدول الغربية حتى بعد انتهاء الحرب.

ويربط الخبراء نجاح الاستراتيجية الأوكرانية بتوجيه ضربات مباشرة للبنية الاقتصادية الروسية، من خلال استهداف مصافي النفط، وشبكات الإمداد، والبنية اللوجستية، وصولاً إلى مراكز التوزيع التجاري.

فهذه العمليات تؤدي إلى استنزاف قدرة موسكو على تمويل الحرب، علماً بأن ثمة تقديرات غربية تفيد بتراجع يفوق بـ40 في المائة في قدرات تكرير النفط الروسية وخسائر بمليارات الدولارات، ونقص حاد في الوقود يطول ملايين السكان.

وقد استهدفت أوكرانيا مراكز التوزيع التابعة لشركة التجزئة الروسية الكبرى «وايلدبيريز»، بهدف الضغط على الاقتصاد الروسي، ونقل أثر الحرب إلى الداخل.

في هذا السياق، يرد في تقرير لـ«مركز تحليل السياسات الأوروبية» (CEPA) بواشنطن: «يستنزف الكرملين موارده البشرية بوتيرة يعجز نظام التجنيد لديه عن تعويضها، وقد فقد السيطرة على البحر الأسود، ولم يتمكن من ضمان أمن عرض يوم النصر العسكري الذي أُقيم في مايو (أيار). وفي المقابل، أصبحت كييف تنفذ ضربات في عمق الأراضي الروسية، مما يعطل مصافي النفط، ويشل البنية التحتية العسكرية، بما في ذلك المطارات ومستودعات الذخيرة، ويستهدف ضواحي موسكو وسانت بطرسبرغ. وعلى امتداد الأوساط الغربية، يشهد السرد السائد تحولاً تدريجياً؛ إذ ينتقل التركيز من التساؤل حول سبل بقاء أوكرانيا، إلى بداية تحقيق مكاسب حاسمة في الحرب».

رجل إطفاء يكافح ناراً أشعلها قصف روسي لمدينة سومي في أوكرانيا (أ.ب)

أهمية الدعم الغربي

لا يختلف اثنان على أن أوكرانيا تحتاج إلى استمرار الدعم الأميركي والأوروبي، سواء عبر تبادل المعلومات الاستخباراتية أو توفير منظومات الدفاع الجوي، وعلى رأسها صواريخ «باتريوت»؛ فالنقص الحالي في هذه المنظومات، يضع أوكرانيا في موقف ضعيف بمواجهة استخدام روسيا للصواريخ الباليستية ضد المدن.

ولئن كان الرئيس الأميركي دونالد ترمب قد أجاز لأوكرانيا تصنيع منظومات «باتريوت» محلياً، فإن كييف تحتاج إلى فترة طويلة قبل أن تتمكن من بدء الإنتاج. من هنا، لا بد أن تساعد الدول الأوروبية أوكرانيا لسد هذه الفجوة الدفاعية.

مرحلة جديدة... وتحذير أوكراني

الحرب لم تُحسم بعد، و«العملية العسكرية الخاصة» كما سماها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، تحوّلت إلى حرب استنزاف طويلة، لم يستطع دونالد ترمب إنهاءها «في أسبوع»، بحسب ما وعد في بداية ولايته الثانية.

وبالتالي، فإن النجاحات الأوكرانية الحالية لا تعني بالضرورة اقتراب نهاية الصراع؛ بل تشير على الأرجح إلى دخول الحرب مرحلة أكثر تعقيداً، تقوم على إنهاك الخصم اقتصادياً وعسكرياً على المدى الطويل.

وفي هذا السياق، يحذر الجنرال فاليري زالوجني، سفير أوكرانيا في لندن والقائد السابق لجيش بلاده، من الاستنتاجات المتسرعة. ويكتب في صحيفة «ذا تلغراف»: «يرى عدد متزايد من المحللين الغربيين اليوم أن روسيا خسرت الحرب فعلياً. ويستند هؤلاء إلى الضربات الأوكرانية الناجحة ضد خطوط الإمداد، والهجمات على البنية التحتية الحيوية، والتراجع التدريجي في الموقع العسكري الروسي، باعتبارها مؤشرات على أن الصراع يقترب من نهايته. إلا أن هذا يمثل قراءة خاطئة وخطيرة للحرب؛ فهو يعكس ميلاً إلى تفسير الأحداث من خلال النجاحات التكتيكية في ساحة المعركة، بدلاً من النظر إلى الصورة الاستراتيجية الأوسع».

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يزور مصنعاً للطائرات المدنية في إيركوتسك (د.ب.أ)

ويضيف زالوجني: «كل مكسب تكتيكي بات يأتي اليوم بتكلفة باهظة؛ فقد يمكن السيطرة على المواقع، لكن الاحتفاظ بها، وتعزيزها، وإجلاء الجرحى منها، كل ذلك صار أكثر صعوبة في ظل المراقبة المستمرة بالطائرات المسيّرة. وأصبحت النجاحات في ساحة المعركة تُقاس بالأمتار لا بالأميال، وغالباً ما يكون ثمنها أعلى بكثير من قيمتها الاستراتيجية الفعلية».

ويلفت إلى أن «روسيا ما زالت تحتفظ بالقدرة على توجيه ضربات مضادة بالقوة نفسها، أو بقوة أكبر. ولذلك، لا يستطيع أي من الطرفين الاعتماد على هذا النوع من الحرب لتحقيق نتيجة استراتيجية حاسمة. ومن ثم، وصلت ساحة المعركة إلى ما يشبه حالة من التوازن؛ فلا روسيا تمتلك القدرة العسكرية الكافية لإخضاع أوكرانيا بالقوة، وفي المقابل لا تمتلك أوكرانيا في الوقت الراهن الوسائل اللازمة لتحرير جميع الأراضي المحتلة اعتماداً على القوة العسكرية وحدها. وهكذا، أصبح التوازن العسكري قائماً على حرمان كل طرف من تحقيق أهداف الطرف الآخر، لا على تحقيق نصر حاسم».

ويقر زالوجني بأن بلاده «لا تزال تعتمد بدرجة كبيرة على المساعدات المالية الغربية، والمعدات العسكرية، والدعم التكنولوجي، في وقت تواجه فيه ضغوطاً داخلية متزايدة. وتدرك موسكو ذلك جيداً؛ ولذلك، باتت استراتيجيتها تعتمد بصورة متزايدة ليس على تحقيق تقدم سريع؛ بل على إنهاك أوكرانيا اقتصادياً وعسكرياً ونفسياً، خصوصاً أن روسيا تمتلك احتياطات أكبر من القوى البشرية والقدرات الصناعية في عدد من القطاعات الحيوية، بما في ذلك إنتاج الصواريخ الباليستية. ولا تستطيع أنظمة الدفاع الجوي وحدها تعويض هذا التفوق كلياً».

ويخلص إلى أن «السؤال الحاسم ليس: من سيتمكن من السيطرة على القرية التالية، أو تدمير مستودع الذخيرة التالي؛ بل: أي المجتمعين سيكون أكثر قدرة على تحمل الأعباء الاقتصادية والعسكرية والنفسية لحرب طويلة الأمد، مع الحفاظ في الوقت نفسه على الدعم الدولي اللازم لاستمرارها؟».

ومن الواضح أن حرب أوكرانيا التي تجاوزت عامها الرابع لا يمكن إنهاؤها عسكرياً، وبالتالي على الرئيس الروسي فلاديمير بوتين والرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (وحلفائه الغربيين) الاقتناع بأن الحل لن يكون إلا دبلوماسياً، يشمل الهواجس الأمنية والقضايا التاريخية، والخلافات المتعلقة بالحدود والسيادة... ولن يأتي بهذا الحل سوى طرفي النزاع.


مقالات ذات صلة

أربعة قتلى في غارة روسية على جنوب شرق أوكرانيا

أوروبا رجل يضع قناعاً ويمر قرب مستودع أصابته مسيَّرة روسية في بروفاري بضواحي كييف (أ.ب)

أربعة قتلى في غارة روسية على جنوب شرق أوكرانيا

أسفرت غارة جوية روسية عن مقتل أربعة أشخاص في جنوب شرق أوكرانيا.

«الشرق الأوسط» (كييف )
أوروبا الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (أرشيفية)

زيلينسكي: ويتكوف وكوشنر سيزوران كييف غداً الأحد

أعلن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، الجمعة، أن المبعوثين الأميركيين ستيف ويتكوف، وجاريد كوشنر، سيزوران كييف يوم غد الأحد.

الولايات المتحدة​  الرئيس الأميركي دونالد ترمب في المكتب البيضاوي (أ.ف.ب)

ترمب: بوتين «لا يسعى لمهاجمة» حلف شمال الأطلسي

كرر الرئيس الأميركي دونالد ترمب اعتقاده أن نظيره الروسي بوتين لن يهاجم دول حلف شمال الأطلسي، رغم أن ألمانيا حمّلت موسكو محاولة هجوم بطائرة مسيّرة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
أوروبا مبعوثا ترمب إلى موسكو وكييف في مطلع الأسبوع p-circle

مبعوثا ترمب إلى موسكو وكييف في مطلع الأسبوع

قال الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي إنه يأمل استقبال مبعوثي الرئيس الأميركي دونالد ترمب، ستيف ويتكوف وجاريد كوشنير، في كييف خلال الأيام المقبلة.

إيلي يوسف (واشنطن)
الولايات المتحدة​ ستيف ويتكوف المبعوث الخاص للرئيس الأميركي دونالد ترمب وجاريد كوشنر صهر الرئيس في دافوس (أ.ب)

تقرير: ويتكوف وكوشنر يزوران كييف للمرة الأولى الأحد

أعلن مسؤول أوكراني كبير أن ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر سيزوران كييف للمرة الأولى يوم الأحد في إطار الجهود الدبلوماسية لإنهاء الحرب بين أوكرانيا وروسيا.

«الشرق الأوسط» (كييف)

عجز القرار الأوروبي: هل تكسر «مجموعة الراين» الحلقة المفرغة؟

أوروبا... قارة تبحث عن نفسها (غوغل مابس)
أوروبا... قارة تبحث عن نفسها (غوغل مابس)
TT

عجز القرار الأوروبي: هل تكسر «مجموعة الراين» الحلقة المفرغة؟

أوروبا... قارة تبحث عن نفسها (غوغل مابس)
أوروبا... قارة تبحث عن نفسها (غوغل مابس)

قد تكون «مجموعة الراين» واحدة من أكثر المبادرات الأوروبية طموحاً هذا العام، وقد تتحول إلى منصة مؤثرة في دفع القارة نحو مزيد من النمو والابتكار والقدرة على المنافسة في الساحة العالمية. لكن نجاحها، مهما بلغ شأن الأسماء التي تقف وراءها، سيتوقف أولاً على مدى فهم طبيعة المشكلة التي تحاول معالجتها: أوروبا لا تعاني نقصاً في الأفكار أو الدراسات أو الخطط، بل تعاني أزمة في تحويل هذه الأفكار إلى قرارات سياسية قابلة للتنفيذ.

انطلقت «مجموعة الراين» في أغسطس (آب) 2026 كمبادرة خاصة تجمع نحو 55 شخصية بارزة من عالم الأعمال والمال والاقتصاد والتكنولوجيا والإعلام. ويقودها، كرئيسين مشاركين، الرئيس السابق للبنك المركزي الأوروبي رئيس الوزراء الإيطالي السابق ماريو دراغي ورائد الأعمال الآيرلندي باتريك كوليسون، فيما يتولى الأكاديمي الإسباني لويس غاريكانو منصب المدير التنفيذي. والفكرة الأساسية وراء المجموعة واضحة: إنشاء نادٍ رفيع المستوى يستطيع التحرك بسرعة أكبر من المؤسسات الأوروبية التقليدية، والضغط على صانعي القرار لتحويل تشخيص أزمة القدرة التنافسية الأوروبية إلى سياسات ملموسة.

ماريو دراغي (أرشيفية - رويترز)

لكن السؤال الحقيقي هو: هل تستطيع مبادرة خاصة أن تفعل ما عجزت عنه المؤسسات العامة؟

أزمات متداخلة

تواجه أوروبا اليوم مجموعة من الأزمات المتداخلة، غير أن اثنتين منها تبدوان أكثر إلحاحاً: أزمة النمو والإنتاجية، وأزمة الأمن والسيادة الاستراتيجية. وقد جاء تقرير دراغي لعام 2024 ليضع إصبعه على الجرح، محذراً من اتساع الفجوة بين الاقتصاد الأوروبي من جهة، واقتصاد كل من الولايات المتحدة والصين من جهة أخرى.

والواقع أن المشكلة الأوروبية لم تعد مجرد تباطؤ في النمو. فالقارة تواجه خطر فقدان قطاعات صناعية كاملة لمصلحة منافسين أكثر ديناميكية، فيما تتزايد الحاجة إلى استثمارات ضخمة في الدفاع والطاقة والتكنولوجيا. كما أن الصعود الاقتصادي للصين، وتوسع فائضها التجاري، يفرضان على أوروبا إعادة التفكير في موقعها ودورها داخل الاقتصاد العالمي.

والأخطر أن الثورة التكنولوجية نفسها أصبحت جزءاً من معادلة الأمن القومي. فالسباق الأميركي - الصيني في مجال الذكاء الاصطناعي لا يتعلق فقط بمن سيطور أفضل النماذج، بل بمن سيمتلك التكنولوجيا والبيانات والبنية التحتية القادرة على تحديد قواعد اللعبة العالمية. وإذا بقيت أوروبا مستهلكاً للتكنولوجيا التي تنتجها الولايات المتحدة والصين، فإن الحديث عن «السيادة الرقمية» سيظل شعاراً أكثر منه استراتيجية.

وتضاف إلى ذلك أزمة الطاقة والمناخ. فالحرب والتوترات الجيوسياسية المتلاحقة، إلى جانب موجات الحر والظواهر المناخية المتطرفة، جعلت التحول في مجال الطاقة قضية أمن اقتصادي واستراتيجي، لا مجرد سياسة بيئية. ولذلك بات على أوروبا أن تحقق معادلة شديدة الصعوبة: خفض الانبعاثات، وتأمين الطاقة، والحفاظ في الوقت نفسه على القدرة التنافسية لصناعاتها.

لكن هذه الملفات الاقتصادية والتكنولوجية والأمنية لا يمكن فصلها عن السياسة.

تحرُّك بطيء

فالاتحاد الأوروبي يمتلك سوقاً ضخمة، وثقلاً تجارياً هائلاً، وقاعدة صناعية وعلمية متقدمة، لكنه غالباً ما يتحرك ببطء عندما يتعلق الأمر بالأزمات الاستراتيجية. وبينما تتصرف القوى الكبرى الأخرى وفق حسابات جيوسياسية واضحة، تجد أوروبا نفسها عالقة في آليات اتخاذ قرار معقدة، ومصالح وطنية متباينة، وخلافات بين دولها الأعضاء.

باتريك كوليسون (أرشيفية - رويترز)

وهنا تكمن المفارقة التي تواجه «مجموعة الراين»: فهي تريد تجاوز بطء المؤسسات السياسية، لكنها تحاول في النهاية التأثير في مؤسسات سياسية. ويمكن لمجموعة من أفضل الاقتصاديين ورجال الأعمال والتكنولوجيين في أوروبا أن تحدد بدقة ما ينبغي فعله، لكن تنفيذ هذه الوصفات يحتاج إلى إرادة سياسية.

وهذه ليست مشكلة جديدة.

فعلى مدى سنوات، استخدمت أوروبا كلمة «الأزمة» لوصف وضعها الاقتصادي والسياسي والاجتماعي. أزمة الديون، أزمة الهجرة، أزمة الطاقة، أزمة الديمقراطية، أزمة النمو، ثم الأزمة الأمنية بعد الحرب في أوكرانيا. ومع كل أزمة جديدة، كانت تظهر خطط وتقارير ومبادرات جديدة، لكن الفجوة بين التشخيص والتنفيذ ظلت قائمة.

حتى أزمة الهجرة كشفت محدودية القدرة الأوروبية على التحرك الجماعي، في حين أظهرت التحولات الديموغرافية مشكلة أكثر عمقاً. فأوروبا تتقدم في السن، ومعدلات الخصوبة المنخفضة تهدد بتقليص حجم القوة العاملة ورفع العبء على أنظمة التقاعد والرعاية الاجتماعية. وهذا يعني أن النمو الاقتصادي في المستقبل لن يعتمد فقط على التكنولوجيا والاستثمار، بل أيضاً على قدرة أوروبا على إدارة الهجرة وجذب المواهب وتعويض النقص الديموغرافي.

حدود القوة

أما على الصعيد الجيوسياسي، فإن الحرب في أوكرانيا كشفت حدود القوة الأوروبية بقدر ما كشفت أهمية الاتحاد الأوروبي. ولم يعد كافياً أن تكون أوروبا قوة اقتصادية وتنظيمية؛ المطلوب أن تتحول أيضاً إلى قوة قادرة على حماية مصالحها، وتأمين طاقتها، والدفاع عن حدودها، واستخدام وزنها التجاري والسياسي لتحقيق أهداف استراتيجية.

من هنا تأتي أهمية «مجموعة الراين». فالقيمة المحتملة للمبادرة لا تكمن فقط في أسماء المشاركين فيها، بل في قدرتها على كسر الحلقة المفرغة التي تدور فيها أوروبا منذ سنوات: تشخيص المشكلة، إصدار تقرير، تنظيم مؤتمر، ثم العودة إلى نقطة البداية الإشكالية.

فإذا امتلكت المجموعة وسائل الضغط اللازمة على أصحاب القرار ونجحت في تحويل خبرة النخبة الاقتصادية والتكنولوجية الأوروبية إلى ضغط سياسي منظم، قد تصبح قوة دفع حقيقية. أما إذا اكتفت بإنتاج تقرير آخر عن القدرة التنافسية الأوروبية، فستكون مجرد إضافة جديدة إلى مكتبة أوروبية مكتظة بالنظريات والتشخيصات.

مقر الاتحاد الأوروبي في العاصمة البلجيكية بروكسل (د.ب.أ)

وتجدر الإشارة في هذا السياق إلى أن المجموعة ستعقد جلساتها الافتتاحية من 20 سبتمبر (أيلول) إلى 23 منه في جنيف. وبالتالي سينظر المراقبون باهتمام إلى المداولات وما سيخرج به المشاركون.

في النهاية، لا ينقص أوروبا الخبراء ولا المال ولا المؤسسات ولا الأفكار. ما ينقصها هو القدرة على اتخاذ القرار بسرعة، وتحمل كلفته، وتنفيذه على مستوى القارة كلها.

وهذه، في جوهرها، ليست مشكلة اقتصادية... إنها مشكلة سياسية.


أربعة قتلى في غارة روسية على جنوب شرق أوكرانيا

رجل يضع قناعاً ويمر قرب مستودع أصابته مسيَّرة روسية في بروفاري بضواحي كييف (أ.ب)
رجل يضع قناعاً ويمر قرب مستودع أصابته مسيَّرة روسية في بروفاري بضواحي كييف (أ.ب)
TT

أربعة قتلى في غارة روسية على جنوب شرق أوكرانيا

رجل يضع قناعاً ويمر قرب مستودع أصابته مسيَّرة روسية في بروفاري بضواحي كييف (أ.ب)
رجل يضع قناعاً ويمر قرب مستودع أصابته مسيَّرة روسية في بروفاري بضواحي كييف (أ.ب)

أسفرت غارة جوية روسية عن مقتل أربعة أشخاص في جنوب شرق أوكرانيا، وفق ما أعلن رئيس السلطة العسكرية الإقليمية في دنيبروبيتروفسك اليوم السبت، في ظل تبادل كثيف للهجمات الصاروخية والطائرات المسيَّرة بين البلدين.

وجاءت هذه الغارة رغم اقتراح الرئيس فولوديمير زيلينسكي وقفاً لإطلاق النار مع روسيا خلال الزيارة المرتقبة للمبعوثين الأميركيين ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر نهاية هذا الأسبوع، وفق ما أوردته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وقال الرئيس الأميركي دونالد ترمب إن المبعوثين، وهما كبيرا مفاوضيه لإنهاء الحرب، يحملان مقترحاً لكسر الجمود الدبلوماسي في أعنف صراع تشهده أوروبا منذ الحرب العالمية الثانية.

وأوضح أولكسندر غانزا، رئيس الإدارة العسكرية الإقليمية في دنيبروبيتروفسك، أن الهجوم الذي وقع في مدينة كاميانسكي أسفر عن مقتل أربعة أشخاص. وأضاف أن خمسة آخرين أصيبوا، بينهم امرأة تبلغ 30 عاماً ترقد في العناية المركزة.


زيلينسكي: ويتكوف وكوشنر سيزوران كييف غداً الأحد

الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (أرشيفية)
الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (أرشيفية)
TT

زيلينسكي: ويتكوف وكوشنر سيزوران كييف غداً الأحد

الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (أرشيفية)
الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (أرشيفية)

أعلن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، الجمعة، أن المبعوثين الأميركيين ستيف ويتكوف، وجاريد كوشنر، سيزوران كييف يوم غد الأحد.

وقال زيلينسكي في رسالة بالفيديو، إنه تم الاتفاق على أن يقوم ويتكوف وكوشنر بزيارة موسكو أولا قبل السفر إلى كييف يوم الأحد. وأضاف أن أوكرانيا تستعد للزيارة.

ستيف ويتكوف المبعوث الخاص للرئيس الأميركي دونالد ترمب وجاريد كوشنر صهر الرئيس في دافوس (أ.ب)

وأكد الرئيس الأميركي دونالد ترمب في البيت الأبيض أنه أرسل المبعوثين، رغم أنه لم يذكر مواعيد محددة.

وقال ترمب إنهما سيقدمان مقترحا يهدف إلى إنهاء الحرب في أوكرانيا، دون تقديم المزيد من التفاصيل.

وقال ترمب للصحافيين: «لقد أرسلناهما لنرى ما إذا كان بإمكاننا إنجاز شيء ما أم لا».

وكما هو الحال مع جهود الوساطة الأميركية السابقة، أعرب ترمب عن تفاؤله بإمكانية إحراز تقدم، على الرغم من عدم تحقيق تقدم كبير حتى الآن.

وقال زيلينسكي إن كييف ستضمن العمليات الطبيعية في المجال الجوي الروسي خلال الزيارة، كما فعلت خلال الرحلات الدبلوماسية السابقة التي قام بها ممثلون أميركيون.

وأضاف أن أوكرانيا لن تنفذ غارات جوية خلال تلك الفترة وعلى روسيا أن ترد بالمثل.