بجوار تمثال مكوّن من الحديد الخردة، يمثل عازف الربابة بهيئته التراثية المعهودة، يقف الفنان سعيد كامل ممسكاً بما يشبه الدف، ليستكمل مع تمثاله معزوفة طالما أنعشت المقاهي وجلسات السمر والحفلات الشعبية في مصر، عبر سرد «السيرة الهلالية» و«الأميرة ذات الهمة» و«حمزة البهلوان» و«عنترة بن شداد»، وغيرها من السير الشهيرة.

يلفت هذا المشهد الانتباه في مدخل قصر الفنون بدار الأوبرا المصرية، حيث يقام معرض «اليوبيل الذهبي» الذي يحتفي بمرور 50 عاماً على تأسيس نقابة الفنانين التشكيليين، ويضم أعمالاً متنوعة في الرسم والنحت والتصوير والخزف والحفر لنحو 250 فناناً من مختلف الأجيال والمدارس الفنية.
المعرض الذي افتتحه الدكتور محمود حامد، رئيس قطاع الفنون التشكيلية، والفنان طارق الكومي، نقيب الفنانين التشكيليين، يتضمن بانوراما بصرية توثق مسيرة الفن التشكيلي المصري، وتعكس تطور هويته الإبداعية عبر أكثر من قرن، منذ تأسيس مدرسة الفنون الجميلة عام 1907 وحتى اليوم.

ويقول الفنان سعيد كامل عن عمله المعروض: «جاء العمل من خلال حبي للموسيقى الشعبية خصوصاً في الموالد»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أنه دائماً ما كان يرى أعضاء الفرقة الشعبية بالمولد المكونة من مطرب شعبي وعازفين للربابة والأرغول والإيقاع، واختار تجسيد من يعدّه أهم عضو وهو عازف الربابة، بوصفه العازف الرئيسي في الفرقة الموسيقية التي عادة ما تقدم ملاحم شعبية.
وعن الخامات التي استخدمها يقول: «استخدمت الحديد الخردة من بقايا ورش ومن الأسواق الشعبية، حيث أعمل على تجميع قطع من الحديد الخردة وأصنع العمل الفني المناسب للمواد التي جمعتها، وهذا هو الأسلوب والطريقة التي تستهويني دائماً في أعمالي الفنية عموماً».

بمجرد الدخول للمعرض، تقابلك أعمال نحتية لفنانين لهم بصمتهم الخاصة مثل أحمد عبد العزيز وشمس القرنفلي وسعيد كامل وطارق الكومي وغيرهم، فيما يضم المعرض أعمال فنانين يعدّون من جيل الرواد المؤسسين مثل مصطفى الرزاز وحلمي التوني وجورج البهجوري وغيرهم ممن رصدوا البيئة المصرية الشعبية في أعمالهم الفنية، متأثرين بالتراث والأساطير المصرية القديمة، وفي الوقت نفسه يعكسون اتجاهات فنية معاصرة ومبتكرة.

ويقول الفنان أحمد الجنايني إنه شارك في هذا المعرض بلوحة من أعماله التي تعبر عن جزء من مسيرته الفنية، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن «معرض الاحتفال باليوبيل الذهبي للنقابة شهد زخماً فنياً كبيراً من المشاركين، فهو يعبر عن أجيال مختلفة، ولذلك شاركت في المعرض رغم عزوفي منذ فترة عن المشاركة في المعارض الجماعية».

ويجسد عمل الفنانة بانسية الأدهم حواراً بين الطبيعة والتجريد العضوي للهوية والبيئة المصرية، وهي فنانة اعتادت استخدام تقنيات جديدة في التعامل مع خامات اللوحة، تقول بانسية لـ«الشرق الأوسط»: «سعيت لتجسيد الحوار بين البيئة والتجريد من خلال تعاقب الفصول والإيقاعات اللونية المرافقة لها، والمنفذة بتقنيات الطباعة الأحادية بالقوالب المعدنية وقوالب السيليكون المصممة والرسم بأقلام القماش على خامة الأقمشة القطنية»، لافتة إلى أن الخامة تعكس شفافية الفكرة وتوازن التكوين، في قراءة بصرية للخصوبة والنمو والتحول، وتضيف: «أعتز بمشاركتي الفنية الاستثنائية في معرض اليوبيل الذهبي لنقابة الفنانين التشكيليين، احتفاءً بخمسين عاماً من الفن والإبداع والعطاء بجوار عمالقة وأساتذة الفن التشكيلي الذين أثروا الحركة الفنية بمصر وتعلمت منهم الكثير».

وبرزت الأساطير المصرية القديمة في أعمال عدد من الفنانين، من بينهم الفنانة زينب صبحي التي قدمت عملاً نحتياً بعنوان «إيزيس وأوزوريس»، تقول إنها حاولت في أثناء تشكيله تجميع الأسطورة في عمل واحد يمكن رؤيته من الجانبين، كل جانب يمثل شخصية مركزية للأسطورة المصرية.

ويمثل معرض «اليوبيل الذهبي لنقابة الفنانين التشكيليين المصريين» فرصة للمهتمين والطلاب والباحثين للتعرف إلى تنوع التجارب الفنية المصرية، ومن المقرر أن يختتم بحفل لتكريم الفنانين المؤسسين للنقابة، وكوكبة من رموز الحركة التشكيلية، تقديراً لإسهاماتهم في إثراء المشهد الفني المصري.
